انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

تفسير الطبريالآيات 31–82

تفسير سورة الصافات آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الصافات

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 46:38

  1. 1 الآيات 22–82في هذه الصفحة 15:56

التفسير الصوتي لسورة الصافات كاملًا (4 مقاطع)

فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ۝٣١ فَأَغْوَيْنَٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ۝٣٢ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ۝٣٣ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: فحقّ علـينا قول ربنا، فوجب علـينا عذاب ربنا، إنا لذائقون العذاب نـحن وأنتـم بـما قدّمنا من ذنوبنا ومعصيتنا فـي الدنـيا فهذا خبر من الله عن قـيـل الـجنّ والإنس، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَحَقَّ عَلَـيْنا قَوْلُ رَبِّنا}... الآية، قال: هذا قول الـجنّ.

وقوله: {فأغْوَيْناكُمْ إنَّا كُنَّا غاوِينَ} يقول: فأضللناكم عن سبـيـل الله والإيـمان به إنا كنا ضالـين وهذا أيضاً خبر من الله عن قـيـل الـجنّ والإنس، قال الله: {فإنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِـي العَذَابِ مُشْتَركُونَ} يقول: فإن الإنس الذين كفروا بـالله وأزواجهم، وما كانوا يعبدون من دون الله، والَّذين أَغْوَوا الإنس من الـجنّ يوم القـيامة فـي العذاب مشتركون جميعاً فـي النار، كما اشتركوا فـي الدنـيا فـي معصية الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {فإنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِـي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} قال: هم والشياطين.

{إنَّا كذلكَ نَفْعَلُ بـالـمُـجْرِمِينَ} يقول تعالـى ذكره: إنا هكذا نفعل بـالذين اختاروا معاصيَ الله فـي الدنـيا علـى طاعته، والكفر به علـى الإيـمان، فنذيقهم العذاب الألـيـم، ونـجمع بـينهم وبـين قرنائهم فـي النار.

إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ۝٣٥ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍۭ ۝٣٦ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: وإن هؤلاء الـمشركين بـالله الذين وصف صفتهم فـي هذه الآيات كانوا فـي الدنـيا إذا قـيـل لهم: قولوا {لا إلَه إلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} يقول: يتعظَّمون عن قِـيـل ذلك ويتكبرون وترك من الكلام قولوا، اكتفـاء بدلالة الكلام علـيه من ذكره. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {إذَا قِـيـلَ لَهُمْ لا إلهَ إلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} قال: يعنـي الـمشركين خاصّة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّهُمْ كانُوا إذَا قِـيـلَ لَهُمْ لا إلهَ إلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} قال: قال عمر بن الـخطاب: احْضُروا موتاكم، ولقنوهم لا إله إلا الله، فإنهم يرون ويسمعون.

وقوله: {وَيَقُولُونَ أئِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعرٍ مَـجْنُونٍ} يقول تعالـى ذكره: ويقول هؤلاء الـمشركون من قريش: أنترك عبـادة آلهتنا لشاعر مـجنون؟ يقول: لاتّبـاع شاعر مـجنون، يعنون بذلك نبّـي الله صلى الله عليه وسلم، ونقول: لا إله إلا الله، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَيَقُولُونَ آئِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَـجْنُونٍ} يعنون مـحمداً صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {بَلْ جاءَ بـالـحَقّ} وهذا خبر من الله مكذّبـاً للـمشركين الذين قالوا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: شاعر مـجنون، كذبوا، ما مـحمد كما وصفوه به من أنه شاعر مـجنون، بل هو الله نبـيّ جاء بـالـحقّ من عنده، وهو القرآن الذي أنزله علـيه، وصدّق الـمرسلـين الذين كانوا من قبله. وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {بَلْ جاءَ بـالـحَقِّ} بـالقرآن {وَصَدَّقّ الـمُرْسَلِـينَ}: أي صدّق من كان قبله من الـمرسلـين.

إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ۝٣٨ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٣٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٤٠ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ۝٤١

يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـمشركين من أهل مكة، القائلـين لـمـحمد: شاعر مـجنون {إنَّكُمْ} أيها الـمشركون {لَذائِقُوا العَذَابِ الألـيـمِ} الـموجع فـي الآخرة {وَما تُـجْزَوْنَ} يقول: وما تُثابون فـي الآخرة إذا ذقتـم العذاب الألـيـم فـيها {إلاَّ} ثواب {ما كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} فـي الدنـيا، معاصِيَ الله. وقوله: {إلاَّ عِبـادَ اللّهِ الـمُخْـلَصِينَ} يقول: إلا عبـاد الله الذين أخـلصهم يوم خـلقهم لرحمته، وكتب لهم السعادة فـي أمّ الكتاب، فإنهم لا يذوقون العذاب، لأنهم أهل طاعة الله، وأهل الإيـمان به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إلاَّ عِبـادَ اللّهِ الـمُخْـلَصِينَ} قال: هذه ثَنِـية الله.

وقوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} يقول: هؤلاء هم عبـاد الله الـمخـلَصون لهم رزق معلوم وذلك الرزق الـمعلوم: هو الفواكه التـي خـلقها الله لهم فـي الـجنة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ معْلُومٌ} فـي الـجنة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {أُولئكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} قال: فـي الـجنة.

فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ۝٤٢ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٤٣ عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَٰبِلِينَ ۝٤٤ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍۭ ۝٤٥ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّٰرِبِينَ ۝٤٦ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ۝٤٧

قوله فَوَاكِهُ ردّاً علـى الرزق الـمعلوم تفسيراً له، ولذلك رفعت. وقوله: {وَهُمْ مُكْرَمُونَ} يقول: وهم مع الذي لهم من الرزق الـمعلوم فـي الـجنة، مكرمون بكرامة الله التـي أكرمهم الله بها {فِـي جَنَّاتِ النَّعِيـمِ} يعنـي: فـي بساتـين النعيـم {علـى سُرُرٍ مُتَقابِلِـينَ} يعنـي: أن بعضهم يقابل بعضاً، ولا ينظر بعضهم فـي قـفـا بعض. وقوله: {يُطافُ عَلَـيْهِمْ بكأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} يقول تعالـى ذكره: يطوف الـخدم علـيهم بكأس من خمر جارية ظاهرة لأعينهم غير غائرة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يُطافُ عَلَـيْهِمْ بكأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} قال: كأس من خمر جارية، والـمعين: هي الـجارية.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك بن مزاحم، فـي قوله: {بكأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} قال: كلّ كأس فـي القرآن فهو خمر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الله بن داود، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: كل كأس فـي القرآن فهو خمر.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {بكأْسٍ مِن مَعِينٍ} قال: الـخمر. والكأس عند العرب: كلّ إناء فـيه شراب، فإن لـم يكن فـيه شراب لـم يكن كأساً، ولكنه يكون إناء.

وقوله: {بَـيْضَاءَ لَذَّةٍ للشَّارِبِـينَ} يعنـي بـالبـيضاء: الكأس، ولتأنـيث الكأس أنثت البـيضاء، ولـم يقل أبـيض، وذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «صفراء».

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {بَـيْضَاءَ} قال السديّ: فـي قراءة عبد الله: «صفراء».

وقوله: {لَذَّةٍ للشَّارِبـينَ} يقول: هذه الـخمر لذّة يـلتذّها شاربوها.

وقوله: {لا فِـيها غَوْلٌ} يقول: لا فـي هذه الـخمر غَوْل، وهو أن تغتال عقولهم يقول: لا تذهب هذه الـخمر بعقول شاربـيها، كما تذهب بها خمور أهل الدنـيا إذا شربوها فأكثروا منها، كما قال الشاعر:

وَما زَالَتِ الكأْسُ تَغْتالُنَاوَتَذْهَبُ بـالأَوَّلِ الأَوَّلِ

والعرب تقول: لـيس فـيها غيـلة وغائلة وغَوْل بـمعنى واحد ورفع غَوْل ولـم ينصب بلا لدخول حرف الصفة بـينها وبـين الغول، وكذلك تفعل العرب فـي التبرئة إذا حالت بـين لا والاسم بحرف من حروف الصفـات رفعوا الاسم ولـم ينصبوه، وقد يحتـمل قوله: {لا فِـيها غَوْلٌ} أن يكون معنـياً به: لـيس فـيها ما يؤذيهم من مكروه، وذلك أن العرب تقول للرجل يصاب بأمر مكروه، أو يُنال بداهية عظيـمة: غالَ فلاناً غُولٌ. وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: لـيس فـيها صُداع. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {لا فِـيها غَوْلٌ} يقول: لـيس فـيها صُداع.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لـيس فـيها أذًى فتشكَّى منه بطونهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {لا فِـيها غَوْلٌ} قال: هي الـخمر لـيس فـيها وجع بطن.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {لا فِـيها غَوْلٌ} قال: وجع بطن.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لا فِـيها غَوْلٌ} قال: الغول ما يوجع البطون، وشارب الـخمر ههنا يشتكي بطنه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لا فِـيها غَوْلٌ} يقول: لـيس فـيها وجع بطن، ولا صُداع رأس.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنها لا تغول عقولهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {لا فِـيها غَوْلٌ} قال: لا تغتال عقولهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لـيس فـيها أذًى ولا مكروه. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن يحيى بن زكريا بن أبـي زائدة، عن إسرائيـل، عن سالـم الأفطس، عن سعيد بن جُبَـير، فـي قوله: {لا فِـيها غَوْلٌ} قال: أذًى ولا مكروه.

حدثنا مـحمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا عبد الله بن بزيعة، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن سالـم، عن سعيد بن جُبَـير، فـي قوله: {لا فِـيها غَوْلٌ} قال: لـيس فـيها أذًى ولا مكروه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لـيس فـيها إثم.

ولكلّ هذه الأقوال التـي ذكرناها وجه، وذلك أن الغَوْل فـي كلام العرب: هو ما غال الإنسان فذهب به، فكلّ من ناله أمر يكرهه ضربوا له بذلك الـمثل، فقالوا: غالت فلاناً غول، فـالذاهب العقل من شرب الشراب، والـمشتكي البطن منه، والـمصدّع الرأس من ذلك، والذي ناله منه مكروه كلهم قد غالته غُول.

فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالـى ذكره قد نفـى عن شراب الـجنة أن يكون فـيه غَوْل، فـالذي هو أولـى بصفته أن يقال فـيه كما قال جلّ ثناؤه {لا فِـيها غَوْلٌ} فـيعمّ بنفـي كلّ معانـي الغَوْل عنه، وأعمّ ذلك أن يقال: لا أذى فـيها ولا مكروه علـى شاربـيها فـي جسم ولا عقل، ولا غير ذلك.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله {وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ} فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة {يُنْزَفُونَ} بفتـح الزاي، بـمعنى: ولا هم عن شربها تُنْزَف عقولهم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «وَلا هُمْ عَنْها يُنْزِفُونَ» بكسر الزاي، بـمعنى: ولا هم عن شربها يَنْفَد شرابهم.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا الـمعنى غير مختلفتـيه، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب وذلك أن أهل الـجنة لا ينفد شرابهم، ولا يُسكرهم شربهم إياه، فـيُذهِب عقولَهم.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: لا تذهب عقولهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ} يقول: لا تذهب عقولهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ} قال: لا تُنْزَف فتذهب عقولهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ} قال: لا تذهب عقولهم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ} قال: لا تُنْزَف عقولهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ} قال: لا تُنْزِف العقول.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ} قال: لا تغلبهم علـى عقولهم.

