انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

تفسير الطبريالآيات 112–149

تفسير سورة الصافات آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الصافات

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 46:38

  1. 1 الآيات 83–144في هذه الصفحة 15:38
  2. 2 الآيات 145–182في هذه الصفحة 9:30

التفسير الصوتي لسورة الصافات كاملًا (4 مقاطع)

وَبَشَّرْنَٰهُ بِإِسْحَٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١١٢ وَبَٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَٰقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ ۝١١٣

يقول تعالـى ذكره: وبشَّرنا إبراهيـم بإسحاق نبـياً شكراً له علـى إحسانه وطاعته، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَبَشَّرْناهُ بإسحَاقَ نَبِـيًّا مِنَ الصَّالِـحينَ} قال: بشر به بعد ذلك نبـياً، بعد ما كان هذا من أمره لـمَّا جاد لله بنفسه.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عبـاس: الذبـيح إسحاق قال: وقوله: {وَبَشَّرْناهُ بإسحَاقَ نَبِـيًّا مِنَ الصَّالِـحِينَ} قال بُشِّر بنبوّته. قال: وقوله: {وَوَهَبْنا لَهُ من رحمتنا أخاهُ هارُونَ نَبِـيًّا} قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وَهَبَ الله له نبوّته.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت داود يحدّث، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي هذه الآية {وَبَشَّرْناهُ بإسحَاقَ نَبِـيًّا مِنَ الصَّالِـحِينَ} قال: إنـما بشَّره به نبـياً حين فداه من الذبح، ولـم تكن البشارة بـالنبوّة عند مولده.

حدثنـي الـحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا ابن إدريس، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قول الله: {وَبَشَّرْناهُ بإسحَاقَ نَبِـيًّا} قال: إنـما بُشِّر بـالنبوّة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَبَشَّرْناهُ بإسحَاقَ نَبِـيًّا مِنَ الصَّالِـحِينَ} قال: بُشِّر إبراهيـم بإسحاق.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَبَشَّرْناهُ بإسحَاقَ نَبِـيًّا مِنَ الصَّالِـحينَ} قال: بنبوّته.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيـل، عن ضرار، عن شيخ من أهل الـمسجد، قال: بُشِّر إبراهيـم لسبع عشرة ومئة سنة.

وقوله: {وَبـارَكْنا عَلَـيْهِ وَعَلـى إسحَاقَ} يقول تعالـى ذكره: وبـاركنا علـى إبراهيـم وعلـى إسحاق {وَمِنْ ذُرّيَّتِهِما مُـحْسِنٌ} يعنـي بـالـمـحسن: الـمؤمن الـمطيع لله، الـمـحسن فـي طاعته إياه {وَظالِـمٌ لنَفْسِهِ مُبِـينٌ} ويعنـي بـالظالـم لنفسه: الكافر بـالله، الـجالب علـى نفسه بكفره عذابَ الله وألـيـم عقابه مبـين: يعنـي الذي قد أبـان ظلـمَه نفسَه بكفره بـالله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {مُـحْسِنٌ وَظالِـمٌ لِنْفْسِهِ مُبِـينٌ} قال: الـمـحسن: الـمطيع لله، والظالـم لنفسه: العاصي لله.

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۝١١٤ وَنَجَّيْنَٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ۝١١٥ وَنَصَرْنَٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ ۝١١٦

يقول تعالـى ذكره: ولقد تفضلنا علـى موسى وهارون ابنـي عمران، فجعلناهما نبـيـين، ونـجيناهما وقومهما من الغم والـمكروه العظيـم الذي كانوا فـيه من عُبودة آل فرعون، ومـما أهلكنا به فرعون وقومه من الغرق. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وَنَـجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيـمِ} قال: من الغرق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَنَـجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيـمِ}: أي من آل فرعون.

وقوله: {وَنَصَرْناهُمْ} يقول: ونصرنا موسى وهارون وقومهما علـى فرعون وآله بتغريقناهم، {فَكانُوا هُمُ الغالِبِـينَ} لهم.

وقال بعض أهل العربـية: إنـما أُريد بـالهاء والـميـم فـي قوله: {وَنَصَرْناهُمْ} موسى وهارون، ولكنها أُخرجت علـى مخرج مكنـّى الـجمع، لأن العرب تذهب بـالرئيس كالنبـيّ والأمير وشبهه إلـى الـجمع بجنوده وأتبـاعه، وإلـى التوحيد لأنه واحد فـي الأصل، ومثله:

{ علـى خَوْفٍ من فرعَوْنَ ومَلَئهم }وفـي موضع آخر: وملئه. قال: وربـما ذهبت العرب بـالاثنـين إلـى الـجمع كما تذهب بـالواحد إلـى الـجمع، فتـخاطب الرجل، فتقول: ما أحسنتـم ولا أجملتـم، وإنـما تريده بعينه، وهذا القول الذي قاله هذا الذي حكينا قوله فـي قوله: {وَنَصَرْناهُمْ} وإن كان قولاً غير مدفوع، فإنه لا حاجة بنا إلـى الاحتـيال به لقوله: {وَنَصَرْناهُمْ}، لأن الله أتبع ذلك قوله: {وَنَـجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيـمِ} ثم قال: {وَنَصَرْناهُمْ} يعنـي: هما وقومهما، لأن فرعون وقومه كانوا أعداء لـجميع بنـي إسرائيـل، قد استضعفوهم، يذبحون أبناءهم، ويستـحيون نساءهم، فنصرهم الله علـيهم، بأن غرّقهم ونـجَّى الآخرين.

وَءَاتَيْنَٰهُمَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ ۝١١٧ وَهَدَيْنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ۝١١٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝١١٩ سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۝١٢٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٢١ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٢٢

يقول تعالـى ذكره: وآتـينا موسى وهارون الكتاب: يعنـي التوراة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وآتَـيْناهُما الكِتابَ الـمُسْتَبِـينَ}: التوراة.

