انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القمر

تفسير القرطبيالآيات 1–49

تفسير سورة القمر آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ۝١ وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ۝٢ وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ۝٣ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ۝٤ حِكْمَةٌۢ بَٰلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ ۝٥ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ ۝٦ خُشَّعًا أَبْصَٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ۝٧ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ۝٨

قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} «ٱقْتَرَبَتِ» أي قربت مثل

{ أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ }[النجم: 57] على ما بيناه. فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة؛ لأنه قد مضى أكثر الدنيا كما روى قتادة عن أنس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس تغيب فقال: «ما بقي من دنياكم فيما مضى إلاّ مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى» وما نرى من الشمس إلا يسيراً. وقال كعب ووهب: الدنيا ستة ٱلاف سنة. قال وهب: قد مضى منها خمسة آلاف سنة وستمائة سنة. ذكره النحاس.

ثم قول تعالى: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} أي وقد ٱنشق القمر. وكذا قرأ حُذيفة «ٱقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَقَدِ ٱنْشَقَّ الْقَمَرُ» بزيادة «قد» وعلى هذا الجمهور من العلماء؛ ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره من حديث ٱبن مسعود وابن عمر وأنس وجبير بن مُطْعِم وابن عباس رضي الله عنهم. وعن أنس قال: سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وسلم آية، فٱنشقَّ القمر بمكة مرتين فنزلت: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} إلى قوله: {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} يقول ذاهب قال أبو عيسى الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ البخاريّ عن أنس قال: ٱنشق القمر فرقتين. وقال قوم: لم يقع ٱنشقاق القمر بعدُ وهو منتظر؛ أي ٱقترب قيام الساعة وٱنشقاق القمر؛ وأن الساعة إذا قامت ٱنشقت السماء بما فيها من القمر وغيره. وكذا قال القشيري. وذكر الماورديّ: أن هذا قول الجمهور، وقال: لأنه إذا ٱنشق ما بقي أحد إلا رآه؛ لأنه آية والناس في الآيات سواء. وقال الحسن: ٱقتربت الساعة فإذا جاءت ٱنشق القمر بعد النفخة الثانية. وقيل: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} أي وضح الأمر وظهر؛ والعرب تضرب بالقمر مثلاً فيما وضَحَ؛ قال:

أقيمُوا بَني أميِّ صُدُورَ مَطِيّكُمْفإنِّي إلى حَيٍّ سواكم لأَمْيَلُ فقد حُمَّتِ الحاجاتُ والليلُ مُقْمِرٌوشُدَّت لِطيَّاتٍ مَطايا وأَرْحُلُ

وقيل: ٱنشقاق القمر هو ٱنشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها، كما يسمى الصبح فلقاً؛ لآنفلاق الظلمة عنه. وقد يعبر عن ٱنفلاقه بٱنشقاقه كما قال النابغة:

فلمَّا أدْبَرُوا ولَهُمْ دَوِيٌّدعانا عِند شَقِّ الصُّبحِ داعِ

قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر ٱنشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس فيها؛ لأنها كانت آية ليلية؛ وأنها كانت باستدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم من الله تعالى عند التحدّي. فروي أنّ حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضباً من سبّ أبي جهل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب أن يريه آية يزداد بها يقيناً في إيمانه. وقد تقدّم في الصحيح أن أهل مكة هم الذين سألوا وطلبوا أن يريهم آية، فأراهم ٱنشقاق القمر فلقتين كما في حديث ٱبن مسعود وغيره. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد ٱقتربت، وأن القمر قد ٱنشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: هو على التقديم والتأخير، وتقديره ٱنشق القمر وٱقتربت الساعة؛ قاله ٱبن كيسان. وقد مرّ عن الفرّاء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدّم وتؤخر عند قوله تعالى: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ }

[النجم: 8] قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ} هذا يدل على أنهم رأوا ٱنشقاق القمر. قال ٱبن عباس:

ٱجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن كنت صادقاً فٱشقق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قُبَيس ونصف على قُعَيْقَعَان؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فعلت تؤمنون» قالوا: نعم؟ وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه أن يعطيه ما قالوا؛ فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي المشركين: «يا فلان يا فلان ٱشهدوا». وفي حديث ٱبن مسعود: ٱنشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا من سحر ٱبن أبي كبشة؛ سَحَرَكم فٱسألوا السُّفَّار؛ فسألوهم فقالوا: قد رأينا القمر ٱنشق فنزلت: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ. وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ} أي إن يروا آية تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعرضوا عن الإيمان {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي ذاهب؛ من قولهم: مَرَّ الشيءُ وٱستمر إذا ذهب؛ قاله أنس وقتادة ومجاهد والفراء والكسائي وأبو عبيدة، وٱختاره النحاس. وقال أبو العالية والضحاك: محكَم قويّ شديد، وهو من المِرَّة وهي القوّة؛ كما قال لقيط:

حتى ٱستمرّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتهُمُرُّ العَزِيمَةِ لاَ (قحما) ولا ضَرَعاً

وقال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدّة فتله. وقيل: معناه مُرٌّ من المرارة. يقال: أَمَرَّ الشيء صار مُرًّا، وكذلك مَرَّ الشيءُ يَمَرُّ بالفتح مرارة فهو مُرٌّ، وأمَرَّه غيره ومَرَّهُ. وقال الربيع: مستمر نافذ. يمان: ماضٍ. أبو عبيدة: باطل. وقيل: دائم. قال:

وليس علـى شـيء قوِيـم بمَسْتمـرْ

أي بدائم. وقيل: يشبه بعضه بعضاً؛ أي قد ٱستمرت أفعال محمد على هذا الوجه فلا يأتي بشيء له حقيقة بل الجميع تخييلات. وقيل: معناه قد مر من الأرض إلى السماء. {وَكَذَّبُواْ} نبيّنا {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي ضلالاتهم وٱختياراتهم. {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي يستقر بكل عامل عمله، فالخير مستقرّ بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار.