وهذا التأويـل الذي ذكرناه عمن ذكرنا عنه لـم تفصِّل لنا رَواته القراءة الذي هذا تأويـلها، وقد يحتـمل أن يكون ذلك تأويـل قراءة من قرأها يَنْزِفُونَ ويُنْزَفُون كلتـيهما، وذلك أن العرب تقول: قد نُزِف الرجل فهو منزوف: إذا ذهب عقله من السكر، وأَنْزَف فهو مُنْزِف، مـحكية عنهم اللغتان كلتاهما فـي ذهاب العقل من السكر وأما إذا فَنِـيت خمر القوم فإنـي لـم أسمع فـيه إلا أنزَفَ القومُ بـالألف، ومن الإنزاف بـمعنى: ذهاب العقل من السكر، قول الأُبَـيرد:

لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُـمُوا أوْ صَحَوْتُـمُلبِئْسَ النَّدامَى كنْتُـمُ آلَ أبْجَرَا

وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ ۝٤٨ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ۝٤٩ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: وعند هؤلاء الـمخـلَصين من عبـاد الله فـي الـجنة قاصرات الطرف، وهنّ النساء اللواتـي قَصَرْن أطرافهنّ علـى بُعُولتهنّ، لا يُرِدْن غيرهم، ولا يَـمْدُدْن أبصارهنّ إلـى غيرهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علّـي، عن ابن عبـاس {وَعِنْدَهُمْ قاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ} يقول: عن غير أزواجهنّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مـجاهد {وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ} قال: علـى أزواجهن زاد الـحارث فـي حديثه: لا تبغي غيرهم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وَعِنْدَهُمْ قاصِرَاتُ الطَّرْفِ} قال: قَصَرْن أبصارهنّ وقلوبهنّ علـى أزواجهن، فلا يُردن غيرهم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: ذُكر أيضاً عن منصور، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَعِنْدَهُمْ قاصِرَاتُ الطَّرْفِ} قال: قَصَرْن طرفهنّ علـى أزواجهنّ، فلا يُردْن غيرهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله {قاصِراتُ الطَّرْفِ} قال: لا ينظرن إلا إلـى أزواجهنّ، قد قَصَرْن أطرافهنّ علـى أزواجهنّ، لـيس كما يكون نساء أهل الدنـيا.

وقوله: {عِينٌ} يعنـي بـالعِين: النُّـجْلَ العيون عِظامها، وهي جمع عيناء، والعيناء: الـمرأة الواسعة العين عظيـمتها، وهي أحسن ما تكون من العيون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {عِينٌ} قال: عظام الأعين.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {عِينٌ} قال: العَيناء: العظيـمة العين.

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا مـحمد بن الفرج الصَّدَفـي الدِّمْياطيّ، عن عمرو بن هاشم، عن ابن أبـي كريـمة، عن هشام بن حسان، عن أبـيه، عن أمّ سلـمة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنها قالت: قلت: يا رسول الله أخبرنـي عن قول الله:

{ حُورٌ عِينٌ }قال: العِينُ: الضِّخامُ العُيُونِ شُفْرُ الـحَوْرَاءِ بِـمَنْزِلَةِ جَناحِ النِّسْرِ».

وقوله:{كأنَّهُنَّ بَـيضٌ مَكْنُونٌ} اختلف أهل التأويـل فـي الذي به شبهن من البـيض بهذا القول، فقال بعضهم: شبهن ببطن البـيض فـي البـياض، وهو الذي داخـل القِشْر، وذلك أن ذلك لـم يـمسَّه شيء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَـير، فـي قوله: {كأنَّهُنَّ بَـيضٌ مَكْنُونٌ} قال: كأنهن بطْن البـيض.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {كأنَّهُنَّ بَـيضٌ مَكْنُونٌ} قال: البـيض حين يُقْشر قبل أن تـمسَّه الأيدي.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {كأنَّهُنَّ بَـيضٌ مَكْنُونٌ} لـم تـمرّ به الأيدي ولـم تـمسه، يشبهن بـياضه.

وقال آخرون: بل شبهن بـالبـيض الذي يحضنه الطائر، فهو إلـى الصفرة، فشبه بـياضهنّ فـي الصفرة بذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {كأنَّهُنَّ بَـيضٌ مكْنونٌ} قال: البـيض الذي يُكنه الريش، مثل بـيض النعام الذي قد أكنه الريش من الريح، فهو أبـيض إلـى الصُّفْرة فكأنه يُبرُقُ، فذلك الـمكنون.

وقال آخرون: بل عنى بـالبـيض فـي هذا الـموضع: اللؤلؤ، وبه شبهن فـي بـياضه وصفـائه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {كأنَّهُنَّ بَـيضٌ مَكْنُونٌ} يقول: اللؤلؤ الـمكنون.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي قول من قال: شبهن فـي بـياضهن، وأنهنّ لـم يـمسَّهنّ قبل أزواجهنّ إنس ولا جانّ ببـياض البـيض الذي هو داخـل القشر، وذلك هو الـجلدة الـمُلْبَسة الـمُـحّ قبل أن تـمسه يد أو شيء غيرها، وذلك لا شكّ هو الـمكنون فأما القشرة العلـيا فإن الطائر يـمسها، والأيدي تبـاشرها، والعُشُّ يـلقاها. والعرب تقول لكلّ مصون مكنون ما كان ذلك الشيء لؤلؤاً كان أو بـيضاً أو متاعاً، كما قال أبو دَهْبَل:

وَهْيَ زَهْرَاءُ مِثْلُ لُؤْلُؤَةِ الغَوَّاصِ مِيزَتْ مِنْ جَوْهَرٍ مَكْنُونِ

وتقول لكلّ شيء أضمرته الصدور: أكنته، فهو مُكنٌّ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا مـحمد بن الفرج الصِّدَفـي الدِّمياطيّ، عن عمرو بن هاشم عن ابن أبـي كريـمة، عن هشام، عن الـحسن، عن أمه، عن أمّ سلـمة قلتُ: يا رسول الله أخبرنـي عن قوله {كأنَّهُنَّ بَـيْضٌ مَكْنُون} قال:

رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الـجِلْدَةِ التـي رأيْتَها فِـي داخِـلِ البَـيْضَة التـي تَلِـي القِشْرَ وَهِيَ الغِرْقـيءُ».

