انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القمر

تفسير الطبريالآيات 29–55

تفسير سورة القمر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة القمر

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 18:57

  1. 1 الآيات 9–55في هذه الصفحة 15:22

التفسير الصوتي لسورة القمر كاملًا (مقطعان)

فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ۝٢٩ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٣٠ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَكَانُوا۟ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ ۝٣١

يقول تعالى ذكره: فنادت ثمود صاحبهم عاقر الناقة قدار بن سالف ليعقر الناقة حضًّا منهم له على ذلك.

وقوله: {فَتَعاطَى فَعَقَرَ} يقول: فتناول الناقة بيده فعقرها.

وقوله: {فَكَيْفَ كانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} يقول جلّ ثناؤه لقريش: فكيف كان عذابي إياهم معشر قريش حين عذّبتهم ألم أهلكهم بالرجفة. ونُذُرِ: يقول: فكيف كان إنذاري من أنذرت من الأمم بعدهم بما فعلت بهم وأحللت بهم من العقوبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فَتَعاطَى فَعَقَرَ} قال: تناولها بيده {فَكَيْفَ كانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} قال: يقال: إنه ولد زنية فهو من التسعة الذين كانوا يُفسدون في الأرض، ولا يصلحون، وهم الذين قالوا لصالح

{ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ }ولنقتلنهم.

وقوله: {إنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} وقد بيَّنا فيما مضى أمر الصيحة، وكيف أتتهم، وذكرنا ما روي في ذلك من الآثار، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: {فكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِر} يقول تعالى ذكره فكانوا بهلاكهم بالصيحة بعد نضارتهم أحياء، وحسنهم قبل بوارهم كيَبِس الشجر الذي حظرته بحظير حظرته بعد حُسن نباته، وخُضرة ورقه قبل يُبسه.

وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: {كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ} فقال بعضهم: عنى بذلك: العظام المحترقة، وكأنهم وجَّهوا معناه إلى أنه مَثَّلَ هؤلاء القوم بعد هلاكهم وبلائهم بالشيء الذي أحرقه محرق في حظيرته. ذكر من قال ذلك:

حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كُدينة، قال: ثنا قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس {كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ} قال: كالعظام المحترقة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فَكانُوا كَهَشِيم المُحْتَظِرِ} قال: المحترق. ولا بيان عندنا في هذا الخبر عن ابن عباس، كيف كانت قراءته ذلك، إلا أنا وجَّهنا معنى قوله هذا على النحو الذي جاءنا من تأويله قوله: {كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ} إلى أنه كان يقرأ ذلك كنحو قراءة الأمصار، وقد يحتمل تأويله ذلك كذلك أن يكون قراءته كانت بفتح الظاء من المحتظر، على أن المحتظر نعت للهشيم، أضيف إلى نعته، كما قيل:

{ إنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ } وقد ذُكر عن الحسن وقتادة أنهما كانا يقرآن ذلك كذلك، ويتأوّلانه هذا التأويل الذي ذكرناه عن ابن عباس.

حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثني أبي، عن الحسن، قال: كان قتادة يقرأ {كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ} يقول: المحترق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَكأنَّهُ كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ} يقول: كهشيم محترق.

وقال آخرون: بل عنى بذلك التراب. الذي يتناثر من الحائط. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير {كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ} قال: التراب الذي يتناثر من الحائط.

وقال آخرون: بل هو حظيرة الراعي للغنم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق وأسنده، قال {المُحْتَظِرِ} حظيرة الراعي للغنم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {كَهَشِيم المُحْتَظِرِ} المحتظر: الحظرة تتخذ للغنم فتيبس، فتصير كهشيم المحتظر، قال: هو الشوك الذي تحظر به العرب حول مواشيها من السباع والهشيم: يابس الشجر الذي فيه شوك ذلك الهشيم.

وقال آخرون: بل عني به هشيم الخيمة، وهو ما تكسَّر من خشبها. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن مجاهد، في قوله: {كَهَشِيم المُحْتَظِرِ} قال: الرجل يهشمِ الخيمة.

وحدثني الحارث، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ} الهشيم: الخيمة.

