انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الروم

تفسير القرطبيالآيات 29–49

تفسير سورة الروم آية آية، من تفسير القرطبي.

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٢٩

قوله تعالى: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك. {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} أي لا هادي لمن أضله الله تعالى. وفي هذا ردّ على القدرية. {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٠

قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قال الزجاج: «فِطْرَةَ» منصوب بمعنى اتبع فطرة الله. قال: لأن معنى «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ» اتبع الدّين الحنيف واتبع فطرة الله. وقال الطبري: «فِطْرَةَ اللَّهِ» مصدر من معنى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ» لأن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فِطرة. وقيل: معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناسَ له؛ وعلى هذا القول يكون الوقف على «حَنِيفاً» تاماً. وعلى القولين الأوّلين يكون متصلاً، فلا يوقف على «حَنِيفاً». وسميت الفِطْرة دِيناً لأن الناس يُخلقون له، قال جلّ وعز:

{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56]. ويقال: «عَلَيْهَا» بمعنى لها؛ كقوله تعالى: { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [الإسراء: 7]. والخطاب بـ«أَقِمْ وَجَهَكَ» للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أمره بإقامة وجهه للدِّين المستقيم؛ كما قال: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ }[الروم: 43] وهو دين الإسلام. وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوّة على الجِدّ في أعمال الدين؛ وخصّ الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفُه. ودخل في هذا الخطاب أمّتُه باتفاق من أهل التأويل. و«حَنِيفاً» معناه معتدلاً مائلاً عن جميع الأديان المحرّفة المنسوخة.

الثانية: في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما من مولود إلا يولد على الفِطرة ـ في رواية على هذه الملة ـ أبواه يُهَوّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسَانه كما تُنْتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تُحِسّون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم؛ {فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}، في رواية: «حتى تكونوا أنتم تجدعونها» قالوا: يا رسول الله؛ أفرأيتَ من يموت صغيراً؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». لفظ مسلم.

الثالثة: واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعدّدة؛ منها الإسلام؛ قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما؛ قالوا: وهو المعروف عند عامّة السلف من أهل التأويل؛ واحتجوا بالآية وحديث أبي هريرة، وعَضَدوا ذلك بحديث عِياض بن حِمار المُجَاشِعيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوماً:

ألاَ أحدّثكم بما حدّثني الله في كتابه، أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالاً لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالاً وحراماً... الحديث. وبقوله صلى الله عليه وسلم:خمس من الفطرة...فذكر منها قصّ الشارب، وهو من سنن الإسلام؛ وعلى هذا التأويل فيكون معنى الحديث: أن الطفل خلق سليماً من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يُدرِكوا في الجنة؛ أولادَ مسلمين كانوا أو أولاد كفار. وقال آخرون: الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها؛ أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة. والفاطر: المبتدىء؛ واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي ابتدأتها. قال الْمَرْوَزِيّ: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه. قال أبو عمر في كتاب التمهيد له: ما رسمه مالك في موطّئه وذكر في باب القدر فيه من الآثار ـ يَدلّ على أن مذهبه في ذلك نحو هذا، والله أعلم. ومما احتجوا به ما روي عن كعب القُرَظي في قول الله تعالى: فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ[الأعراف: 30] قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيَّره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى، ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة، ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم ردّه الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال: وكان من الكافرين.