وقوله: {فأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ علـى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ} يقول تعالـى ذكره: فأقبل بعض أهل الـجنة علـى بعض يتساءلون، يقول: يسأل بعضهم بعضاً. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فأَقْبَلَ بَعْضَهُمْ علـى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ} أهل الـجنة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ علـى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ} قال: أهل الـجنة.

قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ ۝٥١ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ۝٥٢ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: قال قائل من أهل الـجنة إذ أقبل بعضهم علـى بعض يتساءلون: {إنـي كانَ لـي قَرِينٌ} فـاختلف أهل التأويـل فـي القرين الذي ذُكر فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: كان ذلك القرين شيطاناً، وهو الذي كان يقول له: {أئِنَّكَ لَـمِنَ الـمُصَدِّقِـينَ} بـالبعث بعد الـمـمات. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد فـي قول الله: {إنّـي كانَ لـي قَرِينٌ} قال: شيطان. وقال آخرون: ذلك القرين شريك كان له من بنـي آدم أو صاحب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إنّـي كانَ لِـي قَرِينٌ يقول أئِنَّكَ لَـمِنَ الـمُصَدّقِـينَ} قال: هو الرجل الـمشرك يكون له الصاحب فـي الدنـيا من أهل الإيـمان، فـيقول له الـمشرك: إنك لتُصدّق بأنك مبعوث من بعد الـموت أئذا كنا ترابـاً؟ فلـما أن صاروا إلـى الآخرة وأدخـل الـمؤمُن الـجنة، وأدخـل الـمشرك النار، فـاطلع الـمؤمن، فرأى صاحبه فـي سَواء الـجحيـم

{ قَالَ تَاللّهِ إنْ كِدْتَ لُتردِينِ }}.

حدثنـي إسحاق بن إبراهيـم بن حبـيب بن الشهيد، قال: عتاب بن بشير، عن خَصيف، عن فُرات بن ثعلبة البهرانـي فـي قوله: {إنّـي كانَ لِـي قَرِينٌ} قال: إن رجلـين كانا شريكين، فـاجتـمع لهما ثمانـية آلاف دِينار، وكان أحدهما له حرفة، والآخر لـيس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: لـيس لك حرفة، ما أُرانـي إلا مفـارقك ومُقاسمك، فقاسمه وفـارقه ثم إن الرجل اشترى داراً بألف دينار كانت لـملك قد مات فدعا صاحبه فأراه، فقال: كيف ترى هذه الدار ابتعُتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها فلـما خرج قال: اللهمّ إن صاحبـي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار، وإنـي أسألك داراً من دور الـجنة، فتَصَدّقَ بألف دينار ثم مكث ما شاء الله أن يـمكث، ثم إنه تزوّج امرأة بألف دينار، فدعاه وصنع له طعاماً فلـما أتاه قال: إنـي تزوّجت هذه الـمرأة بألف دينار قال: ما أحسن هذا فلـما انصرف قال: يا ربّ إن صاحبـي تزوّج امرأة بألف دينار، وإنـي أسألك امرأة من الـحُور العين، فتصدّق بألف دينار ثم إنه مكث ما شاء الله أن يـمكث، ثم اشترى بستانـين بألفـي دينار، ثم دعاه فأراه، فقال: إنـي ابتعت هذين البستانـين، فقال: ما أحسن هذا فلـما خرج قال: يا ربّ إن صاحبـي قد اشترى بساتـين بألفـي دينار، وأنا أسألك بستانـين من الـجنة، فتصدّق بألفـي دينار ثم إن الـملك أتاهما فتوفَّـاهما ثم انطلق بهذا الـمتصدّق فأدخـله داراً تعجبه، فإذا امرأة تطلع يضيء ما تـحتها من حُسنها، ثم أدخـله بستانـين، وشيئاً الله به علـيـم، فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا. قال: فإنه ذاك، ولك هذا الـمنزل والبستانان والـمرأة. قال: فإنه كان لـي صاحب يقول: {أئِنَّكَ لَـمِنَ الـمُصَدِّقِـينَ} قـيـل له: فإنه من الـجحيـم، قال: فهل أنتـم مُطَّلِعون؟ فـاطَّلَع فرآه فـي سواء الـجحيـم، فقال عند ذلك:

{ تاللّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبـي لَكُنْتُ مِنَ الـمُـحْضَرِينَ }}... الآيات..

وهذا التأويـل الذي تأوّله فرات بن ثعلبة يقوّي قراءة من قرأ «إنَّكَ لـمِنَ الـمُصّدِّقِـينَ» بتشديد الصاد بـمعنى: لـمن الـمتصدقـين، لأنه يذكر أن الله تعالـى ذكره إنـما أعطاه ما أعطاه علـى الصدقة لا علـى التصديق، وقراءة قرّاء الأمصار علـى خلاف ذلك، بل قراءتها بتـخفـيف الصاد وتشديد الدال، بـمعنى: إنكار قرينه علـيه التصديق أنه يبعث بعد الـموت، كأنه قال: أتصدّق بأنك تبعث بعد مـماتك، وتُـجْزَى بعملك، وتـحاسَب؟ يدل علـى ذلك قول الله: {أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُرَابـاً وَعِظاماً أئِنَّا لَـمَدِينونَ} وهي القراءة الصحيحة عندنا التـي لا يجوز خِلافُها لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.

وقوله: {أئِنَّا لَـمَدِينُونَ} يقول: أئنا لـمـحاسبون ومـجزيُّون بعد مصيرنا عظاماً ولـحومنا ترابـاً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أئِنَّا لَـمَدِينُونَ} يقول: أئنا لـمـجازوْن بـالعمل، كما تَدِين تُدان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أئِنَّا لَـمَدينُونَ}: أئنا لـمـحاسبون.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {أئِنَّا لَـمَدينُونَ} مـحاسبون.

قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ۝٥٤ فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ۝٥٥ قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ۝٥٦ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ۝٥٧

يقول تعالـى ذكره: قال هذا الـمؤمن الذي أُدخـل الـجنة لأصحابه: {هل أنتـم مُطَّلِعون} فـي النار، لعلـيّ أرى قرينـي الذي كان يقول لـي: إنك لـمن الـمصَدِّقـين بأنا مبعوثون بعد الـمـمات. وقوله: {فـاطَّلَعَ فَرآهُ فِـي سَوَاءِ الـجَحِيـمِ} يقول: فـاطلع فـي النار فرآه فـي وَسَط الـجحيـم. وفـي الكلام متروك استغنـي بدلالة الكلام علـيه من ذكره، وهو فقالوا: نعم. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله: {فـاطَّلَعَ فَرآهُ فِـي سَوَاءِ الـجَحيـمِ} قال: أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فِـي سَوَاءِ الـجَحِيـمِ} يعنـي: وفـي وَسَط الـجحيـم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {فِـي سِواءِ الـجَحِيـمِ} يعنـي: فـي وسط الـجحيـم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبـاد بن راشد، عن الـحسن، فـي قوله: {فِـي سَواءِ الـجَحِيـمِ} يقول: فـي وسط الـجحيـم.

حدثنا ابن سنان، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا عبـاد بن راشد، قال: سمعت الـحسن، فذكر مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سلـيـمان بن حرب، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة، فـي قوله: {سَوَاءِ الـجَحِيـمِ} قال: وَسَطها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: {هَلْ أنْتُـمْ مُطَّلِعُونَ} قال: سأل ربه أن يطلعه، قال {فأطَّلَعَ فَرآهُ فِـي سَوَاءِ الـجَحيـمِ}: أي فـي وسط الـجحيـم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن خـلـيد العصري، قال: لولا أن الله عرّفه إياه ما عرفه، لقد تغيَّر حِبْرُه وسِبْرُه بعده، وذُكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم، فقال: {تاللّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبّـي لَكُنْتُ مِنَ الـمُـحْضَرِينَ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا إبراهيـم بن أبـي الوزير، قال: ثنا سفـيان بن عيـينة، عن سعيد بن أبـي عروبة، عن قتادة، عن مطرّف بن عبد الله، فـي قوله: {فـاطَّلَعَ فَرآهُ فِـي سَوَاءِ الـجَحِيـمِ} قال: والله لولا أنه عرّفه ما عرفه، لقد غيرت النار حِبْرَهُ وسِبْره.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {هَلْ أنْتُـمْ مُطَّلِعُونَ} قال: كان ابن عبـاس يقرؤها: «هَلْ أنْتُـمْ مُطَّلِعُونِـي فـاطَّلَعَ فَرآهُ فِـي سَوَاءِ الـجَحِيـم» قال: فـي وسط الـجحيـم.

وهذه القراءة التـي ذكرها السديّ، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرأ فـي {مُطَّلِعُونَ} إن كانت مـحفوظة عنه، فإنها من شواذّ الـحروف، وذلك أن العرب لا تؤثر فـي الـمكنـي من الأسماء إذا اتصل بفـاعل علـى الإضافة فـي جمع أو توحيد، لا يكادون أن يقولوا أنت مُكَلِّـمنـي ولا أنتـما مكلـمانـي ولا أنتـم مكلـمونـي ولا مكلـموننـي، وإنـما يقولون أنت مكلِّـمي، وأنتـما مكلـماي، وأنتـم مكلِّـميَّ وإن قال قائل منهم ذلك قاله علـى وجه الغلط توهما به: أنت تكلـمنـي، وأنتـما تكلـماننـي، وأنتـم تكلـموننـي، كما قال الشاعر:

وَما أدْرِي وَظَنِّـي كُلَّ ظَنّأَمُسْلِـمُنِـي إلـى قَوْمِي شَرَاحِي؟

فقال: مسلـمنـي، ولـيس ذلك وجه الكلام، بل وجه الكلام أمسلـمي فأما إذا كان الكلام ظاهراً ولـم يكن متصلاً بـالفـاعل، فإنهم ربـما أضافوا، وربـما لـم يضيفوا، فـيقال: هذا مكلـم أخاك، ومكلـم أخيك، وهذان مكلـما أخيك، ومكلـمان أخاك، وهؤلاء مكلـمو أخيك، ومكلـمون أخاك وإنـما تـختار الإضافة فـي الـمكنـي الـمتصل بفـاعل لـمصير الـحرفـين بـاتصال أحدهما بصاحبه، كالـحرف الواحد.

وقوله: {تاللّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ} يقول: فلـما رأى قرينه فـي النار قال: تالله إن كدت فـي الدنـيا لتهلكنـي بصدّك إيايّ عن الإيـمان بـالبعث والثواب والعقاب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قوله: {إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ} قال: لتهلكنـي، يقال منه: أردَى فلان فلاناً: إذا أهلكه، ورديَ فلانٌ: إذا هلك، كما قال الأعشى.

أَفِـي الطَّوْفِ خِفْتِ عَلـيَّ الرَّدَىوكَمْ مِنْ رَدٍ أهْلَهُ لَـمْ يَرِمْ

يعنـي بقوله «وكم من رد»: وكم من هالك.

وقوله: {وَلَوْلا نَعْمَةُ رَبّـي لَكُنْتُ مِنَ الـمُـحْضَرِينَ} يقول: ولولا أن الله أنعم علـيّ بهدايته، والتوفـيق للإيـمان بـالبعث بعد الـموت، لكنتُ من الـمـحضَرِين معك فـي عذاب الله، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لَكُنْتُ مِنَ الـمُـحْضَرينَ}: أي فـي عذاب الله.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {لَكُنْتُ مِنَ الـمُـحْضَرِينَ} قال: من الـمعذّبـين.

أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ۝٥٨ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ۝٥٩ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٦٠ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَٰمِلُونَ ۝٦١

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل هذا الـمؤمن الذي أعطاه الله ما أعطاه من كرامته فـي جنته سروراً منه بـما أعطاه فـيها {أفمَا نَـحْنُ بِـمَيِّتِـينَ إلاَّ مَوْتَتَنا الأُولـى} يقول: أفما نـحن بـميتـين غير موتتنا الأولـى فـي الدنـيا، {وَما نَـحْنُ بِـمُعَذّبِـينَ} يقول: وما نـحن بـمعذَّبـين بعد دخولنا الـجنة {إنَّ هَذا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيـمُ} يقول: إن هذا الذي أعطاناه الله من الكرامة فـي الـجنة، أنا لا نعذّب ولا نـموت، لهو النَّـجاء العظيـم مـما كنا فـي الدنـيا نـحذر من عقاب الله، وإدراك ما كنا فـيها، نؤمل بإيـماننا، وطاعتنا ربنا، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله: {أَفَمَا نَـحْنُ بِـمَيِّتِـينَ}... إلـى قوله: {الفَوْزُ العَظِيـمُ} قال: هذا قول أهل الـجنة.

وقوله: {لِـمِثْلِ هَذَا فَلَـيْعْمَلِ العامِلُونَ} يقول تعالـى ذكره: لـمثل هذا الذي أَعْطَيتُ هؤلاء الـمؤمنـين من الكرامة فـي الآخرة، فلـيعمل فـي الدنـيا لأنفسهم العاملون، لـيدركوا ما أدرك هؤلاء بطاعة ربهم.

أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ۝٦٢ إِنَّا جَعَلْنَٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّٰلِمِينَ ۝٦٣ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ۝٦٤ طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ۝٦٥ فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ۝٦٦

يقول تعالـى ذكره: أهذا الذي أعطيت هؤلاء الـمؤمنـين الذين وصفت صفتهم من كرامتـي فـي الـجنة، ورزقتهم فـيها من النعيـم خير، أو ما أعددت لأهل النار من الزَّقُوم. وعُنِـي بـالنزل: الفضل، وفـيه لغتان: نُزُل ونُزْل يقال للطعام الذي له ريع: هو طعام له نُزْل ونُزُل. وقوله: {أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} ذكر أن الله تعالـى لـما أنزل هذه الآية قال الـمشركون: كيف ينبتُ الشجر فـي النار، والنار تُـحْرق الشجر؟ فقال الله: {إنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً للظَّالِـمِينَ} يعنـي لهؤلاء الـمشركين الذين قالوا فـي ذلك ما قالوا، ثم أخبرهم بصفة هذه الشجرة {فَقالَ إنَّها شَجَرَةُ تَـخْرُجُ فِـي أصْلِ الـجَحِيـمِ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أذلكَ خَيْرٌ نُزُلاً أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} حتـى بلغ {فِـي أصْلِ الـجَحِيـمِ} قال: لـما ذكر شجرة الزقوم افتتن الظَلَـمة، فقالوا: ينبئكم صاحبكم هذا أن فـي النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله ما تسمعون: إنها شجرة تـخرج فـي أصل الـجحيـم، غُذِيت بـالنار ومنها خُـلقت.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قال أبو جهل: لـما نزلت {إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ} قال: تعرفونها فـي كلام العرب: أنا آتـيكم بها، فدعا جارية فقال: ائتـينـي بتـمر وزُبْد، فقال: دونكم تَزَقَّموا، فهذا الزَّقوم الذي يخوّفكم به مـحمد، فأنزل الله تفسيرها: {أذلكَ خَيْرٌ نُزُلاً أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً للظَّالِـمِينَ} قال: لأبـي جهل وأصحابه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً للظَّالِـمينَ} قال: قول أبـي جهل: إنـما الزَّقوم التـمر والزبد أتَزَفَّمه.

وقوله: {طَلْعُها كأنَّهُ رُؤُوسُ الشَّياطِين} يقول تعالـى ذكره: كأن طلع هذه الشجرة، يعنـي شجرة الزقوم فـي قُبحه وسماجته رؤوس الشياطين فـي قُبحها.

وذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «إنَّها شَجَرَةٌ نابِتَةٌ فِـي أصْلِ الـجَحِيـمِ»، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {طَلْعُها كأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينُ} قال: شبهه بذلك.

فإن قال قائل: وما وجه تشبـيهه طلع هذه الشجرة برؤوس الشياطين فـي القبح، ولا علـم عندنا بـمبلغ قبح رؤوس الشياطين، وإنـما يـمثَّل الشيء بـالشيء تعريفـاً من الـمُـمِّثل الـمُـمَّثل له قربُ اشتبـاه الـمـمثَّل أحدهما بصاحبه مع معرفة الـمُـمَثَّل له الشيئين كلـيهما، أو أحدَهما، ومعلوم أن الذين خوطبوا بهذه الآية من الـمشركين، لـم يكونوا عارفـين شَجَرة الزقوم، ولا برؤوس الشياطين، ولا كانوا رأوهما، ولا واحداً منهما؟.

