انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القمر

تفسير الطبريالآيات 1–28

تفسير سورة القمر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة القمر

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 18:57

  1. 1 الآيات 1–8في هذه الصفحة 3:35
  2. 2 الآيات 9–55في هذه الصفحة 15:22

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ۝١ وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةً يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ۝٢

يعني تعالى ذكره بقوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}: دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة، وقوله {اقْتَرَبَتْ} افتعلت من القُرب، وهذا من الله تعالى ذكره إنذار لعباده بدنوّ القيامة، وقرب فناء الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم، وهم عنها في غفلة ساهون.

وقوله: {وَانْشَقَّ القَمَرُ} يقول جلّ ثناؤه: وانفلق القمر، وكان ذلك فيما ذُكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، قبل هجرته إلى المدينة، وذلك أن كفار أهل مكة سألوه آية، فآراهم صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر، آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته فلما أراهم أعرضوا وكذّبوا، وقالوا: هذا سحر مستمرّ، سحرنا محمد، فقال الله جلّ ثناؤه {وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ}. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار، وقال به أهل التأويل. ذكر الآثار المروية بذلك، والأخبار عمن قاله من أهل التأويل:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرّتين.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث، عن أنس، قال: انشقّ القمر فرقتين.

حدثنا ابن المثنى والحسن بن أبي يحيى المقدسي، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنساً يقول: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني يعقوب الدورقيّ، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: سمعت أنساً يقول: فذكر مثله.

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّتين.

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حِراء بينهما.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله، قال: انشقّ القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى حتى ذهبت منه فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اشْهَدُوا ».

حدثني إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: ثنا النضر بن شميل المازنيّ، قال: أخبرنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله، قال تفلَّق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت فرقة على الجبل، وفرقة من ورائه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللَّهُمَّ اشْهَدْ ».

حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: ثنا النضر، قال: أخبرنا شعبة، عن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عمر، مثل حديث إبراهيم في القمر.

حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثني عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن رجل، عن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، فانشقّ القمر، فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اشْهَدُوا ».

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: رأيت الجبل من فرج القمر حين انشقّ.

حدثنا الحسن بن يحيى المقدسي، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن المُغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر بن أبي كَبْشَة سحركم فسلوا السُّفَّار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله تبارك وتعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ}.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: قد مضى انشقاق القمر.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: عبد الله خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: نُبِّئت أن ابن مسعود كان يقول: قد انشقّ القمر.

قال: أخبرنا ابن علية، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السُلميّ، قال: نزلنا المدائن، فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي، وحضرت معه، فخطبنا حُذيفة، فقال: ألا إن الله يقول {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ} ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشقّ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المِضْمار، وغداً السباق، فقلت لأبي: أتستبق الناس غداً؟ فقال: يا بنيّ إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى، فحضرنا، فخطب حُذيفة، فقال: ألا إن الله تبارك وتعالى يقول: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ} ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشقّ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغداً السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سَبق إلى الجنة.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: كنت مع أبي بالمدائن، قال: فخطب أميرهم، وكان عطاء يروي أنه حُذيفة، فقال في هذه الآية: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ} قد اقتربت الساعة وانشقّ القمر، قد اقتربت الساعة وانشقّ القمر، اليوم المِضْمار، وغداً السباق، والسابق من سبق إلى الجنة، والغاية النار قال: فقلت لأبي: غداً السباق، قال: فأخبره.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن فضيل، عن حصين، عن محمد بن جُبَير بن مطعم، عن أبيه، قال: انشقّ القمر، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن الحصين بن عبد الرحمن، عن ابن جُبَير، عن أبيه {وَانْشَقَّ القَمَرُ} قال: انشقّ ونحن بمكة.

حدثنا محمد بن عسكر، قال: ثنا عثمان بن صالح وعبد الله بن عبد الحكم، قالا: ثنا بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عِرَاك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، قال: انشقّ القمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: انشقّ القمر قبل الهجرة، أو قال: قد مضى ذاك.

حدثنا إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن علي، عن ابن عباس بنحوه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن علي، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ} قال: ذاك قد مضى كان قبل الهجرة، انشقّ حتى رأوا شِقَّيه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ...} إلى قوله: {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ} قال: قد مضى، كان قد انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأعرض المشركون وقالوا: سحر مستمرّ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ} قال: رأوه منشقاً.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور وليث، عن مجاهد {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ} قال: انفلق القمر فلقتين، فثبتت فلقة، وذهبت فلقة من وراء الجبل، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

اشْهَدُوا ».

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن ليث، عن مجاهد انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار فرقتين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:اشْهَدْ يا أبا بَكْرٍفقال المشركون: سحر القمر حتى انشقّ.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، قال: قدم رجل المدائن فقام فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ} وإن القمر قد انشقّ، وقد آذنت الدنيا بفراق، اليوم المِضْمار، وغداً السباق، والسابق. من سبق إلى الجنة، والغاية النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ} يحدث الله في خلقه ما يشاء.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وسلم آية، فانشقّ القمر بمكة مرّتين، فقال: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ }.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَانْشَقَّ القَمَرُ} قد مضى، كان الشقّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأعرض عنه المشركون، وقالوا: سحْر مستمرّ.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن عمرو، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: مضى انشقاق القمر بمكة.

