انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

تفسير الطبريالآيات 150–182

تفسير سورة الصافات آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الصافات

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 46:38

  1. 1 الآيات 145–182في هذه الصفحة 9:30

التفسير الصوتي لسورة الصافات كاملًا (4 مقاطع)

أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثًا وَهُمْ شَٰهِدُونَ ۝١٥٠ أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ۝١٥١ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝١٥٢

يعنـي تعالـى ذكره: أم شهد هؤلاء القائلون من الـمشركين: الـملائكة بنات الله خـلقـيَ الـملائكة وأنا أخـلقهم إناثاً، فشهدوا هذه الشهادة، ووصفوا الـملائكة بأنها إناث.

وقوله: {ألا إنَّهُمْ مِنْ إفْكِهِمْ} يقول تعالـى ذكره: ألا إن هؤلاء الـمشركين من كذبهم {لَـيَقُولُونَ وَلَدَ اللّهُ وإنَّهُمْ لَكاذِبونَ} فـي قـيـلهم ذلك، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ألا إنَّهُمْ مِنْ إفْكِهِمْ لَـيَقُولُونَ} يقول: من كذبهم.

أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ ۝١٥٣ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ۝١٥٤ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝١٥٥ أَمْ لَكُمْ سُلْطَٰنٌ مُّبِينٌ ۝١٥٦ فَأْتُوا۟ بِكِتَٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٥٧

يقول تعالـى ذكره موَبِّخاً هؤلاء القائلـين لله البنات من مشركي قريش: {أصْطَفَـى} الله أيها القوم {البَنات عَلـى البَنِـينَ}؟ والعرب إذا وجهوا الاستفهام إلـى التوبـيخ أثبتوا ألف الاستفهام أحياناً وطرحوها أحياناً، كما قـيـل:

{ أذْهَبْتُـمْ }بـالقصر { طَيِّبَـاتِكُمْ فِـي حَيَاتِكُمُ الدُّنـيْا }يستفهم بها، ولا يُستفهم بها، والـمعنى فـي الـحالـين واحد، وإذا لـم يستفهم فـي قوله: {أصْطَفَـى الْبَناتِ} ذهبت ألف اصطفـى فـي الوصل، ويبتدأ بها بـالكسر، وإذا استفهم فُتـحت وقطعت.

وقد ذُكر عن بعض أهل الـمدينة أنه قرأ ذلك بترك الاستفهام والوصل. فأما قرّاء الكوفة والبصرة، فإنهم فـي ذلك علـى قراءته بـالاستفهام، وفتـح ألفه فـي الأحوال كلها، وهي القراءة التـي نـختار لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.

وقوله: {مالَكُمْ كَيْفَ تَـحْكُمُونَ} يقول: بئس الـحكمُ تـحكمون أيها القوم أن يكون لله البنات ولكم البنون، وأنتـم لا ترضون البنات لأنفسكم، فتـجعلون له ما لا ترضونه لأنفسكم؟ وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أَصْطَفَـى الْبناتِ علـى الْبَنِـينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَـحْكُمُونَ} يقول: كيف يجعل لكم البنـين ولنفسه البنات، مالكم كيف تـحكمون؟.

وقوله: {أفَلا تَذَكَّرُونَ} يقول: أفلا تتدبرون ما تقولون؟ فتعرفوا خطأه فتنتهوا عن قـيـله.

وقوله: {أمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِـينٌ} يقول: ألكم حجة تَبَـيَّن صحتها لـمن سمعها بحقـيقة ما تقولون، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِـينٌ}: أي عذر مبـين.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {سُلْطانٌ مُبِـينٌ} قال حجة.

وقوله: {فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ} يقول: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بأن الذي تقولون من أن له البنات ولكم البنـين كما تقولون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَأَتْوا بِكِتابِكُمْ}: أي بعذركم {إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ}.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ} أن هذا كذا بأن له البنات ولكم البنون.

وقوله: {إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} يقول: إن كنتـم صادقـين أن لكم بذلك حُجَّة.

وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ۝١٥٨ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝١٥٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝١٦٠

يقول تعالـى ذكره: وجعل هؤلاء الـمشركون بـين الله وبـين الـجنة نسبـاً.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى النسب الذي أخبر الله عنهم أنهم جعلوه لله تعالـى، فقال بعضهم: هو أنهم قالوا أعداء الله: إن الله وإبلـيس أخوان. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَجَعَلُوا بَـيْنَهُ وبـينَ الـجِنَّةِ نَسَبـاً} قال: زعم أعداء الله أنه تبـارك وتعالـى وإبلـيس أخوان.

وقال آخرون: هو أنهم قالوا: الـملائكة بنات الله، وقالوا: الـجِنَّة: هي الـملائكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيس وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَجَعَلُوا بَـيْنَهُ وبـينَ الـجِنَّةِ نَسَبـاً} قال: قال كفـار قريش: الـملائكة بنات الله، فسأل أبو بكر: مَنْ أمهاتهنّ؟ فقالوا: بنات سَرَوَات الـجنّ، يحسبون أنهم خُـلقِوا مـما خُـلق منه إبلـيس.

حدثنا عمرو بن يحيى بن عمران بن عفرة، قال: ثنا عمرو بن سعيد الأبح، عن سعيد بن أبـي عروبة، عن قتادة، فـي قوله: {وَجَعَلُوا بَـيْنَهُ وبـينَ الـجِنَّةِ نَسَبـاً} قالت الـيهود: إن الله تبـارك وتعالـى تزوّج إلـى الـجنّ، فخرج منهما الـملائكة، قال: سبحانه سبح نفسه.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وَجَعَلُوا بَـيْنَهُ وبـينَ الـجِنَّةِ نَسَبـاً} قال: الـجنة: الـملائكة، قالوا: هنّ بنات الله.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَجَعَلُوا بَـيْنَهُ وَبـينَ الـجِنَّةِ نَسَبـاً}: الـملائكة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَجَعَلُوا بَـيْنَهُ وبَـينَ الـجِنَّةِ نَسَبـاً} قال: بـين الله وبـين الـجنة نسبـاً افتروا.

وقوله: {وَلَقَدْ عَلِـمَتِ الـجِنَّةُ إنَّهُمْ لَـمُـحْضَرُونَ} اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: ولقد علـمت الـجنة إنهم لَـمُشهدون الـحساب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلَقَدْ عَلِـمَتِ الـجِنَّةُ إنَّهُمْ لَـمُـحْضَرُونَ} أنها ستُـحضر الـحساب.

وقال آخرون: معناه: إن قائلـي هذا القول سيُحضرون العذاب فـي النار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {إنَّهُمْ لَـمُـحْضَرُونَ} إن هؤلاء الذين قالوا هذا لـمـحضرون: لـمعذّبون.

وأوْلـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إنهم لـمـحضَرُون العذاب، لأن سائر الآيات التـي ذكر فـيها الإحضار فـي هذه السورة، إنـما عُنِـيَ به الإحضار فـي العذاب، فكذلك فـي هذا الـموضع.

وقوله: {سُبْحانَ اللّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} يقول تعالـى ذكره تنزيهاً لله، وتبرئه له مـما يضيف إلـيه هؤلاء. الـمشركون به، ويفترون علـيه، ويصفونه، من أن له بنات، وأن له صاحبة.

وقوله: {إلاَّ عِبـادَ اللّهِ الـمُخْـلَصِينَ} يقول: ولقد علـمت الـجِنَّةُ أن الذين قالوا: إن الـملائكة بنات الله لـمُـحضرون العذاب، إلا عبـاد الله الذين أخـلَصَهُمْ لرحمته، وخـلقهم لـجنته.

فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ۝١٦١ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَٰتِنِينَ ۝١٦٢ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ۝١٦٣ وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ۝١٦٤

يقول تعالـى ذكره: {فإنَّكُمْ} أيها الـمشركون بـالله {وَما تَعْبُدُونَ} من الآلهة والأوثان {ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بِفـاتِنِـينَ} يقول: ما أنتـم علـى ما تعبدون من دون الله بفـاتنـين: أي بـمضِلِّـينَ أحداً {إلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الـجَحِيـمِ} يقول: إلا أحداً سبق فـي علـمي أنه صال الـجحيـم.