وقرأ شيبة «مُسْتَقَر» بفتح القاف؛ أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدّم وتأخر. وقد روي عن أبي جعفر بن القَعْقَاع «وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٍّ» بكسر القاف والراء جعله نعتاً لأمر و «كُلُّ» على هذا يجوز أن يرتفع بالابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: وكل أمر مستقر في أمّ الكتاب كائن. ويجوز أن يرتفع بالعطف على الساعة؛ المعنى: ٱقتربت الساعة وكل أمرٍ مستقر؛ أي ٱقترب ٱستقرار الأمور يوم القيامة. ومن رفعه جعله خبراً عن «كلّ».

قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} أي من بعض الأنباء؛ فذكر سبحانه من ذلك ما علم أنهم يحتاجون إليه، وأن لهم فيه شفاء. وقد كان هناك أمور أكثر من ذلك، وإنما ٱقتص علينا ما علم أن بنا إليه حاجة وسكت عما سوى ذلك؛ وذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} أي جاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم الخالية {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } أي ما يزجرهم عن الكفر لو قبلوه، وأصله مُزْتَجَر فقلبت التاء دالاً؛ لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور، فأبدل من التاء دالاً توافقها في المخرج وتوافق الزاي في الجهر. و «مُزْدجَر» من الزجر وهو الانتهاء، يقال: زجره وٱزدجره فٱنزجر وٱزدجر، وزجرته أنا فانزجر أي كففته فكف، كما قال:

فأصبحَ ما يطلبُ الغانياتُ مُزْدَجَراً عن هواه ٱزدجاراً

وقرىء «مُزّجَرٌ» بقلب تاء الأفتعال زايا وإدغام الزاي فيها؛ حكاه الزمخشري.

{حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} يعني القرآن وهو بدل من «ما» من قوله: {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}. ويجوز أن يكون خبر ٱبتداء محذوف؛ أي هو حكمة. {فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ} إذا كذّبوا وخالفوا كما قال الله تعالى:

{ وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ }[يونس:101] فـ «ـمَا» نفي أي ليست تغني عنهم النذر. ويجوز أن يكون ٱستفهاماً بمعنى التوبيخ؛ أي فأي شيء تغني النذر عنهم وهم معرضون عنها. و {وَٱلنُّذُرُ} يجوز أن تكون بمعنى الإنذار، ويجوز أن تكون جمع نذير.

قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم. قيل: هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو تمام الكلام. ثم قال: {يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ} العامل في «يَوْمَ» {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أو {خُشَّعاً} أو فعل مضمر تقديره وٱذكر يوم. وقيل: على حذف حرف الفاء وما عملت فيه من جواب الأمر، تقديره: فتولّ عنهم فإن لهم يوم يدعو الداعي. وقيل: تَوَلَّ عنهم يا محمد فقد أقمت الحجة وأبصرهم يوم يدعو الداعي. وقيل: أي أعرض عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم، فإنهم يدعون {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} وينالهم عذاب شديد. وهو كما تقول: لا تسأل عما جرى على فلان إذا أخبرته بأمر عظيم. وقيل: أي وكلّ أمر مستقرّ يوم يدعو الداعي. وقرأ ٱبن كثير «نُكْرٍ» بإسكان الكاف، وضمها الباقون وهما لغتان كعُسْر وعُسُر وشُغْل وشُغُل، ومعناه الأمر الفظيع العظيم وهو يوم القيامة. والداعي هو إسرافيل عليه السلام. وقد روي عن مجاهد وقتادة أنهما قرأا «إِلَى شَيْءٍ نُكِرَ» بكسر الكاف وفتح الراء على الفعل المجهول. {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} الخشوع في البصر الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن أثر العزّ والذّل يتبين في ناظر الإنسان؛ قال الله تعالى:

{ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ }[النازعات:9] وقال تعالى: { خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ }.[الشورى:45] ويقال: خَشَع وٱختَشَع إذا ذلَّ. وخَشَع ببصره أي غضّه. وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو «خَاشِعاً» بالألف ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد، نحو: «خَاشِعاً أَبْصَارُهُمْ» والتأنيث نحو: { خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ }[القلم:43] ويجوز الجمع نحو: {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} قال:

وَشَبَابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهمْمِنْ إيادِ بنِ نِزارِ بنِ مَعَد

و «خُشَّعاً» جمع خاشع والنصب فيه على الحال من الهاء والميم في «عَنْهُمْ» فيقبح الوقف على هذا التقدير على «عَنْهُمْ». ويجوز أن يكون حالاً من المضمر في «يَخْرُجُونَ» فيوقف على «عَنْهُمْ». وقرىء «خُشَّعٌ أَبْصَارُهُمْ» على الابتداء والخبر، ومحل الجملة النصب على الحال، كقوله:

وجدتـه حَاضِـرَاه الجـودُ والْكَـرَمُ

{يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي القبور واحدها جدث. {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ. مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ}. وقال في موضع آخر: { يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ }[القلرعة:4] فهما صفتان في وقتين مختلفين؛ أحدهما ـ عند الخروج من القبور، يخرجون فزِعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض؛ فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها (الثاني) ـ فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد له جهة يقصدها. و «مُهْطِعِينَ» معناه مسرعين؛ قاله أبو عبيدة. ومنه قول الشاعر:

بدِجْلَةَ دَارُهمْ ولقد أراهمبدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ

الضحاك: مقبلين. قتادة: عامدين. ٱبن عباس: ناظرين. عكرمة: فاتحين آذانهم إلى الصوت. والمعنى متقارب. يقال: هَطَع الرجلُ يَهْطَعُ هُطُوعاً إذا أقبل على الشيء ببصره لا يقلع عنه؛ وأهطع إذا مدّ عنقه وصوّب رأسه. قال الشاعر:

تَعَبَّدَنِي نِمْرُ بنُ سَعْدٍ وقد أَرىونِمْرُ بنُ سَعْدٍ لي مُطِيعٌ ومُهْطِعُ

وبعير مُهْطِع: في عنقه تصويبٌ خِلْقةً. وأهطع في عَدْوه أي أسرع. {يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} يعني يوم القيامة لما ينالهم فيه من الشدّة.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ ۝٩ فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ۝١٠ فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ ۝١١ وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًا فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ۝١٢ وَحَمَلْنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ ۝١٣ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ۝١٤ وَلَقَد تَّرَكْنَٰهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝١٥ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝١٦ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝١٧