وقال آخرون: بل هو الورق الذي يتناثر من خشب الحطب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {كَهَشِيمِ} قال: الهشيم: إذا ضربت الحظيرة بالعصا تهشم ذاك الورق فيسقط. والعرب تسمي كل شيء كان رطباً فيبس هشيماً.

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٣٢ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ ۝٣٣ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَٰهُم بِسَحَرٍ ۝٣٤ نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ ۝٣٥

يقول تعالى ذكره: ولقد هوّنا القرآن بيَّناه للذكر: يقول: لمن أراد أن يتذكر به فيتعظ {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرِ} يقول: فهل من متَّعظ به ومعتبر فيعتبر به، فيرتدع عما يكرهه الله منه.

وقوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنُّذُرِ} يقول تعالى ذكره: كذّبت قوم لوط بآيات الله التي أنذرهم وذكرهم بها.

وقوله: {إنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً} يقول تعالى ذكره: إنا أرسلنا عليهم حجارة.

وقوله: {إلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بسَحَرٍ} يقول: غير آل لوط الذين صدّقوه واتبعوه على دينه فإنا نجَّيناهم من العذاب الذي عذّبنا به قومه الذين كذّبوه، والحاصب الذي حصبناهم به بسحر: بنعمة من عندنا: يقول: نعمة أنعمناها على لوط وآله، وكرامة أكرمناهم بها من عندنا.

وقوله: {كَذلَكَ نَجْزي مَنْ شَكَر} يقول: وكما أثبنا لوطاً وآله، وأنعمنا عليه، فأنجيناهم من عذابنا بطاعتهم إيانا كذلك نثيب من شكرنا على نعمتنا عليه، فأطاعنا وانتهى إلى أمرنا ونهينا من جميع خلقنا. وأجرى قوله بسحر، لأنه نكرة، وإذا قالوا: فعلت هذا سحر بغير باء لم يجروه.

وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ ۝٣٦ وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٣٧

يقول تعالى ذكره: ولقد أنذر لوط قومه بطشتنا التي بطشناها قبل ذلك {فَتمارَوْا بالنُّذُر} يقول: فكذّبوا بإنذاره ما أنذرهم من ذلك شكاً منهم فيه.

وقوله: {فَتمارَوْا} تفاعلوا من المرية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَتَمارَوْا بالنُّذُرِ} لم يصدّقوه، وقوله: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ} يقول جلّ ثناؤه: ولقد راود لوطاً قومه عن ضيفه الذين نزلوا به حين أراد الله إهلاكهم {فَطَمَسْنا أعْيُنَهُم} يقول: فطمسنا على أعينهم حتى صيرناها كسائر الوجه لا يرى لها شقّ، فلم يبصروا ضيفه. والعرب تقول: قد طمست الريح الأعلام: إذا دفنتها بما تسفي عليها من التراب، كما قال كعب بن زُهَير:

مِنْ كُلّ نَضَّاخَةِ الذّفْرَى إذَا اعْترَقَتْعُرْضَتُها طامِسُ الأعْلام مَجْهُولُ