وقد قـيـل: إن معنى {عَلَـيْهِ} فـي قوله: {ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بِفـاتِنِـينَ} بـمعنى به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ فإنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بفـاتِنِـينَ} يقول: لا تضلون أنتـم، ولا أضلّ منكم إلا من قد قضيت أنه صالِ الـجحيـم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بِفـاتِنِـينَ إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الـجَحِيـمِ} يقول: ما أنتـم بفـاتنِـين علـى أوثانكم أحداً، إلا من قد سبق له أنه صالِ الـجحيـم.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن خالد، قال: قلت للـحسن، قوله: {ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بِفـاتِنِـينَ إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الـجَحِيـمِ} إلا من أوجب الله علـيه أن يَصْلـى الـجحيـم.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبـي الزرقاء، عن حماد بن سلـمة، عن حميد، قال: سألت الـحسن، عن قول الله: {ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بِفـاتِنـينَ إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الـجَحِيـمِ} قال: ما أنتـم علـيه بـمضلِّـين إلا من كان فـي علـم الله أنه سيصْلَـى الـجحيـم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم {ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بفـاتِنِـينَ إلا مَنْ هُوَ صَالِ الـجَحِيـمِ}: إلا من قدر علـيه أنه يَصْلَـى الـجحيـم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن العشرة الذين دخـلوا علـى عمر بن عبد العزيز، وكانوا متكلـمين كلهم، فتكلـموا، ثم إن عمر بن عبد العزيز تكلـم بشيء، فظننا أنه تكلـم بشيء ردّ به ما كان فـي أيدينا، فقال لنا: هل تعرفون تفسير هذه الآية: {فإنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بفـاتِنـينَ إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الـجَحِيـمِ} قال: إنكم والآلهة التـي تعبدونها لستـم بـالذي تفتنون علـيها إلا من قَضَيْت علـيه أنه يصلـى الـجحيـم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم {إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الـجَحِيـمِ} قال: ما أنتـم بـمضلـين إلا من كتب علـيه أنه يصلـى الـجحيـم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فإنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ} حتـى بلغ: {صالِ الـجَحِيـمِ} يقول: ما أنتـم بـمضلـين أحداً من عبـادي ببـاطلكم هذا، إلا من تولاَّكم بعمل النار.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ {ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بفـاتِنِـينَ} بـمضلـين {إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الـجَحِيـمِ} إلا من كتب الله أنه يصلـى الـجحيـم.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بِفـاتِنِـينَ إلاَّ مَنْ هُوَ صَالٍ الـجَحِيـمٍ} يقول: لا تضلون بآلهتكم أحداً إلا من سبقت له الشقاوة، ومن هو صال الـجحيـم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فإنَّكُمْ وَما تَعْبُدونَ ما أنْتُـمْ عَلَـيْهِ بفـاتِنِـينَ إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الـجَحِيـمِ} يقول: لا تفتنون به أحداً، ولا تضلونه، إلا من قضى الله أنه صال الـجحيـم، إلا من قد قضى أنه من أهل النار.

وقـيـل: {بفـاتِنِـينَ} من فتنت أفتن، وذلك لغة أهل الـحجاز، وأما أهل نـجد فإنهم يقولون: أفتنته فأنا أفتنه. وقد ذُكر عن الـحسن أنه قرأ: «إلاَّ مَنْ هُوَ صَالُ الـجَحِيـمِ» برفع اللام من «صال»، فإن كان أراد بذلك الـجمع كما قال الشاعر:

إذَا ما حاتِـمٌ وُجِدَ ابْنَ عَمِّيمَـجْدَنا مِنْ تَكَلَّـمُ أجْمَعِينا

فقال: أجمعينا، ولـم يقل: تكلـموا، وكما يقال فـي الرجال: من هو إخوتك، يذهب بهو إلـى الاسم الـمـجهول ويخرج فعله علـى الـجمع، فذلك وجه وإن كان غيره أفصح منه وإن كان أراد بذلك واحداً فهو عند أهل العربـية لـحن، لأنه لـحن عندهم أن يقال: هذا رامٌ وقاضٌ، إلا أن يكون سمع فـي ذلك من العرب لغة مقلوبة، مثل قولهم: شاكُ السلاح، وشاكي السلاح، وعاث وعثا وعاق وعقا، فـيكون لغة، ولـم أسمع أحداً يذكر سماع ذلك من العرب.

وقوله: {وَما مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ} وهذا خبر من الله عن قِـيـل الـملائكة أنهم قالوا: وما منا معشر الـملائكة إلا من له مقام فـي السماء معلوم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وَما مِنَّا إلاَّ لَهُ مُقامٌ مَعْلُومٌ} قال: الـملائكة.