وقوله: {وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا} يقول تعالى ذكره. وإن ير المشركون علامة تدلهم على حقيقة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ودلالة تدلهم على صدقة فيما جاءهم به عن ربهم، يعرضوا عنها، فيولوا مكذّبين بها مُنكرين أن يكون حقاً يقيناً، ويقولوا تكذيباً منهم بها، وإنكاراً لها أن تكون حقاً: هذا سحر سَحَرنا به محمد حين خَيَّلَ إلينا أنا نرى القمر منفلقاً باثنين بسحره، وهو سحر مستمرّ، يعني يقول: سِحر مستمرّ ذاهب، من قولهم: قد مرّ هذا السحر إذا ذهب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {سِحْرٌ مُسْتَمِرّ} قال: ذاهب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ} قال: إذا رأى أهل الضلالة آية من آيات الله قالوا: إنما هذا عمل السحر، يوشك هذا أن يستمرّ ويذهب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَيَقُولوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ} يقول: ذاهب.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ} كما يقول أهل الشرك إذا كُسِف القمر يقولون: هذا عمل السحرة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قوله: {سِحْرٌ مُسْتَمِرّ} قال: حين انشقّ القمر بفِلقتين: فِلْقة من وراء الجبل، وذهبت فلقة أخرى، فقال المشركون حين رأوا ذلك: سحر مستمرّ.

وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يوجه قوله: {مُسْتَمِرّ} إلى أنه مستفعل من الإمرار من قولهم: قد مرّ الجبل: إذا صلب وقوي واشتدّ وأمررته أنا: إذا فتلته فتلاً شديداً، ويقول: معنى قوله: {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ}: سحر شديد.

وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ۝٣ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ۝٤ حِكْمَةٌۢ بَٰلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ ۝٥

يقول تعالى ذكره: وكذّب هؤلاء المشركون من قريش بآيات الله بعد ما أتتهم حقيقتها، وعاينوا الدلالة على صحتها برؤيتهم القمر منفلقاً فلقتين {وَاتَّبَعُوا أهْوَاءَهُم} يقول: وآثروا اتباع ما دعتهم إليه أهواء أنفسهم من تكذيب ذلك على التصديق بما قد أيقنوا صحته من نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وحقيقة ما جاءهم به من ربهم.

وقوله: {وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرّ} يقول تعالى ذكره: وكلّ أمر من خير أو شرّ مستقرّ قراره، ومتناه نهايته، فالخير مستقرّ بأهله في الجنة، والشرّ مستقرّ بأهله في النار. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكُلّ أمْرٍ مُسْتَقِرّ}: أي بأهل الخير الخير، وبأهل الشرّ الشرّ.

وقوله: {وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ} يقول تعالى ذكره: ولقد جاء هؤلاء المشركين من قريش الذين كذّبوا بآيات الله، واتبعوا أهواءهم من الأخبار عن الأمم السالفة، الذين كانوا من تكذيب رسل الله على مثل الذي هم عليه، وأحلّ الله بهم من عقوباته ما قصّ في هذا القرآن ما فيه لهم مزدجر، يعني: ما يردعهم، ويزجرهم عما هم عليه مقيمون، من التكذيب بآيات الله، وهو مُفْتَعَلٌ من الزَّجْر. وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {مُزْدَجَرٌ} قال: مُنْتَهى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ}: أي هذا القرآن.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ} قال: المزدَجَر: المنتهى.

وقوله: {حِكْمَةٌ بالِغَةٌ} يعني بالحكمة البالغة: هذا القرآن، ورُفعت الحكمةُ ردّاً على «ما» التي في قوله: {وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ}.

وتأويل الكلام: ولقد جاءهم من الأنباء النبأ الذي فيه مزدَجَر، حكمة بالغة. ولو رُفعت الحكمة على الإستئناف كان جائزاً، فيكون معنى الكلام حينئذٍ: ولقد جاءهم من الأنباء النبأ الذي فيه مزدجر، ذلك حكمة بالغة، أو هو حكمة بالغة فتكون الحكمة كالتفسير لها.

وقوله: {فَمَا تُغْنِي النُّذُرُ} وفي «ما» التي في قوله: {فَمَا تُغنِي النُّذُرُ} وجهان: أحدهما أن تكون بمعنى الجحد، فيكون إذا وجهت إلى ذلك معنى الكلام، فليست تغني عنهم النذر ولا ينتفعون بها، لإعراضهم عنها وتكذيبهم بها. والآخر: أن تكون بمعنى: أني، فيكون معنى الكلام إذا وجهت إلى ذلك: فأيّ شيء تُغني عنهم النُّذر. {والنُّذر}: جمع نذير، كالجُدُد: جمع جديد، والحُصُر: جمع حَصير.

