بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١
{ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}، قال كعب الأحبار: هذه الآية أول آية في التوراة، وآخر آية في التوراة، قوله: { { وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } } [الإسراء: 111] الآية.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: افتتح الله الخلق بالحمد، فقال: {الحمد لله الذي خلقَ السمواتِ والأرض}، وختمه بالحمد فقال: (وقضي بينهم بالحق)، أي: بين الخلائق،
{ { وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } } [الزمر: 75].
قوله: "الحمد لله" حمد الله نفسه تعليماً لعباده، أي: احمدوا الله الذي خلق السموات والأرض، خصّهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع للعباد، {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ}، والجعل بمعنى الخلق، وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان، إلا في هذه الآية فإنه يريد بهما اللّيل والنهار.
وقال الحسن: وجعل الظلمات والنور، يعني الكفر والإيمان، وقيل: أراد بالظلمات الجهل والنور العلم.
وقال قتادة: يعني الجنّة والنار.
وقيل: معناه خلق الله السموات والأرض، وقد جعل الظلمات والنور، لأنه خلق الظلمة والنور قبل السموات والأرض.
قال قتادة: خلق الله السموات قبل الأرض، وخلق الظلمة قبل النور، والجنة قبل النار، ورُوي عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلَّ».
{ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}، أي: ثم الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون، أي: يشركون، وأصله من مساواة الشيء بالشيء، ومنه العدل، أي: يعدلون بالله غير الله تعالى، يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته، وبه قال النضر بن شميل: الباء بمعنى عن، أي: عن ربهم يعدلون، أي يميلون وينحرفون من العدول، قال الله تعالى (عيناً يشرب بها عباد الله) أي: منها.
وقيل: تحت قوله: "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" معنى لطيف: وهو مثل قول القائل: أنعمت عليكم بكذا وتفضّلت عليكم بكذا، ثم تكفرون بنعمتي.
هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ٢ وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ٣
قوله عزّ وجلّ: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ}، يعني: آدم عليه السلام، خاطبهم به إذ كانوا من ولده، قال السدي: بعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني، فرجع جبريل ولم يأخذ وقال: يا ربِّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل، فاستعاذت فرجع، فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء، فلذلك اختلفتْ ألوان بني آدم، ثم عجنها بالماء العذب والملح والمرّ، فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها، لا جرمَ أجْعَلُ أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
خلق الله آدم عليه السلام من تراب وجعله طيناً، ثم تركه حتى كان حمأً مسنوناً ثم خلقه وصوّره وتركه حتى كان صلصالاً كالفخار، ثم نفخ فيه روحه».
قوله عزّ وجلّ: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ}، قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول من الولادة إلى الموت، والأجل الثاني من الموت إلى البعث، وهو البرزخ، ورُوي ذلك عن ابن عباس، وقال: لكل أحد أجلان أجل إلى الموت وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان بَرّاً تقياً وَصُولاً للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر، وإن كان فاجراً قاطعاً للرحم نقص من أجل العمر زيد في أجل البعث، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل الثاني أجل الآخرة، وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً}، يعني: النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع عند اليقظة، {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ}، يعني: أجل الموت، وقيل: هما واحد معناه: [ثم قضى أجلاً] يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها، "وأجل مسمى عنده" يعني وهو أجل مسمى عنده لا يعلمه غيره، {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ}، تشكّون في البعث.
قوله عزّ وجلّ: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ}، يعني: وهو إله السموات والأرض؛ كقوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)، وقيل: هو المعبود في السموات والأرض، وقال محمد بن جرير: معناه وهو الله في السموات يعلم سركم وجهركم في الأرض، [وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير وتقدير: وهو الله، {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ}، في السموات والأرض]، {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ}، تعملون من الخير والشر.
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ٤ فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٥ أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ٦ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ٧
{وَمَا تَأْتِيهِم} يعني: أهل مكة، {مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ}، مثل انشقاق القمر وغيره، وقال عطاء: يريد من آيات القرآن، {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ}، لها تاركين بها مكذّبين.
{فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ}، بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، {لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}، أي: أخبار استهزائهم وجزاؤه، أي: سيعلمون عاقبة استهزائهم إذا عُذِّبوا.
قوله عزّ وجلّ: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ}، يعني: الأمم الماضية، والقرن: الجماعة من الناس، وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال: ثمانون سنة، وقيل: ستون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، ويقال: مائة سنة، لِمَا رُوي
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن بُسْر المازني: «إنكَ تعيشُ قرناً»، فعاش مائة سنة.
فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهلِ قرنٍ، {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ}، أي: أعطيناهم مالم نعطكم، وقال ابن عباس: أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح وعاد وثمود، يقال: مكّنتهُ ومكنتُ له، {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مَّدْرَاراً}، يعني: المطر، مِفْعَال، من الدَّر، قال ابن عباس: مدراراً أي: مُتتابعاً في أوقات الحاجات، وقوله: "مالم نمكّنْ لكم" من خطاب التلوين، رجع من الخبر من قوله: "أَلم يَرَوْا" إلى الخطاب؛ كقوله:
{ { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } } [يونس: 22].
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: "ألم يروا" وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول: قلت لعبدالله ما أكرمه، وقلت لعبدالله: ما أكرمك، {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا}، خلَقْنَا وابتدأنا، {مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخَرِينَ}.
قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ} الآية، قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث وعبدالله بن أبي أميّة ونوفل بن خويلد، قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ} مكتوباً من عندي، {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}، أي: عاينوه ومسّوه بأيديهم، وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة لأن اللمس أبلغ في إيقاع العِلم من [الرؤية]، فإن السحر يجري على المرئي ولا يجري على الملموس، {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}، معناه: أنه لا ينفع معهم شيء لِمَا سبق فيهم من علمي.
وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ٩ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ١٠ قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ١١
{وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ}، على محمد صلى الله عليه وسلم، {مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ ٱلأَمْرُ}، أي: لوجب العذاب، وفُرغ من الأمر، وهذا سنّة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استُؤصلوا بالعذاب، {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ}، أي: لا يؤجلون ولا يمهلون، وقال قتادة: لو أنزلنا ملكاً ثم لم يُؤمنوا لعُجّل لهم العذابُ ولم يُؤخرُوا طرفةَ عين، وقال مجاهد: لقضي الأمر أي لقامت القيامة، وقال الضحّاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتُوا.
{وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً}، [يعني: لو أرسلنا إليهم ملكاً]، {لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً}، يعني: في صورة [رجل] آدمي، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين.
قوله عزّ وجلّ: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}، أي: خلطنا عليهم ما يخلطون وشبّهنا عليهم فلا يدرون أملَكٌ هو أو آدمي، وقيل: معناه شَبّهوا على ضعفائهم فشبّه عليهم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم أهل الكتاب فرّقوا دينهم وحرّفوا الكلم عن مواضعه، فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم وقرأ الزهري {للبسنا} بالتشديد على التكرير والتأكيد.
{وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ}، كما استهزىء بك يا محمد، يعزّي نبيّه صلى الله عليه وسلم، {فَحَاقَ}، قال الربيع [بن أنس]: فنزل، وقال عطاء: حلّ، وقال الضحّاك: أحاط، {بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}، أي: جزاء استهزائهم من العذاب والنقمة.
{قُلْ} يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين، {سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ}، معتبرين، يحتمل هذا: السير بالعقول والفكر، ويحتمل السير بالأقدام، {ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}، أي: آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك، يُحذّر كفار مكة عذاب الأمم الخالية.
قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٢ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١٣
قوله عزّ وجلّ: {قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} فإن أجابوك وإلاّ و {قُل}، أنتَ، {لله}، أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجّة، {كَتَبَ}، أي: قضى، {عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}، هذا استعطاف منه تعالى للمتولِّين عنه إلى الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل العقوبة، ويقبل الإنابة والتوبة.
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبدالرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لما قضى اللَّهُ الخلقَ كتبَ كتاباً فهو عنده فوق العرش: إنّ رحمتي غلبت غضبي ».
أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبدالله بن علي الكُرَّكاني أنا أبو طاهر الزيادي أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبدالرحمن المروزي أخبرنا عبدالله بن المبارك أنا عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنّ لله مائةَ رحمةٍ واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تتعاطف الوحوش على أولادها، وأخّرَ الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة».
أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا ابن أبي مريم ثنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها، تسعى إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟» فقلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: «اللَّهُ أرحمُ بعبادهِ من هذهِ بولدها».