حدثنـي يونس، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي قوله: {وَما مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ} قال الـملائكة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ} هؤلاء الـملائكة.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:

{ وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ }كان مسروق بن الأجدع يروي عن عائشة أنها قالت: قال نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: ما فِـي سَماءِ الدُّنـيْا مَوْضِعُ قَدَمٍ إلاَّ عَلَـيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قَائمٌ». فذلك قول الـملائكة: { وَما مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُونَ وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ }}.

حدثنـي موسى بن إسحاق الـجبَائيُّ الـمعروف بـابن القوّاس، قال: ثنا يحيى بن عيسى الرملـي، عن الأعمش عن أبـي يحيى، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: لو أن قطرة من زقوم جهنـم أنزلت إلـى الدنـيا، لأفسدت علـى الناس معايشهم، وإن ناركم هذه لتعوّذ من نار جهنـم.

حدثنا موسى بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: قال عبد الله بن مسعود: إن ناركم هذه لـما أنزلت، ضُرِبت فـي البحر مرّتـين ففترت، فلولا ذلك لـم تنتفعوا بها.

وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ ۝١٦٥ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ ۝١٦٦ وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ۝١٦٧ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٦٨ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝١٦٩

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل ملائكته: {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ} لله لعبـادته {وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ} له، يعنـي بذلك الـمصلون له. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن علـيّ بن الـحسن بن شفـيق الـمَرْوَزِيّ، قال: ثنا أبو معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك بن مُزَاحم يقول قوله: {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ} كان مسروق بن الأجدع، يروي عن عائشة أنها قالت: قال نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم:

ما فِـي السَّماءِ الدُّنْـيا مَوْضِعُ قَدَمٍ إلاَّ عَلَـيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قَائِمٌ»، فذلك قول الله: {وَما مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ}.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلـم، عن مسورق، قال: قال عبد الله: إن من السموات لسماء ما فـيها موضع شبر إلا وعلـيه جبهة ملَك أو قدمه قائما قال: ثم قرأ: {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ وإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي الضُّحَى عن مسروق عن عبد الله، قال: إن من السموات سماءً ما فـيها موضع إلا فـيه ملَك ساجد، أو قدماه قائم، ثم قرأ: {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ}.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا الـجريري، عن أبـي نضرة، قال: كان عمر إذا أُقـيـمت الصلاة أقبل علـى الناس بوجهه، فقال: يا أيها الناس استَوُوا، إن الله إنـما يريد بكم هَدْيّ الـملائكة {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ} اسْتَوُوا، تقدّم أنت يا فلان، تأخر أنت أي هذا، فإذا استَوُوا تقدّم فكبر.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنـي أبو أُسامة، قال: ثنـي الـجريري سعيد بن إياس أبو مسعود، قال: ثنـي أبو نضرة، كان عمر إذا أقـيـمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقـيـموا صفوفكم واستووا فإنـما يُريد الله بكم هدي الـملائكة، يقول: {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ} ثم ذكر نـحوه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ} قال: يعنـي الـملائكة {وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ} قال: الـملائكة صافون تسبِّح لله عزّ وجلّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ} قال: الـملائكة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة {وإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ} قال: الـملائكة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُونَ} قال: صفوف فـي السماء {وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ}: أي الـمصلون، هذا قول الـملائكة يثنون بـمكانهم من العبـادة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وَإنا لَنَـحْنُ الصَّافُونَ} قال: للصلاة.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ، قال: وذكر السديّ، عن عبد الله، قال: ما فـي السماء موضع شبر إلا علـيه جبهة ملك أو قدماه، ساجدا أو قائما أو راكعا، ثم قرأ هذه الآية {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ وَإنَّا لَنَـحْنُ الـمُسَبِّحُونَ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإنَّا لَنَـحْنُ الصَّافُّونَ} قال: الـملائكة، هذا كله لهم.