يعني بقوله: (طامِسُ الأعْلامِ): مندفن الأعلام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ} قال: عمى الله عليهم الملائكة حين دخلوا على لوط.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ} وذُكر لنا أن جبريل عليه السلام استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطاً، وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه، فصفقهم بجناحه، وتركهم عمياً يتردّدون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ} قال: هؤلاء قوم لوط حين راودوه عن ضيفه، طمس الله أعينهم، فكان ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا يعملون، فقالوا: إنا لا نترك عملنا فإياك أن تُنْزِل أحداً أو تُضيفه، أو تدعه ينزل عليك، فإنا لا نتركه ولا نترك عملنا. قال: فلما جاءه المرسلون، خرجت امرأته الشقية من الشقّ، فأتتهم فدعتهم، وقالت لهم: تعالوا فإنه قد جاء قوم لم أر قطّ أحسن وجوهاً منهم، ولا أحسن ثياباً، ولا أطيب أرواحاً منهم، قال: فجاؤوه يهرعون إليه، فقال: إن هؤلاء ضيفي، فاتقوا الله ولا تحزوني في ضيفي، قالوا: أو لم ننهك عن العالمين؟ أليس قد تقدمنا إليك وأعذرنا فيما بيننا وبينك؟ قال: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم فقال له جبريل عليه السلام: ما يهولك من هؤلاء؟ قال: أما ترى ما يريدون؟ فقال: إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك، لتصنعنّ هذا الأمر سرّاً، وليكوننّ فيه بلاء قال: فنشر جبريل عليه السلام جناحاً من أجنحته، فاختلس به أبصارهم، فطمس أعينهم، فجعلوا يجول بعضهم في بعض، فذلك قول الله: {فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ}.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ} جاءت الملائكة في صور الرجال، وكذلك كانت تجيء، فرآهم قوم لوط حين دخلوا القرية. وقيل: إنهم نزلوا بلوط، فأقبلوا إليهم يريدونهم، فتلقَّاهم لوط يناشدهم الله أن لا يخزوه في ضيفه، فأبوا عليه وجاؤوا ليدخلوا عليه، فقالت الرسل للوط خلّ بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك، فدخلوا البيت، وطمس الله على أبصارهم، فلم يروهم وقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت، فأين ذهبوا؟ فلم يروهم ورجعوا.

وقوله: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} يقول تعالى ذكره: فذوقوا معشر قوم لوط من سدوم، عذابي الذي حلّ بكم، وإنذاري الذي أنذرت به غيركم من الأمم من النكال والمثلات.

وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ۝٣٨ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٣٩ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٤٠

يقول تعالى ذكره: ولقد صُبِّحَ قَوْمُ لوط بُكْرةً ذكر أن ذلك كان عند طلوع الفجر.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {بُكْرَةً} قال: عند طلوع الفجر.

وقوله: {عَذَاب} وذلك قلب الأرض بهم، وتصيير أعلاها أسفلها بهم، ثم إتباعهم بحجارة من سجيل منضود. كما:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {وَلَقَدْ صَبَّحَهمْ بكْرَةً عَذَابٌ} قال: حجارة رموا بها.

وقوله: {مُسْتَقِرّ} يقول: استقرّ ذلك العذاب فيهم إلى يوم القيامة حتى يوافوا عذاب الله الأكبر في جهنم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرّ} يقول: صبحهم عذاب مستقرّ، استقرّ بهم إلى نار جهنم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً...} الآية، قال: ثم صبحهم بعد هذا، يعني بعد أن طمس الله أعينهم، فهم من ذلك العذاب إلى يوم القيامة، قال: وكلّ قومه كانوا كذلك، ألا تسمع قوله حين يقول:

{ { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ } }.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {مُسْتَقِرّ} استقرّ.

وقوله:

{ { فَذُوقُوا عَذَابِي ونُذُرِ } } يقول تعالى ذكره لهم: فذوقوا معشر قوم لوط عذابي الذي أحللته بكم، بكفركم بالله وتكذيبكم رسوله، وإنذاري بكم الأمم سواكم بما أنزلته بكم من العقاب.

وقوله:

{ { وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ للذّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } } يقول تعالى ذكره: ولقد سهَّلنا القرآن للذكر لمن أراد التذكر به فهل من متعظ ومعتبر به فينزجر به عما نهاه الله عنه إلى ما أمره به وأذن له فيه.

وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ ۝٤١ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَٰهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ۝٤٢

يقول تعالى ذكره: ولقد جاء أتباع فرعون وقومه إنذارنا بالعقوبة بكفرهم بنا وبرسولنا موسى صلى الله عليه وسلم {كَذَّبُوا بآياتِنا كُلِّها} يقول جلّ ثناؤه كذّب آل فرعون بأدلتنا التي جاءتهم من عندنا، وحججنا التي أتتهم بأنه لا إله إلا الله وحده كلها {فأخَذْناهُمْ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} يقول تعالى ذكره: فعاقبناهم بكفرهم بالله عقوبة شديدٍ لا يُغْلب، مقتدر على ما يشاء، غير عاجز ولا ضعيف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأخَذْناهُمْ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم.