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ ۝٦ خُشَّعًا أَبْصَٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ۝٧ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ۝٨

يعني تعالى ذكره بقوله: {فَتَولَّ عَنْهُمْ}: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين من قومك، الذين إن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سِحْر مستمرّ، فإنهم يوم يدعو داعي الله إلى موقف القيامة، وذلك هو الشيء النُّكُر {خُشَّعاً أبْصَارُهُمْ} يقول: ذليلة أبصارُهم خاشعة، لا ضرر بها {يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ} وهي جمع جَدَث، وهي القبور، وإنما وصف جلّ ثناؤه بالخشوع الأبصار دون سائر أجسامهم، والمراد به جميع أجسامهم، لأن أثر ذلة كل ذليل، وعزّة كل عزيز، تتبين في ناظريه دون سائر جسده، فلذلك خصّ الأبصار بوصفها بالخشوع. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {خُشَّعاً أبْصَارُهُمْ} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «خاشِعاً أبْصَارَهُمْ»: أي ذليلة أبصارهم.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: «خاشِعاً أبْصَارُهُمْ» فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض المكيين الكوفيين {خُشَّعاً} بضم الخاء وتشديد الشين، بمعنى خاشع وقرأه عامة قرّاء الكوفة وبعض البصريين «خاشِعا أبْصَارُهُمْ» بالألف على التوحيد اعتباراً بقراءة عبد الله، وذلك أن ذلك في قراءة عبد الله «خاشِعَةً أبْصَارُهُمْ»، وألحقوه وهو بلفظ الاسم في التوحيد، إذ كان صفة بحكم فَعَلَ ويَفْعَل في التوحيد إذا تقدّم الأسماء، كما قال الشاعر:

وشَبابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْمِنْ إيادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَد

فوحَّد حَسَناً وهو صفة للأوجه، وهي جمع وكما قال الآخر:

يَرْمَي الفِجاجَ بِها الرُّكْبانَ مَعْتِرضاًأعْناقَ بُزَّلِها مُرْخَى لهَا الجُدُلُ

فوحد معترضاً، وهي من صفة الأعناق، والجمع والتأنيث فيه جائزان على ما بيَّنا.

وقوله: {كأنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} يقول تعالى ذكره: يخرجون من قبورهم كأنهم في انتشارهم وسعيهم إلى موقف الحساب جراد منتشر.

وقوله: {مُهْطِعِينَ إلى الدَّاعِ} يقول: مسرعين بنظرهم قِبَلَ داعيهم إلى ذلك الموقف. وقد بيَّنا معنى الإهطاع بشواهده المغنية عن الإعادة، ونذكر بعض ما لم نذكره فيما مضى من الرواية.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عثمان بن يسار، عن تميم بن حَذْلم قوله: {مُهْطِعِينَ إلى الدَّاعِ} قال: هو التحميج.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سفيان، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى {مُهْطِعِينَ إلى الدَّاعِ} قال: التحميج.

قال: ثنا مهران، عن سفيان {مُهْطِعِينَ إلى الدَّاعِ} قال: هكذا أبصارهم شاخصة إلى السماء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {مُهْطِعِينَ إلى الدَّاعِ}: أي عامدين إلى الداع.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {مُهْطِعِينَ} يقول: ناظرين.

وقوله: {يَقُولُ الكافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} يقول تعالى ذكره: يقول الكافرون بالله يوم يدع الداعي إلى شيء نكُر: هذا يوم عسر. وإنما وصفوه بالعسر لشدة أهواله وبَلْباله.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ ۝٩ فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ۝١٠

وهذا وعيد من الله تعالى ذكره، وتهديد للمشركين من أهل مكة وسائر من أرْسَلَ إليه رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم إياه، وتقدم منه إليهم إن هم لم ينيبوا من تكذيبهم إياه، أنه محلّ بهم ما أحل بالأمم الذين قصّ قصصهم في هذه السورة من الهلاك والعذاب، ومنجّ نبيه محمداً والمؤمنين به، كما نجَّى من قبله الرسل وأتباعهم من نقمه التي أحلَّها بأممهم، فقال جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كذّبت يا محمد قبل هؤلاء الذين كذّبوك من قومك، الذين إذا رأوْا آية أعرضوا وقالوا سحر مستمرّ، قوم نوح، فكذبوا عبدنا نوحاً إذ أرسلناه إليهم، كما كذّبتك قريش إذ أتيتهم بالحقّ من عندنا وقالوا: هو مجنون وازدجر، وهو افْتُعِل من زجرت، وكذا تفعل العرب بالحرف إذا كان أوّله زاياً صيروا تاء الافتعال منه دالاً من ذلك قولهم: ازدجر من زجرت، وازدلف من زلفت، وازديد من زدت.