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} ذكر جملاً من وقائع الأمم الماضية تأنيساً للنبيّ صلى الله عليه وسلم وتعزية له. {قَبْلَهُمْ} أي قبل قومك. {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} يعني نوحاً. الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت ما معنى قوله: {فَكَذَّبُواْ} بعد قوله: {كَذَّبَتْ}؟ قلت: معناه كذّبوا فكذَّبوا عبدنا؛ أي كذّبوه تكذيباً على عقب تكذيب؛ كلما مضى منهم قَرْن مكذِّب تبعه قَرْن مكذّب، أو كذّبت قوم نوح الرسل فكذّبوا عبدنا؛ أي لما كانوا مكذِّبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً كذّبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل. {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} أي هو مجنون {وَٱزْدُجِرَ} أي زجر عن دعوى النبوة بالسبّ والوعيد بالقتل. وقيل إنما قال: {وَٱزْدُجِرَ} بلفظ ما لم يسم فاعله لأنه رأس آية. {فَدَعَا رَبَّهُ} أي دعا عليهم حينئذ نوح وقال: رَبِّ {أَنِّي مَغْلُوبٌ} أي غلبوني بتمردهم {فَٱنتَصِرْ} أي فانتصر لي. وقيل: إن الأنبياء كانوا لا يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن الله عز وجل لهم فيه. {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ} أي فأجبنا دعاءه وأمرناه باتخاذ السفينة وفتحنا أبواب السماء {بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} أي كثير؛ قاله السدّي. قال الشاعر:

أعينيّ جُودَا بالدُّموعِ الهَوَامرِعلى خيرِ بادٍ من مَعَدٍّ وحاضِرِ

وقيل: إنه المنصبّ المتدفِّق؛ ومنه قول ٱمرىء القيس يصف غيثاً:

رَاحَ تَمْرِيهِ الصَّبَا ثم ٱنْتَحَىفيه شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ

الهَمْر الصبّ؛ وقد هَمَر الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْراً. وهَمَر أيضاً إذا أكثر الكلام وأسرع. وهَمَر له من ماله أي أعطاه. قال ٱبن عباس: ففتحنا أبواب السماء بماء (مُنْهَمِرٍ) من غير سحاب لم يقلع أربعين يوماً. وقرأ ٱبن عامر ويعقوب: «فَفَتَّحْنَا» مشدّدة على التكثير. الباقون «فَفَتَحْنَا» مخفَّفاً. ثم قيل: إنه فتح رتاجها وسعة مسالكها. وقيل: إنه المجرَّة وهي شَرَج السماء ومنها فتحت بماء منهمر؛ قاله عليّ رضي الله عنه. {وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} قال عُبَيد بن عُمير: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجّرت بالعيون، وإن عيناً تأخّرت فغضب عليها فجعل ماءها مُرّاً أُجاجاً إلى يوم القيامة. {فَالْتَقَى ٱلمَآءُ} أي ماء السماء وماء الأرض {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر؛ حكاه ٱبن قتيبة. أي كان ماء السماء والأرض سواء. وقيل: «قُدِرَ» بمعنى قضى عليهم. قال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن يَغْرَقُوا. وقال محمد بن كعب: كانت الأقوات قبل الأجساد، وكان القدر قبل البلاء؛ وتلا هذه الآية. وقال: «الْتَقَى الْمَاءُ» والالتقاء إنما يكون في ٱثنين فصاعداً؛ لأن الماء يكون جمعاً وواحداً. وقيل: لأنهما لما ٱجتمعا صارا ماء واحداً. وقرأ الجحَدْري: «فَالْتَقَى الْمَاءَانِ». وقرأ الحسن: «فَالْتَقَى الْمَاوَانِ» وهما خلاف المرسوم. القُشيري: وفي بعض المصاحف «فَالْتَقَى الْمَاوَانِ» وهي لغة طيّىء. وقيل: كان ماء السماء بارداً مثل الثلج وماء الأرض حاراً مثل الحميم. {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ} أي على سفينة ذات ألواحٍ. {وَدُسُرٍ} قال قتادة: يعني المسامير التي دُسِرت بها السفينة أي شدّت؛ وقاله القُرَظِيّ وٱبن زيد وٱبن جبير، ورواه الوالبي عن ٱبن عباس. وقال الحسن وشَهْر بن حَوْشَب وعكرمة: هي صدر السفينة التي تضرب بها المَوْج سُمِّيت بذلك لأنها تَدْسُر الماء أي تدفعه، والدَّسْرُ الدّفع والمَخْر؛ ورواه العَوْفي عن ٱبن عباس قال: الدَّسْر كَلْكَلُ السفينة.

وقال الليث: الدِّسار خيط من ليف تُشد به ألواح السفينة. وفي الصحاح: الدِّسار واحد الدُّسر وهي خيوط تشدّ بها ألواح السفينة، ويقال: هي المسامير، وقال تعالى: {عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}. ودُسْر أيضاً مثل عُسُر وعُسْر. والدَّسْر الدفع؛ قال ٱبن عباس في العنبر: إنما هو شيء يَدْسُره البحر دَسْراً أي يدفعه. ودَسَره بالرمح. ورجل مِدْسر. {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} أي بمرأىً منَّا. وقيل: بأمرنا. وقيل: بحفظ منّا وكِلاَءة: وقد مضى في «هود». ومنه قول الناس للمودَّع: عين الله عليك؛ أي حفظه وكِلاءته. وقيل: بِوَحينا. وقيل: أي بالأعين النابعة من الأرض. وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها، وكل ما خلق الله تعالى يمكن أن يضاف إليه. وقيل: أي تجرى بأوليائنا، كما في الخبر: مرض عين من عيوننا فلم تعده. {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} أي جعلنا ذلك ثواباً وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه وهو المكفور به؛ فاللام في «لِمَنْ» لام المفعول له؛ وقيل: «كُفِرَ» أي جحد؛ فـ «ـمن» كناية عن نوح. وقيل: كناية عن الله والجزاء بمعنى العقاب؛ أي عقاباً لكفرهم بالله تعالى. وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد «جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ» بفتح الكاف والفاء بمعنى: كان الغرق جزاءً وعقاباً لمن كفر بالله، وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق؛ كان الماء إلى حُجْزته. وسبب نجاته أن نوحاً ٱحتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة فلم يمكنه حملها، فحمل عُوجٌ تلك الخشبة إليه من الشام فشكر الله له ذلك، ونَجّاه من الغرق. {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً} يريد هذه الفعلة عبرةً. وقيل: أراد السفينة تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذّبون الرسل. قال قتادة: أبقاها الله ببَاقِرْدَى من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} مُتَّعظ خائف، وأصله مُذْتَكِر مُفْتَعِل من الذكر، فثقلت على الألسنة فقلبت التاء دالاً لتوافق الذال في الجهر وأدغمت الذال فيها. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي إنذاري؛ قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران. وقيل: «نُذُر» جمع نذير ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} أي سهلناه للحفظ وأعنّا عليه من أراد حفظه؛ فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيّأناه للذكر مَأْخوذ من يَسَّر ناقته للَّسَفر: إذا رَحَلها، ويَسَّر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه؛ قال:

وقُمْتُ إليهِ باللِّجامِ مُيَسِّراًهُنَالكَ يَجْزِينِي الذي كنتُ أَصْنَعُ

وقال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن؛ وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلا نظراً، غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم، ومن أجل ذلك ٱفتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت؛ على ما تقدّم بيانه في صورة «براءة» فيسّر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذّكّروا ما فيه؛ أي يفتعلوا الذّكر، والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب فيهم. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} قارىء يقرؤه. وقال أبو بكر الوراق وٱبن شَوْذب: فهل من طالب خير وعلم فيعانَ عليه، وكرّر في هذه السورة للتنبيه والإفهام. وقيل: إن الله تعالى ٱقتص في هذا السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذكْر للمستمع أن لو ٱدّكر، وإنما كرّر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} لأن «هَلْ» كلمة ٱستفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم؛ فاللام من «هَلْ» للاستعراض والهاء للاستخراج.

كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝١٨ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ۝١٩ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ۝٢٠ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٢١ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٢٢

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ} هم قوم هود. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} وقعت «نُذُر» في هذه السورة في ستة أماكن محذوفة الياء في جميع المصاحف، وقرأها يعقوب مثبتة في الحالين، وورش في الوصل لا غير، وحذف الباقون. ولا خلاف في حذف الياء من قوله: {فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ} والواو من قوله: {يَدْعُو} فأما الياء من {ٱلدَّاعِ} الأول فأثبتها في الحالين ٱبن مُحيصن ويعقوب وحُميد والبَزِّي، وأثبتها ورش وأبو عمرو في الوصل، وحذف الباقون. وأما {ٱلدَّاعِ} الثانية فأثبتها يعقوب وٱبن مُحَيْصن وٱبن كثير في الحالين، وأثبتها أبو عمرو ونافع في الوصل، وحذفها الباقون. {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} أي شديدة البرد؛ قاله قتادة والضحاك. وقيل: شديدة الصوت. وقد مضى في «حم السجدة». {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} أي في يوم كان مشؤوماً عليهم. وقال ٱبن عباس: أي في يوم كانوا يتشاءمون به. الزجاج: قيل في يوم أربعاء. ٱبن عباس: كان آخر أربعاء في الشهر أفنى صغيرهم وكبيرهم. وقرأ هارون الأعور «نَحِسٍ» بكسر الحاء وقد مضى القول فيه في حم السجدة

{ فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } [فصلت:16] . و {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} أي دائم الشؤم ٱستمرّ عليهم بنحوسه، وٱستمر عليهم فيه العذاب إلى الهلاك. وقيل: ٱستمر بهم إلى نار جهنم. وقال الضحاك: كان مُرًّا عليهم. وكذا حكى الكسائي أن قوماً قالوا هو من المرارة؛ يقال: مُرَّ الشيء وأَمرَّ أي كان كالشيء المرّ تكرهه النفوس. وقد قال: «فَذُوقُوا» والذي يذاق قد يكون مُرّاً. وقد قيل: هو من المِرّة بمعنى القوّة. أي في يوم نحس مستمر مستحكم الشؤم كالشيء المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه. فإن قيل: فإذا كان يوم الأربعاء يوم نحس مستمر فكيف يستجاب فيه الدعاء؟ وقد جاء أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱستجيب له فيه فيما بين الظهرِ والعصرِ. وقد مضى في «البقرة» حديث جابر بذلك. فالجواب ـ والله أعلم ـ ما جاء في خبر يرويه مسروق عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد وقال يوم الأربعاء يوم نحس مستمرومعلوم أنه لم يرد بذلك أنه نحس على الصالحين، بل أراد أنه نحس على الفجار والمفسدين؛ كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن؛ نحسات على الكفار من قوم عاد لا على نبيهم والمؤمنين به منهم، وإذا كان كذلك لم يبعد أن يمهل الظالم من أوّل يوم الأربعاء إلى أن تزول الشمس، فإذا أدبر النهار ولم يحدث رجعة ٱستجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحساً على الظالم؛ ودعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما كان على الكفار، وقول جابر في حديثه «لم ينزل بي أمر غليظ» إشارة إلى هذا. والله أعلم.