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُو۟لَٰٓئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِى ٱلزُّبُرِ ۝٤٣ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ۝٤٤ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ۝٤٥

يقول تعالى ذكره لكفار قريش الذين أخبر الله عنهم أنهم {إنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ} أكفاركم معشر قريش خير من أولئكم الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وآل فرعون، فهم يأملون أن ينجوا من عذابي، ونقمي على كفرهم بي، وتكذيبكم رسولي. يقول: إنما أنتم في كفركم بالله وتكذيبهم رسوله، كبعض هذه الأمم التي وصفت لكم أمرهم، وعقوبة الله بكم نازلة على كفركم به، كالذي نزل بهم إن لم تتوبوا وتنيبوا. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:

{ { أكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أولَئِكُمْ } }: أي ممن مضى.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسن، عن يزيد النحويّ، عن عكرِمة {أكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} يقول: أكفاركم يا معشر قريش خير من أولئكم الذين مضوا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئكُمْ} قال: أكفاركم خير من الكفار الذين عذبناهم على معاصي الله، وهؤلاء الكفار خير من أولئك. وقال أكُفَّارُكُمْ خيرٌ مِنْ أولئكم استنفاها.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} يقول: ليس كفاركم خيرا من قوم نوح وقوم لوط.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس {أكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} قال: كفار هذه الأمة.

وقوله: {أمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} يقول جلّ ثناؤه: أم لكم براءة من عقاب الله معشر قريش، أن يصيبكم بكفركم بما جاءكم به الوحي من الله في الزبر، وهي الكتب. كما:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا أبو عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {الزُّبُرِ} يقول: الكتب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أمْ لَكُمْ بَرَاءَةً فِي الزُّبُرِ} في كتاب الله براءة مما تخافون.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة {أمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} يعني في الكتب.

وقوله: {أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَميعٌ مُنْتَصِرٌ} يقول تعالى ذكره: أيقول هؤلاء الكفار من قريش: نحن جميع منتصر ممن قصدنا بسوء ومكروه، وأراد حربنا وتفريق جمعنا، فقال الله جلّ ثناؤه: سيهزم الجمع يعني جمع كفار قريش {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} يقول: ويولون أدبارهم المؤمنين بالله عن انهزامهم عنه. وقيل: الدبر فوحَّد والمراد به الجمع كما يقال ضربنا منهم الرأس: أي ضربنا منهم الرؤوس: إذ كان الواحد يؤدي عن معنى جمعه، ثم إن الله تعالى ذكره صدّق وعده المؤمنين به فهزم المشركين به من قريش يوم بدر وولوهم الدُّبر. كما:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب قال: لا أعلمه إلا عن عكرمة أن عمر قال لما نزلت {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ} جعلت أقول: أيّ جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول:{سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} قال: يوم بدر.

قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، قوله: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ} يعني جمع بدر {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ...} الآية ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر

هُزِمُوا وَوَلَّوُا الدُّبُرَ

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} قال: هذا يوم بدر.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن عكرِمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان يثب في الدرع ويقول:

هُزِمَ الجَمْعُ وَوَلَّوُا الدُّبُرَ

حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} قال: كان ذلك يوم بدر. قال: قالوا نحن جميع منتصر، قال: فنزلت هذه الآية.

بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ۝٤٦ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَٰلٍ وَسُعُرٍ ۝٤٧ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا۟ مَسَّ سَقَرَ ۝٤٨ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَٰهُ بِقَدَرٍ ۝٤٩

يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أنهم لا يبعثون بعد مماتهم {بَل السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} للبعث والعقاب {وَالسَّاعَةُ أدْهَى وأمَرُّ} عليهم من الهزيمة التي يهزمونها عند التقائهم مع المؤمنين ببدر.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عمرو بن مرّة، عن شهر بن حوشب، قال: إن هذه الآية نزلت بهلاك إنما موعدهم الساعة، ثم قرأ

{ { أكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ } } ... إلى قوله: {والسَّاعَةُ أدْهَى وأمَرُّ}.