واختلف أهل التأويل في المعنيّ الذي زَجَروه، فقال بعضهم: كان زجرهم إياه أن قالوا: استُطِير جنونا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد {وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} قال: استطير جنوناً.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وَازْدُجِرْ} قال: استُطير جنوناً.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في هذه الآية {وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} قال: استعر جنوناً.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: وأخبرني شعبة بن الحجاج، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

وقال آخرون: بل كان زجرهم إياه، وعيدهم له بالشتم والرجم بالقول القبيح. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} قال: اتهموه وزجروه وأوعدوه لئن لم يفعل ليكوننّ من المرجومين، وقرأ

{ { لَئِنْ لَم تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ } }.

وقوله: {فَدَعا رَبَّهُ أني مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ} يقول تعالى ذكره: فدعا نوح ربه: إن قومي قد غلبوني، تمرّداً وَعتوّاً، ولا طاقة لي بهم، فانتصر منهم بعقاب من عندك على كفرهم بك.

فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ ۝١١ وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًا فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ۝١٢

يقول تعالى ذكره: {فَفَتَحْنا} لما دعانا نوح مستغيثاً بنا على قومه {أبْوَابَ السَّماءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} وهو المندفق، كما قال امرؤ القيس في صفة غيث:

رَاحَ تَمْرِيه الصَّبا ثُمَّ انْتَحَىفِيهِ شُؤْبُوبُ جنوبٍ مُنْهَمِرْ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} قال: ينصبّ انصباباً.

وقوله: {وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُوناً} يقول جلّ ثناؤه: وأسلنا الأرض عيون الماء. كما:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، في قوله: {وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُوناً} قال: فجَّرنا الأرض الماءَ وجاء من السماء.

{فالْتَقَى المَاءُ على أمْرٍ قَدْ قُدرْ} يقول تعالى ذكره: فالتقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدره الله وقضاه، كما:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {فالْتَقَى المَاءُ على أمْرٍ قَدْ قُدِرْ} قال: ماء السماء وماء الأرض. وإنما قيل: فالتقى الماء على أمر قد قدر، والالتقاء لا يكون من واحد، وإنما يكون من اثنين فصاعداً، لأن الماء قد يكون جمعاً وواحداً، وأريد به في هذا الموضع: مياه السماء ومياه الأرض، فخرج بلفظ الواحد ومعناه الجمع. وقيل: التقى الماء على أمر قد قُدر، لأن ذلك كان أمراً قد قضاه الله في اللوح المحفوظ. كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب قال: كانت الأقوات قبل الأجساد، وكان القدر قبل البلاء، وتلا {فالْتَقَى المَاءُ على أمْرٍ قَدْ قُدِرَ}.

وَحَمَلْنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ ۝١٣ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ۝١٤

يقول تعالى ذكره: وحملنا نوحاً إذ التقى الماء على أمر قد قُدر، على سفينة ذات ألواح ودُسُر. والدسر: جمع دسار وقد يقال في واحدها: دسير، كما يقال: حَبِيك وحِباك والدِّسار: المسمار الذي تشدّ به السفينة يقال منه: دسرت السفينة إذا شددتها بمسامير أو غيرها.

وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، أخبرني ابن لَهِيعة، عن أبي صخر، عن القُرَظي، وسُئل عن هذه الآية {وَحَمَلْناهُ على ذَاتِ ألْوَاح ودُسُر} قال: الدُّسُر: المسامير.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَحَمَلْناهُ على ذَاتِ ألْوَاحٍ ودُسُرٍ} حدثنا أن دُسُرَها: مساميرها التي شُدَّت بها.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {ذَاتِ ألْوَاحٍ} قال: معاريض السفينة قال: {ودُسُر}: قال دُسِرت بمسامير.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَدُسُر} قال: الدسر: المسامير التي دُسرت بها السفينة، ضُربت فيها، شُدّت بها.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَدُسُرٍ} يقول: المسامير.

وقال آخرون: بل الدُّسُر: صَدْر السفينة، قالوا: وإنما وصف بذلك لأنه يدفع الماء ويَدْسُرُه. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {وحَمَلْناهُ على ذَاتِ ألْوَاحٍ ودُسُرٍ} قال: تدسُر الماء بصدرها، أو قال: بِجُؤْجُؤِها.

حدثنا بشر. قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في قوله: {وَدُسُرٍ} جؤجؤها تَدْسُرُ به الماء.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن أنه قال: تدسر الماء بصدرها.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَدُسُرٍ} قال: الدُّسُر: كَلْكَل السفينة.

وقال آخرون: الدسر: عوارض السفينة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الحصين، عن مجاهد {ذَاتِ ألْوَاحٍ وَدُسُرٍ} قال: ألواح السفينة ودسر عوارضها.

وقال آخرون: الألواح: جانباها، والدُّسُر: طرفاها. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {ذَاتِ ألْوَاحٍ وَدُسُرٍ} أما الألواح: فجانبا السفينة. وأما الدُّسُر: فطرفاها وأصلاها.

وقال آخرون: بل الدُّسُر: أضلاع السفينة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قوله: {وَدُسُرٍ} قال: أضلاع السفينة.