ويعنـي بـالـمستبـين: الـمتبـيَّن هُدَى ما فـيه وتفصيـله وأحكامه. وقوله: {وَهَدَيْناهُما الصِّراطَ الـمُسْتَقِـيـمَ} يقول تعالـى ذكره: وهدينا موسى وهارون الطريق الـمستقـيـم، الذي لا اعوجاج فـيه وهو الإسلام دين الله، الذي ابتعث به أنبـياءه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَهَدَيْناهُما الصِّراطَ الـمُسْتَقِـيـمَ} الإسلام.

وقوله: {وَتَرَكْنا عَلَـيْهِما فِـي الآخِرِينَ} يقول: وتركنا علـيهما فـي الآخرين بعدهم الثناء الـحسن علـيهما.

وقوله: {سَلامٌ علـى مُوسَى وَهارُونَ} يقول: وذلك أن يقال: سلام علـى موسى وهارون.

وقوله: {إنَّا كَذلكَ نَـجْزِي الـمُـحْسَنِـينَ} يقول: هكذا نـجزي أهل طاعتنا، والعاملـين بـما يرضينا عنهم {إنَّهُما مِنْ عِبـادِنا الـمُؤْمِنِـينَ} يقول: إن موسى وهارون من عبـادنا الـمخـلصين لنا الإيـمان.

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٢٣ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ۝١٢٤ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَٰلِقِينَ ۝١٢٥ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٢٦ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ۝١٢٧ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝١٢٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝١٢٩

يقول تعالـى ذكره: وإن إلـياس، وهو إلـياس بن ياسين بن فنـحاص بن العيزار بن هارون بن عمران فـيـما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَـمة، عن ابن إسحاق. وقـيـل: إنه إدريس.

حدثنا بذلك بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان يقال: إلـياس هو إدريس.

وقد ذكرنا ذلك فـيـما مضى قبل. وقوله: {لَـمِنَ الـمُرْسَلِـينَ} يقول جلّ ثناؤه: لـمرسل من الـمرسلـين {إذْ قالَ لَقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ}؟ يقول حـين، قال لقومه فـي بنـي إسرائيـل: ألا تتقون الله أيها القوم، فتـخافونه، وتـحذرون عقوبته علـى عبـادتكم ربـاً غير الله، وإلهاً سواه

{ وَتَذَرُونَ أحْسَنَ الـخالِقِـينَ }يقول: وتَدَعون عبـادةَ أحسنِ مَن قـيـل له خالق.

وقد اختلف فـي معنى بَعْل، فقال بعضهم: معناه: أتدعون ربـاً؟ وقالوا: هي لغة لأهل الـيـمن معروفة فـيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا حِرْميّ بن عُمارة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنـي عُمارة، عن عكرمة، فـي قوله: {أتَدْعُونَ بَعْلاً} قال: إلهاً.

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عمارة، عن عكرمة، فـي قوله: {أتَدْعونَ بَعْلاً} يقول: أتدعون ربـا، وهي لغة أهل الـيـمن، تقول: مَنْ بَعْل هذا الثور: أي من رَبُّه؟.

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة ومـحمد بن عمرو، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {أتَدْعُونَ بَعْلاً}؟ قال: ربـاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أتَدْعُونَ بَعْلاً} قال: هذه لغة بـالـيـمانـية: أتدعون ربـاً دون الله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {أتَدْعُونَ بَعْلاً} قال: رَبّـاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن عبد الله بن أبـي يزيد، قال: كنت عند ابن عبـاس فسألوه عن هذه الآية: {أتَدْعُونَ بَعْلاً} قال: فسكت ابن عبـاس، فقال رجل: أنا بعلُها، فقال ابن عبـاس: كفـانـي هذا الـجواب.

وقال آخرون: هو صنـم كان لهم يقال له بَعْل، وبه سميت بعلبك. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {أتَدْعُونَ بَعْلاً} يعنـي: صنـماً كان لهم يسمى بَعْلاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أحْسَنَ الـخالِقِـينَ}؟ قال: بعل: صنـم كانوا يعبدون، كانوا ببعلك، وهم وراء دمشق، وكان بها البعل الذي كانوا يعبدون.

وقال آخرون: كان بَعْل: امرأة كانوا يعبدونها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: سمعت بعض أهل العلـم يقول: ما كان بَعْل إلا امرأة يعبدونها من دون الله.

وللبَعْل فـي كلام العرب أوجه: يقولون لربّ الشيء هو بَعْلَهُ، يقال: هذا بَعْل هذه الدار، يعنـي ربُّها ويقولون لزوج الـمرأة بعلُها ويقولون لـما كان من الغروس والزروع مستغنـياً بـماء السماء، ولـم يكن سَقِـياً بل هو بعل، وهو العَذْي. وذُكر أن الله بعث إلـى بنـي إسرائيـل إلـياس بعد مهلك حِزْقـيـل بن يوزا. وكان من قصته وقصة قومه فـيـما بلغنا، ما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه، قال: إن الله قبض حِزْقـيـل، وعظمت من بنـي إسرائيـل الأحداث، ونسُوْا ما كان من عهد الله إلـيهم، حتـى نصبوا الأوثان وعبدوها دون الله، فبعث الله إلـيهم إلـياس بن ياسين بن فنـحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبـياً. وإنـما كانت الأنبـياء من بنـي إسرائيـل بعد موسى يُبعثون إلـيهم بتـجديد ما نسُوا من التوراة، فكان إلـياس مع ملك من ملوك بنـي إسرائيـل، يقال له: أحاب، كان اسم امرأته: أربل، وكان يسمع منه ويصدّقه، وكان إلـياس يقـيـم له أمره، وكان سائر بنـي إسرائيـل قد اتـخذوا صنـماً يعبدونه من دون الله يقال له بعل.

قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلـم يقول: ما كان بعد إلا امرأة يعبدونها من دون الله يقول الله لـمـحمد: {وَإنَّ إلْـياس لَـمِنَ الـمُرْسَلِـينَ إذْ قالَ لَقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ أتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أحْسَنَ الـخالِقِـينَ اللّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبـائِكُمُ الأوَّلِـينَ} فجعل إلـياس يدعوهم إلـى الله، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً إلا ما كان من ذلك الـملك، والـملوك متفرّقة بـالشام، كل ملك له ناحية منها يأكلها، فقال ذلك الـملك الذي كان إلـياس معه يقوّم له أمره، ويراه علـى هدى من بـين أصحابه يوماً: يا إلـياس، والله ما أرى ما تدعو إلـيه إلا بـاطلاً، والله ما أرى فلاناً وفلاناً، يعدّد ملوكاً من ملوك بنـي إسرائيـل قد عبدوا الأوثان من دون الله إلا علـى مثل ما نـحن علـيه، يأكلون ويشربون وينعمون مـملكين، ما ينقص دنـياهم أمرُهم الذي تزعم أنه بـاطل، وما نرى لنا علـيهم من فضل فـيزعمون والله أعلـم أن إلـياس استرجع وقام شعر رأسه وجلده، ثم رفضه وخرج عنه، ففعل ذلك الـملك فعل أصحابه: عبد الأوثان، وصنع ما يصنعون، فقال إلـياس: اللهمّ إن بنـي إسرائيـل قد أبَوْا إلا أن يكفروا بك والعبـادةَ لغيرك، فغَيِّرْ ما بهم من نعمتك، أو كما قال.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: فذكر لـي أنه أُوحي إلـيه: إنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بـيدك وإلـيك حتـى تكون أنت الذي تأذن فـي ذلك، فقال إلـياس: اللهمّ فأمسك علـيهم الـمطر فحُبِس عنهم ثلاث سنـين، حتـى هلكت الـماشية والهوامّ والدوابّ والشجر، وجَهِد الناس جَهداً شديداً. وكان إلـياس فـيـما يذكرون حين دعا بذلك علـى بنـي إسرائيـل قد استـخفـى، شفقاً علـى نفسه منهم، وكان حيثما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الـخبز فـي دار أو بـيت، قالوا: لقد دخـل إلـياس هذا الـمكان فطلبوه، ولقـى منهم أهل ذلك الـمنزل شراً. ثم إنه أوَى لـيـلة إلـى امرأة من بنـي إسرائيـل لها ابن يقال له الـيسع ابن أخطوب به ضرّ، فآوته وأخفت أمره، فدعا إلـياس لابنها، فعُوفَـى من الضرّ الذي كان به، واتبعَ الـيسعُ إلـياسَ، فآمن به وصدّقه ولزمه، فكان يذهب معه حيثما ذهب. وكان إلـياس قد أسنّ وكبر، وكان الـيسعُ غلاماً شابـاً، فـيزعمون والله أعلـم أن الله أوحى إلـى إلـياس: إنك قد أهلكت كثـيراً من الـخـلق مـمن لـم يعص سوى بنـي إسرائيـل من البهائم والدوابّ والطير والهوامّ والشجر، بحبس الـمطر عن بنـي إسرائيـل، فـيزعمون والله أعلـم أن إلـياس قال: أي ربّ دعنـي أنا الذي أدعو لهم وأكون أنا الذي آتـيهم بـالفرج مـما هم فـيه من البلاء الذي أصابهم، لعلهم أن يرجعوا ويَنزِعوا عما هم علـيه من عبـادة غيرك، قـيـل له: نعم فجاء إلـياس إلـى بنـي إسرائيـل فقال لهم: إنكم قد هلكتـم جَهْداً، وهلكت البهائم والدوابّ والطير والهوامّ والشجر، بخطاياكم، وإنكم علـى بـاطل وغرور، أو كما قال لهم، فإن كنتـم تـحبون أن تعلـموا ذلك، وتعلـموا أن الله علـيكم ساخط فـيـما أنتـم علـيه، وأن الذي أدعوكم إلـيه الـحقّ، فـاخرجوا بأصنامكم هذه التـي تعبدون وتزعمون أنها خير مـما أدعوكم إلـيه، فإن استـجابت لكم، فذلك كما تقولون، وإن هي لـم تفعل علـمتـم أنكم علـى بـاطل، فنزعتُـم، ودعوت الله ففرّج عنكم ما أنتـم فـيه من البلاء، قالوا: أنصفت فخرجوا بأوثانهم، وما يتقرّبون به إلـى الله من إحداثهم الذي لا يرضى، فدعوها فلـم تستـجب لهم، ولـم تفرج عنهم ما كانوا فـيه من البلاء حتـى عرفوا ما هم فـيه من الضلالة والبـاطل، ثم قالوا لإلـياس: يا إلـياس إنا قد هلكنا فـادع الله لنا، فدعا لهم إلـياس بـالفرج مـما هم فـيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل التُّرس بإذن الله علـى ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إلـيه السحاب، ثم أدْحَسَتْ ثم أرسل الـمطر، فأغاثهم، فحيـيت بلادهم، وفرج عنهم ما كانوا فـيه من البلاء، فلـم ينزعوا ولـم يرجعوا، وأقاموا علـى أخبث ما كانوا علـيه فلـما رأى ذلك إلـياس من كفرهم، دعا ربه أن يقبضه إلـيه، فـيريحه منهم، فقـيـل له فـيـما يزعمون: انظر يوم كذا وكذا، فـاخرج فـيه إلـى بلد كذا وكذا، فماذا جاءوك من شيء فـاركبه ولا تهبه فخرج إلـياس وخرج معه الـيسع بن أخطوب، حتـى إذا كان فـي البلد الذي ذُكر له فـي الـمكان الذي أُمر به، أقبل إلـيه فرس من نار حتـى وقـف بـين يديه، فوثب علـيه، فـانطلق به، فناداه الـيسع: يا إلـياس يا إلـياس ما تأمرنـي؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذّة الـمطعم والـمشرب، وطار فـي الـملائكة، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سمَاوياً.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {اللّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبـائِكُمُ الأوَّلِـينَ} فقرأته عامة قرّاء مكة والـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة: «اللّهُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبـائِكُمُ الأوَّلِـينَ» رفعاً علـى الاستئناف، وأن الـخبر قد تناهى عند قوله: {أحْسَنُ الـخالِقِـينَ}. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: {اللّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبـائِكُمُ الأوَّلِـينَ} نصبـاً، علـى الردّ علـى قوله: {وَتَذَرُونَ أحْسَنَ الـخالِقِـينَ} علـى أن ذلك كله كلام واحد.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى، مع استفـاضة القراءة بهما فـي القرّاء، فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب. وتأويـل الكلام: ذلك معبودكم أيها الناس الذي يستـحقّ علـيكم العبـادة: ربكم الذي خـلقكم، وربّ آبـائكم الـماضين قبلكم، لا الصنـم الذي لا يخـلق شيئاً، ولا يضرّ ولا ينفع.