وقوله: {إنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} يقول تعالى ذكره: إن المجرمين في ذهاب عن الحقّ، وأخذ على غير هدى {وَسُعُرٍ} يقول: في احتراق من شدّة العناء والنصب في الباطل. كما:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {في ضَلالٍ وَسُعُرٍ} قال: في عناء.

وقوله: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ على وُجُوهِهِمْ} يقول تعالى ذكره: يوم يُسحب هؤلاء المجرمون في النار على وجوههم. وقد تأوّل بعضهم قوله: {فِي النارِ على وُجُوهِهِمْ} إلى النار. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله «يَوْمَ يُسْحَبُونَ إلى النَّارِ على وُجُوهِهِمْ».

وقوله: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} يقول تعالى ذكره: يوم يُسحبون في النار على وجوههم، يقال لهم: ذوقوا مَسَّ سقَر، وترك ذكر «يقال لهم» استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره.

فإن قال قائل: كيف يُذاق مسّ سقر، أوَله طعم فيُذاق؟ فإن ذلك مختلف فيه فقال بعضهم: قيل ذلك كذلك على مجاز الكلام، كما يقال: كيف وجدت طعم الضرب وهو مجاز؟ وقال آخر: ذلك كما يقال: وجدتُ مسّ الحمى يُراد به أوّل ما نالني منها، وكذلك وجدت طعم عفوك. وأما سَقَرُ فإنها اسم باب من أبواب جهنم وترك إجراؤها لأنها اسم لمؤنث معرفة.

وقوله: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بقَدَرٍ} يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدّرناه وقضيناه، وفي هذا بيان، أن الله جلّ ثناؤه، توعَّد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم في القدر مع كفرهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا هشام بن سعد، عن أبي ثابت، عن إبراهيم بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس أنه كان يقول: إني أجد في كتاب الله قوماً يُسحبون في النار على وجوههم، يقال لهم: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} لأنهم كانوا يكذّبون بالقَدَر، وإني لا أراهم، فلا أدري أشيء كان قبلنا، أم شيء فيما بقي.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن زياد بن إسماعيل السَّهْمِيّ، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي هريرة أن مشركي قريش خاصمت النبيّ صلى الله عليه وسلم في القَدَر، فأنزل الله {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ}.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى وأبو كُرَيب، قالوا: ثنا وكيع بن الجرّاح، قال: ثنا سفيان، عن زياد بن إسماعيل السَّهميّ، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ، عن أبي هريرة، قال: جاء مشركو قريش إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القَدَر، فنزلت {إنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ}.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ، عن أبي هريرة، بنحوه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، قال: «لما نزلت هذه الآية {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ} قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه، أو في شيء قد فرغ منه؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اعْمَلُوا فَكُلُّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنَيَسِّرُهُ للْيُسْرَى، وَسَنَيْسِّرُهُ للعُسْرَى ».

حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول: لما تكلم الناس في القَدَر نظرت، فإذا هذه الآية أنزلت فيهم {إنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ...} إلى قوله {خَلَقْناهُ بقَدَرٍ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم ويزيد بن هارون، قالا: ثنا سفيان، عن سالم، عن محمد بن كعب، قال: ما نزلت هذه الآية إلاَّ تعييراً لأهل القدر {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ }.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سالم بن أبي حفصة، عن محمد بن كعب القُرَظي {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} قال: نزلت تعييراً لأهل القَدَر.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن زياد بن إسماعيل السَّهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ، عن أبي هريرة، قال: جاء مشركو قريش إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بقَدَرٍ}.

قال: ثنا مهران، عن حازم، عن أُسامة، عن محمد بن كعب القُرَظيّ مثله.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ} قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشرّ بقدر، فخير الخير السعادة، وشرّ الشرّ الشقاء، بئس الشرّ الشقاء.

واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: {كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ} فقال بعض نحويِّي البصرة: نصب كلّ شيء في لغة من قال: عبد الله ضربته قال: وهي في كلام العرب كثير. قال: وقد رفعت كلّ في لغة من رفع، ورفعت على وجه آخر. قال {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بقَدَرٍ} فجعل خلقناه من صفة الشيء وقال غيره: إنما نصب كلّ لأن قوله خلقناه فعل، لقوله «إنا»، وهو أولى بالتقديم إليه من المفعول، فلذلك اختير النصب، وليس قيل عبد الله في قوله: عبد الله ضربته شيء هو أولى بالفعل، وكذلك إنا طعامك، أكلناه الاختيارُ النصب لأنك تريد: إنا أكلنا طعامك الأكل، أولى بأنا من الطعام. قال: وأما قول من قال: خلقناه وصف للشيء فبعيد، لأن المعنى: إنا خلقناه كلّ شيء بقدر، وهذا القول الثاني أولى بالصواب عندي من الأوّل للعلل التي ذكرت لصاحبها.

وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍۭ بِٱلْبَصَرِ ۝٥٠ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٥١ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ ۝٥٢

يقول تعالى ذكره: وما أمرنا للشيء إذا أمرناه وأردنا أن نكوّنه إلاَّ قولة واحدة: كن فيكون، لا مراجعة فيها ولا مرادّة {كَلَمْحٍ بالبَصَرِ} يقول جلّ ثناؤه: فيوجد ما أمرناه وقلنا له: كن كسرعة اللمح بالبصر لا يُبطىء ولا يتأخر، يقول تعالى ذكره لمشركي قريش الذين كذّبوا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم: ولقد أهلكنا أشياعكم معشر قريش من الأمم السالفة والقرون الخالية، على مثل الذي أنتم عليه من الكفر بالله، وتكذيب رسله {فَهَلْ مِنْ مُدَّكرٍ} يقول: فهل من مُتَّعظ بذلك منزجر ينزجر به. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكرٍ} قال: أشياعكم من أهل الكفر من الأمم الماضية، يقول: فهل من أحد يتذكر.

وقوله: {وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} يقول تعالى ذكره: وكل شيء فعله أشياعكم الذين مضوا قبلكم معشر كفَّار قريش في الزُّبر، يعني في الكتب التي كتبتها الحفظة عليهم. وقد يحتمل أن يكون مراداً به في أمّ الكتاب. كما:

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {فِي الزُّبُرِ} قال: الكُتب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} قال: في الكتاب.

وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ ۝٥٣ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍ وَنَهَرٍ ۝٥٤ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍۭ ۝٥٥

يقول تعالى ذكره: {وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ} من الأشياء {مُسْتَطِرٌ} يقول: مُثبَت في الكتاب مكتوب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} يقول: مكتوب، فإذا أراد الله أن ينزل كتاباً نَسَخَتْه السَّفَرة. قوله: {وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} قال: مكتوب.

حدثنا بشر، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عمران بن حُدَير، عن عكرِمة، قال: مكتوب في كلّ سطر.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {مُسْتَطَرٌ} قال: محفوظ مكتوب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} أي محفوظ.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: {مُسْتَطَرٌ} قال: مكتوب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} قال: مكتوب، وقرأ

{ وَما مِن دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إلاَّ على اللّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ }، وقرأ { وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الكِتابِ مِنْ شَيْءٍ }إنما هو مفتعل من سطرت: إذا كتبت سطراً.

وقوله: {إنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ونَهَرٍ} يقول تعالى ذكره: إن الذين اتقوا عقاب الله بطاعته وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في بساتين يوم القيامة، وأنهار، ووحد النهر في اللفظ، ومعناه الجمع، كما وحد الدّبر، ومعناه الإدبار في قوله:

{ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ } وقد قيل: إن معنى ذلك: إن المتقين في سعة يوم القيامة وضياء، فوجَّهوا معنى قوله: {ونَهَر} إلى معنى النهار. وزعم الفرّاء أنه سمع بعض العرب ينشد:

إنْ تَكُ لَيْلِيًّا فإنّي نَهِرْمَتى أتى الصُّبْحُ فَلا أنْتَظِر

وقوله: «نهر» على هذا التأويل مصدر من قولهم: نهرت أنهر نهراً. وعنى بقوله: «فإني نهر»: أي إني لصاحب نهار: أي لست بصاحب ليلة.

وقوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} يقول: في مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم {عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} يقول: عند ذي مُلك مقتدر على ما يشاء، وهو الله ذو القوّة المتين، تبارك وتعالى.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