وقوله: {تَجْرِي بأعْيُنِنا} يقول جلّ ثناؤه: تجري السفينة التي حملنا نوحاً فيها بمرأى منا ومنظر. وذُكر عن سفيان في تأويل ذلك ما:

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، في قوله: {تَجْرِي بأعْيُنِنا} يقول: بأمرنا {جَزاءً لِمنْ كَان كُفِر}.

اختلف أهل التأويل في تأويله: فقال بعضهم: تأويله فعلنا ذلك ثواباً لمن كان كُفر فيه، بمعنى: كفر بالله فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ} قال: كَفَر بالله.

وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {جَزَاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ} قال: لمن كان كفر فيه.

ووجه آخرون معنى «مَنْ» إلى معنى «ما» في هذا الموضع، وقالوا: معنى الكلام: جزاء لما كان كَفَر من أيادي الله ونَعمه عند الذين أهلكهم وغرّقهم من قوم نوح. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {جَزَاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ} قال: لمن كان كفر نعم الله، وكفر بأياديه وآلائه ورسله وكتبه، فإن ذلك جزاء له.

والصواب من القول من ذلك عندي ما قاله مجاهد، وهو أن معناه: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجَّرنا الأرض عيوناً، فغرّقنا قوم نوح، ونجينا نوحاً عقاباً من الله وثواباً للذي جُحِد وكُفِر، لأن معنى الكفر: الجحود، والذي جحد ألوهته ووحدانتيه قوم نوح، فقال بعضهم لبعض:

{ { لا تَذرُنَّ آلهَتَكُمْ وَلا تَذَرُونّ وَدًّا ولا سُواعاً ولاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ ونَسْراً } }، ومن ذهب به إلى هذا التأويل، كانت من الله، كأنه قيل: عوقبوا لله ولكفرهم به. ولو وَجَّه موَجِّه إلى أنها مراد بها نوح والمؤمنون به كان مذهباً، فيكون معنى الكلام حينئذٍ، فعلنا ذلك جزاء لنوح ولمن كان معه في الفلك، كأنه قيل: غرقناهم لنوح ولصنيعهم بنوح ما صنعوا من كفرهم به.

وَلَقَد تَّرَكْنَٰهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝١٥ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝١٦ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝١٧

يقول تعالى ذكره: ولقد تركنا السفينة التي حملنا فيها نوحاً ومن كان معه آية، يعني عِبْرة وعظة لمن بعد قوم نوح من الأمم ليعتبروا ويتعظوا، فينتهوا عن أن يسلكوا مسلكهم في الكفر بالله، وتكذيب رسله، فيصيبهم مثل ما أصابهم من العقوبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} قال: أبقاها الله بباقَرْدي من أرض الجزيرة، عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظراً، وكم من سفينة كانت بعدها قد صارت رماداً.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً} قال: ألقى الله سفينة نوح على الجوديّ حتى أدركها أوائل هذه الأمة.

قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن مجاهد، أن الله حين غرّق الأرض، جعلت الجبال تشمخ، فتواضع الجوديّ، فرفعه الله على الجبال، وجعل قرار السفينة عليه.

وقوله: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} يقول: فهل من ذي تذكر يتذكر ما قد فعلنا بهذه الأمة التي كفرت بربها، وعصت رسوله نوحاً، وكذّبته فيما أتاهم به عن ربهم من النصيحة، فيعتبر بهم، ويحذر أن يَحِلّ به من عذاب الله بكفره بربه، وتكذيبه رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، مثل الذي حلّ بهم، فيتيب إلى التوبة، ويراجع الطاعة. وأصل مدّكر: مفتعل من ذكر، اجتمعت فاء الفعل، وهي ذال، وتاء وهي بعد الذال، فصيرتا دالاً مشدّدة، وكذلك تفعل العرب فيما كان أوّله ذالا يتبعها تاء الافتعال يجعلونهما جميعاً دالاً مشدّدة، فيقولون: ادّكرت ادّكاراً، وإنما هو اذتكرت اذتكاراً، وفهل من مذتكر، ولكن قيل: ادّكرت ومدّكر لما قد وصفت، قد ذُكر عن بعض بني أسد أنهم يقولون في ذلك مذّكر، فيقلبون الدال ويعتبرون الدال والتاء ذالاً مشددة، وذُكر عن الأسود بن يزيد أنه قال: قلت لعبد الله بن مسعود: فهل من مدّكر، أو مذّكر، فقال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مُذّكر» يعني بذال مشددة. وبنحو الذي قلنا في ذلك أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرْ} قال: المدّكر: الذي يتذكر، وفي كلام العرب: المدّكر: المتذكر.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} قال: فهل من مذّكر.

وقوله: {فَكَيْفَ كانَ عَذَابِي ونُذُرْ} يقول تعالى ذكره: فكيف كان عذابي لهؤلاء الذين كفروا بربهم من قوم نوح، وكذّبوا رسوله نوحاً، إذ تمادوا في غيهم وضلالهم، وكيف كان إنذاري بما فعلت بهم من العقوبة التي أحللت بهم بكفرهم بربهم، وتكذيبهم رسوله نوحاً، صلوات الله عليه، وهو إنذار لمن كفر من قومه من قريش، وتحذير منه لهم، أن يحلّ بهم على تماديهم في غيهم، مثل الذي حلّ بقوم نوح من العذاب.