وقوله: {فَكَذَّبُوهُ فإنَّهُمْ لَـمُـحْضَرونَ} يقول: فكَذّب إلـياسَ قومُهُ، فإنهم لـمـحضرون: يقول: فإنهم لـمـحضرون فـي عذاب الله فـيشهدونه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فإنَّهُمْ لَـمُـحْضَرُونَ} فـي عذاب الله.

{إلاَّ عِبـادَ اللّهِ الْـمُخْـلَصِينُ} يقول: فإنهم يُحْضَرون فـي عذاب الله، إلا عبـاد الله الذين أخـلصهم من العذاب {وَتَرَكْنا عَلَـيْهِ فِـي الآخِرِينَ} يقول: وأبقـينا علـيه الثناء الـحسن فـي الآخرين من الأمـم بعده.

سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ ۝١٣٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٣١ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٣٢

يقول تعالـى ذكره: أمنة من الله لآل ياسين.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {سَلامٌ عَلـى إلْـياسِينَ} فقرأته عامة قرّاء مكة والبصرة والكوفة: {سَلامٌ عَلـى إلْـياسِينَ} بكسر الألف من إلـياسين، فكان بعضهم يقول: هو اسم إلـياس، ويقول: إنه كان يُسمى بـاسمين: إلـياس، وإلـياسين مثل إبراهيـم، وإبراهام يُستشهد علـى ذلك أن ذلك كذلك بأن جميع ما فـي السورة من قوله: {سَلامٌ} فإنه سلام علـى النبـيّ الذي ذكر دون آله، فكذلك إلـياسين، إنـما هو سلام علـى إلـياس دون آله. وكان بعض أهل العربـية يقول: إلـياس: اسم من أسماء العبرانـية، كقولهم: إسماعيـل وإسحاق، والألف واللام منه، ويقول: لو جعلته عربـياً من الإلس، فتـجعله إفعالاً، مثل الإخراج، والإدخال أُجْرِي ويقول: قال: سلام علـى إلـياسين، فتـجعله بـالنون، والعَجَمِيّ من الأسماء قد تفعل به هذا العرب، تقول: ميكال وميكائيـل وميكائين، وهي فـي بنـي أسد تقول: هذا إسماعين قد جاء، وسائر العرب بـاللام قال: وأنشدنـي بعض بنـي نُـمير لضبّ صادَهُ:

يَقُولُ رَبُّ السُّوقِ لَـمَّا جِيناهَذَا وَرَبّ البَـيْتِ إسْرَائِينا

قال: فهذا كقوله: إلـياسين قال: وإن شئت ذهبت بإلـياسين إلـى أن تـجعله جمعاً، فتـجعل أصحابه داخـلـين فـي اسمه، كما تقول لقوم رئيسهم الـمهلب: قد جاءتكم الـمهالبة والـمهلبون، فـيكون بـمنزلة قولهم الأشعرين بـالتـخفـيف، والسعدين بـالتـخفـيف وشبهه، قال الشاعر:

أنا ابْنُ سَعْدٍ سَيِّدٍ السَّعْدِيْنَا

قال: وهو فـي الاثنـين أن يضمّ أحدهما إلـى صاحبه إذا كان أشهر منه اسماً كقول الشاعر:

جَزَانِـي الزَّهْدَمانِ جَزاءَ سَوْءٍوكُنتُ الـمَرْءَ يُجْزَى بـالكَرَامَهْ

واسم أحدهما: زهدم وقال الآخر:

جَزَى اللّهُ فِـيها الأعْوَرَيْنِ ذَمامَةًوَفَرْوَةَ ثَفْرَ الثَّوْرَةِ الـمُتَضَاجِمِ

واسم أحدهما أعور.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة: «سَلاَمٌ عَلـى آلِ ياسِينَ» بقطع آل من ياسين، فكان بعضهم يتأوّل ذلك بـمعنى: سلام علـى آل مـحمد. وذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ قوله: {وَإنَّ إلْـياسَ} بترك الهمز فـي إلـياس ويجعل الألف واللام داخـلتـين علـى «ياس» للتعريف، ويقول: إنـما كان اسمه «ياس» أدخـلت علـيه ألف ولام ثم يقرأ علـى ذلك» «سلام علـى الْـياسين».