قلت: قد مضى قول كعب هذا في «الأعراف» وجاء معناه مرفوعاً من حديث

عائشة رضي الله عنها قالت: دُعِي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طُوبَى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه! قال: «أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم»خرجه ابن ماجه في السنن. وخرج أبو عيسى الترمذيّ عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» فقلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا؛ فقال للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً ـ ثم قال للذي في شماله ـ هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً...» وذكر الحديث، وقال فيه: حديث حسن. وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى: {فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} ولا قوله عليه السلام: كل مولود يولد على الفطرةالعمومَ، وإنما المراد بالناس المؤمنون؛ إذ لو فُطر الجميع على الإسلام لما كفر أحد، وقد ثبت أنه خلق أقواماً للنار؛ كما قال تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ }[الأعراف: 179] وأخرج الذرّية من صلب آدم سوداء وبيضاء. وقال في الغلام الذي قتله الخَضِر؛ طبع يوم طبع كافراً. وروى أبو سعيد الخُدْرِي قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بنهار؛ وفيه: وكان فيما حفِظْنا أن قال:ألا إن بني آدم خُلقوا طبقات شتّى فمنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً، ومنهم حَسَن القضاء حَسَن الطلب. ذكره حماد بن سلمة في مسند الطيالسي قال: حدّثنا عليّ بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد. قالوا: والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب؛ ألا ترى إلى قوله عز وجل: { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ }[الأحقاف: 25] ولم تدمر السموات والأرض. وقوله: { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ }[الأنعام: 44] ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة. وقال إسحاق بن رَاهْوَيه الحنظلي: تم الكلام عند قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} ثم قال: {فِطْرَةَ ٱللَّهِ} أي فطر الله الخلق فِطرة إمّا بجنة أو نار، وإليه أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: كل مولود يولد على الفطرةولهذا قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} قال شيخُنا أبو العباس: من قال هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفِطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغيّر. وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخِلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه؛ فكأنه قال: كل مولود يولد على خِلْقة يعرِف بها ربّه إذا بلغ مبلغ المعرفة؛ يريد خِلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته. واحتجوا على أن الفطرة الخِلقة، والفاطر الخالق؛ لقول لله عز وجل: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }[فاطر: 1] يعني خالقهن، وبقوله: { وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي }[يۤس: 24] يعني خلقني، وبقوله: { ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ }[الأنبياء: 56] يعني خلقهن. قالوا: فالفطرة الخِلقة، والفاطر الخالق؛ وأنكروا أن يكون المولود يُفْطَر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار. قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خِلْقةً وطبعاً وبِنية ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة؛ ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميّزوا. واحتجوا بقوله في الحديث: كما تُنْتَج البَهِيمةُ بهيمةً جَمعاءً ـ يعني سالمة ـ هل تُحِسّون فيها من جَدْعاء يعني مقطوعة الأذن. فمثّل قلوبَ بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخَلْق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعدُ وأنوفها؛ فيقال: هذه بحائر وهذه سوائب. يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلّهم. قالوا: ولو كان الأطفال قد فطِروا على شيء من الكفر والإيمان في أوليّة أمورهم ما انتقلوا عنه أبداً، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون. قالوا: ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفراً أو إيماناً، لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئاً، قال الله تعالى: { وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً }[النحل: 78] فمن لا يعلم شيئاً استحال منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا أصح ما قيل في معنى الفِطرة التي يولد الناس عليها. ومن الحجة أيضاً في هذا قوله تعالى: { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الطور: 16] و { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }[المدثر: 38] ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء. وقال: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }[الإسراء: 15] ولما أجمعوا على دفع القَوَد والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك. والله أعلم. ويستحيل أن تكون الفِطرة المذكورةُ الإسلامَ، كما قال ابن شهاب؛ لأن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل. وأما قول الأوزاعي: سألت الزهرِيّ عن رجل عليه رَقَبة أيجزي عنه الصبيّ أن يعتقه وهو رضيع؟ قال: نعم؛ لأنه وُلد على الفِطرة يعني الإسلام؛ فإنما أجزَى عتقه عند من أجازه؛ لأن حكمه حكمُ أبويه. وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجزِي في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلّى، وليس في قوله تعالى: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } [الأعراف: 29] ولا في «أن يختم الله للعبد بما قضاه له وقدّره عليه» ـ دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمناً أو كافراً؛ لما شهدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيماناً ولا كفراً، والحديث الذي جاء فيه:أن الناس خلقوا على طبقات ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها؛ لأنه انفرد به عليّ بن زيد بن جُدْعان، وقد كان شعبة يتكلّم فيه. على أنه يحتمل قوله: «يولد مؤمناً» أي يولد ليكون مؤمناً، ويولد ليكون كافراً على سابق علم الله فيه، وليس في قوله في الحديث:خلقت هؤلاء للجنة وخلقت هؤلاء للنار أكثر من مراعاة ما يختم به لهم؛ لا أنهم في حين طفولتهم ممن يستحق جنة أو ناراً، أو يعقل كفراً أو إيماناً.

قلت: وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له، ذهب غير واحد من المحققين منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة، وشيخنا أبو العباس. قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخِلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدّة ومهيّأة لأن يميّز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربّه ويعرف شرائعه ويؤمن به؛ فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدِّين الذي هو الحنيف، وهو فِطْرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تَعرِضهم العوارض؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:

كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو يُنَصِّرانهفذِكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. وقال شيخنا في عبارته: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودينَ الإسلام وهو الدِّين الحق. وقد دلّ على صحة هذا المعنى قوله: كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمْعاء هل تُحسّون فيها من جَدْعاء يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليماً من الآفات، فلو تُرك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملاً بريئاً من العيوب، لكن يُتصرّف فيه فيُجدع أذنه ويُوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل؛ وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع ووجهه واضح.

