انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القمر

تفسير البغويالآيات 1–55

تفسير سورة القمر آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ۝١

{ٱقْتَرَبَتْ ٱلسَّاعَةُ}، دنت القيامة، {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعميمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، أخبرنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.

وقال شيبان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشهدوا".

وقال أبو الضحى عن مسروق عبد الله قال: انشق القمر بمكة. وقال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك.

وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السُّفّار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عزّ وجلّ: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}.

وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ۝٢ وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ۝٣

{وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ ويَقُولواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}، أي: ذاهب وسوف يذهب ويبطل، من قولهم: مرّ الشيء واستمر إذا ذهب، مثل قولهم: قرّ واستقر، قال هذا قول مجاهد وقتادة، وقال أبو العالية والضحاك: "مستمر"، أي: قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم: مرّ الحبل، إذا صَلُبَ واشتدّ، وأمررته إذا أحكمت فَتْله واستمر الشيء إذا قوي واستحكم.

{وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ}، أي: كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله عزّ وجلّ، واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل، {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ}، قال الكلبي: لكل أمر حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة: كل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، والشر مستقر بأهل الشر.

وقيل: كل أمر من خير أو شر مستقرٌ قراره. فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار.

وقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. وقال مقاتل: لكل حديث منتهى. وقيل: كل ما قدر كائن واقع لا محالة.

وقرأ أبو جعفر "مستقرٍ"، بكسر الراء، ولا وجه له.

وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ۝٤ حِكْمَةٌۢ بَٰلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ ۝٥ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ ۝٦ خُشَّعًا أَبْصَٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ۝٧

{وَلَقَدْ جَآءَهُم}، يعني: أهل مكة، {مِّنَ ٱلأَنبَآءِ}، من أخبار الأمم المكذبة في القرآن، {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}، [متناهي]، مصدر بمعنى الازدجار، أي: نهي وعظة، يقال: زجرته وازدجرته إذا نهيته عن السوء، وأصله: مزتجر، قُلبت التاء دالاً.

{حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ}، يعني: القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ}، يجوز أن تكون "ما" نفياً، على معنى: فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهاماً، والمعنى: فأي شيء تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم؟ كقوله:

{ وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ }[يونس:101]، و"النذر": جمع نذير.

{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ}، أعرض عنهم نسختها آية القتال. قيل: هاهنا وقف تام. وقيل: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ}، أي: إلى يوم الداعي، قال مقاتل: هو إسرافيل ينفخ قائماً على صخرة بيت المقدس، {إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ}، منكر فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظاماً، قرأ ابن كثير: "نُكْر" بسكون الكاف، والآخرون بضمها.

{خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ}، قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي: "خاشعاً" على الواحد، وقرأ الآخرون: "خشّعاً" - بضم الخاء وتشديد الشين - على الجمع. ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: مررتُ برجال حسنٍ أوجههم وحسنة أوجههم، وحسان أوجههم، قال الشاعر:

ورجالٍ حسَنٍ أوجُهُهُممن إيادِ بنِ نزارِ بنِ مَعَد

وفي قراءة عبد الله: "خاشعة أبصارهم"، أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب.

{يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ}، من القبور، {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}، مُنْبَثّ حيارى، وذكَّر المنتشر على لفظ الجراد، نظيرها:

{ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ }[القارعة:4]، وأراد أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها، كالجراد لا جهة لها، تكون مختلطة بعضها في بعض.

مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ۝٨ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ ۝٩ فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ۝١٠ فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ ۝١١ وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًا فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ۝١٢ وَحَمَلْنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ ۝١٣

{مُّهْطِعِينَ}، مسرعين مقبلين، {إِلَى ٱلدَّاعِ}، إلى صوت إسرافيل، {يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}، يوم صعب شديد.

قوله عزّ وجلّ: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ}، أي: قبل أهل مكة، {قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا}، نوحاً، {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ}، أي: زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد، وقالوا:

{ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُرْجُومِينَ }[الشعراء:116]، وقال مجاهد معنى: ازدجر أي: استطير جنوناً.

{فَدَعَا}، نوح، {رَبَّهُ}، وقال، {أَنُّى مَغْلُوبٌ}، مقهور، {فَٱنتَصِرْ}، فانتقم لي منهم.

{فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ}، مُنْصَبّ انصباباً شديداً، لم ينقطع أربعين يوماً، وقال يمان: قد طبق ما بين السماء والأرض.

{وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلْمَآءُ}، يعني ماء السماء وماء الأرض، وإنما قال: "فالتقى الماء" والالتقاء لا يكون من واحد، إنما يكون بين اثنين فصاعداً، لأن الماء يكون جمعاً وواحداً، وقرأ عاصم الجحدري: فالتقى الماآن. {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}، أي: قضى عليهم في أم الكتاب. وقال مقاتل: قدر الله أن يكون الماآن سواء فكانا على ما قدر.