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأه: {سَلامٌ عَلـى إلْـياسِينَ} بكسر ألفها علـى مثال إدراسين، لأن الله تعالـى ذكره إنـما أخبر عن كلّ موضع ذكر فـيه نبـياً من أنبـيائه صلوات الله علـيهم فـي هذه السورة بأن علـيه سلاماً لا علـى آله، فكذلك السلام فـي هذا الـموضع ينبغي أن يكون علـى إلـياس كسلامه علـى غيره من أنبـيائه، لا علـى آله، علـى نـحو ما بـيَّنا من معنى ذلك.

فإن ظنّ ظانّ أن إلـياسين غير إلـياس، فإن فـيـما حكينا من احتـجاج من احتـجّ بأن إلـياسين هو إلـياس غنـي عن الزيادة فـيه، مع أن فـيـما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي {سَلامٌ عَلـى إلْـياسِينَ} قال: إلـياس.

وفـي قراءة عبد الله بن مسعود: «سَلامٌ عَلـى إدْرَاسِينَ» دلالة واضحة علـى خطأ قول من قال: عنى بذلك سلام علـى آل مـحمد، وفساد قراءة من قرأ: «وإنَّ الـياسَ» بوصل النون من «إن» بـالـياس، وتوجيه الألف واللام فـيه إلـى أنهما أدخـلتا تعريفـاً للاسم الذي هو ياس، وذلك أن عبد الله كان يقول: إلـياس هو إدريس، ويقرأ: «وَإنَّ إدْرِيسَ لَـمِنَ الـمُرْسَلِـينَ»، ثم يقرأ علـى ذلك: «سلامٌ عَلـى إدْرَاسِينَ»، كما قرأ الآخرون: {سَلامٌ عُلـى إلـياسِينَ}، فلا وجه علـى ما ذكرنا من قراءة عبد الله لقراءة من قرأ ذلك: «سَلامٌ عَلـى آلِ ياسِينَ» بقطع الآل من ياسين. ونظير تسمية إلـياس بـالـياسين:

{ وَشَجَرَةٌ تُـخْرُجُ مِنْ طُورِ سِيناءَ }}، ثم قال فـي موضع آخر: { وَطُورِ سِينِـينَ }وهو موضع واحد سمي بذلك.

وقوله: {إنَّا كَذلكَ نَـجْزِي الـمُـحْسِنـيِنَ} يقول تعالـى ذكره: إنا هكذا نـجزي أهل طاعتنا والـمـحسنـين أعمالاً. وقوله: {إنَّه مِنْ عِبـادِنا الـمُؤْمِنِـينَ} يقول: إن إلـياس عبد من عبـادنا الذين آمنوا، فوحَّدونا، وأطاعونا، ولـم يُشركوا بنا شيئاً.

وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ۝١٣٤ إِلَّا عَجُوزًا فِى ٱلْغَٰبِرِينَ ۝١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝١٣٦

يقول تعالـى ذكره: وإن لوطاً الـمرسل من الـمرسلـين {إذْ نَـجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجمَعِينَ} يقول: إذ نـجَّينا لوطاً وأهله أجمعين من العذاب الذي أحللناه بقومه، فأهلكناهم به {إلاَّ عَجُوزاً فـي الغَابِرِينَ} يقول: إلا عجوزاً فـي البـاقـين، وهي امرأة لوط، وقد ذكرنا خبرها فـيـما مضى، واختلاف الـمختلفـين فـي معنى قوله {فِـي الغابِرينَ}، والصواب من القول فـي ذلك عندنا. وقد:

حُدثت عن الـمسيِّب بن شريك، عن أبـي روق، عن الضحاك {إلاَّ عَجُوزاً فـي الغابِرِينَ} يقول: إلا امرأته تـخـلَّفت فمسخت حجراً، وكانت تسمى هيشفع.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {إلاَّ عَجُوزاً فِـي الغابِرِينَ} قال: الهالكين.

وقوله: {ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ} يقول: ثم قذفناهم بـالـحجارة من فوقهم، فأهلكناهم بذلك.

وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ۝١٣٧ وَبِٱلَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٣٨

يقول تعالـى ذكره لـمشركي قريش: وإنكم لتـمرّون علـى قوم لوط الذين دمَّرناهم عند إصبـاحكم نهاراً وبـاللـيـل، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإنَّكُمْ لَتَـمُرُّونَ عَلَـيْهِمْ مُصْبِحِينَ} قالوا: نعم والله صبـاحاً ومساء يطوؤنها وطْئاً، مَن أخَذَ من الـمدينة إلـى الشام، أخذ علـى سدوم قرية قوم لوط.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي قوله: {لَتَـمُرُّونَ عَلَـيْهِمْ مُصْبِحِينَ} قال: فـي أسفـاركم.

وقوله: {أفَلا تَعْقِلُونَ} يقول: أفلـيس لكم عقول تتدبرون بها وتتفكَّرون، فتعلـمون أن من سلك من عبـاد الله فـي الكفر به، وتكذيب رسله، مسلك هؤلاء الذين وصف صفتهم من قوم لوط، نازل بهم من عقوبة الله، مثل الذي نزل بهم علـى كفرهم بـالله، وتكذيب رسوله، فـيزجركم ذلك عما أنتـم علـيه من الشرك بـالله، وتكذيب مـحمد علـيه الصلاة والسلام، كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أفَلا تَعْقِلُونَ} قال: أفلا تتفكَّرون ما أصابهم فـي معاصي الله أن يصيبكم ما أصابهم، قال: وذلك الـمرور أن يـمرّ علـيهم.

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٣٩ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ۝١٤٠ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ۝١٤١ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ۝١٤٢

يقول تعالـى ذكره: وإن يونس لـمرسلٌ من الـمرسلـين إلـى أقوامهم {إذْ أَبَقَ إلـى الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} يقول: حين فرّ إلـى الفُلك، وهو السفـينة، الـمشحون: وهو الـمـملوء من الـحمولة الـمُوقَر، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إلـى الفُلْكِ الـمَشْحُون} كنَّا نـحدَّث أنه الـموقر من الفُلك.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {الفُلكِ الـمَشْحُونِ} قال: الـموقر.