وقوله: {وَإنْ كانُوا لَـيَقُولُونَ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الأوَّلـينَ لَكُنا عبـادَ الله} يقول تعالـى ذكره: وكان هؤلاء الـمشركون من قريش يقولون قبل أن يبعث إلـيهم مـحمد صلى الله عليه وسلم نبـيا، {لَوْ أنَّ عنْدَنا ذِكْراً مِنَ الأوَّلِـينَ} يعنـي كتابـاً أُنزل من السماء كالتوراة والإنـجيـل، أو نبـيّ أتانا مثل الذي أتـى الـيهود والنصارى {لَكُنَّا عِبـادَ اللّهِ} الذين أخـلَصهم لعبـادته، واصطفـاهم لـجنته. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإنْ كانُوا لَـيَقُولُونَ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الأوَّلِـينَ لَكُنَّا عِبـادَ اللّهِ الـمُخْـلَصِينَ} قال: قد قالت هذه الأمة ذاك قبل أن يبعث مـحمد صلى الله عليه وسلم: لو كان عندنا ذكر من الأوّلـين، لكنا عبـاد الله الـمخـلصين فلـما جاءهم مـحمد صلى الله عليه وسلم كفروا به، فسوف يعلـمون.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي قوله: {ذِكْراً مِنَ الأوَّلِـينَ} قال: هؤلاء ناس من مشركي العرب قالوا: لو أن عندنا كتابـاً من كتب الأوّلـين، أو جاءنا علـم من علـم الأوّلـين قال: قد جاءكم مـحمد بذلك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: رجع الـحديث إلـى الأوّلـين أهل الشرك {وَإنْ كانُوا لَـيَقُولُونَ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الأوَّلِـينَ}.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الأوَّلِـينَ لَكُنَّا عِبـادَ اللّهِ الـمُخْـلَصِينَ} هذا قول مشركي أهل مكة، فلـما جاءهم ذكر الأوّلـين وعلـم الآخرين، كفروا به فسوف يعلـمون.

فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝١٧٠ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ۝١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ ۝١٧٣

يقول تعالـى ذكره: فلـما جاءهم الذكر من عند الله كفروا به، وذلك كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاءهم به من عند الله من التنزيـل والكتاب، يقول الله: فسوف يعلـمون إذا وردوا علـيّ ماذا لهم من العذاب بكفرهم بذلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:

{ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الأوَّلِـينَ لَكُنَّا عبـادَ اللّهِ الـمُخْـلَصِينَ } قال: لـما جاء الـمشركين من أهل مكة ذكر الأوّلـين وعلـم الآخرين كفروا بـالكتاب {فسَوْفَ يَعْلَـمُونَ} يقول: قد جاءكم مـحمد بذلك، فكفروا بـالقرآن وبـما جاء به مـحمد.

وقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِـمَتُنا لِعبـادِنا الـمُرْسَلِـينَ إنَّهُمْ لَهُمُ الـمَنْصُورُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولقد سبق منا القول لرسلنا إنهم لهم الـمنصورون: أي مضى بهذا منا القضاء والـحكم فـي أمّ الكتاب، وهو أنهم النُّصرة والغَلبة بـالـحجج، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِـمَتُنا لعبـادِنا الـمُرْسَلِـينَ} حتـى بلغ: {لَهُمُ الغالِبُونَ} قال: سبق هذا من الله لهم أن ينصرهم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِـمَتُنا لعِبـادِنا الـمُرْسَلِـينَ إنَّهُمْ لَهُمُ الـمَنْصُورُونَ} يقول: بـالـحجج.

وكان بعض أهل العربـية يتأوّل ذلك: ولقد سبقت كلـمتنا لعبـادنا الـمرسلـين بـالسعادة. وذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِـمَتُنا علـى عبـادِنا الـمُرْسَلِـينَ» فجعلت علـى مكان اللام، فكأن الـمعنى: حقت علـيهم ولهم، كما قـيـل: علـى مُلك سلـيـمان، وفـي مُلك سلـيـمان، إذ كان معنى ذلك واحداً.

وقوله: {وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ} يقول: وإن حزبنا وأهل ولايتنا لهمُ الغالبون، يقول لهم الظفر والفلاح علـى أهل الكفر بنا، والـخلاف علـينا.

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ۝١٧٤ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ۝١٧٥ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ۝١٧٦ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝١٧٧

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَّتـى حِينٍ}: فأعرض عنهم إلـى حين.

واختلف أهل التأويـل فـي هذا الـحين، فقال بعضهم: معناه إلـى الـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتـى حِينٍ}: أي إلـى الـموت.