وقوله: {وَنُذُرِ} يعني: وإنذاري، وهو مصدر.

وقوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ للذِّكْرِ} يقول تعالى ذكره: ولقد سهَّلنا القرآن، بيَّناه وفصَّلناه للذكر، لمن أراد أن يتذكر ويعتبر ويتعظ، وهوّناه. كما:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يَسَّرْنا القُرْآنَ للذِّكْرِ} قال: هوّناه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ للذِّكْرِ} قال: يسَّرنا: بيَّنا.

وقوله: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرْ} يقول: فهل من معتبر متعظ يتذكر فيعتبر بما فيه من العبر والذكر.

وقد قال بعضهم في تأويل ذلك: هل من طالب علم أو خير فيُعان عليه، وذلك قريب المعنى مما قلناه، ولكنا اخترنا العبارة التي عبرناها في تأويله، لأن ذلك هو الأغلب من معانيه على ظاهره. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلَقَدْ يَسّرْنا القُرْآنَ للذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر} يقول: فهل من طالب خير يُعان عليه.

حدثنا الحسين بن عليّ الصُّدَائيّ، قال: ثنا يعقوب، قال: ثني الحارث بن عبيد الإياديّ، قال: سمعت قتادة يقول في قول الله: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} قال: هل من طالب خير يُعان عليه.

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا ضمرة بن ربيعة أو أيوب بن سويد أو كلاهما، عن ابن شَوْذَب، عن مطر، في قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ للذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} قال: هل من طالب علم فيعان عليه.

كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝١٨ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ۝١٩ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ۝٢٠ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ۝٢١

يقول تعالى ذكره: كذّبت أيضاً عاد نبيهم هوداً صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به عن الله، كالذي كذّبت قوم نوح، وكالذي كذّبتم مَعْشر قريش نبيكم محمداً صلى الله عليه وسلم وعلى جميع رسله، {فَكَيْفَ كانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} يقول: فانظروا معشر كفرة قريش بالله كيف كان عذابي إياهم، وعقابي لهم على كفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله هوداً، وإنذاري بفعلي بهم ما فعلت من سلك طرائقهم، وكانوا على مثل ما كانوا عليه من التمادي في الغيّ والضلالة.

وقوله: {إنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} يقول تعالى ذكره: إنا بعثنا على عاد إذ تمادوا في طغيانهم وكفرهم بالله ريحاً صرصراً، وهي الشديدة العصوف في برد، التي لصوتها صرير، وهي مأخوذة من شدة صوت هبوبها إذا سمع فيها كهيئة قول القائل: صرّ، فقيل منه: صرصر، كما قيل: فكبكبوا فيها، من فكبوا، ونَهْنَهْت من نَهَهْتُ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {رِيحاً صَرْصَراً} قال: ريحاً باردة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} والصَّرصر: الباردة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: الصَّرصر: الباردة.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا مُعاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {رِيحاً صَرْصَراً} باردة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {رِيحاً صَرْصَراً} قال: شديدة، والصرصر: الباردة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {رِيحاً صَرْصَراً} قال: الصرصر: الشديدة.

وقوله: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرَ} يقول: في يوم شرّ وشؤم لهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: النَّحْس: الشؤم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} قال النحس: الشرّ {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} فِي يوم شرّ.

وقد تأوّل ذلك آخرون بمعنى شديد، ومن تأوّل ذلك كذلك فإنه يجعله من صفة اليوم، ومن جعله من صفة اليوم، فإنه ينبغي أن يكون قراءته بتنوين اليوم، وكسر الحاء من النَّحْس، فيكون «فِي يَوْمٍ نَحِسٍ» كما قال جلّ ثناؤه فِي أيَّامٍ نَحِساتٍ ولا أعلم أحداً قرأ ذلك كذلك في هذا الموضع، غير أن الرواية التي ذكرت في تأويل ذلك عمن ذكرت عنه على ما وصفنا تدلّ على أن ذلك كان قراءة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} قال: أيام شداد.

وحُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} يوم شديد.

وقوله: {مُسْتَمِرَ} يقول: في يوم شرّ وشؤم، استمرّ بهم البلاء والعذاب فيه إلى أن وافى بهم جهنم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرَ} يستمرّ بهم إلى نار جهنم.