قلت: وهذا القول مع القول الأوّل موافق له في المعنى، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة: من خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل والنهار؛ فلما عملت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية فذهبت بأهوائهم يميناً وشمالاً، وأنهم إن ماتوا صغاراً فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال، لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذَّرّ أقرّوا له بالربوبية وهو قوله تعالى:

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ }[الأعراف: 172]. ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالرُّبوبية، وأنه الله لا إلٰه غيره، ثم يُكتب العبد في بطن أمّه شقِيّاً أو سعيداً على الكتاب الأوّل؛ فمن كان في الكتاب الأوّل شقيًّا عُمّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأوّل سعيداً عُمّر حتى يجري عليه القلم فيصير سعيداً، ومن مات صغيراً من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأوّل الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقض الميثاق. ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله عليه السلام لما سئل عن أولاد المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يعني لو بلغوا. ودلّ على هذا التأويل أيضاً حديث البخاريّ عن سَمُرة بن جُنْدُب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ الحديثُ الطويل حديثُ الرؤيا، وفيه قوله عليه السلام: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام، وأما الوِلدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة». قال فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأولاد المشركين». وهذا نصّ يرفع الخلاف، وهو أصح شيء رُوي في هذا الباب، وغيره من الأحاديث فيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء؛ قاله أبو عمر بن عبد البر. وقد روي من حديث أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: «لم تكن لهم حسنات فيجزَوْا بها فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار، فهم خدم لأهل الجنة» ذكره يحيـى بن سلام في التفسير له. وقد زدنا هذه المسألة بياناً في كتاب التذكرة، وذكرنا في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس ما ذكره أبو عمر من ذلك، والحمد لله. وذكر إسحاق ابن راهْوَيه قال: حدّثنا يحيـى بن آدم قال: أخبرنا جرير بن حازم عن أبي رجاء العُطَارِديّ قال: سمعت ابن عباس يقول: لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً أو متقارباً ـ أو كلمة تشبه هاتين ـ حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقَدَر. قال يحيـى بن آدم: فذكرته لابن المبارك فقال: أيسكت الإنسان على الجهل؟ قلت: فتأمر بالكلام؟ قال فسكت. وقال أبو بكر الوراق: «فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» هي الفقر والفاقة؛ وهذا حسن؛ فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج، نعم! وفي الآخرة.

قوله تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} أي هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق. ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه؛ أي لا يشقى من خَلَقه سعيداً. ولا يسعد من خلقه شقيًّا. وقال مجاهد: المعنى لا تبديل لدين الله؛ وقاله قتادة وابن جُبير والضحاك وابن زيد والنَّخَعِيّ، قالوا: هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة: وروي عن ابن عباس وعمر بن الخطاب أن المعنى: لا تغيير لخلق الله من البهائم أن تخصى فحولها؛ فيكون معناه النهي عن خِصاء الفحول من الحيوان. وقد مضى هذا في «النساء». {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي ذلك القضاء المستقيم؛ قاله ابن عباس. وقال مقاتل: ذلك الحساب البَيّن. وقيل: «ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» أي دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقاً معبوداً، وإلهاً قديماً سبق قضاؤه ونَفَذ حكمه.

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝٣١ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۝٣٢

قوله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} اختلف في معناه، فقيل: راجعين إليه بالتوبة والإخلاص. وقال يحيـى بن سلام والفرّاء: مقبلين إليه. وقال عبد الرحمن بن زيد: مطيعين له. وقيل: تائبين إليه من الذنوب؛ ومنه قول (أبي) قيس بن الأسْلَت:

فإن تابوا فإن بني سليموقومهم هوازن قد أنابوا

والمعنى واحد؛ فإن «ناب وتاب وثاب وآب» معناه الرجوع. قال الماوردِيّ: وفي أصل الإنابة قولان: أحدهما: أن أصله القطع؛ ومنه أخِذ اسم الناب لأنه قاطع؛ فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عزّ وجلّ بالطاعة. الثاني: أصله الرجوع؛ مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى؛ ومنه النَّوْبة لأنها الرجوع إلى عادة. الجوهري: وأناب إلى الله أقبل وتاب. والنَّوْبة واحدة النُّوَب، تقول: جاءت نَوْبتك ونيابتك، وهم يتناوبون النَّوْبة فيما بينهم في الماء وغيره. وانتصب على الحال. قال محمد بن يزيد: لأن معنى: «أَقِمْ وَجْهَكَ» فأقيموا وجوهكم منيبين. وقال الفرّاء: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين. وقيل: انتصب على القطع؛ أي فأقم وجهك أنت وأمتك المنيبين إليه؛ لأن الأمر له، أمرٌ لأمته؛ فحسن أن يقول منيبين إليه، وقد قال الله تعالى: { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ }[الطلاق: 1]. {وَٱتَّقُوهُ} أي خافوه وامتثلوا ما أمركم به {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} بيّن أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص؛ فلذلك قال: «وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» وقد مضى هذا مبيناً «في النساء والكهف» وغيرهما. {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} تأوّله أبو هريرة وعائشة وأبو أمامة: أنه لأهل القبلة من أهل الأهواء والبِدع. وقد مضى «في الأنعام» بيانه. وقال الربيع بن أنس: الذين فرّقوا دينهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ وقاله قتادة ومَعْمَر. وقرأ حمزة والكسائي: «فَارقُوا دِينَهم»، وقد قرأ بذلك عليّ بن أبي طالب؛ أي فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد. {وَكَانُواْ شِيَعاً} أي فِرقاً؛ قاله الكَلْبيّ. وقيل أدياناً؛ قاله مقاتل. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي مسرورون معجبون، لأنهم لم يتبيّنوا الحق وعليهم أن يتبيّنوه. وقيل: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض. وقول ثالث: أن العاصي لله عز وجل قد يكون فرحاً بمعصيته، فكذلك الشيطان وقُطّاع الطريق وغيرهم، والله أعلم. وزعم الفرّاء أنه يجوز أن يكون التمام «وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ويكون المعنى: من الذين فارقوا دينهم «وَكَانُوا شِيَعاً» على الاستئناف، وأنه يجوز أن يكون متصلاً بما قبله. النحاس: وإذا كان متصلاً بما قبله فهو عند البصريين على البدل بإعادة الحرف؛ كما قال جل وعز: { قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ }[الأعراف: 75] ولو كان بلا حرف لجاز.

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا۟ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۝٣٣

قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} أي قَحْط وشِدّة {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ} أن يرفع ذلك عنهم {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} قال ابن عباس: مقبلين عليه بكل قلوبهم لا يشركون. ومعنى هذا الكلام التعجب، عجب نبيّه من المشركين في ترك الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم؛ أي إذا مسّ هؤلاء الكفارَ ضرٌّ من مرض وشدّة دعوْا ربّهم؛ أي استغاثوا به في كشف ما نزل بهم؛ مقبلين عليه وحده دون الأصنام، لعلمهم بأنه لا فرج عندها. {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً} أي عافية ونعمة. {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي يشركون به في العبادة.

لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝٣٤

قوله تعالى: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} قيل: هي لام كي. وقيل: هي لام أمر فيه معنى التهديد؛ كما قال جل وعز:

{ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } [الكهف: 29]. {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد ووعيد. وفي مصحف عبد الله «وَليتَمَتّعوا»؛ أي مكَّناهم من ذلك لكي يتمتعوا، فهو إخبار عن غائب؛ مثل: «لِيَكْفُرُوا». وهو على خط المصحف خطاب بعد الإخبار عن غائب؛ أي تمتعوا أيها الفاعلون لهذا.

أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا۟ بِهِۦ يُشْرِكُونَ ۝٣٥

قوله تعالى: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} استفهام فيه معنى التوقيف. قال الضحاك: «سُلْطَاناً» أي كتاباً؛ وقاله قتادة والربيع بن أنس. وأضاف الكلام إلى الكتاب توسُّعاً. وزعم الفرّاء أن العرب تؤنّث السلطان؛ تقول: قضَتْ به عليك السلطان. فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة؛ أي حجة تنطق بشرككم؛ قاله ابن عباس والضحاك أيضاً. وقال عليّ بن سليمان عن أبي العباس محمد بن يزيد قال: سُلطان جمع سليط؛ مثل رغيف ورغفان، فتذكيره على معنى الجمع وتأنيثه على معنى الجماعة. وقد مضى في «آل عمران» الكلام في السلطان أيضاً مستوفى. والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمراً يستوجب به عقوبة؛ كما قال تعالى:

{ أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } [النمل: 21].

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا۟ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ۝٣٦

قوله تعالى: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا} يعني الخِصْب والسّعة والعافية؛ قاله يحيـى بن سلام. النّقاش: النعمة والمطر. وقيل: الأمن والدَّعة؛ والمعنى متقارب. {فَرِحُواْ بِهَا} أي بالرحمة. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي بلاء وعقوبة؛ قاله مجاهد. السُّدِّي: قحط المطر. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي بما عملوا من المعاصي. {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} أي ييأسون من الرحمة والفرج؛ قاله الجمهور. وقال الحسن: إن القنوط ترك فرائض الله سبحانه وتعالى في السرّ. قَنِط يَقْنَط، وهي قراءة العامة. وقَنَط يَقْنِط، وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب. وقرأ الأعمش: «قَنِطَ يَقْنِط» بالكسر فيهما؛ مثل حَسِب يَحْسِب. والآية صفة للكافر، يقنط عند الشدّة، ويبطَر عند النعمة؛ كما قيل:

كحمار السَّوء إن أعلفتهرَمَح الناس وإن جاع نهق

وكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه بهذه المثابة؛ وقد مضى في غير موضع. فأما المؤمن فيشكر ربّه عند النعمة، ويرجوه عند الشدّة.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٣٧

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء أو يضيق؛ فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.

فَـَٔاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٣٨

قوله تعالى: {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: لما تقدّم أنه سبحانه يبسط الرزق (لمن يشاء) ويقدِر أمر مَن وسع عليه الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغنيّ. والخطاب للنبيّ عليه السلام والمراد هو وأمته؛ لأنه قال: «ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ». وأمر بإيتاء ذي القربى لِقُرب رَحِمه؛ وخيرُ الصدقة ما كان على القريب، وفيها صلة الرّحِم. وقد فضّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب،

فقال لميمونة وقد أعتقت ولِيدةً: «أما إنّك لو أعطيْتِها أخوالَك كان أعظمَ لأجرك»

الثانية: واختلف في هذه الآية؛ فقيل: إنها منسوخة بآية المواريث. وقيل: لا نسخ، بل للقريب حق لازم في البِرّ على كل حال؛ وهو الصحيح. قال مجاهد وقتادة: صلة الرّحِم فرض من الله عز وجل، حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورَحِمُه محتاجة. وقيل: المراد بالقربى أقرباء النبيّ صلى الله عليه وسلم. والأوّل أصح؛ فإن حقهم مبيّن في كتاب الله عز وجل في قوله:

{ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ }[الأنفال: 41]. وقيل: إن الأمر بالإيتاء لذي القربى على جهة الندب. قال الحسن: «حقَّه» المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر. {وَٱلْمِسْكِينَ} قال ابن عباس: أي أطعم السائل الطوّاف؛ وابن السبيل: الضيف؛ فجعل الضيافة فرضاً، وقد مضى جميع هذا مبسوطاً مبيَّناً في مواضعه والحمد لله.

الثالثة: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} أي إعطاء الحق أفضل من الإمساك إذا أريد بذلك وجهُ الله والتقرُّبُ إليه. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة. وقد تقدّم في «البقرة» القول فيه.

وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَا۟ فِىٓ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرْبُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوٰةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ ۝٣٩

قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ}

فيه أربع مسائل:

الأولى: لمّا ذكر ما يراد به وجهه ويثيب عليه ذكر غير ذلك من الصفة وما يراد به أيضاً وجهه. وقرأ الجمهور: «آتَيْتُمْ» بالمد بمعنى أعطيتم. وقرأ ابن كثير ومجاهد وحُميد بغير مدّ؛ بمعنى ما فعلتم من رِباً لِيَرْبُوَ؛ كما تقول: أتيت صواباً وأتيت خطأ. وأجمعوا على المدّ في قوله: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً}. والربا الزيادة وقد مضى في «البقرة» معناه، وهو هناك محرّم وهاهنا حلال. وثبت بهذا أنه قسمان: منه حلال ومنه حرام. قال عكرمة في قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} قال: الرِّبَا رِبَوان، ربا حلال وربا حرام؛ فأما الرّبا الحلال فهو الذي يُهْدَى، يُلتمس ما هو أفضل منه. وعن الضحاك في هذه الآية: هو الرّبا الحلال الذي يُهدى ليُثاب ما هو أفضل منه، لا له ولا عليه، ليس له فيه أجر وليس عليه فيه إثم. وكذلك قال ابن عباس: «وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً» يريد هدية الرجل الشيء يرجو أن يثاب أفضل منه؛ فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر صاحبه ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى نزلت الآية. قال ابن عباس وابن جُبير وطاوس ومجاهد: هذه آية نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلام وغيره؛ فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى. وقاله القاضي أبو بكر بن العربي. وفي كتاب النَّسائي عن عبد الرحمن بن علقمة قال:

قدم وفد ثَقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هديّة فقال: «أهدية أم صدقة فإن كانت هدية فإنما يُبْتَغى بها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الحاجة، وإن كانت صدقة فإنما يُبْتَغى بها وجه الله عز وجل» قالوا: لا بل هدية؛ فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم ويسألونه. وقال ابن عباس أيضاً وإبراهيم النَّخعِي: نزلت في قوم يُعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضّل عليهم، وليزيدوا في أموالهم على وجه النفع لهم. وقال الشّعْبي: معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحداً وخف له لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يَجزِي به الخدمة لا يربو عند الله. وقيل: كان هذا حراماً على النبيّ صلى الله عليه وسلم على الخصوص؛ قال الله تعالى: { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ }[المدثر: 6] فنهي أن يعطي شيئاً فيأخذ أكثر منه عِوضاً. وقيل: إنه الربا المحرّم؛ فمعنى: «لاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ» على هذا القول لا يحكم به لآخذه بل هو للمأخوذ منه. قال السدي: نزلت هذه الآية في ربا ثَقيف؛ لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش.

الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي: صريح الآية فيمن يَهب يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة. قال المُهَلَّب: اختلف العلماء فيمن وَهَب هبة يطلب ثوابها وقال: إنما أردت الثواب؛ فقال مالك: ينظر فيه؛ فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك؛ مثل هبة الفقير للغنيّ، وهبة الخادم لصاحبه، وهبة الرجل لأميره ومَن فوقه؛ وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط؛ وهو قول الشافعي الآخر. قال: والهبة للثواب باطلة لا تنفعه؛ لأنها بيع بثمن مجهول. واحتج الكوفي بأن موضوع الهبة التبرع، فلو أوجبنا فيها العِوض لبطل معنى التبرع وصارت في معنى المعاوضات، والعرب قد فرّقت بين لفظ البيع ولفظ الهبة، فجعلت لفظ البيع على ما يستحق فيه العوض، والهبة بخلاف ذلك. ودليلنا ما رواه مالك في موطئه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيّما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته حتى يرضى منها. ونحوه عن عليّ رضي الله عنه قال: المواهب ثلاث: مَوْهبة يراد بها وجه الله، وموهبة يراد بها وجوه الناس، وموهبة يراد بها الثواب؛ فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذا لم يُثب منها. وترجم البخارِيّ رحمه الله (باب المكافأة في الهبة) وساق حديث عائشة قالت:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويُثيب عليها. وأثاب على لِقْحة ولم ينكر على صاحبها حين طلب الثواب، وإنما أنكر سخطه للثواب وكان زائداً على القيمة. خرجه الترمذي.

الثالثة: ما ذكره عليّ رضي الله عنه وفصّله من الهبة صحيح؛ وذلك أن الواهب لا يخلو في هبته من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد بها وجه الله تعالى ويبتغي عليها الثواب منه. والثاني: أن يريد بها وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويُثْنُوا عليه من أجلها. والثالث: أن يريد بها الثواب من الموهوب له؛ وقد مضى الكلام فيه. وقال صلى الله عليه وسلم:

الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى. فأما إذا أراد بهبته وجه الله تعالى وابتغى عليه الثواب من عنده فله ذلك عند الله بفضله ورحمته؛ قال الله عز وجل: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}.

وكذلك من يصل قرابته ليكون غنيًّا حتى لا يكون كَلاًّ فالنية في ذلك متبوعة؛ فإن كان ليتظاهر بذلك دنيا فليس لوجه الله، وإن كان لما له عليه من حق القرابة وبينهما من وشيجة الرحم فإنه لوجه الله.

وأما من أراد بهبته وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها فلا منفعة له في هبته؛ لا ثواب في الدنيا ولا أجر في الآخرة؛ قال الله عز وجل:

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ } [البقرة: 264] الآية.

وأما من أراد بهبته الثواب من الموهوب له فله ما أراد بهبته، وله أن يرجع فيها ما لم يثب بقيمتها، على مذهب ابن القاسم، أو ما لم يرض منها بأزيد من قيمتها، على ظاهر قول عمر وعليّ، وهو قول مُطَرِّف في الواضحة: أن الهبة ما كانت قائمة العين، وإن زادت أو نقصت فللواهب الرجوع فيها وإن أثابه الموهوب فيها أكثر منها. وقد قيل: إنها إذا كانت قائمة العين لم تتغير فإنه يأخذ ما شاء. وقيل: تلزمه القيمة كنكاح التفويض، وأما إذ كان بعد فوت الهبة فليس له إلا القيمة اتفاقاً؛ قاله ابن العربي.