قـيـل له: أما شجرة الزقوم فقد وصفها الله تعالـى ذكره لهم وبـينها حتـى عرفوها ما هي وما صفتها، فقال لهم: {شَجَرَةُ تَـخْرُجُ فِـي أصْلِ الـجَحِيـمِ طَلْعُها كأنَّهُ رُؤُوسُ الشَّياطِينِ} فلـم يتركهم فـي عَماء منها. وأما فـي تـمثـيـله طلعها برؤوس الشياطين، فأقول لكلّ منها وجه مفهوم: أحدها أن يكون مثل ذلك برؤوس الشياطين علـى نـحو ما قد جرى به استعمال الـمخاطبـين بـالآية بـينهم وذلك أن استعمال الناس قد جرى بـينهم فـي مبـالغتهم إذا أراد أحدهم الـمبـالغة فـي تقبـيح الشيء، قال: كأنه شيطان، فذلك أحد الأقوال. والثانـي أن يكون مُثِّل برأس حية معروفة عند العرب تسمى شيطاناً، وهي حية لها عُرْف فـيـما ذُكر قبـيح الوجه والـمنظر، وإياه عنى الراجز بقوله:

عَنْـجَرِدٌ تَـحْلِفُ حِينَ أحْلِفُكمِثْلِ شَيْطانِ الـحَماطِ أعْرَفُ

ويروى عُجَيِّزٌ. والثالث: أن يكون مثل نبت معروف برؤوس الشياطين ذُكِر أنه قبـيح الرأس {فإنَّهُمْ لآَكِلُونَ مِنْها فَمالِئُونَ منها البُطُونَ} يقول تعالـى ذكره: فإن هؤلاء الـمشركين الذين جعل الله هذه الشجرة لهم فتنة، لآكلون من هذه الشجرة التـي هي شجرة الزَّقوم، فمالئون من زَقُّومها بطونهم.

ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ ۝٦٧ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ ۝٦٨ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ۝٦٩ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ ۝٧٠

يقول تعالـى ذكره: {ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَـيْها لَشَوْبـاً مِنْ حَمِيـمٍ} ثم إن لهؤلاء الـمشركين علـى ما يأكلون من هذه الشجرة شجرة الزقوم شَوْبـاً، وهو الـخَـلْط من قول العرب: شاب فلان طعامه فهو يشوبه شَوْبـاً وشيابـاً {مِنْ حَمِيـمٍ} والـحميـم: الـماء الـمـحموم، وهو الذي أُسخْن فـانتهى حرّه، وأصله مفعول صُرف إلـى فعيـل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَـيْها لَشَوْبـاً مِنْ حَمِيـمٍ}. يقول: لَـمَزْجاً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَـيْها لَشوْبـاً مِنْ حَمِيـمٍ} يعنـي: شرب الـحميـم علـى الزَّقوم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَـيْها لَشَوْبـاً مِنْ حَمِيـمٍ} قال: مِزاجاً من حميـم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السّديّ {ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَـيْها لَشَوْبـاً مِنْ حَمِيـمٍ} قال: الشَّوب: الـخَـلْط، وهو الـمَزْج.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَـيْها لَشَوْبـاً مِنْ حَمِيـمٍ} قال: حميـم يُشاب لهم بغسَّاق مـما تَغْسِقُ أعينهم، وصديد من قـيحهم ودمائهم مـما يخرج من أجسادهم.

وقوله: {ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ لإَلـى الـجَحِيـمِ} يقول تعالـى ذكره: ثم إن مآبهم ومصيرهم لإلـى الـجحيـم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ لإَلـى الـجَحِيـمِ} فهم فـي عنا وعذاب من نار جهنـم، وتلا هذه الآية:

{ يَطُوفُونَ بَـيْنَهَا وَبـينَ حَمِيـمٍ آنٍ }}.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدّي، فـي قوله: {ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُم لإَلـى الـجَحِيـمِ} قال: فـي قراءة عبد الله: «ثُمَّ إنَّ مُنْقَلَبَهُمْ لإَلـى الـجَحِيـمِ» وكان عبد الله يقول: والذي نفسي بـيده، لا ينتصف النهار يوم القـيامة حتـى يَقِـيـلَ أهلُ الـجنة فـي الـجنة، وأَهلُ النار فـي النار، ثم قال:

{ أصحَابُ الـجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيُرٌ مُسْتَقَرّاً وأحْسَنُ مَقِـيلاً }}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ لإَلـى الـجَحِيـمِ} قال: موتهم.

وقوله: {إنَّهُمْ ألْفَوْا آبـاءَهُمْ ضَالـينَ} يقول: إن هؤلاء الـمشركين الذين إذا قـيـل لهم: قولوا لا إله إلا الله يستكبرون، وجدوا آبـاءهم ضُلاَّلاً عن قصد السبـيـل، غير سالكين مَـحَجَّة الـحقّ {فَهُمْ علـى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ} يقول: فهؤلاء يُسْرع بهم فـي طريقهم، لـيقتفوا آثارهم وسنتهم يقال منه: أُهْرِع فلان: إذا سار سيراً حثـيثاً فـيه شبه بـالرعدة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {إنَّهُمْ ألْفَوْا آبـاءَهُمْ ضَالِّـينَ}: أي وجدوا آبـاءهم ضالِّـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّهُمْ ألْفَوْا آبـاءَهُمْ}: أي وجدوا آبـاءهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي يُهْرَعون أيضاً، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فَهُمْ علـى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ} قال: كهيئة الهرْوَلة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَهُمْ علـى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ}: أي يُسرعون إسراعاً فـي ذلك.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {يُهْرَعُونَ} قال: يُسْرِعون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يُهْرَعُونَ إلَـيْهِ} قال: يستعجلون إلـيه.

وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٧١ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ۝٧٢ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝٧٣ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: ولقد ضلّ يا مـحمد عن قصد السبـيـل وَمـحجة الـحقّ قبل مشركي قومك من قريش أكثر الأمـم الـخالـية مِن قبلهم {وَلَقَدْ أرْسَلْنا فِـيهِمْ مُنْذِرِينَ} يقول: ولقد أرسلنا فـي الأمـم التـي خـلت من قبل أمتك، ومن قبل قومك الـمكذّبـيك منذرين تنذرهم بأسنا علـى كفرهم بنا، فكذّبوهم ولـم يقبلوا منهم نصائحهم، فأحللنا بهم بأسنا وعقوبتنا {فـانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الـمُنْذَرِينَ} يقول: فتأمل وتبـين كيف كان غِبُّ أمر الذين أنذَرْتهم أنبـياؤنا، وإلاَمَ صار أمرهم، وما الذي أعقبهم كفرهم بـالله، ألـم نهلكهم فنصيرهم للعبـاد عِبرة ولـمن بعدهم عظة؟.