{وَحَمَلْنَاهُ}، يعني: نوحاً، {عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ}، أي سفينة ذات ألواح، ذكر النعت وترك الاسم، أراد بالألواح خشب السفينة العريضة، {ودُسُر} أي: المسامير التي تشد بها الألواح، واحدها دِسَارٌ ودسيرٌ، يقال: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير. وقال الحسن: الدُّسر صدر السفينة سميت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجؤها، أي تدفع. وقال مجاهد: هي عوارض السفينة. وقيل: أضلاعها وقال الضحاك: الألواح جانباها، والدسر أصلها وطرفاها.

تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ۝١٤ وَلَقَد تَّرَكْنَٰهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝١٥ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝١٦ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝١٧

{تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا}، أي: بمرأى منّا. وقال مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قولهم للمودَّع: عين الله عليك. وقال سفيان: بأمرنا. {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ}، قال مقاتل بن حيان يعني: فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثواباً لمن كان كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، وقيل: "مَنْ" بمعنى ما، أي: جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمه عند الذين أغرقهم، أو جزاء لِمَا صنع بنوح وأصحابه. وقرأ مجاهد: "جزاء لمن كان كَفَر" بفتح الكاف والفاء، يعني كان الغرق جزاء لمن كان كفر بالله وكذب رسوله.

{وَلَقَدْ تَّرَكْنَـٰهَآ}، يعني: الفعلة التي فعلنا، {ءايَةً}، يُعتَبَر بها. وقيْل: أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله بباقر دي من أرض الجزيرة. عبرةً وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}، أي: متذكر متعظ معتبر خائف مثل عقوبتهم.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق أنه سمع رجلاً سأل الأسود عن قوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}، أو مذكر؟ قال: سمعت عبد الله يقرؤها "فهل من مُدّكر"، وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها: "فهل من مُدّكر"، دَالاً.

{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ}، أي: إنداري. قال الفرَّاء: الإِنذار والنذر مصدران، تقول العرب: أنذرت إنذاراً ونذراً، كقولهم أنفقت إنفاقاً ونفقة، وأيقنت إيقاناً ويقيناً، أُقيم الاسم مقام المصدر.

{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا}، سهلنا، {ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ}، ليتذكر ويعتبر به، وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}، متعظ بمواعظه.

كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝١٨ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ۝١٩ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ۝٢٠ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٢١ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٢٢ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ۝٢٣ فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرًا مِّنَّا وَٰحِدًا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍ وَسُعُرٍ ۝٢٤ أَءُلْقِىَ ٱلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ۝٢٥

{كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً}، شديدة الهبوب, {فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} شديد دائم الشؤم، استمر عليهم بنحو سنة فلم يُبْقِ منهم أحداً إلا أهلكه، قيل: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر.

{تَنزِعُ ٱلنَّاسَ}، تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم. وروي أنها كانت تنزع الناس من قبورهم، {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ}، قال ابن عباس: أصولها، وقال الضحاك: أوراك نخل. {مُّنقَعِرٍ}، منقطع من مكانه، ساقط على الأرض. وواحد الأعجاز عَجُز، مثل عضد وأعضاد، وإنما قال: "أعجاز نخل" وهي أصولها التي قطعت فروعها، لأن الريح كانت تبين رؤوسهم من أجسادهم، فتبقى أجسام بلا رؤوس.

{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ}، بالإِنذار الذي جاءهم به صالح.

{فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً}، آدمياً، {مِّنَّا وَٰحِداً نَّتَّبِعُهُ}، ونحن جماعة كثيرة وهو واحد، {إِنَّآ إِذاً لَّفِى ضَلَـٰلٍ}، خطأ وذهابٍ عن الصواب، {وَسُعُرٍ}، قال ابن عباس: عذاب، وقال الحسن: شدة عذاب. وقال قتادة: عناء، يقولون: إنا إذاً لفي عناء وعذاب مما يلزمنا من طاعته. قال سفيان بن عيينة: هو جمع سعير. وقال الفراء: جنون، يقال ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها. وقال وهب: وسُعُر: أي: بَعُدَ عن الحق.

{أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ}، أأنزل الذكر الوحي، {مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ}، بطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بادعائه النبوة، "والأَشَر": المرح والتجبُّر.

سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلْأَشِرُ ۝٢٦ إِنَّا مُرْسِلُوا۟ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ ۝٢٧ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ۝٢٨ فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ۝٢٩ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٣٠ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَكَانُوا۟ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ ۝٣١

{سَيَعْلَمُونَ}، قرأ ابن عامر وحمزة: "ستعلمون"، بالتاء على معنى قال صالح لهم، وقرأ الآخرون بالياء، يقول الله تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَداً}، حين ينزل بهم العذاب. وقال الكلبي: يعني يوم القيامة. وذكر "الغد" للتقريب على عادة الناس، يقولون: إن مع اليوم غداً، {مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ}.

{إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ}، أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرةٍ ناقةً حمراء عُشَراء، فقال الله تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ}، محنةً واختباراً لهم، {فَٱرْتَقِبْهُمْ}، فانتظر ما هم صانعون، {وَٱصْطَبِرْ}، واصبر على ارتقابهم، وقيل: على ما يصيبك من الأذى.

{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ}، وبين الناقة، يوم لها ويوم لهم، وإنما قال نبيهم لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن البهائم غلَّبت بني آدم على البهائم، {كُلُّ شِرْبٍ}، نصيب من الماء، {مُّحْتَضَرٌ}, يحضره من كانت نوبته، فإذا كان يومها حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم، وحضر واحتضر بمعنى واحد، قال مجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، فإذا جاءت الناقة حضروا اللبن.

{فَنَادَوْاْ صَـٰحِبَهُمْ}، وهو قدار بن سالف، {فَتَعَاطَىٰ}، فتناول الناقة بسيفه {فَعَقَرَ}، أي فعقرها.

{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ}، ثم بين عذابهم. فقال:

{إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَٰحِدَةً}، قال عطاء: يريد صيحة جبريل عليه السلام، {فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ}، قال ابن عباس: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم.

وقال ابن زيد: هو الشجر البالي الذي تهشم حتى ذرَته الريح، والمعنى: أنهم صاروا كيبس الشجر إذا تحطم، والعرب تسمي كل شيء كان رطباً فيبس هشيماً.

وقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة. وقال سعيد بن جبير: هو التراب الذي يتناثر من الحائط.

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٣٢ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ ۝٣٣ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَٰهُم بِسَحَرٍ ۝٣٤ نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ ۝٣٥ وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ ۝٣٦ وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٣٧ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ۝٣٨ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٣٩ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٤٠ وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ ۝٤١ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَٰهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ۝٤٢ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُو۟لَٰٓئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِى ٱلزُّبُرِ ۝٤٣ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ۝٤٤ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ۝٤٥ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ۝٤٦ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَٰلٍ وَسُعُرٍ ۝٤٧ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا۟ مَسَّ سَقَرَ ۝٤٨ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَٰهُ بِقَدَرٍ ۝٤٩

{وَلَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـٰصِباً}، ريحاً ترميهم بالحصباء، وهي الحصى، وقال الضحاك: يعني صغار الحصى. وقيل: "الحصباء" هي الحجر الذي دون ملء الكف، وقد يكون الحاصب الرامي، فيكون المعنى على هذا، أرسلنا عليهم عذاباً يحصبهم، أي: يرميهم بالحجارة، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ}، يعني لوطاً وابنتيه، {نَّجَّيْنَـٰهُم}، من العذاب، {بِسَحَرٍ}.

{نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا}، أي: جعلناه نعمة منا عليهم حيث أنجيناهم، {كَذَلِكَ}، كما أنعمنا على آل لوط، {نَجْزِى مَن شَكَرَ}، قال مقاتل: من وحَّد الله لم يعذبه مع المشركين.

{وَلَقَدْ أَنذَرَهُم}، لوط، {بَطْشَتَنَا}، أخذنا إياهم بالعقوبة، {فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ}، شكوا بالإِنذار وكذبوا ولم يصدقوا.

{وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ}، طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه {فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ}، وذلك أنهم لما قصدُوا دَارَ لوطٍ وعالجوا الباب ليدخلوا، قالت الرسل [للوط]: خلِّ بينهم وبين الدخول فإنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار فصفقهم جبريل بجناحه بإذن الله فتركهم عمياً يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عمياً لا يبصرون. قوله: {فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ}، يعني صيّرناها كسائر الوجه لا يُرى لها شق، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: طمس الله أبصارهم فلم يروا الرسل، فقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا، فلم يروهم فرجعوا. {فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ}، أي: ما أنذركم به لوط من العذاب.

{وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً}، جاءهم وقت الصبح، {عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ}، دائم استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة، وقيل: عذاب حق.

{فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ * وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ}، يعني: موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: هي الآيات التي أنذرهم بها موسى.