وقال آخرون: إلـى يوم بدر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتـى حِينٍ} قال: حتـى يوم بدر.

وقال آخرون: معنى ذلك: إلـى يوم القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتـى حِينٍ} قال: يوم القـيامة.

وهذا القول الذي قاله السديّ، أشبه بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن الله توعدهم بـالعذاب الذي كانوا يستعجلونه، فقال: {أفَبِعَذَابِنا يَسْتَعْجِلُونَ}، وأمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْرِض علـيهم إلـى مـجِيء حينه. فتأويـل الكلام: فتولّ عنهم يا مـحمد إلـى حين مـجِيء عذابنا، ونزوله بهم.

وقوله: {وأبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}: وأنظرهم فسوف يرون ما يحلّ بهم من عقابنا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَأبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} حين لا ينفعهم البصر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} يقول: أنظرهم فسوف يبصرون ما لهم بعد الـيوم، قال: يقول: يبصرون يوم القـيامة ما ضيَّعوا من أمر الله، وكفرهم بـالله ورسوله وكتابه، قال: فأبصرهم وأبصر، واحد.

وقوله: {أفَبِعَذَابِنا يَسْتَعْجِلُونَ} يقول: فبنزول عذابنا بهم يستعجلونك يا مـحمد، وذلك قولهم للنبـيّ صلى الله عليه وسلم

{ مَتـى هَذَا الوَعْدُ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ }}.

وقوله: {فإذَا نَزَلَ بساحَتِهِمْ} يقول: فإذا نزل بهؤلاء الـمشركين الـمستعجلـين بعذاب الله العذاب. العرب تقول: نزل بساحة فلان العذاب والعقوبة، وذلك إذا نزل به والساحة: هي فناء دار الرجل، {فَساءَ صَبـاحُ الـمُنْذَرِينَ} يقول: فبئس صبـاح القوم الذين أنذرهم رسولنا نزول ذلك العذاب بهم فلـم يصدّقوا به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد قال ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {فإذَا نَزَلَ بساحَتِهِمْ} قال: بدارهم، {فَساءَ صَبـاحُ الـمُنْذَرِينَ} قال: بئس ما يصبحون.

وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ۝١٧٨ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ۝١٧٩ سُبْحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝١٨٠ وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٨١ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٨٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وأعرض يا مـحمد عن هؤلاء الـمشركين، وخـلِّهم وقريتهم علـى ربهم {حتَّـى حِينٍ} يقول: إلـى حين يأذن الله بهلاكهم {وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} يقول: وانظرهم فسوف يَروْن ما يحلّ بهم من عقابنا فـي حين لا تنفعهم التوبة، وذلك عند نزول بأس الله بهم. وقوله: {سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} يقول تعالـى ذكره تنزيهاً لربك يا مـحمد وتبرئة له. {رَبّ العزّة} يقول: ربّ القوّة والبطش {عَمَّا يَصِفُونَ} يقول: عمَّا يصف هؤلاء الـمفترون علـيه من مشركي قريش، من قولهم ولد الله، وقولهم: الـملائكة بنات الله، وغير ذلك من شركهم وفِرْيتهم علـى ربهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {سُبْحانَ رَبِّكَ رَبّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}: أي عما يكذبون يسبح نفسه إذا قـيـل علـيه البُهتان.

وقوله: {وَسَلامٌ علـى الـمُرْسَلِـينَ} يقول: وأمنَة من الله للـمرسلـين الذين أرسلهم إلـى أمـمهم الذي ذكرهم فـي هذه السورة وغيرهم من فزع يوم العذاب الأكبر، وغير ذلك من مكروه أن ينالهم من قِبل الله تبـارك وتعالـى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَسَلامٌ علـى الـمُرْسَلِـينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذَا سَلَّـمْتُـمْ عَلـيَّ فَسَلِّـمُوا عَلـى الـمُرْسَلِـينَ، فإنَّـمَا أنا رَسُولٌ مِنَ الـمُرْسَلِـينَ».

{والـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالَـمِينَ} يقول تعالـى ذكره: والـحمد لله ربّ الثَّقَلـين الـجن والإنس، خالصاً دون ما سواه، لأن كلّ نعمة لعبـاده فمنه، فـالـحمد له خالص لا شريك له، كما لا شريك له فـي نعمه عندهم، بل كلها من قِبَله، ومن عنده.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