قوله تعالى: {تَنزِعُ ٱلنَّاسَ} في موضع الصفة للريح أي تَقْلَعهم من مواضعهم. قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم ٱقتلاع النخلة من أصلها. وقال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم فتندقّ أعناقهم وتَبِين رؤوسهم عن أجسادهم. وقيل: تنزع الناس من البيوت. وقال محمد بن كعب عن أبيه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

ٱنتزعت الريح الناس من قبورهم. وقيل: حفروا حُفَراً ودخلوها فكانت الريح تنزعهم منها وتكسرهم، وتبقى تلك الحفر كأنها أصول نخل (قد) هلك ما كان فيها فتبقى مواضعها منقعرة. ويروى أن سبعة منهم حفروا حفراً وقاموا فيها ليردُّوا الريح. قال ٱبن إسحاق: لما هاجت الريح قام نفر سبعة من عاد سمى لنا منهم ستة من أشد عاد وأجسمها منهم عمرو بن الحلي والحرث بن شداد والهِلْقام وٱبنا تِقْن وخلجان بن سعد فأْولجوا العيال في شِعب بين جبلين، ثم ٱصطفوا على باب الشِّعب ليردّوا الريح عمن في الشِّعب من العيال، فجعلت الريح تَجْعَفهم رجلاً رجلاً، فقالت ٱمرأة من عاد:

ذهبَ الدهرُ بعمرِو بــن حلٍّي والهنيّات ثم بالحرث والهِلْــقامِ طَلاَّعِ الثنِّيات والذي سدّ مهبّ الريح أيام البلِيّات

الطبريّ: في الكلام حذف، والمعنى تنزع الناس فتتركهم كأنهم أعجاز نخل منقعر؛ فالكاف في موضع نصب بالمحذوف. الزجاج: الكاف في موضع نصب على الحال، والمعنى تنزع الناس مشبهين بأعجاز نخل. والتشبيه قيل إنه للحُفَر التي كانوا فيها. والأعجاز جمع عَجُز وهو مؤخر الشيء، وكانت عاد موصوفين بطول القامة، فشُبِّهوا بالنخل ٱنكبت لوجوهها. وقال: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} للفظ النخل وهو من الجمع الذي يذكّر ويؤنّث. والمنقعر: المنقلع من أصله؛ قعرت الشجرة قعراً قلعتها من أصلها فٱنقعرت. الكسائي: قعرت البئر أي نزلت حتى ٱنتهيت إلى قعرها، وكذلك الإناء إذا شربت ما فيه حتى ٱنتهيت إلى قعره. وأقعرت البئر جعلت لها قعراً. وقال أبو بكر بن الأنباري: سئل المبرِّد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، فقيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: { وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً }[الأنبياء:81] و { جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ }[يونس:22]، وقوله: { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ }[الحاقة:7] و {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}؟ فقال: كلما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً، أو إلى المعنى تأنيثاً. وقيل: إن النخل والنخيل بمعنًى يذكّر ويؤنث كما ذكرنا. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر} {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (تقدّم).

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ۝٢٣ فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرًا مِّنَّا وَٰحِدًا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍ وَسُعُرٍ ۝٢٤ أَءُلْقِىَ ٱلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ۝٢٥ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلْأَشِرُ ۝٢٦

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ} هم قوم صالح كذبوا الرسل ونبيهم، أو كذّبوا بالآيات التي هي النذر {فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} وندع جماعة. وقرأ أبو الأشهب وٱبن السَّمَيْقَع وأبو السَّمَّال العدويّ «أَبَشَرٌ» بالرفع «وَاحِدٌ» كذلك رفع بالابتداء والخبر «نَتَّبِعُهُ». الباقون بالنصب على معنى أنتبع بشراً منا واحداً نتبعه. وقرأ أبو السَّمَّال: «أَبَشَرٌ» بالرفع «مِنَّا واحِداً» بالنصب، رفع «أَبَشَرٌ» بإضمار فعل يدل عليه {أَأُلْقِيَ} كأنه قال: أينبّأ بشر منّا، وقوله: «وَاحِداً» يجوز أن يكون حالاً من المضمر في «مِنَّا» والناصب له الظرف، والتقدير أينبأ بشر كائن منّا منفرداً؛ ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في {نَّتَّبِعُهُ} منفرداً لا ناصر له. {إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ} أي ذهاب عن الصواب {وَسُعُرٍ } أي جنون، من قولهم: ناقة مسعورة، أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة، ذكره ٱبن عباس. قال الشاعر يصف ناقته:

تَخالُ بها سُعْراً إذا السَّفْرُ هَزَّهَاذَمِيلٌ وإيقاعٌ من السَّيْرِ مُتْعِبُ

الذميل ضرب من سير الإبل. قال أبو عبيد: إذا ارتفع السير عن العَنَق قليلاً فهو التّزيُّد، فإذا ٱرتفع عن ذلك فهو الذميل، ثم الرَّسيم؛ يقال: ذمَل يَذْمُل ويَذمِل ذميلاً. قال الأصمعي: ولا يَذمُل بعير يوماً وليلةً إلا مَهْرِيٌّ قاله. وقال ٱبن عباس أيضاً: السُّعر العذاب، وقاله الفراء. مجاهد: بعد الحق. السديّ: في ٱحتراق. قال:

أصحوتَ اليومَ أَمْ شَاقَتْكَ هِرّومِنَ الْحُبِّ جُنُونٌ مُسْتَعِرْ

أي متقد ومحترق. أبو عبيدة: هو جمع سعير وهو لهيب النار. والبعير المجنون يذهب كذا وكذا لما يتلهب به من الحدّة. ومعنى الآية: إنَّا إذاً لفي شقاء وعناء مما يلزمنا.

قوله تعالى: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} أي خصص بالرسالة من بين آل ثمود وفيهم من هو أكثر مالاً وأحسن حالاً؟! وهو استفهام معناه الإنكار. {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} أي ليس كما يدّعيه، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير ٱستحقاق. والأَشَر المَرَح والتَجَبُّر والنّشاط. يقال: فرس أَشِر إذا كان مرحاً نشيطاً؛ قال ٱمرؤ القيس يصف كلباً:

فيدركنا فَغِمٌ داجِنٌسمِيعٌ بِصيرٌ طَلُوبٌ نَكِرْ أَلَصُّ الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضُّلُوعِتَبُوعٌ أَرِيبٌ نَشيطٌ أَشِرْ

وقيل: «أَشِرٌ» بَطِر. والأَشَر البَطَر؛ قال الشاعر:

أَشِرْتُمْ بلُبْس الخَزِّ لمّا لَبِسْتُمُومِن قبلُ ما تَدْرونَ مَنْ فَتَحَ الْقُرَى