الرابعة: قوله تعالى: {لِّيَرْبُوَاْ} قرأ جمهور القرّاء السبعة: «ليربو» بالياء وإسناد الفعل إلى الربا. وقرأ نافع وحده: بضم التاء (والواو) ساكنة على المخاطبة؛ بمعنى تكونوا ذوي زيادات، وهذه قراءة ابن عباس والحسن وقتادة والشعبي. قال أبو حاتم: هي قراءتنا. وقرأ أبو مالك: «لتربوها» بضمير مؤنث. {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} أي لا يزكوا ولا يثيب عليه؛ لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه وكان خالصاً له؛ وقد تقدّم في «النساء». {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ} قال ابن عباس: أي من صدقة. {تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} أي ذلك الذي يقبله ويضاعفه له عشرة أضعافه أو أكثر كما قال:

{ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً }[البقرة: 245]. وقال: { وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } [البقرة: 265]. وقال: «فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» ولم يقل فأنتم المضعفون لأنه رجع من المخاطبة إلى الغيبة؛ مثل قوله: { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }[يونس: 22]. وفي معنى المُضعفين قولان: أحدهما: أنه تضاعف لهم الحسنات كما ذكرنا. والآخر: أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم؛ أي هم أصحاب أضعاف، كما يقال: فلان مُقْوٍ إذا كانت إبِله قوية، أَوْلَه أصحاب أقوياء. ومُسْمِن إذا كانت إبله سماناً. ومُعْطِش إذا كانت إبله عِطاشاً. ومضعِف إذا كانت إبله ضعيفة؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبِث الشيطان الرجيم. فالمخبث: الذي أصابه خبث، يقال: فلان رديء أي هو رديء؛ في نفسه. ومردِىء: أصحابهُ أردئاء.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَىْءٍ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٤٠

قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} ابتداء وخبر. وعاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين وأنه الخالق الرازق المميت المحيي. ثم قال على جهة الاستفهام: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ} لا يفعل. ثم نزّه نفسه عن الأنداد والأضداد والصاحبة والأولاد بقوله الحق: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء، ويجعلون لهم من أموالهم.

ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٤١

قوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} اختلف العلماء في معنى الفساد والبر والبحر؛ فقال قتادة والسدّي: الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد. وقال ابن عباس وعِكرمة ومجاهد: فساد الْبَرِّ قتلُ ابن آدم أخاه؛ قابيلُ قتل هابيل. وفي البحر بالْمَلِك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وقيل: الفساد القحط وقلّة النبات وذهاب البركة. ونحوه قال ابن عباس قال: هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية. وعنه أيضاً: أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم. وقال عطية: فإذا قلّ المطرقّل الغَوْص عنده، وأخفق الصيادون، وعميت دواب البحر. وقال ابن عباس: إذا مطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر، فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ. وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلّة المعاش. وقيل: الفساد المعاصي وقطعُ السبيل والظلم؛ أي صار هذا العمل مانعاً من الزرع والعمارات والتجارات؛ والمعنى كله متقارب. والبر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس؛ لا ما قاله بعض العُبّاد: أن البر اللسانُ والبحر القلب؛ لظهور ما على اللسان وخفاء ما في القلب. وقيل: البَر: الفيافي، والبحر: القرى؛ قاله عكرمة. والعرب تسمي الأمصار البحار. وقال قتادة: البَرّ أهل العمود، والبحر أهل القرى والريف. وقال ابن عباس: إن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر؛ وقاله مجاهد، قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء جارٍ فهي بحر. وقال معناه النحاس، قال: في معناه قولان: أحدهما: ظهر الجَدْب في البر؛ أي في البوادي وقراها، وفي البحر أي في مدن البحر؛ مثل:

{ وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ }[يوسف: 82]. أي ظهر قلة الغيث وغلاء السعر. {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ} أي عقاب بعض {ٱلَّذِي عَمِلُواْ} ثم حذف. والقول الآخر: أنه ظهرت المعاصي من قطع السبيل والظلم، فهذا هو الفساد على الحقيقة، والأوّل مجاز إلا أنه على الجواب الثاني، فيكون في الكلام حذف واختصار دلّ عليه ما بعده، ويكون المعنى: ظهرت المعاصي في البر والبحر فحبس الله عنهما الغيث وأغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض الذي عملوا. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لعلهم يتوبون. وقال: «بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا» لأن معظم الجزاء في الآخرة. والقراءة «لِيُذِيقَهُمْ» بالياء. وقرأ ابن عباس بالنون، وهي قراءة السُّلَمِي وابن مُحَيْصِن وقُنْبُل ويعقوب على التعظيم؛ أي نذيقهم عقوبة بعض ما عملوا.