وقوله: {إلاَّ عِبـادَ اللّهِ الـمُخْـلَصِينَ} يقول تعالـى: فـانظر كيف كان عاقبة الـمنذَرين، إلا عبـاد الله الذين أخـلصناهم للإيـمان بـالله وبرسله واستثنى عبـاد الله من الـمنذَرين، لأن معنى الكلام: فـانظر كيف أهلكنا الـمنذَرين إلا عبـاد الله الـمؤمنـين، فلذلك حسن استثناؤهم منهم. وبنـحو الذي قلنا فـي قوله: {إلاَّ عِبـادَ اللّهِ الـمُخْـلَصِينَ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {إلاَّ عِبـادَ اللّهِ الـمُخْـلَصِينَ} قال: الذين استـخـلَصهم الله.

وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ ۝٧٥ وَنَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ۝٧٦ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ ۝٧٧

يقول تعالـى ذكره: لقد نادانا نوح بـمسألته إيانا هلاك قومه، فقال:

{ رَبّ إنّـي دَعَوْتُ قَوْمي لَـيْلاً ونهاراً فَلَـمْ يَزِدْهُمْ دُعائي إلاَّ فِرَاراً }}... إلـى قوله: { رَبّ لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً }}. وقوله: {فَلَنِعْمَ الـمُـجِيبُونَ} يقول: فلنعم الـمـجيبون كنا له إذ دعانا، فأجبنا له دعاءه، فأهلكنا قومه {وَنَـجَّيْناهُ وأهْلَهُ} يعنـي: أهل نوح الذين ركبوا معه السفـينة. وقد ذكرناهم فـيـما مضى قبل، وبـيَّنا اختلاف العلـماء فـي عددهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ولَقَدْ نادَانا نُوحٌ فَلَنَعْمَ الـمُـجِيبُونَ} قال: أجابه الله.

وقوله: {مِنَ الكَرْبِ العَظِيـمِ} يقول: من الأذى والـمكروه الذي كان فـيه من الكافرين، ومن كرب الطُّوفـان والغرق الذي هلك به قوم نوح، كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضَّل، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ {وَنـجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيـمِ} قال: من الغرق.

وقوله: {وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البـاقِـينَ} يقول: وجعلنا ذرّية نوح هم الذين بقوا فـي الأرض بعد مَهْلَك قومه، وذلك أن الناس كلهم من بعد مَهْلَك نوح إلـى الـيوم إنـما هم ذرّية نوح، فـالعجم والعرب أولاد سام بن نوح، والترك والصقالبة والـخَزَر أولاد يافث بن نوح، والسودان أولاد حام بن نوح، وبذلك جاءت الآثار، وقالت العلـماء.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا ابن عَثْمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الـحسن، عن سَمُرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فـي قوله: {وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البـاقِـينَ} قال:

سام وحام ويافث».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البـاقِـينَ} قال: فـالناس كلهم من ذرية نوح.

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البـاقِـينَ} يقول: لـم يبق إلا ذريةُ نوح.

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝٧٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٧٩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٨٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٨١ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝٨٢

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَتَركْنا عَلَـيْهِ فِـي الآخِرِينَ} وأبقـينا علـيه، يعنـي علـى نوح ذكراً جميلاً، وثناء حسناً فـي الآخِرين، يعنـي: فـيـمن تأخَّر بعده من الناس يذكرونه به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَتَركْنا عَلَـيْهِ فِـي الآخِرِينَ} يقول: يُذْكَر بخير.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَتَرَكْنا عَلَـيْهِ فِـي الآخِرِينَ} يقول: جعلنا لسان صدق للأنبـياء كُلِّهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَتَرَكْنا عَلَـيْهِ فِـي الآخِرِينَ} قال: أبقـى الله علـيه الثناء الـحسن فـي الآخرين.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {وَتَرَكْنا عَلَـيْهِ فِـي الآخِرِينَ} قال: الثناء الـحسن.

وقوله: {سَلامٌ عَلـى نُوحٍ فـي العالَـمِينَ} يقول: أَمَنَة من الله لنوحٍ فـي العالـمين أن يَذْكُره أحد بسوء وسلام مرفوع بعلـى. وقد كان بعض أهل العربـية من أهل الكوفة يقول: معناه: وتركنا علـيه فـي الآخرين، {سَلامٌ عَلـى نُوحٍ} أي تركنا علـيه هذه الكلـمة، كما تقول: قرأت من القرآن

{ الـحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالِـمِينَ }فتكون الـجملة فـي معنى نصب، وترفعها بـاللام، كذلك سلام علـى نوح ترفعه بعلـى، وهو فـي تأويـل نصب، قال: ولو كان: تركنا علـيه سلاماً، كان صوابـاً.

وقوله: {إنَّا كَذلكَ نَـجْزِي الـمُـحْسَنِـينَ} يقول تعالـى ذكره: إنا كما فعلنا بنوح مـجازاة له علـى طاعتنا وصبره علـى أذى قومه فـي رضانا

{ فأَنْـجَيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيـمِ وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البـاقِـينَ }}، وأبقـينا علـيه ثناءً فـي الآخرين {كَذلكَ نَـجْزِي} الذين يُحْسنون فـيطيعوننا، وينتهون إلـى أمرنا، ويصبرون علـى الأذى فـينا. وقوله: {إنَّهُ مِنْ عِبـادِنا الـمُؤْمِنِـينَ} يقول: إن نوحاً من عبـادنا الذين آمنوا بنا، فوحدونا، وأخـلصوا لنا العبـادة، وأفردونا بـالألوهة. وقوله: {ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ} يقول تعالـى ذكره: ثم أغرقنا حين نـجَّينا نوحاً وأهله من الكرب العظيـم من بَقِـيَ من قومه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ} قال: أنـجاه الله ومن معه فـي السفـينة، وأغرق بقـية قومه.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