وقوله: {فَساهَمَ} يقول: فقارَعَ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَساهَمَ} يقول أقْرَعَ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الـمُدْحَضِينَ} قال: فـاحتبست السفـينة، فعلـم القوم أنـما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا، فقُرِع يونس، فرمى بنفسه، فـالتقمه الـحوت.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {فَساهَمَ} قال: قارع.

وقوله: {فَكانَ مِنَ الـمُدْحَضِينَ} يعنـي: فكان من الـمسهومين الـمغلوبـين، يقال منه: أدحض الله حجة فلان فدحضت: أي أبطلها فبطلت، والدَّحْض: أصله الزلق فـي الـماء والطين، وقد ذُكر عنهم: دَحَض الله حجته، وهي قلـيـلة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَكانَ مِنَ الـمُدْحَضِينَ} يقول: من الـمقروعين.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {مِنَ الـمُدْحَضِينَ} قال: من الـمسهومين.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {فَكان مِنَ الـمُدْحَضِينَ} قال: من الـمقروعين.

وقوله: {فـالْتَقَمَهُ الـحُوتُ} يقول: فـابتلعه الـحوت وهو افتعل من اللَّقْم. وقوله: {وَهُوَ مُلِـيـمُ} يقول: وهو مكتسب اللوم، يقال: قد ألام الرجل، إذا أتـى ما يُلام علـيه من الأمر وإن لـم يُـلَـم، كما يقال: أصبحتَ مُـحْمِقاً مُعْطِشاً: أي عندك الـحمق والعطش ومنه قول لبـيد:

سَفَهاً عَذَلْتَ ولُـمْتَ غيرَ مُلِـيـمِوَهَداكَ قَبلَ الـيوْمِ غيرُ حَكِيـم

فأما الـملوم فهو الذي يُلام بـاللسان، ويعذل بـالقول. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنـي أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَهُوَ مُلِـيـمٌ} قال: مذنب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَهُوَ مُلِـيـمٌ}: أي فـي صنعه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَهُوَ مُلِـيـمٌ} قال: وهو مذنب، قال: والـملـيـم: الـمذنب.

فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ۝١٤٣ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝١٤٤ فَنَبَذْنَٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ۝١٤٥ وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ۝١٤٦

يقول تعالـى ذكره: {فَلَوْلا أنَّهُ} يعنـي يونس {كانَ مِنَ} الـمُصَلِّـين لله قبل البلاء الذي ابتُلـي به من العقوبة بـالـحبس فـي بطن الـحوت {لَلَبِثَ فِـي بَطْنِهِ إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} يقول: لبِقـي فـي بطن الـحوت إلـى يوم القـيامة، يوم يبعث الله فـيه خـلقه مـحبوساً، ولكنه كان من الذاكرين الله قبل البلاء، فذكره الله فـي حال البلاء، فأنقذه ونـجَّاه.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي وقت تسبـيح يونس الذي ذكره الله به، فقال {فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ} فقال بعضهم نـحو الذي قلنا فـي ذلك، وقالوا مثل قولنا فـي معنى قوله: {مِنَ الـمُسَبِّحِينَ}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قا: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ} كان كثـير الصَّلاةِ فـي الرّخاء، فنـجَّاه الله بذلك قال: وقد كان يقال فـي الـحكمة: إن العمل الصالـح يرفع صاحبه إذا ما عَثَر، فإذا صُرِع وَجد متكأً.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن بعض أصحابه، عن قتادة، فـي قوله: {فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ الـمُسَبِّحينَ} قال: كان طويـل الصلاة فـي الرخاء قال: وإنّ العمل الصالـح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا صرع وجد متكأً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا أبو صخر، أن يزيد الرَّقاشي، حدّثه، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: ولا أعلـم إلا أن أنساً يرفع الـحديث إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

أنَّ يُونُسَ النَّبِـيّ حِينَ بَدَا لَهُ أنْ يَدْعُوَ اللّهَ بـالكَلِـماتِ حِينَ نادَاهُ وَهُوَ فِـي بَطْنِ الـحُوتِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ لا إلهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنّـي كُنْتُ مِنَ الظَّالِـمِين، فأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ تَـحْتَ العَرْشِ، فَقالَتِ الـمَلائِكَةُ: يا رَبّ هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ فِـي بِلادٍ غَرِيبَةٍ، قال: أما تَعْرَفُونَ ذلكَ؟ قالَوا يا رَبّ وَمَنْ هُوَ؟ قالَ: ذلكَ عَبْدي يُونُسُ، قالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذي لَـمْ يَزلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبِلٌ وَدَعْوَةٌ مُسْتَـجابَةٌ، قالُوا: يا رَبّ أوَلا يُرْحَمُ بِـمَا كانَ يَصْنَعُ فِـي الرَّخاءِ فَتُنَـجِّيهِ مِنَ البَلاءِ؟ قالَ: بَلـى، فأمَرَ الـحُوتَ فَطَرَحَهُ بـالعَرَاءِ».