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ ۝٤٢

قوله تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي قل لهم يا محمد سيروا في الأرض ليعتبروا بمن قبلهم، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل. {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} أي كافرين فأهلكوا.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ۝٤٣

قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ} قال الزجاج: أي أقم قصدك، واجعل جهتك اتباع الدّين القيم؛ يعني الإسلام. وقيل: المعنى أوضح الحق وبالغ في الإعذار، واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم. {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} أي لا يردّه الله عنهم، فإذا لم يردّه لم يتهيأ لأحد دفعه. ويجوز عند غير سيبويه «لاَ مَرَدٌّ لَهُ» وذلك عند سيبويه بعيد، إلا أن يكون في الكلام عطف. والمراد يوم القيامة. {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} قال ابن عباس: معناه يتفرّقون. وقال الشاعر:

وكنّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمةَ حِقْبَةًمن الدهر حتى قِيل لن يَتَصدّعا

أي لن يتفرقا؛ نظيره قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ». والأصل يتصدّعون؛ ويقال: تصدّع القوم إذا تفرّقوا؛ ومنه اشتق الصداع، لأنه يفرق شُعب الرأس.

مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ۝٤٤

قوله تعالى: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي جزاء كفره. {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي يوطِّئون لأنفسهم في الآخرة فراشاً ومسكناً وقراراً بالعمل الصالح؛ ومنه: مهدُ الصبيّ. والمهاد الفراشُ، وقد مهدت الفراش مَهْداً: بسطته ووطّأته. وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها. وتمهيد العذر: بسطُه وقبوله. والتمهّد: التمكن. وروى ابن أبي نجِيح عن مجاهد: «فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ» قال: في القبر.

لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضْلِهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٤٥

قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله. وقيل يصدّعون ليجزيهم الله؛ أي ليميّز الكافر من المسلم. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ}.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَلِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٤٦

قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} أي ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشّرات أي بالمطر لأنها تتقدّمه. وقد مضى في «الحجِر» بيانه. {وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ} يعني الغيث والخصب. {وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ} أي في البحر عند هبوبها. وإنما زاد «بِأَمْرِهِ» لأن الرياح قد تَهُبُّ ولا تكون مواتية، فلا بدّ من إرساء السفن والاحتيال بحبسها، وربما عصفت فأغرقتها بأمره. {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يعني الرزق بالتجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه النعم بالتوحيد والطاعة. وقد مضى هذا كلّه مبيناً.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٧

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي المعجزات والحجج النيّرات {فَٱنتَقَمْنَا} أي فكفروا فانتقمنا ممن كفر. {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} «حقًّا» نصب على خبر كان، «ونصر» اسمها. وكان أبو بكر يقف على «حَقًّا» أي وكان عقابنا حقا، ثم قال: {عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} ابتداء وخبر؛ أي أخبر بأنه لا يخلف الميعاد، ولا خُلْف في خبرنا. وروي من حديث أبي الدَّرداء قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

ما من مسلم يَذُبّ عن عرض أخيه إلا كان حقًّا على الله تعالى أن يردّ عنه نار جهنم يوم القيامة ـ ثم تلا ـ وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين. ذكره النحاس والثعلبيّ والزّمخشرِيّ وغيرهم.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُۥ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُۥ كِسَفًا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَٰلِهِۦ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝٤٨ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِۦ لَمُبْلِسِينَ ۝٤٩

قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} قرأ ابن محيصِن وابن كثير وحمزة والكسائي: «الريح» بالتوحيد. والباقون بالجمع. قال أبو عمرو: وكل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد. وقد مضى في «البقرة» معنى هذه الآية وفي غيرها. «كِسَفاً» جمع كِسْفة وهي القطعة. وفي قراءة الحسن وأبي جعفر وعبد الرحمن الأعرج وابن عامر «كِسْفاً» بإسكان السين، وهي أيضاً جمع كسفة؛ كما يقال: سِدْرة وسِدْر؛ وعلى هذه القراءة يكون المضمر الذي بعده عائداً عليه؛ أي فترى الودق أي المطر يخرج من خلال الكسف؛ لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء لا غير فالتذكير فيه حَسَن. ومن قرأ: «كِسَفاً» فالمضمر عنده عائد على السحاب. وفي قراءة الضحاك وأبي العالية وابن عباس: «فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ» ويجوز أن يكون خَلَل جمع خِلال. {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ} أي بالمطر. {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} يفرحون بنزول المطر عليهم. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} أي يائسين مكتئبين قد ظهر الحزن عليهم لاحتباس المطر عنهم. و«مِنْ قَبْلِهِ» تكرير عند الأخفش معناه التأكيد؛ وأكثر النحويين على هذا القول؛ قاله النحاس. وقال قُطْرُب: إن «قبل» الأولى للإنزال والثانية للمطر؛ أي وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: المعنى من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع، ودلّ على الزرع المطر إذ بسببه يكون. ودلّ عليه أيضاً «فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا» على ما يأتي. وقيل: المعنى من قبل السحاب من قبل رؤيته؛ واختار هذا القول النحاس، أي من قبل رؤية السحاب {لَمُبْلِسِينَ } أي ليائسين. وقد تقدم ذكر السحاب.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