وقدأشِر بالكسر يأشَر أَشَراً فهو أَشِر وأَشْران، وقوم أشَارى مثل سَكْران وسُكَارى؛ قال الشاعر:

وخَلَّتْ وُعُولاً أَشَارَى بهاوقد أَزْهَفَ الطَّعْنُ أبطالَهَا

وقيل: إنه المتعدي إلى منزلة لا يستحقها؛ والمعنى واحد. وقال ٱبن زيد وعبد الرحمن بن حماد: الأشِر الذي لا يبالي ما قال. وقرأ أبو جعفر وأبو قِلابة «أَشَرُّ» بفتح الشين وتشديد الراء يعني به أشرنا وأخبثنا. {سَيَعْلَمُونَ غَداً} أي سيرون العذاب يوم القيامة، أو في حال نزول العذاب بهم في الدنيا. وقرأ ٱبن عامر وحمزة بالتاء على أنه من قول صالح لهم على الخطاب. الباقون بالياء إخبار من الله تعالى لصالح عنهم. وقوله: «غَداً» على التقريب على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غداً؛ قال:

للموتِ فيها سِهامٌ غير مُخْطِئَةٍمَنْ لم يكن مَيِّتاً في اليومِ ماتَ غَدَا

وقال الطرِمَّاح:

أَلاَ عَلِّلاَنِي قبل نَوْحِ النَّوَائِحوقَبْلَ ٱضْطرَابِ النَّفْسِ بَين الْجَوَانِح وقبلَ غَدٍ يا لَهْفَ نفسي على غَدٍإذا رَاحَ أصحابي ولستُ برائِح

إنما أراد وقت الموت ولم يرد غداً بعينه. {مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ} وقرأ أبو قِلابة «الأَشَرُّ» بفتح الشين وتشديد الراء جاء به على الأصل. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأَشَرّ والأَخيَر إلا في ضرورة الشعر؛ كقول رؤبة:

بِـلاَلٌ خَيْـرُ النـاسِ وٱبـنُ الأَخْيَـر

وإنما يقولون هو خير قومه، وهو شر الناس؛ قال الله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }[آل عمران:110] وقال: { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً }[مريم:75]. وعن أبي حيوة بفتح الشين وتخفيف الراء. وعن مجاهد وسعيد بن جُبير ضم الشين والراء والتخفيف، قال النحاس: وهو معنى «الأشِر» ومثله رجل حَذِر وحَذُر.

إِنَّا مُرْسِلُوا۟ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ ۝٢٧ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ۝٢٨ فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ۝٢٩ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٣٠ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَكَانُوا۟ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ ۝٣١ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٣٢

قوله تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُو ٱلنَّاقَةِ} أي مخرجوها من الهضبة التي سألوها، فروي أن صالحاً صلى ركعتين ودعا فانصدعت الصخرة التي عينوها عن سنامها، فخرجت ناقة عُشَراء وبراء. {فِتْنَةً لَّهُمْ} أي ٱختباراً وهو مفعول له. {فَٱرْتَقِبْهُمْ} أي ٱنتظر ما يصنعون. {وَٱصْطَبِرْ } أي ٱصبر على أذاهم، وأصل الطاء في ٱصطبر تاء فتحوّلت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق. {وَنَبِّئْهُمْ}: أي أخبرهم {أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} أي بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، كما قال تعالى:

{ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ }.[الشعراء:155] قال ٱبن عباس: كان يوم شِربهم لا تشرب الناقة شيئاً من الماء وتسقيهم لبناً وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كلّه فلم تُبق لهم شيئاً. وإنما قال: «بَيْنَهُمْ» لأن العرب إذا أخبروا عن بني آدم مع البهائم غلّبوا بني آدم. وروى أبو الزبير عن جابر قال: لما نزلنا الحجرْ في مغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم تَبُوك، قال:«أيها الناس لا تسألوا في هذه الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث الله لهم ناقة فبعث الله عز وجل إليهم الناقة فكانت تَرِد من ذلك الفجّ فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون يوم غِبِّها» وهو معنى قوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ}. {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} الشِّرْب ـ بالكسر ـ الحَظ من الماء؛ وفي المثل: (آخرها أقلّها شِرْباً) وأصله في سقي الإبل، لأن آخرها يرد وقد نزِف الحوضُ. ومعنى «مُحْتَضَرٌ» أي يحضُره مَن هو له؛ فالناقة تَحضُر الماء يوم وِردها، وتغيب عنهم يوم وِردهم؛ قاله مقاتل. وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غبِّها فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وِردها فيحتلبون.

قوله تعالى: {فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ} يعني بالحضّ على عَقْرها {فَتَعَاطَىٰ} عقرها {فَعَقَرَ } هَا ومعنى تعاطى تناول الفعل؛ من قولهم: عَطَوتُ أي تناولت؛ ومنه قول حسان:

كلْتَاهُمَا حَلَبُ العَصِيرِ فعَاطِنِيبزجاجةٍ أرخاهما للمِفْصَلِ

قال محمد بن إسحاق: فكمِن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عَضَلة ساقها، ثم شدّ عليها بالسيف فكشف عُرْقوبها، فخرّت ورَغت رُغاءةً واحدة تحَدّر سَقْبها من بطنها ثم نَحرها، وٱنطلق سَقْبها حتى أتى صخرة في رأس جبل فرغا ثم لاذ بها، فأتاهم صالح عليه السلام؛ فلما رأى الناقة قد عُقِرت بكى وقال: قد ٱنتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله. وقد مضى في «الأعراف» بيان هذا المعنى. قال ٱبن عباس: وكان الذي عقرها أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى. ويقال في ٱسمه قُدَار بن سالف. وقال الأفوه الأَوْدي:

أو قَبْلَه كقُدَارٍ حين تَابَعَهُعلى الغِوَايةِ أقوامٌ فقد بادُوا

والعرب تسمِّي الجزّار قُدَاراً تشبيهاً بقُدَار بن سالف مشؤوم آل ثمود؛ قال مُهلهِل:

إنَّا لَنَضْرِبُ بالسُّيُوفِ رؤُوسَهمْضَرْبَ القُدَارِ نقِيعةَ القُدَّامِ

وذكره زهير فقال:

فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلمانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْكأحمرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فتَفْطِمِ

يريد الحرب؛ فكنَّى عن ثمود بعاد.

قوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} يريد صيحة جبريل عليه السلام، وقد مضى في «هود». {فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} وقرأ الحسن وقتادة وأبو العالية «المحْتَظَر» بفتح الظاء أرادوا الحظيرة. الباقون بالكسر أرادوا صاحب الحظيرة. وفي الصحاح: والمحتِظر الذي يعمل الحظيرة. وقرىء «كَهَشِيِم المحتظِر» فمن كسره جعله الفاعل ومن فتحه جعله المفعول به. ويقال للرجل القليل الخير: إنَّه لنَكِدُ الْحظِيرَة. قال أبو عبيد: أراه سمى أمواله حظيرة لأنه حظرها عنده ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. المهدوي: من فتح الظاء من «المحتظر» فهو مصدر، والمعنى كهشيم الاحتظار. ويجوز أن يكون «المحتظَر» هو الشجر المتخذ منه الحظيرة. قال ٱبن عباس: «المحتظِر» هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك؛ فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم. قال:

أَثَرْنَ عَجاجةً كدخانِ نارٍتشبّ بغَرْقَدٍ بالٍ هَشِيمِ

وعنه: كحشيش تأكله الغنم. وعنه أيضاً: كالعظام النخرة المحترقة، وهو قول قتادة. وقال سعيد بن جُبير: هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح. وقال سفيان الثوري: هو ما تناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصا، وهو فعيل بمعنى مفعول. وقال ٱبن زيد: العرب تسمِّي كل شيء كان رطباً فيبس هشيماً. والحظْر المنع، والمحتظر المفتعل يقال منه: ٱحتظر على إبله وحظر أي جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض ليمنع برد الريح والسباع عن إبله؛ قال الشاعر:

تَرَى جِيَفَ المَطِيِّ بجانبيهكأنّ عظامَها خَشَبُ الهَشِيمِ

وعن ٱبن عباس: أنهم كانوا مثل القمح الذي ديس وهشم؛ فالمحتظر على هذا الذي يتخذ حظيرة على زرعه، والهشيم فُتات السنبلة والتبن. {وَلَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ ۝٣٣ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَٰهُم بِسَحَرٍ ۝٣٤ نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ ۝٣٥ وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ ۝٣٦ وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٣٧ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ۝٣٨ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٣٩ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٤٠

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ} أخبر عن قوم لوط أيضاً لما كذّبوا لوطاً. {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} أي ريحاً ترميهم بالحصباء وهي الحصى؛ قال النّضر: الحاصب الحصباء في الريح. وقال أبو عبيدة: الحاصب الحجارة. وفي الصحاح: والحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء وكذلك الحَصِبة؛ قال لَبِيد:

جَرَّتْ عليها أَنْ خَوَتْ مِن أهلَهاأذيالَها كُلُّ عَصُوفٍ حَصِبَهْ

عصفت الريح أي ٱشتدّت فهي ريح عاصفٌ وعَصُوف. وقال الفَرَزْدق:

مستقبلين شمالَ الشامِ تَضرِبُنَابحاصبٍ كنَديفِ القُطْنِ منثورِ

{إِلاَّ آلَ لُوطٍ} يعني من تبعه على دينه ولم يكن إلا بنتاه {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} قال الأخفش: إنما أجراه لأنه نكرة، ولو أراد سَحَر يوم بعينه لما أجراه، ونظيره: { ٱهْبِطُواْ مِصْراً }[البقرة:61]لما نكّره، فلما عرّفه في قوله: { ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ }[يوسف:99] لم يُجْرِه، وكذا قال الزجاج: «سحر» إذا كان نكرة يراد به سحَر من الأسحار يصرف، تقول أتيته سحراً، فإذا أردت سحر يومك لم تصرفه، تقول: أتيته سَحَر يا هذا، وأتيته بسحر. والسَّحَرُ: هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب ٱختلاط سواد الليل ببياض أوّل النهار؛ لأن في هذا الوقت يكون مخاييل الليل ومخاييل النهار. {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} إنعاماً منّا على لوط وٱبنتيه؛ فهو نَصْب لأنه مفعول به. {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} أي من آمن بالله وأطاعه. {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ} يعني لوطاً خوّفهم {بَطْشَتَنَا} عقوبتنا وأَخْذنا إياهم بالعذاب {فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ} أي شَكُّوا فيما أنذرهم به الرسول ولم يصدّقوه، وهو تفاعل من المِرْية. {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} أي أرادوا منه تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلباً للفاحشة على ما تقدّم. يقال: راوَدْته على كذا مُرَاوَدةً ورِوَاداً أي أردتُه. وراد الكلأَ يروده رَوْداً ورِياداً، وٱرْتادَه ٱرتياداً بمعنًى أي طلبه؛ وفي الحديث:إذا بال أحدكم فلْيَرْتَدْ لِبولهأي يطلب مكاناً ليناً أو منحدراً. {فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} يروى أن جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فَعُموا. وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شقّ، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب. وقيل: لا، بل أعماهم الله مع صحة أبصارهم فلم يروهم. قال الضحاك: طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل؛ فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا؟ فرجعوا ولم يروهم. {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي فقلنا لهم ذوقوا، والمراد من هذا الأمر الخبر؛ أي فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط. {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} أي دائم عام ٱستقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة. وذلك العذاب قَلْب قريتهم عليهم وجعل أعلاها أسفلها. و «بُكْرَةً» هنا نكرة فلذلك صرفت. {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به فلذلك حسن التكرير. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ} تقدم.

وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ ۝٤١ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَٰهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ۝٤٢

قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ} يعني القبط و «النُّذُرُ» موسى وهارون. وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. {كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا} معجزاتنا الدالة على توحيدنا ونبوّة أنبيائنا؛ وهي العصا، واليد، والسَّنون، والطمسة، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وقيل: {ٱلنُّذُرُ } الرسل؛ فقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى. وقيل: {ٱلنُّذُرُ } الإنذار. {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ} أي غالب في ٱنتقامه {مُّقْتَدِرٍ } أي قادر على ما أراد.