وقوله: {تَنْزِعُ النَّاسَ كأنَّهُمْ أعجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} يقول: تقتلع الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم، فتندقّ رقابهم، وتبين من أجسامهم. كما:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما هاجت الريح قام نفر من عاد سبعة شمَاليًّا، منهم ستة من أشدّ عاد وأجسمها، منهم عمرو بن الحُلَيِّ والحارث بن شداد والهلقام وابنا تيقن وخَلَجان بن أسعد، فأدلجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب ليردّوا الريح عمن بالشِّعب من العِيال، فجعلت الريح تخفِقُهم رجلاً رجلاً، فقالت امرأة من عاد:

ذَهَبَ الدَّهْرُ بَــعَــمْـــرِو بــْنِ حُــلَـــيَ والهَــنـِـــيَّـــاتِ ثُمَّ بـــالـــحارِثِ والــهِــلْقــامِ طَـــلاَّعِ الــثَّـــنِـــيَّاتِ وَالَّـــذِي سَــدَّ عَـــلَــيْــنــا الــرّيــحَ أيَّــامَ الـبَــلِـــيَّــاتِ

حدثنا العباس بن الوليد البيروتيّ، قال: أخبرني أبي، قال: ثني إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق قال: لما هبَّت الريح قام سبعة من عاد، فقالوا: نردّ الريح، فأتوا فم الشعب الذي يأتي منه الريح، فوقفوا عليه، فجعلت الريح تهبّ، فتدخل تحت واحد واحد، فتقتلعه من الأرض فترمي به على رأسه، فتندقّ رقبته، ففعلت ذلك بستة منهم، وتركتهم كما قال الله: {أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} وبقي الخَلَجان فأتى هوداً فقال: يا هود ما هذا الذي أرى في السحاب كهيئة البخاتيّ؟ قال: تلك ملائكة ربي، قال: مالي إن أسلمت؟ قال: تَسْلَم، قال: أيُقيدني ربك إن أسلمت من هؤلاء؟ فقال: ويلك أرأيت مَلكاً يقيد جنوده؟ فقال: وعزّته لو فعل ما رضيت. قال: ثم مال إلى جانب الجبل، فأخذ بركن منه فهزّه، فاهتزّ في يده، ثم جعل يقول:

لَمْ يَبْقَ إلاَّ الخَلَجانُ نَفْسُهُيا لَكَ مِنْ يَوْمٍ دَهانِي أمْسُهُ بِثابِتِ الوَطْءِ شَدِيدٍ وَطْسُهُلَوْ لَمْ يَجِئْنِي جِئْتُهُ أحُسُّهُ

قال: ثم هبت الريح فألحقته بأصحابه.

حدثني محمد بن إبراهيم، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا محمد بن سيف، عن الحسن، قال: لما أقبلت الريح قام إليها قوم عاد، فأخذ بعضهم بأيدي بعض كما تفعل الأعاجم، وغمزوا أقدامهم في الأرض وقالوا: يا هود من يزيل أقدامنا عن الأرض إن كنت صادقاً، فأرسل الله عليهم الريح فصيرتهم كأنهم أعجاز نخل مُنْقَعِر.

حدثني محمد بن إبراهيم، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا أشعث بن جابر، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراعين من حجارة، لو اجتمع عليها خمس مئة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوها، وإن كان الرجل منهم ليغمز قدمه في الأرض، فتدخل في الأرض، وقال: كأنهم أعجاز نخل ومعنى الكلام: فيتركهم كأنهم أعجاز نخل منقعر، فترك ذكر فيتركهم استغناء بدلالة الكلام عليه. وقيل: إنما شبههم بأعجاز نخل منقعر، لأن رؤوسهم كانت تبين من أجسامهم، فتذهب لذلك رِقابهم، وتبقى أجسادهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا خلف بن خليفة، عن هلال بن خباب، عن مجاهد، في قوله: {كأنَّهُمْ أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} قال: سقطت رؤوسهم كأمثال الأخبية، وتفرّدت، أو وتَفَرّقت أعناقهم «قال أبو جعفر: أنا أشك»، فشبهها بأعجاز نخلٍ منقعر.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {تَنْزِعُ النَّاسَ كأنَّهُم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} قال: هم قوم عاد حين صرعتهم الريح، فكأنهم فِلَق نخل منقعر {فَكَيْفَ كانَ عَذَابي وَنُذُرِ} يقول تعالى ذكره: فانظروا يا معشر كفار قريش، كيف كان عذابي قوم عاد، إذ كفروا بربهم، وكذّبوا رسوله، فإن ذلك سنة الله في أمثالهم، وكيف كان إنذاري بهم مَنْ أنذرت.

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ۝٢٢ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ۝٢٣ فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرًا مِّنَّا وَٰحِدًا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍ وَسُعُرٍ ۝٢٤

يقول تعالى ذكره: ولقد سهَّلنا القرآن وهوّناه لمن أراد التذكر به والاتعاظ {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} يقول: فهل من متعظ ومنزجر بآياته.

وقوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنُّذُرِ} يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود قوم صالح بنذر الله التي أتتهم من عنده، فقالوا تكذيباً منهم لصالح رسول ربهم: أبشراً منا نتبعه نحن الجماعة الكبيرة، وهو واحد؟.