قوله عزّ وجلّ: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ}، اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد مجازه: والله ليجمعنّكم، {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، أي: في يوم القيامة، وقيل: معناه ليجمعنكم في قبوركم إلى يوم القيامة، {لاَ رَيْبَ فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ}، غبنوا، {أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
{وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}، أي: استقرّ، قيل: أراد ما سكن وما تحرّك؛ كقوله: (سرابيل تقيكم الحرّ)، أي: الحرّ والبرد، وقيل: إنما خصّ السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر، قال محمد بن جرير: كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن اللّيل والنهار، والمراد منه جميع ما في الأرض، وقيل معناه: ما يمرّ عليه الليل والنهار، {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ}، لأصواتهم، {ٱلْعَلِيمُ} بأسرارهم.
قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٤
قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً}؟ وهذا حين دعا إلى دين آبائه، فقال تعالى: قل يا محمد أغير الله أتخذ ولياً، [ربّاً ومعبوداً وناصراً ومُعيناً]؟ {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، أي: خالقهما ومُبدعهما ومبتديهما، {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ}، أي: وهو يرْزق ولا يُرزَق؛ كما قال: (ما أُريد منهم منْ رزقٍ وما أُريد أنْ يُطعمون). {قُلْ إِنِّىۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ}، يعني: من هذه الأمة، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله، وقيل: أسلم أخلص، {وَلاَ تَكُونَنَّ}، يعني: وقيل لي ولا تكوننّ، {مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}.
قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٥ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُۥ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ١٦ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ١٧
{قُلْ إِنِّىۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى}، [فعبدتُ غيره] {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، يعني: عذاب يوم القيامة.
{مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ}، يعني: من يُصرف العذاب عنه، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب {يصرف} بفتح الياء وكسر الراء، أي: من يصرفِ اللهُ عنه العذاب (لقوله) "فقد رحمه"، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء، {يؤمئذ}، يعني: يوم القيامة، {فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ}، أي: النجاة البينة.
قوله عزّ وجلّ: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} بشدة وبلية {فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ}، لا رافع، {إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ}، عافية ونعمة، {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}، من الخير والضر.
أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أبو عبدالله السلمي أنا أبو العباس الأصم أنا أحمد بن شيبان الرملي أنا عبدالله بن ميمون القداح أنا شهاب بن خراش، [هو ابن عبدالله] عن عبدالملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبيّ صلى الله عليه وسلم بغلة، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه، ثم سار بي ملياً ثم التفت إليّ فقال: يا غلام، قلتُ: لبّيك يا رسول الله، قال:
احفظِ الله يحفظك، احفظِ الله تجدْهُ أمامك، تعرّفْ إلى اللَّهِ في الرخاء يعرفْك في الشدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعنْ بالله، وقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله تعالى لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضرّوك بما لم يكتب الله تعالى عليك ما قدروا عليه، فإن استطعتَ أن تعملَ بالصبر مع اليقين، فافعلْ فإن لم تستطع فاصبرْ فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع الكرب الفرج، وأنّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً».
وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ١٨ قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لَّآ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ١٩ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢١
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، القاهر الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ المراد، وقيل: هو المنفرد بالتدبير الذي يُجْبِرُ الخلقَ على مُراده فوق عباده هو صفة الاستعلاء الذي تفرّد به الله عزْ وجلّ. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ}، في أمره، {ٱلْخَبِيرُ}، بأعمال عباده.
قوله عزّ وجلّ: {قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدةً}؟ الآية، قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنّا لا نرى أحداً يصدّقك، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأنزل الله تعالى: {قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ}، أعظم، {شهادة}؟ فإن أجابوك، وإلاّ {قُلِ ٱللَّهِ} هو {شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ}، على ما أقول، ويشهد لي بالحق وعليكم بالباطل، {وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ}، لأخوّفكم به يا أهل مكة، {وَمَن بَلَغَ}، يعني: ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة.
حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي أنا محمد بن بشر بن محمد المزني أنا أبو بكر محمد بن الحسين بن بشر النقاش أنا أبو شعيب الحراني أنا يحيى بن عبدالله بن الضحاك البابلي أنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن أبي كبشة [السلولي] عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بلّغُوا عني ولو آية، وحدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومنْ كذبَ عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعدَه منَ النار».
أخبرنا أبو الحسن عبدالوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان بن عُيينة عن عبدالملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
نضّر اللَّهُ عبداً سمعَ مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها. فَرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يَغِلُّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإنَّ دعوتَهم تحيطُ من وَرَائِهِمْ».