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عاصم، عن أبـي رزين، عن ابن عبـاس {فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ} قال: من الـمصلِّـين.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي الهيثم، عن سعيد بن جُبَـير {فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ} قال: من الـمصلِّـين.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية {فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ} قال: كان له عمل صالـح فـيـما خلا.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {مِنَ الـمُسَبِّحِينَ} قال: الـمصلـين.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا كثـير بن هشام، قال: ثنا جعفر، قال: ثنا ميـمون بن مهران، قال: سمعت الضحاك بن قـيس يقول علـى منبره: اذكروا الله فـي الرخاء يذكركم فـي الشدّة، إن يونس كان عبداً لله ذاكراً، فلـما أصابته الشدّة دعا الله فقال الله: {لَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ لَلَبثَ فِـي بَطْنِهِ إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} فذكره الله بـما كان منه، وكان فرعون طاغياً بـاغياً

{ فَلَـمَّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيـلَ وأنا مِنَ الـمُسْلِـمينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وكُنْتُ مِنَ الـمُفْسِدِينَ }قال الضحاك: فـاذكروا الله فـي الرخاء يذكركم فـي الشدّة.

قال أبو جعفر: وقـيـل: إنـما أحدث الصلاة التـي أخبر الله عنه بها، فقال: {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ} فـي بطن الـحوت.

وقال بعضهم: كان ذلك تسبـيحاً، لا صلاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران القطان، قال: سمعت الـحسن يقول فـي قوله: {فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ} قال: فوالله ما كانت إلا صلاة أحدثها فـي بطن الـحوت قال عمران: فذكرت ذلك لقتادة، فأنكر ذلك وقال: كان والله يكثر الصلاة فـي الرخاء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الـمغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبَـير:

{ فـالْتَقَمَهُ الـحُوتُ وَهُوَ مُلِـيـمٌ }قال: { قال لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنّـي كُنْتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ }فلـما قالها، قذفه الـحوت، وهو مغرب.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَلَبِثَ فِـي بَطْنِهِ إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}: لصار له بطن الـحوت قبراً إلـى يوم القـيامة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، عن أبـي مالك، قال: لبث يونس فـي بطن الـحوت أربعين يوماً.

وقوله: {فَنَبَذْناهُ بـالعَرَاءِ} يقول: فقذفناه بـالفضاء من الأرض، حيث لا يواريه شيء من شجر ولا غيره ومنه قول الشاعر:

وَرَفَعْتُ رِجْلاً لا أخافُ عِثارَهاوَنَبَذْتُ بـالبَلَدِ العَرَاءِ ثِـيابِـي

يعنـي بـالبلد: الفضاء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنـي أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَنَبَذْناهُ بـالعَرَاءِ} يقول: ألقـيناه بـالساحل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَنَبَذْناهُ بـالعَرَاءِ} بأرض لـيس فـيها شيء ولا نبـات.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {بـالعَراءِ} قال: بـالأرض.

وقوله: {وَهُوَ سَقِـيـمٌ} يقول: وهو كالصبـيّ الـمنفوس: لـحم نـيء، كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَهُوَ سَقِـيـمٌ} كهيئة الصبـيّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبـي سلـمة، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: خرج به، يعنـي الـحوت، حتـى لفظه فـي ساحل البحر، فطرحه مثل الصبـيّ الـمنفوس، لـم ينقص من خـلقه شيء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ما لَفَظه الـحوت حتـى صار مثل الصبـيّ الـمنفوس، قد نشر اللـحم والعظم، فصار مثل الصبـيّ الـمنفوس، فألقاه فـي موضع، وأنبت الله علـيه شجرة من يقطين.

وقوله: {وأنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} يقول تعالـى ذكره: وأنبتنا علـى يونس شجرة من الشجر التـي لا تقوم علـى ساق، وكل شجرة لا تقوم علـى ساق كالدُّبـاء والبِطِّيخ والـحَنْظَل ونـحو ذلك، فهي عند العرب يَقْطِين.

واختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم نـحو الذي قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن القاسم بن أبـي أيوب، عن سعيد بن جُبَـيْر، فـي قوله: {وأنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: هو كلّ شيء ينبت علـى وجه الأرض لـيس له ساق.

حدثنـي مطر بن مـحمد الضبـي، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبـي أيوب، عن سعيد بن جُبَـير، فـي قوله: {وأنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: كلّ شيء ينبت ثم يـموت من عامه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: {شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} فقالوا عنده: القرع قال: وما يجعله أحقّ من البطيخ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: غير ذات أصل من الدُّبَّـاء، أو غيره من نـحوه.

وقال آخرون: هو القرع. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وأنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: القرع.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ميـمون، عن عبد الله، أنه قال فـي هذه الآية: {وأنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: القرع.

حدثنـي مطر بن مـحمد الضبـيّ، قال: ثنا عبد الله بن داود الواسطي، قال: ثنا شريك، عن أبـي إسحاق عن عمرو بن ميـمون الأودي، فـي قوله: {وأنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: القرع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ}: كنَّا نـحدَّث أنها الدُّبَّـاء، هذا القرع الذي رأيتـم أنبتها الله علـيها يأكل منها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي أبو صخر، قال: ثنـي ابن قسيط، أنه سمع أبـا هُرَيرة يقول: طرح بـالعراء، فأنبت الله علـيه يقطينة، فقلنا: يا أبـا هريرة وما الـيقطينة؟ قال: الشجرة الدُّبَّـاء، هيأ الله له أروية وحشية تأكل من خَشاش الأرض أو هَشاش فتفشح علـيه فترويه من لبنها كلّ عشية وبكرة حتـى نبت. وقال ابن أبـي الصلت قبل الإسلام فـي ذلك بـيتاً من شعر:

فأَنْبَتَ يَقْطِيناً عَلَـيْهِ برَحْمَةٍمِنَ اللّهِ لَوْلا اللّهُ أُلْفِـيَ ضَاحِيا

حدثنـي يحيى بن طلـحة الـيربوعي، قال: ثنا فضيـل بن عياض، عن مغيرة فـي قوله: {وأنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: القرع.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: القرع.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أنبت الله علـيه شجرة من يقطين قال: فكان لا يتناول منها ورقة فـيأخذها إلا أروته لبناً، أو قال: شرب منها ما شاء حتـى نبت.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: هو القرع، والعرب تسميه الدُّبّـاء.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن ورقاء، عن سعيد بن جُبَـير فـي قول الله: {وأنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: هو القرع.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، قوله: {وأَنْبَتْنا عَلَـيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} قال: القرع.