وقوله: {إنَّا إذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} يقول: قالوا: إنا إذاً باتباعنا صالحاً إن اتبعناه وهو بشر منا واحد لفي ضلال: يعنون: لفي ذهاب عن الصواب وأخذ على غير استقامة وسُعُر: يعنون بالسُّعُر: جمع سَعير.

وكان قتادة يقول: عنى بالسُّعُر: العناء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّا إذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ}: في عناء وعذاب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {إنَّا إذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} قال: ضلال وعناء.

أَءُلْقِىَ ٱلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ۝٢٥ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلْأَشِرُ ۝٢٦

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل مكذّبي رسوله صالح صلى الله عليه وسلم من قومه ثمود: أألقي عليه الذكر من بيننا، يعنون بذلك: أنزل الوحي وخُصَّ بالنبوّة من بيننا وهو واحد منا، إنكاراً منهم أن يكون الله يُرسل رسولاً من بني آدم.

وقوله: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أشِرٌ} يقول: قالوا: ما ذلك كذلك، بل هو كذّاب أشر، يعنون بالأشر: المَرِح ذا التجبُّر والكبرياء، والمَرِح من النشاط. وقد:

حدثني الحسن بن محمد بن سعيد القرشيّ، قال: قلت لعبد الرحمن بن أبي حماد: ما الكذّاب الأشر؟ قال: الذي لا يبالي ما قال، وبكسر الشين من الأشِر وتخفيف الراء قرأت قرّاء الأمصار. وذُكر عن مجاهد أنه كان يقرأه: «كَذَّابٌ أشُرٌ» بضم الشين وتخفيف الراء، وذلك في الكلام نظير الحِذر والحذُر والعَجِل والعَجُل.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا، ما عليه قرّاء الأمصار لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقوله: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الكَذَّابُ الأَشِرُ} يقول تعالى ذكره: قال الله لهم: ستعلمون غداً في القيامة من الكذّاب الأشر منكم معشر ثمود، ومن رسولنا صالح حين تردون على ربكم، وهذا التأويل تأويل من قرأه «سَتَعْلَمُونَ» بالتاء، وهي قراءة عامة أهل الكوفة سوى عاصم والكسائي. وأما تأويل ذلك على قراءة من قرأه بالياء، وهي قراءة عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وعاصم والكسائي، فإنه قال الله: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الكَذَّابُ الأشِرُ} وترك من الكلام ذكر قال الله، استغناء بدلالة الكلام عليه.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، لتقارب معنييهما، وصحتهما في الإعراب والتأويل.

إِنَّا مُرْسِلُوا۟ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ ۝٢٧ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ۝٢٨

يقول تعالى ذكره: إنا باعثوا الناقة التي سألتها ثمودُ صالحاً من الهضبة التي سألوه بَعثتها منها آية لهم، وحجة لصالح على حقيقة نبوّته وصدق قوله.

وقوله: {فِتْنَةً لَهُمْ} يقول: ابتلاءً لهم واختباراً، هل يؤمنون بالله ويتبعون صالحاً ويصدّقونه بما دعاهم إليه من توحيد الله إذا أرسل الناقة، أم يكذّبونه ويكفرون بالله؟

وقوله: {فارْتَقِبْهُم} يقول تعالى ذكره لصالح: إنا مُرسلو الناقة فتنة لهم، فانتظرهم، وتبصَّر ما هم صانعوه بها {وَاصْطَبِرْ} يقول له: واصطبر على ارتقابهم ولا تعجل، وانتظر ما يصنعون بناقة الله، وقيل: {واصطبر} وأصل الطاء تاء، فجعلت طاء، وإنما هو افتعل من الصبر.

وقوله: {ونَبِّئْهُمْ أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} يقول تعالى ذكره: نبئهم: أخبرهم أن الماء قسمة بينهم، يوم غبّ الناقة، وذلك أنها كانت ترد الماء يوماً، وتغبّ يوماً، فقال جلّ ثناؤه لصالح: أخبر قومك من ثمود أن الماء يوم غبّ الناقة قسمة بينهم، فكانوا يقتسمون ذلك يوم غبها، فيشربون منه ذلك اليوم، ويتزوّدون فيه منه ليوم ورودها.

وقد وجه تأويل ذلك قوم إلى أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة يوماً لهم ويوماً لها، وأنه إنما قيل بينهم، والمعنى: ما ذكرت عندهم، لأن العرب إذا أرادت الخبر عن فعل جماعة بني آدم مختلطاً بهم البهائم، جعلوا الفعل خارجاً مخرج فعل جماعة بني آدم، لتغليبهم فعل بني آدم على فعل البهائم.

وقوله: {كُل شِرْب مُحْتَضَرٌ} يقول تعالى ذكره: كلّ شرب من ماء يوم غبّ الناقة، ومن لبن يوم ورودها محتضر يحتضرونه. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {كُلُّ شِرْب مُحْتَضَر} قال: يحضرون بهم الماء إذا غابت، وإذا جاءت حضروا اللبن.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {كُل شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} قال: يحضرون بهم الماء إذا غابت، وإذا جاءت حضروا اللبن.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