{كَذَّبُواْ بِـئايَـٰتِنَا كُلِّهَا}، وهي الآيات التسع، {فَأَخَذْنَـٰهُمْ}، بالعذاب، {أَخْذَ عَزِيزٍ}، غالب في انتقامه، {مُّقْتَدِرٍ}، قادر على إهلاكهم، لا يعجزه ما أراد، ثم خوّف أهل مكة فقال:

{أَكُفَّـٰرُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَـٰئِكُمْ}، أشدّ وأقوى من الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون؟ وهذا استفهام بمعنى الإِنكار أي: ليسوا بأقوى منهم، {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ}، من العذاب، {فِى ٱلزُّبُرِ}، في الكتب أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية.

{أَمْ يَقُولُونَ}، يعني: كفار مكة، {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ}، قال الكلبي: نحن جميع أمرنا منتصر من أعدائنا، والمعنى: نحن يَدٌ واحدة على من خالفنا، منتصر ممن عادانا، ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي.

قال الله تعالى: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ}، قرأ يعقوب: "سنهزم" بالنون، "الجمعَ" نصبٌ، وقرأ الآخرون بالياء وضمها "الجمعُ" رفعٌ على غير تسمية الفاعل، يعني: كفار مكة، {وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}، يعني: الأدبار فوحَّد لأجل رؤوس الآي، كما يقال: ضربنا منهم الرؤوس وضربنا منهم الرأس إذا كان الواحد يؤدي معنى الجمع، أخبر الله أنهم يولون أدبارهم منهزمين فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال:

قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبته يوم بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنْ شئتَ لم تُعبدْ بَعْدَ اليوم»، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك، - وهو في الدرع - فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ * وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}, قال سعيد بن المسيَّب: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما نزلت: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثبُ في درعه ويقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} جميعاً، {وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}، أي أعظم داهية وأشدُّ مرارة من الأسر والقتل يوم بدر.

{إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ}، المشركين، {فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ}، قيل: "في ضلال" بُعْد عن الحق. قال الضحاك: "وسُعُر" أي: نار تسعر عليهم: وقيل: "ضلال" ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، "وسُعُر": نارٌ مسعّرة، قال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة. وقال قتادة: في عناء وعذاب.

ثم بَيَّن عذابهم فقال: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ}، يُجَرُّون، {فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}، ويقال لهم {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ}.

{إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ}، أي: ما خلقناه فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ، قال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له.

أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي، أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي الرازي، أخبرنا أبو معشر يعقوب بن عبد الجليل بن يعقوب، حدثنا أبو يزيد حاتم بن محبوب، أخبرنا أحمد بن نصر النيسابوري، أخبرنا عبد الله بن الوليد العدني، أخبرنا الثوري عن زياد بن إسماعيل السهمي عن محمد ابن عباد المخزومي عن أبي هريرة قال: جاءت مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ} إلى قوله: {إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ}.

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي الخدشاهي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني أبو هانيء الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحُبُلىُّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء".

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاووس اليماني قال: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: "كل شيء بقدر الله"، قال وسمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كل شيء بقَدَرٍ حتى العَجْز والكيسِ، أو الكيسِ والعجزِ".

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا يعلى بن عبيد وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن رجل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر زاد عبيد الله خيره وشره".

ورواه أبو داود عن شعبة عن منصور وقال: عن ربعي عن علي ولم يقل: عن رجل، وهذا أصح.

وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍۭ بِٱلْبَصَرِ ۝٥٠ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٥١ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ ۝٥٢ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ ۝٥٣

{وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}، قوله: {وَاحِدَةٌ}، يرجع إلى المعنى دون اللفظ، أي: وما أمرنا إلا مرة واحدة.

وقيل: معناه: وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة: كن فيكون، لا مراجعة فيها كلمح بالبصر. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر وقال الكلبي عنه: وما أمرنا لمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر.

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَـٰعَكُمْ}، أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة.

{فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}، متعظ يعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر.

{وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ}، يعني فعله الأشياع من خير وشر، {فِى ٱلزُّبُرِ}، في كتاب الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ.

{وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ}، من الخلق وأعمالهم وآجالهم، {مُّسْتَطَرٌ}، مكتوب، يقال: سطرت واستطرت وكتبت واكتتبت.

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍ وَنَهَرٍ ۝٥٤ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍۭ ۝٥٥

{إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ}، بساتين، {وَنَهَرٍ}، أي أنهار، ووحّده لأجل رؤوس الآي، وأراد أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل. وقال الضحاك: يعني في ضياء وسعة ومنه النهار. وقرأ الأعرج: "ونُهُر" بضمتين جمع نهار يعني: نهاراً لا ليل لهم.

{فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ}، في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}، ملك قادر لا يعجزه شيء. قال جعفر الصادق: مدح الله المكان بالصدق فلا يُقْعِد فيه إلا أهلَ الصدق.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