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُو۟لَٰٓئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِى ٱلزُّبُرِ ۝٤٣ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ۝٤٤ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ۝٤٥ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ۝٤٦

قوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ} خاطب العرب. وقيل: أراد كفار أمّة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ٱستفهام، وهو ٱستفهام إنكار ومعناه النفي؛ أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدّم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ} أي في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة. وقال ٱبن عباس: أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب. {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} أي جماعة لا تطاق لكثرة عددهم وقوتهم، ولم يقل منتصرين ٱتباعاً لرؤوس الآي؛ فرد الله عليهم فقال: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ} أي جمع كفار مكة، وقد كان ذلك يوم بدر وغيره. وقراءة العامة «سَيُهْزَمُ» بالياء على ما لم يسم فاعله «الْجَمْعُ» بالرفع. وقرأ رُوَيس عن يعقوب «سَنَهْزِمُ» بالنون وكسر الزاي «الْجَمْعَ» نصباً. {وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} قراءة العامة بالياء على الخبر عنهم. وقرأ عيسى وٱبن إسحاق ورُوَيس عن يعقوب «وَتُوَلُّونَ» بالتاء على الخطاب. و {ٱلدُّبُرَ } ٱسم جنس كالدرهم والدينار فوحّد والمراد الجمع لأجل رؤوس الآي. وقال مقاتل: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدّم من الصّف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه؛ فأنزل الله تعالى: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}. وقال سعيد بن جبير

قال سعد بن أبي وقّاص: لما نزل قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} كنت لا أدري أي الجمع ينهزم، فلما كان يوم بَدْر رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يَثِب في الدرع ويقول: اللهم إن قريشاً جاءتك تُحَادُّك وتُحادُّ رسولَك بفخرها و خُيَلائها فأخنهم الغداةَ ـ ثم قال ـ {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} فعرفت تأويلها. وهذا من معجزات النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. أخنى عليه الدهر: أي أتى عليه وأهلكه، ومنه قول النابغة:

أَخْنَـى عليـه الـذي أَخْنَـى علـى لُبَـدِ

وأخنيت عليه: أفسدت. قال ٱبن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين؛ فالآية على هذا مكية. وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب: {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}. وعن ٱبن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: «أَنْشدُكَ عهدَك ووعدَك اللّهم إن شئت لم تُعبدْ بعدَ اليوم أبداً» فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك؛ وهو في الدّرْع فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} يريد القيامة . {وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} أي أدهى وأمرّ مما لحقهم يوم بدر. و «أَدْهَى» من الداهية وهي الأمر العظيم؛ يقال: دهاه أمر كذا أي أصابه دهواً ودهياً. وقال ٱبن السكيت: دهته داهية دهواء ودهياء وهي توكيد لها.

إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَٰلٍ وَسُعُرٍ ۝٤٧ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا۟ مَسَّ سَقَرَ ۝٤٨ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَٰهُ بِقَدَرٍ ۝٤٩

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} أي في حَيْدةٍ عن الحق و «سُعُرٍ» أي ٱحتراق. وقيل: جنون على ما تقدّم في هذه السورة. {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القَدَر فنزلت: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} خرجه الترمذي أيضاً وقال: حديث حسن صحيح. وروى مسلم عن طاوس قال: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقَدَر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

كلٌّ شيءٍ بقَدر حتى العَجْز والكَيْس ـ أو ـ الكَيْس والعَجْزوهذا إبطال لمذهب القدَرية. {ذُوقُواْ} أي يقال لهم ذوقوا، ومسّها ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها. و «سَقَر» ٱسم من أسماء جهنم لا ينصرف؛ لأنه ٱسم مؤنث معرفة، وكذا لَظَى وجهنم. وقال عطاء: «سَقَر» الطبق السادس من جهنم. وقال قُطْرب: «سَقَر» من سَقَرته الشمسُ وصَقَرته لَوّحَتْه. ويوم مُسَمْقِرٌ ومُصَمْقِرٌ: شديدُ الحرّ.

الثانية: قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ} قراءة العامة {كُلَّ} بالنصب. وقرأ أبو السَّمَّال «كُلُّ» بالرفع على الابتداء. ومن نصب فبإضمار فعل وهو ٱختيار الكوفيين؛ لأن إنّ تطلب الفعل فهي به أولى، والنصب أدلّ على العموم في المخلوقات لله تعالى؛ لأنك لو حذفت {خَلَقْنَاهُ} المفسِّر وأظهرت الأوّل لصار إنا خلقنا كلّ شيء بقدر. ولا يصح كون خلقناه صفة لشيء؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، ولا تكون تفسيراً لما يعمل فيما قبله.

الثالثة: الذي عليه أهل السنة أن الله سبحانه قدّر الأشياء؛ أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع ٱكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إلٰه إلا هو، ولا خالق غيره؛ كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القدَريّة وغيرهم من أن الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا. قال أبو ذَرٍّ رضي الله عنه:

قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا؛ فنزلت هذه الآيات إلى قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: «أنتم خصماء الله يوم القيامة»

الرابعة: روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن مجوس هذه الأمة المكذّبون بأقدار الله إن مرِضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلّموا عليهم. خرجه ٱبن ماجه في سننه. وخرج أيضاً عن ٱبن عباس وجابر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:صنفان من أمتي ليس لهم في الإسلام نصيب أهل الإرجاء والقَدَر. وأسند النحاس: وحدّثنا إبراهيم بن شريك الكوفي قال حدّثنا عقبة بن مكرم الضّبي قال حدّثنا يونس بن بكير عن سعيد بن ميسرة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:القدَريّة الذين يقولون الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي نصيب ولا أنا منهم ولا هم منّيوفي صحيح مسلم أن ٱبن عمر تبرأ منهم ولا يتبرأ إلا من كافر، ثم أكد هذا بقوله: والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقَدَر. وهذا مثل قوله تعالى في المنافقين: { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ }[التوبة:54] وهذا واضح. وقال أبو هريرة: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن».
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