قال مقاتل: من بلغه القرآن من الجنّ والإنس فهو نذير له، وقال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم وسمع منه، {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ}؟ ولم يقل أُخر لأن الجمع يلحقه التأنيث؛ كقوله عزّ وجلّ:
{ { وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } } [الأعراف: 180]، وقال: { { فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ } } [طه: 51]. {قُل}، يا محمد إن شهدتم أنتم، فـ {لاَّ أَشْهَدُ}، أنا أنّ معه إلهاً، {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.
قوله عزّ وجلّ{ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ}، يعني: التوراة والإنجيل، {يَعْرِفُونَهُ}، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته، {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ}، من بين الصبيان، {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أنفُسَهُمْ}، غبنوا، {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، وإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنّة، ولأهل النار منازل أهل الجنّة في النار، وذلك الخسران.
قوله تعالىٰ: {وَمَنْ أَظْلَمُ}، أكفر {مِمَّنِ افْتَرَى}، اختلق، {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، فأشرك به غيره، {أَوْ كَذَّبَ بِـآيَـٰتِهِ}، يعني: القرآن، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، الكافرون.
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ٢٢ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٢٣ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢٤
{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً}، أي: العابدين والمعبودين، يعني: يوم القيامة، قرأ يعقوب {يحشرهم} هاهنا، وفي سبأ بالياء، ووافق حفص في سبأ، وقرأ الآخرون بالنون. {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}، أنها تشفع لكم عند ربكم.
{ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ}، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب "يكن" بالياء لأن الفتنة بمعنى الافتتان، فجاز تذكيره، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الفتنة، وقرأ ابن كثير وابن عامر حفص عن عاصم "فتنتهم" بالرفع جعلوه اسم كان، وقرأ الآخرون بالنصب، فجعلوا الاسم قوله "أن قالوا" وفتنتهم الخبر، ومعنى قوله "فتنتهم" أي: قولهم وجوابهم، وقال ابن عباس وقتادة: معذرتهم والفتنة التجربة، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل له فتنة.
قال الزجاج: في قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} معنى لطيف، وذلك مثل الرجل يفتتن بمحبوب ثم يصيبه فيه [محنة] فيتبرأ من محبوبه، فيقال: لم تكن فتنته إلا هذا، كذلك الكفار فُتنوا بمحبة الأصنام ولما رأوا العذاب تبرأوا منها، يقول الله عزّ وجلّ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ}، في محبتهم للأصنام، {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، قرأ حمزة والكسائي {ربنا} بالنصب على النداء المضاف، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت والله، وقيل: إنهم إذا رأوا يوم القيامة مغفرةَ الله تعالى وتجاوزوه عن أهل التوحيد، قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتُمُ الشرك لعلّنا ننجوا مع أهل التوحيد، فيقولون: والله ربِّنا ما كنّا مشركين، فيختم على أفواههم وتشهدُ عليهم جوارحُهم بالكفر.
فقال عزّ وجلّ: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}، باعتذارهم الباطل وتبريهم عن الشرك، {وَضَلَّ عَنْهُم} أي: زال وذهب عنهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}، من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها، فبطل كله في ذلك اليوم.
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٢٥ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٢٦
قوله عزّ وجلّ: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} الآية، قال الكلبي: اجتمع أبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبيّ ابنا خلف والحارث بن عامر، يستمعون القرآن فقالوا للنضر: يا أبا قُتَيْلة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون وأخبارها، فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقاً، فقال أبو جهل: كلا لا نقرّ بشيء من هذا، وفي رواية: لَلْمَوتُ أهونُ علينا من هذا، فأنزل الله عزّ وجلّ: "ومنهم من يستمعُ إليك" وإلى كلامك، {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً}، أغطية، جمع كنان، كالأعنة جمع عنان، {أَن يَفْقَهُوهُ}، أن يعلموه، قيل: معناه أن لا يفقهوه، وقيل: كراهة أن يفقهوه، {وَفِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً}، صمماً وثقلاً، وهذا دليل على أن الله تعالى يقلّب القلوب فيشرح بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنّة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن، {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ}، من المعجزات والدلالات، {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، يعني: أحاديثهم وأقاصيصهم، والأساطير جمع: أسطورة، وإسطارة، وقيل: هي الترهات والأباطيل، وأصلها من سطرت، أي: كَتبتُ.
{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ}، أي: ينهون الناس عن اتّباع محمد صلى الله عليه وسلم، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}، أي: يتباعدون عنه بأنفسهم، نزلت في كفار مكة، قاله محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك، وقال قتادة: ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه.
وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به، أي: يبعد، حتى رُوي أنه اجتمع إليه رؤوس المشركين وقالوا: خذْ شاباً من أصبحنا وجهاً، وادفع إلينا محمداً، فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم؟ ورُوي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان، فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك، ولكن أذبّ عنك ما حييت، وقال فيه أبياتاً:
واللَّه لَنْ يَصِلُوا إليــك بِجَمْعِهِــمْحتَّى أُوَسَّــدَ فـي التُّــرابِ دفينـــا
فاصْدَعْ بأمركَ ما عليكَ غَضَاضةٌوابْشِرْ بذاكَ وقرّ بذاك منكَ عيونا
ودعوتني وعرفتُ أنكَ ناصحـيولقـــد صــدقــتَ وكنــتَ ثمّ أمينــا
وعرضـتَ ديناً قـدْ علمــتُ بأنـهمــن خيــر أديـــان البَـريّـــة دينـــا
لـوْلاَ المـلامـةُ أو حــذارُ سُبَّـــةلــوَجَـدْتَنِـــي سمحــاً بــذاك مبيــنــا
{وَإِن يُهْلِكُونَ}، ما يهلكون، {إِلاَّ أَنفُسَهُمْ}، أي: لا يرجع وبال فعلهم إلاّ إليهم، وأوزار الذين يصدونهم عليهم، {وَمَا يَشْعُرُونَ}.
وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢٧ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ٢٨ وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ٢٩ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٠
قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} يعني: في النار؛ كقوله تعالى: (على ملك سليمان)، أي: في ملك سليمان، وقيل: عُرضوا على النار، وجواب "لو" محذوف معناه: لو تراهم في تلك الحالة لرأيتَ عجباً، {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ}، يعني: إلى الدنيا، {وَلاَ نُكَذِّبَ بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، قراءة العامّة كلها بالرفع على معنى: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذبُ، ونكونُ من المؤمنين، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب "ولا نكذبَ ونكونَ" بنصب الباء والنون على جواب التمنّي، أي: ليت ردنا وقع، وأن لا نكذب ونكون، والعرب تنصب جواب التمنّي، أي: ليت ردنا وقع، وأن لا نكذب ونكون، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصب بالفاء، وقرأ ابن عامر "نكذب" بالرفع، و"ونكون" بالنصب لأنهم تمنوا أن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إنْ رُدوا إلى الدنيا.
{بَلْ بَدَا لَهُم}، قوله: "بل" تحته ردّ لقولهم، أي: ليس الأمر على ما قالوا إنهم لو رُدّوا لآمنُوا بل بدَا لهم: ظهر لهم، {مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ}، يسرّون {مِن قَبْلُ} في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم، وقيل: ما كانوا يخفون، وهو كقولهم:
{ { وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } } [الأنعام: 23]، فأخفوا شركهم وكتموا حتى شهدتْ عليهم جوارحُهم بما كتمُوا وستروا، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا، إلا أن تُجعل الآية في المنافقين، وقال المبرد: بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون، وقال النضر بن شميل: بل بَدَا عنهم.
ثم قال: {وَلَوْ رُدُّواْ} إلى الدنيا {لَعَـادُواْ لِمَا}، يعني: إلى ما {نُهُواْ عَنْهُ} من الكفر، {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ}، في قولهم، لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين.
{وَقَالُوۤاْ إِن هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}، هذا إخبار عن إنكارهم البعث، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا من قولهم لو ردوا لقالوه.
قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ}، أي: على حكمه وقضاءه ومسألته، وقيل: عُرضوا على ربهم، {قال} لهم وقيل: تقول لهم الخزنة بأمر الله، {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ}؟ يعني: أليس هذا البعث والعذاب بالحق؟ {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} إنه حقّ، قال ابن عباس: هذا في موقف، وقولهم: والله ربِّنا ما كنّا مشركين في موقف آخر، والقيامة مواقف، ففي موقف يُقرّون، وفي موقف يُنكرون، {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.
قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا۟ يَٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٣٢ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ٣٣
{قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ}، أي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت، {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ}، أي: القيامة {بَغْتَةً}، أي: فجأة، {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا}، ندامَتَنَا، [ذُكر] على وجه النداء للمبالغة، وقال سيبويه: كأنه يقول: أيتها الحسرة هذا أوانك، {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا}، أي: قصّرنا، {فِيهَا}، أي: في الطاعة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك أنه لمّا تبيّن لهم خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا قالوا: يا حسرتَنَا على ما فرطنا فيها، أي: في الصفقة، [فترك ذكر الصفقة] اكتفاءً بقوله: {قَدْ خَسِرَ}، لأن الخسران إنما يكون في صفقة بيع، والحسرة شدة الندم، حتى يتحسر النادم، كما يتحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد، {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ}، أثقالهم وآثامهم، {عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ}، قال السدي وغيره: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورةً وأطيبه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح فاركبني، فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله عزّ وجلّ:
{ { يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } } [مريم: 85]، أي: ركباناً، وأمّا الكافر فيستقبله أقبح شيء صورةً وأنتنه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول:لا فيقول أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك، فهو معنى قوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ}، {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}، يحملون، قال ابنُ عباس: أي بئس الحمل حملوا.
{وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ}، باطل وغُرور لا بقاء لها، {وَلَلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ}، قرأ ابن عامر {ولدار الآخرة} مضافاً أضاف الدار إلى الآخرة، ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين؛ كقوله: (وحب الحصيد)، وقولهم: ربيع الأول ومسجد الجامع، سُمّيت الدنيا لدنوها، وقيل: لدناءتها، وسُميت الآخرة لأنها بعد الدنيا، {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الشرك، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، أن الآخرة أفضل من الدنيا، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب (أفلا تعقلون)، بالتاء ها هنا وفي الأعراف وسورة يوسف ويس، ووافق أبو بكر في سورة يوسف، ووافق حفص إلا في سورة يس، وقرأ الآخرون بالياء فيهن.
قوله عزّ وجلّ: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ} قال السُّديّ: التقى الأخْنَسُ بن شُرَيْق وأبو جهل بن هشام، قال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا أحد يسمع كلامك غيري، فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.
وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نتهمك ولا نكذبك، ولكنّا نكذب الذي جئت به، فأنزل الله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ}، بأنك كاذب، {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ}، قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد من التكذيب، فالتكذيب هو أن تنسبه إلى الكذب، وتقول له: كذبت، والإكذاب هو أن تجده كاذباً، تقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها إذا وجدتها جدبة ومخصبة، {وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}، يقول: إنهم لا يكذبونك في السرّ لأنهم عرفوا صدقك فيما مضى، وإنّما يكذِّبون وَحْيي ويجحدون آياتي، كما قال:
{ { وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ } } [النمل: 14].
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ٣٤ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ٣٥
{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} كذبهم قومهم كما كذبَتْك قريشٌ، {فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا}، بتعذيب من كذبهم، {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ}، لا ناقض لِما حكم به، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه عليهم السلام، فقال:
{ { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } } [الصافات: 171-173]، وقال: { { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } } [غافر: 51]، وقال: { { كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ } } [المجادلة: 21]، وقال الحسن بن الفضل: لا خُلْفَ [لعداتِهِ]، {وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ}، و {من} صلة كما تقول: أصابنا من مطر.
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ}، أي: عظم عليك وشق أن أعرضوا عن الإيمان بك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشدّ الحرص، وكانوا إذا سألوا آية أحب أن يريهم الله تعالى ذلك طمعاً في إيمانهم، فقال الله عزّ وجلّ: {فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً}، تطلب وتتخذ نفقاً سَرَباً {في الأرض}، ومنه نافقاء اليربوع، وهو أحد جحريه فيذهب فيه، {أَوْ سُلَّماً}، أي: دَرَجاً ومصعداً، {فِى ٱلسَّمَآءِ}، فتصعد فيه، {فَتَأْتِيَهُم بِـآيَةٍ}، فافعل، {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}، فآمنُوا كلُّهم، {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ}، أي: بهذا الحرف، وهو قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}، وأن من يكفر لسابق علم الله فيه.
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٣٦ وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٧ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ٣٨
{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ} يعني: المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتّبعُونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه، {وَٱلْمَوْتَىٰ}، يعني: الكفار، {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، فيجازيهم بأعمالهم.
قوله عزّ وجلّ: {وَقَالُواْ}، يعني: رؤساء قريش، {لَوْلاۤ}، هلاّ، {نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ ءايَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، ما عليهم في إنزالها.
قوله عزّ وجلّ: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}، قيّد الطيران بالجناح تأكيداً كما يقال: نظرت بعيني وأخذت بيدي، {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ}، قال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والهوام أمة، والدواب أمة، والسباع أمة، تعرف بأسمائها مثل بني آدم، يعرفون بأسمائهم، يقال: الأنس والناس.
أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا المبارك هو ابن فضالة عن الحسن عن عبدالله بن مغفل: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لولا أنّ الكلابَ أمةٌ لأمرتُ بِقْتِلها، فاقتُلوا منها كُلَّ أسودٍ بهيمٍ ».
وقيل: أمم أمثالكم يفقه بعضهم عن بعض، وقيل: أمم أمثالكم في الخلق والموت والبعث، وقال عطاء: أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة، وقال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك.
{مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ}، أي: في اللوح المحفوظ، {مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}، قال ابن عباس والضحاك: حشرها موتها، وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير، وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً فحينئذ يتمنى الكافر ويقول: {يا ليتني كنتُ تراباً}.
أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
لتردنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامةِ حتى يُقادَ للشاةِ الجلحاء مِنَ القَرْناء».
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ٣٩ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ٤٠ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ٤١ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢ فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٤٣
قوله عزّ وجلّ: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ}، لا يسمعون الخير ولا يتكلمون به، {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ}، في ضلالات الكفر، {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وهو الإسلام.
قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ}، هلْ رأيتم؟ والكاف فيه للتأكيد، قال الفَرَّاء: العرب تقول أرأيتَك، وهم يريدون أخبرنا، كما يقول: أرأيتَك إن فعلت كذا ماذا تفعل؟ أي: أخبرني، وقرأ أهل المدينة "أرايتكم، وأرايتم، وأرايت"، بتليين الهمزة الثانية، والكسائي بحذفها، قال ابن عباس: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أرأيتكم، {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ}، قبل الموت، {أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ}، يعني: القيامة، {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ}، في صرف العذاب عنكم، {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}، وأراد أن الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار كما أخبر عنهم:
{ { وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } } [لقمان: 32].
ثم قال: {بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ}، أي: تدعون الله ولا تدعون غيره، {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ}، قيّد الإجابة بالمشيئة [والأمور كلها بمشيئته]، {وَتَنسَوْنَ}، وتتركون، {مَا تُشْرِكُونَ}.
{وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ}، بالشدّة والجوع، {وَٱلضَّرَّآءِ}، المرض والزمانة، {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}، أي: يتوبون ويخضعون، والتضرّعُ السؤال بالتذلّل.
{فَلَوْلاۤ}، فهلاّ، {إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا}، عذابُنَا، {تَضَرَّعُواْ}، فآمنوا فيكشف عنهم، أخبر الله عزّ وجلّ أنه قد أرسل إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أنهم أُخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرّعوا، فذلك قوله: {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ}، من الكفر والمعاصي.
فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ٤٤ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ٤٥ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ٤٦
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ}، تركوا ما وعظوا وأُمروا به، {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ}، قرأ أبو جعفر "فتَّحنا" بالتشديد في كل القرآن، وقرأ ابن عامر كذلك إذا كان عقيبه جمعاً، والباقون بالتخفيف وهذا فتح استدراج ومكر، أي: بدّلنا مكان البلاء والشدّة الرخاء والصحة، {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ}، وهذا فَرح بطر مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا، {أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً}، فجأة آمَنَ ما كانوا، وأعْجَبَ ما كانت الدنيا إليهم، {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ}، آيسون من كل خير، وقال أبو عبيدة: المبلس النادم الحزين، وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم، روى عقبة بن عامر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إذا رأيتَ الله يُعطي العبدَ ما يحبُّ وهو مقيم على معصيته، فإنّما ذلك استدراج، ثم تلا: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} الآية.
{فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، أي: آخرهم [الذين بدبرهم، يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبراً ودبوراً إذا كان آخرهم]، ومعناه: أنهم استُؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية، {وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، حمدَ الله نفسه على أن قطع دابرهم لأنه نعمة على الرُسل، فذكَرَ الحمد لله تعليماً لهم ولمن آمن بهم، أن يحمدوا الله على كفايته شرَّ الظالمين، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابُه ربَّهم إذا أهلك المكذبين.
قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ}، أيّها المشركون، {إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ}، حتى لا تسمعوا شيئاً أصلاً، {وَأَبْصَـٰرَكُمْ}، حتى لا تبصروا شيئاً أصلاً، {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ}، حتى لا تفقهوا شيئاً ولا تعرفوا مما تعرفون من أمور الدنيا، {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ}، ولم يقل بها مع أنه ذكر أشياء، قيل: معناه يأتيكم بما أخذ منكم، وقيل: الكناية ترجع إلى السمع الذي ذكر أولاً ولا يندرج غيرُه تحته، كقوله تعالى:
{ { وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } } [التوبة: 62]، فالهاء راجعة إلى الله، ورضى الرسول يندرج في رضا الله تعالى، {ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلأَيَـٰتِ}، أي: نبيّن لهم العلامات الدالّة على التوحيد والنبوة، {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ}، يعرضون عنها مكذبين.
قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٤٨ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ٤٩ قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً} فجأة، {أَوْ جَهْرَةً}، معاينة ترونه عند نزوله، قال ابن عباس والحسن: ليلاً ونهاراً، {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، المشركون.
قوله عزّ وجلّ: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ}، العمل، {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} حين يخاف أهل النار، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، إذا حزنوا.
{وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ}، يصيبهم، {ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}، يكفرون.
{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ}، نزل حين اقترحوا الآيات فأمره أن يقول لهم: {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ}، أي: خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون، {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ}، فأخبركم بما غاب مما مضى ومما سيكون، {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ}، قال ذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي، يريدُ لا أقول لكم شيئاً من ذلك فتنكرون قولي وتجحدون أمري، {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ}، أي: ما آتيكم به فمن وَحْيِ الله تعالى، وذلك غير مستحيل في العقل مع قيام الدليل والحجج البالغة، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}؟ قال قتادة: الكافر والمؤمن، وقال مجاهد: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم، {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ}، أنهما لا يستويان.
وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ٥١ وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢
قوله عزّ وجلّ: {وَأَنذِرْ بِهِ}، خوّف به، أي: القرآن، {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ}، يجمعوا ويبعثوا، {إِلَىٰ رَبِّهِمْ}، وقيل: يخافون أي يعلمون، لأن خوفهم إنّما كان من علمهم، {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ}، من دون الله، {وَلِيٌّ} قريب ينفعهم، {وَلاَ شَفِيعٌ}، يشفع لهم، {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، فينتهون عمّا نُهوا عنه، وإنّما نفى الشفاعة لغيره - مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون - لأنهم لا يشفعون إلاّ بإذنه.
{وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}، قرأ ابن عامر "بالغُدْوَةِ" بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها، ها هنا وفي سورة الكهف، وقرأ الآخرون بفتح الغين والدال وألف بعدها.
قال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلتْ هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وذووهم من المؤلّفة قلوبهم، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين، فلمّا رأوهم حوله حقّروهم، فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ونفيت عنّا هؤلاء وأرواح جبابهم، وكان عليهم جباب صوف لها رائحة لم يكن عليهم غيرها، لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «ما أنا بطارِدِ المؤمنين»، قالوا: فإنّا نحب أن نجعل لنا منك مجلساً تعرف العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنّا، فإذا نحن فرغنا فاقعدْ معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: اكتب لنا عليك بذلك كتاباً، قال: فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب، قالوا ونحن قعود في ناحية إذْ نزل جبريل بقوله: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، إلى قوله: {بالشاكرين}، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: (سلامٌ عليكم كتبَ ربُّكم على نفسه الرحمة)، فكنَّا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28]، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد وندنو منه حتى كانت ركبنا تمسّ ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال لنا: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات».
وقال الكلبي:
قالوا له: اجعل لنا يوماً ولهم يوماً، قال: « لا أفعل»، قالوا: فاجعل المجلس واحداً فاقبل علينا وولِّ ظهرك عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}. قال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمداً، فأنزل الله هذه الآية: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}، قال ابن عباس: يعني: يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر، ويُروى عنه: أن المراد منه الصلوات الخمس، وذلك أن ناساً من الفقراء كانوا مع النبيّ عليه السلام، فقال ناس من الأشراف: إذا صلّينا فأَخّر هؤلاء فليصلوا خلفنا، فنزلت هذه الآية، وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيّب: فلمّا سلّم الإمام ابتدر الناس القاص، فقال سعيد: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس قال مجاهد: فقلت يتأوّلون قوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}، قال: أفي هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، وقال إبراهيم النخعي: يعني يذكرون ربَّهم، وقيل المراد منه: حقيقة الدعاء، {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، أي: يريدون الله بطاعتهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يطلبون ثواب الله، فقال: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ}، أي: لا تكلف أمرهم ولا يتكلفون أمرك، وقيل: ليس رزقهم عليك فتملّهم، {فَتَطْرُدَهُمْ} ولا رزقك عليهم، قوله: {فَتَطْرُدَهُمْ}، جوابٌ لقوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ}، وقوله: {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، جوابٌ لقوله: {وَلاَ تَطْرُدِ}، أحدهما جواب النفي والآخر جواب النهي.