وقال آخرون: كان الـيقطين شجرة أظلَّت يونس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ثابت بن يزيد، عن هلال بن خبـاب، عن سعيد بن جُبَـير، قال: الـيقطين: شجرة سماها الله يقطيناً أظلته، ولـيس بـالقرّع. قال: فِـيـما ذكر أرسل الله علـيه دابة الأرض، فجعلت تقرض عروقها، وجعل ورقها يتساقط حتـى أفضت إلـيه الشمس وشكاها، فقال: يا يونس جزعت من حرّ الشمس، ولـم تـجزع لـمئة ألف أو يزيدون تابوا إلـيّ، فتبت علـيهم؟

وَأَرْسَلْنَٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ۝١٤٧ فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ۝١٤٨ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ ۝١٤٩

يقول تعالـى ذكره: فأرسلنا يونس إلـى مئة ألف من الناس، أو يزيدون علـى مئة ألف. وذُكر عن ابن عبـاس أنه كان يقول: معنى قوله {أوْ}: بل يزيدون. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن الـحكم بن عبد الله بن الأزور، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وأرْسلْناهُ إلـى مِئَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ} قال: بل يزيدون، كانوا مئة ألف وثلاثـين ألفـاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَـير، فـي قوله: {مِئَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ} قال: يزيدون سبعين ألفـاً، وقد كان العذاب أرسل علـيهم، فلـما فرّقوا بـين النساء وأولادها، والبهائم وأولادها، وعجُّوا إلـى الله، كشف عنهم العذاب، وأمطرت السماء دماً.

حدثنـي مـحمد بن عبد الرحيـم البرقـي، قال: ثنا عمرو بن أبـي سلـمة، قال: سمعت زُهَيراً، عمن سمع أبـا العالـية، قال: ثنـي أبـيّ بن كعب، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وأرْسَلْناهُ إلـى مِئَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ} قال: يزيدون عشرين ألفـاً.

وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول فـي ذلك: معناه إلـى مئة ألف أو كانوا يزيدون عندكم، يقول: كذلك كانوا عندكم.

وإنـما عنى بقوله: {وأرْسَلْناهُ إلـى مِئَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ} أنه أرسله إلـى قومه الذين وعدهم العذاب، فلـما أظلَّهم تابوا، فكشف الله عنهم. وقـيـل: إنهم أهل نـينَوَى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأرْسَلْناهُ إلـى مِئَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ} أرسل إلـى أهل نـينوى من أرض الـموصل، قال: قال الـحسن: بعثه الله قبل أن يصيبه ما أصابه {فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إلـى حِينٍ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إلـى مِئَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ} قال: قوم يونس الذين أرسل إلـيهم قبل أن يـلتقمه الـحوت.

وقـيـل: إن يونس أُرسل إلـى أهل نِـيْنَوَى بعد ما نبذه الـحوت بـالعراء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: سمعت أبـا هلال مـحمد بن سلـيـمان، قال: ثنا شهر بن حوشب، قال: أتاه جبرائيـل، يعنـي يونس، وقال: انطلق إلـى أهل نِـيْنَوَى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم قال: ألتـمس دابة قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: ألتـمس حذاء، قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: فغضب فـانطلق إلـى السفـينة فركب فلـما ركب احتبست السفـينة لا تُقدّم ولا تُؤخر قال: فتساهموا، قال: فسُهم، فجاء الـحوت يبصبص بذنبه، فنودي الـحوت: أيا حوت إنا لـم نـجعل يونس لك رزقاً، إنـما جعلناك له حوزاً ومسجداً قال: فـالتقمه الـحوت، فـانطلق به من ذلك الـمكان حتـى مرّ به علـى الأيْـلة، ثم انطلق به حتـى مرّ به علـى دجلة، ثم انطلق به حتـى ألقاه فـي نـينوى.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس قال: إنـما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الـحوت.

وقوله: {فَآمَنُوا} يقول: فوحدوا الله الذي أرسل إلـيهم يونس، وصدّقوا بحقـيقة ما جاءهم به يونس من عند الله.

وقوله: {فَمَتَّعْناهُمْ إلـى حِينٍ} يقول: فأخرنا عنهم العذاب، ومتعناهم إلـى حين بحياتهم إلـى بلوغ آجالهم من الـموت. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَمَتَّعْناهُمْ إلـى حِينٍ}: الـموت.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {فَمَتَّعْناهُمْ إلـى حِينٍ} قال: الـموت.

وقوله: {فـاسْتَفْتِهِمْ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: سل يا مـحمد مشركي قومك من قريش، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فـاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ وَلهُمُ البَنُونَ}: يعنـي مشركي قريش.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فـاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ وَلَهُمُ البَنُونَ} قال: سلهم، وقرأ: {وَيَسْتَفْتُونَكَ} قال: يسألونك.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فـاسْتَفْتِهِمْ} يقول: يا مـحمد سلهم. وقوله: {ألِرَبِّكَ البَناتُ وَلَهُمُ البَنُونَ}: ذكر أن مشركي قريش كانوا يقولون: الـملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونها، فقال الله لنبـيه مـحمد علـيه الصلاة والسلام: سلهم، وقل لهم: ألربـي البنات ولكم البنون؟ وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ألَرَبِّكَ البَناتُ وَلَهُمُ البَنُونَ}؟ لأنهم قالوا: يعنـي مشركي قريش: لله البنات، ولهم البنون.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {فـاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ وَلهُمُ البَنُونَ} قال: كانوا يعبدون الـملائكة.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