انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة السجدة

تفسير الطبريالآيات 1–17

تفسير سورة السجدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة السجدة

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 18:32

  1. 1 الآيات 1–10في هذه الصفحة 5:56
  2. 2 الآيات 11–30في هذه الصفحة 12:36

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ۝٣

قال أبو حعفر: قد مضى البـيان عن تأويـل قوله {الـم} بـما فـيه الكفـاية. وقوله: {تَنزِيـلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِـيهِ} يقول تعالـى ذكره: تنزيـل الكتاب الذي نزّل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، لا شكّ فـيه {من ربّ العالـمين}: يقول: من ربّ الثقلـين: الـجنّ، والإنس. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الـم تَنْزِيـلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِـيهِ} لا شكّ فـيه. وإنـما معنى الكلام: أن هذا القرآن الذي أُنزل علـى مـحمد لا شكّ فـيه أنه من عند الله، ولـيس بشعر ولا سجع كاهن، ولا هو مـما تـخرّصه مـحمد صلى الله عليه وسلم، وإنـما كذّب جلّ ثناؤه بذلك قول الذين قالُوا

{ أساطِيرُ الأوَّلِـينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُـمْلَـى عَلَـيْهِ بُكْرَةً وأصِيلاً }وقول الذين قالوا: { إنْ هَذَا إلاَّ إفْكٌ افْتَرَاهُ وأعانَهُ عَلَـيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ }

وقوله: {أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} يقول تعالـى ذكره: يقول الـمشركون بـالله: اختلق هذا الكتاب مـحمد من قِبل نفسه، وتكذّبه و «أم» هذه تقرير، وقد بـيَّنا فـي غير موضع من كتابنا، أن العرب إذا اعترضت بـالاستفهام فـي أضعاف كلام قد تقدّم بعضه أن يستفهم بأم. وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك: ويقولون. وقال: أم بـمعنى الواو، بـمعنى بل فـي مثل هذا الـموضع، ثم أكذبهم تعالـى ذكره فقال: ما هو كما تزعمون وتقولون من أن مـحمداً افتراه، بل هو الـحقّ والصدق من عند ربك يا مـحمد، أنزله إلـيك، لتنذر قوماً بأس الله وسطوته، أن يحلّ بهم علـى كفرهم به {ما أتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ منْ قَبْلكَ} يقول: لـم يأت هؤلاء القوم الذين أرسلك ربك يا مـحمد إلـيهم، وهم قومه من قريش، نذير ينذرهم بأس الله علـى كفرهم قبلك. وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} يقول: لـيتبَّـينوا سبـيـل الـحقّ فـيعرفوه ويؤمنوا به. وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} قال: كانوا أمَّة أُمِّيَّة، لـم يأتهم نذير قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ۝٤

يقول تعالـى ذكره: الـمعبود الذي لا تصلـح العبـادة إلاَّ له أيها الناس {الَّذِي خَـلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ وَما بَـيْنَهُما} من خـلق {فِـي سِتَّةِ أيَّامٍ} ثم استوى علـى عرشه فـي الـيوم السابع بعد خـلقه السموات والأرض وما بـينهما. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {اللّهُ الَّذِي خَـلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ وَما بَـيْنَهُما فِـي سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلـى العَرْشِ} فـي الـيوم السابع. يقول: مالكم أيها الناس إله إلاَّ من فعل هذا الفعل، وخـلَق هذا الـخَـلْق العجيب فـي ستة أيام.

وقوله: {ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلـيّ وَلا شَفِـيعٍ} يقول: ما لكم أيها الناس دونه ولـيّ يـلـي أمركم وينصركم منه إن أراد بكم ضرّاً، ولا شفـيع يشفع لكم عنده إن هو عاقبكم علـى معصيتكم إياه، يقول: فإياه فـاتـخذوا ولـياً، وبه وبطاعته فـاستعينوا علـى أموركم فإنه يـمنعكم إذا أراد منعكم مـمن أرادكم بسوء، ولا يقدر أحد علـى دفعه عما أراد بكم هو، لأنه لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب {أفَلا تَتَذَكَّرُونَ} يقول تعالـى ذكره: أفلا تعتبرون وتتفكَّرون أيها الناس، فتعلـموا أنه لـيس لكم دونه ولـيّ ولا شفـيع، فتفردوا له الألوهة، وتـخـلصوا له العبـادة، وتـخـلعوا ما دونه من الأنداد والآلهة.

يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: الله هو الذي يدبر الأمر من أمر خـلقه من السماء إلـى الأرض، ثم يعرُج إلـيه.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله {ثُمَّ يَعْرُجُ إلَـيْهِ فِـي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ} فقال بعضهم: معناه: أن الأمر ينزل من السماء إلـى الأرض، ويصعد من الأرض إلـى السماء فـي يوم واحد، وقدر ذلك ألف سنة مـما تعدّون من أيام الدنـيا، لأن ما بـين الأرض إلـى السماء خمس مئة عام، وما بـين السماء إلـى الأرض مثل ذلك، فذلك ألف سنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن معروف، عن لـيث، عن مـجاهد {فِـي يَوْمٍ كان مقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ} يعنـي بذلك نزول الأمر من السماء إلـى الأرض، ومن الأرض إلـى السماء فـي يوم واحد، وذلك مقداره ألف سنة، لأن ما بـين السماء إلـى الأرض مسيرة خمس مئة عام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إلـى الأرْض ثُمَّ يَعْرُجُ إلَـيْهِ فِـي يَوْمٍ} من أيامكم {كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سنة مِـمَّا تَعُدُّونَ} يقول: مقدار مسيره فـي ذلك الـيوم ألف سنة مـما تعدّون من أيامكم من أيام الدنـيا خمس مئة سنة نزوله، وخمس مئة صعوده فذلك ألف سنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جُوَيبر، عن الضحاك {ثُمَّ يَعْرُجُ إلَـيْهِ فِـي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ} قال: تعرج الـملائكة إلـى السماء، ثم تنزل فـي يوم من أيامكم هذه، وهو مسيرة ألف سنة.

قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن سماك، عن عكرمة {ألْفَ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ} قال: من أيام الدنـيا.

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبـي الـحارث، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلـى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَـيْهِ فِـي يَوْمٍ} من أيامكم هذه، مسيرة ما بـين السماء إلـى الأرض خمس مئة عام.

وذكر عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قال: تنـحدر الأمور وتصعد من السماء إلـى الأرض فـي يوم واحد، مقداره ألف سنة، خمس مئة حتـى ينزل، وخمس مئة حتـى يعرُج.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلـى الأرض، ثم يعرج إلـيه فـي يوم من الأيام الستة التـي خـلق الله فـيهنّ الـخـلق، كان مقدار ذلك الـيوم ألف سنة مـما تعدّون من أيامكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس {ألْفَ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ} قال: ذلك مقدار الـمسير قوله

{ كألف سنة مـما تعدّون }، قال: خـلق السموات والأرض فـي ستة أيام، وكلّ يوم من هذه كألف سنة مـما تعدّون أنتـم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس {فِـي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدونَ} قال: الستة الأيام التـي خـلق الله فـيها السموات والأرض.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {فِـي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدونَ} يعنـي هذا الـيوم من الأيام الستة التـي خـلق الله فـيهنّ السموات والأرض وما بـينهما.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلـى الأرض بـالـملائكة، ثم تعرج إلـيه الـملائكة، فـي يَوْمٍ كان مقداره ألف سنة من أيام الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله {ثُمَّ يَعْرُجُ إلَـيْهِ فِـي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ} قال: هذا فـي الدنـيا تعرج الـملائكة إلـيه فـي يوم كان مقداره ألف سنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة {فِـي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ} قال: ما بـين السماء والأرض مسيرة ألف سنة مـما تعدّون من أيام الآخرة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة أنه قال فـي هذه الآية: {يَعْرُجُ إلَـيْهِ فِـي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ} قال: ما بـين السماء والأرض مسيرة ألف سنة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلـى الأرض فـي يوم كان مقدار ذلك التدبـير ألف سنة مـما تعدّون من أيام الدنـيا، ثم يعرج إلـيه ذلك التدبـير الذي دبره. ذكر من قال ذلك:

ذُكر عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، أنه قال: يقضي أمر كل شيء ألف سنة إلـى الـملائكة ثم كذلك حتـى تـمضي ألف سنة، ثم يقضي أمر كل شيء ألفـاً، ثم كذلك أبداً، قال: يوم كان مقداره، قال: الـيوم أن يقال لـما يقضي إلـى الـملائكة ألف سنة، كن فـيكون، ولكن سماه يوماً. سماه كما بـيَّنا كل ذلك عن مـجاهد، قال: وقوله:

{ إنَّ يَوْما عِنْدَ رَبِّك كألْفِ سَنَةِ مِـمَّا تَعُدُّون }قال: هو هوسواء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلـى الأرض، ثم يعرج إلـى الله فـي يوم كان مقداره ألف سنة، مقدار العروج ألف سنة مـما تعدّون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ثُمَّ يَعْرُجُ إلَـيْهِ فِـي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةِ مِـمَّا تَعُدُّونَ} قال بعض أهل العلـم: مقدار ما بـين الأرض حين يعرج إلـيه إلـى أن يبلغ عروجه ألف سنة، هذا مقدار ذلك الـمعراج فـي ذلك الـيوم حين يعرج فـيه.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: معناه: يدبر الأمر من السماء إلـى الأرض، ثم يعرج إلـيه فـي يوم، كام مقدار ذلك الـيوم فـي عروج ذلك الأمر إلـيه، ونزوله إلـى الأرض ألف سنة مـما تعدون من أيامكم خمس مئة فـي النزول، وخمس مئة فـي الصعود، لأن ذلك أظهر معانـيه، وأشبهها بظاهر التنزيـل.

ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝٦ ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَٰنِ مِن طِينٍ ۝٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: هذا الذي يفعل ما وصفت لكم فـي هذه الآيات، هو عالـم الغيب، يعنـي عالـم ما يغيب عن أبصاركم أيها الناس، فلا تبصرونه مـما تكنه الصدور، وتـخفـيه النفوس، وما لـم يكن بعد مـما هو كائن، {والشهادة}: يعنـي ما شاهدته الأبصار فأبصرته وعاينته وما هو موجود {العَزِيزُ} يقول: الشديد فـي انتقامه مـمن كفر به وأشرك معه غيره، وكذّب رسله {الرَّحِيـمُ} بـمن تاب من ضلالته، ورجع إلـى الإيـمان به وبرسوله، والعمل بطاعته، أن يعذّبه بعد التوبة.

وقوله: {الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَـلَقَهُ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء مكة والـمدينة والبصرة: «أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ» بسكون اللام. وقرأه بعض الـمدنـيـين وعامة الكوفـيـين: {أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَـلَقَهُ} بفتـح اللام.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء صحيحتا الـمعنى، وذلك أن الله أحكم خـلقه، وأحكم كل شيء خـلَقه، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: أتقن كلّ شيء وأحكمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي العبـاس بن أبـي طالب، قال: ثنا الـحسين بن إبراهيـم إشكاب، قال: ثنا شريك، عن خَصيف عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَـلَقَهُ} قال: أما إن است القرد لـيست بحسنة، ولكن أحكم خـلقها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيد الـمؤدّب، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرؤها: {الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَـلَقَهُ} قال: أما إن است القرد لـيست بحسنة، ولكنه أحكمها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَـلَقَهُ} قال: أتقن كلّ شيء خـلقه.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيـل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد

{ أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ }: أحصى كلّ شيء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذي حسن خـلق كل شيء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَـلَقَهُ} حسن علـى نـحو ما خـلق.

وذُكر عن الـحجاج، عن ابن جُرَيج، عن الأعرج، عن مـجاهد قال: هو مثل

{ أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثم هَدَى }قال: فلـم يجعل خـلق البهائم فـي خـلق الناس، ولا خـلق الناس فـي خـلق البهائم ولكن خـلق كلّ شيء فقدّره تقديراً.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلـم كل شيء خـلقه، كأنهم وجهوا تأويـل الكلام إلـى أنه ألهم خـلقه ما يحتاجون إلـيه، وأن قوله {أحْسَنَ} إنـما هو من قول القائل: فلان يحسن كذا إذا كان يعلـمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شريك، عن خصيف، عن مـجاهد {أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَـلَقَهُ} قال: أعطى كلّ شيء خـلقه، قال: الإنسان إلـى الإنسان، والفرس للفرس، والـحمار للـحمار. وعلـى هذا القول، الـخَـلْق والكلّ منصوبـان بوقوع أحسن علـيهما.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب علـى قراءة من قرأه {الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَـلَقَهُ} بفتـح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن، لأنه لا معنى لذلك إذ قرىء كذلك إلاَّ أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان أو معنى التـحسين الذي هو فـي معنى الـجمال والـحُسن فلـما كان فـي خـلقه ما لا يشكّ فـي قُبحه وسماجته، علـم أنه لـم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خـلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته. وأما علـى القراءة الأخرى التـي هي بتسكين اللام، فإن أولـى تأويلاته به قول من قال: معنى ذلك أعلـم وألهم كلّ شيء خـلقه، هو أحسنهم، كما قال

{ الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } لأن ذلك أظهر معانـيه. وأما الذي وجه تأويـل ذلك إلـى أنه بـمعنى: الذي أحسن خـلق كلّ شيء، فإنه جعل الـخـلق نصبـاً بـمعنى التفسير، كأنه قال: الذي أحسن كلّ شيء خـلقاً منه. وقد كان بعضهم يقول: هو من الـمقدّم الذي معناه التأخير، ويوجهه إلـى أنه نظير قول الشاعر:

وَظَعْنِـي إلَـيْك اللَّـيْـل حِضْنَـيْهِ أنَّنِـي لِتِلْكَ إذَا هابَ الهِدَانُ فَعُولُ

يعنـي: وظعنـي حضنـي اللـيـل إلـيك ونظير قول الآخر:

كأنَّ هِنْداً ثَناياها وبَهْجَتَها يَوْمَ الْتَقَـيْنا عَلـى أدْحالِ دَبَّـاب

أي كأن ثنايا هند وبهجتها.

وقوله: {وَبَدأَ خَـلْقَ الإنْسانِ مِنْ طِينٍ} يقول تعالـى ذكره: وبدأ خـلق آدم من طين {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ} يعنـي ذرّيته من سلالة، يقول: من الـماء الذي انسلّ فخرج منه. وإنـما يعنـي من إراقة من مائه، كما قال الشاعر:

فجاءتْ بهِ عَضْبَ الأدِيـمِ غَضَنْفَراً سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غيرَ حَصِينِ

وقوله: {مِنْ ماءٍ مَهينٍ} يقول: من نطفة ضعيفة رقـيقة. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَبَدأَ خَـلْقَ الإنْسانِ مِنْ طِينٍ} وهو خـلق آدم، ثم جعل نسله: أي ذرّيته من سلالة من ماء مهين، والسلالة: هي الـماء الـمهين الضعيف.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن أبـي يحيى الأعرج، عن ابن عبـاس، فـي قوله {مِنْ سُلالَةِ} قال: صفو الـماء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {مِنْ ماءٍ مَهِينٍ} قال: ضعيف نطفة الرجل، ومهين: فعيـل من قول القائل: مهن فلان، وذلك إذا زلّ وضعف.

ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: ثم سوّى الإنسان الذي بدأ خـلقه من طين خـلقاً سوياً معتدلاً، {ونَفَخَ فِـيهِ مِنْ رُوحِهِ} فصار حياً ناطقاً {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصَارَ والأفْئِدَةَ، قَلِـيلاً ما تشْكُرُونَ} يقول: وأنعم علـيكم أيها الناس ربكم بأن أعطاكم السمع تسمعون به الأصوات، والأبصار تبصرون بها الأشخاص والأفئدة، تعقلون بها الـخير من السوء، لتشكروه علـى ما وهب لكم من ذلك. وقوله: {قَلِـيلاً ما تَشْكُرُونَ} يقول: وأنتـم تشكرون قلـيلاً من الشكر ربكم علـى ما أنعم علـيكم.

وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍۭ بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَٰفِرُونَ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: وقال الـمشركون بـالله، الـمكذّبون بـالبعث: {أئِذَا ضَلَلْنا فـي الأرْض} أي صارت لـحومنا وعظامنا ترابـاً فـي الأرض وفـيها لغتان: ضَلَلْنا، وضَلِلْنا، بفتـح اللام وكسرها والقراءة علـى فتـحها، وهي الـجوداء، وبها نقرأ. وذكر عن الـحسن أنه كان يقرأ: «أئِذَا صَلَلْنا» بـالصاد، بـمعنى: أنتنا، من قولهم: صلّ اللـحم وأصلّ: إذا أنتن. وإنـما عنى هؤلاء الـمشركون بقولهم: {أئِذَا ضَلَلْنا فِـي الأرْضِ} أي إذا هلكت أجسادنا فـي الأرض، لأن كلّ شيء غلب علـيه غيره حتـى خفـي فـيـما غلب، فإنه قد ضلّ فـيه، تقول العرب: قد ضلّ الـماء فـي اللبن: إذا غلب علـيه حتـى لا يتبـين فـيه ومنه قول الأخطل لـجرير:

كُنْتَ القَذَى فـي مَوْج أكْدَرَ مُزْبدٍ قَذَفَ الأَتِـيُّ به فَضَلَّ ضَلالاَ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن لـيث، عن مـجاهد {أئِذَا ضَلَلْنا فِـي الأرْضِ} يقول: أئذا هلكنا.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أئِذَا ضَلَلْنا فِـي الأرْضِ} هلكنا.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد: قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله {أئِذَا ضَلَلْنا فِـي الأرْضِ} يقول: أئذا كنا عظاماً ورفـاتاً أنبعث خـلقاً جديداً؟ يكفرون بـالبعث.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وَقالُوا أئِذَا ضلَلْنا فـي الأرْض أئِنَّا لَفِـي خَـلْقٍ جَدِيدٍ} قال: قالوا: أئذا كنا عظاماً ورفـاتاً أئنا لـمبعوثون خـلقاً جديداً؟.

وقوله: {بَلْ هُمْ بِلِقاء رَبِّهِمْ كافِرُونَ} يقول تعالـى ذكره: ما بهؤلاء الـمشركين جحود قدرة الله علـى ما يشاء، بل هم بلقاء ربهم كافرون، حذراً لعقابه، وخوف مـجازاته إياهم علـى معصيتهم إياه، فهم من أجل ذلك يجحدون لقاء ربهم فـي الـمعاد.

قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بـالله: يتوفـاكم ملك الـموت، يقول: يستوفـي عددكم بقبض أرواحكم ملك الـموت الذي وكل بقبض أرواحكم ومنه قول الراجز:

إنَّ بَنِـي الأَدْرَمِ لَـيْسُوا مِنْ أحَدْ وَلا تَوَفَّـاهُمْ قُرَيْشٌ فِـي العَدَدْ

{ثُمَّ إلـى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} يقول: من بعد قبض ملك الـموت أرواحكم إلـى ربكم يوم القـيامة تردّون أحياء كهيئتكم قبل وفـاتكم، فـيجازى الـمـحسن منكم بإحسانه، والـمُسيء بإساءته.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {قُلْ يَتَوَفَّـاكُمْ مَلَكُ الـمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} قال: ملك الـموت يتوفـاكم، ومعه أعوان من الـملائكة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله {يَتَوَفَّـاكُمْ مَلَكُ الـمَوْتِ} قال: حُوِيَت له الأرض، فجُعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزّة، عن مـجاهد، بنـحوه.

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: لو ترى يا مـحمد هؤلاء القائلـين

{ أئِذَا ضَلَلْنا فِـي الأرْضِ أئِنَّا لَفِـي خَـلْقٍ جَدِيدٍ }إذ هم ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء من ربهم، للذي سلف منهم من معاصيه فـي الدنـيا، يقولون: يا {رَبَّنَا أبْصَرْنَا} ما كنا نكذّب به من عقابك أهل معاصيك {وَسَمِعْنَا} منك تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به فـي الدنـيا، {فـارجعنا} يقول: فـارددنا إلـى الدنـيا نعمل فـيها بطاعتك، وذلك العمل الصالـح {إنَّا مُوقِنُونَ} يقول: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به فـي الدنـيا جهالاً من وحدانـيتك، وأنه لا يصلـح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون ربّ سواك، وأنك تـحيـي وتـميت، وتبعث من فـي القبور بعد الـمـمات والفناء وتفعل ما تشاء.

وبنـحو ما قلنا فـي قوله: {نَاكِسُوا رُءُوسِهمْ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قوله {وَلَوْ تَرَى إذِ الـمُـجْرِمونَ ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قال: قد حزنوا واستـحيوا.

وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره: {وَلَوْ شِئْنَا} يا مـحمد {لآتَـيْنَا} هؤلاء الـمشركين بـالله من قومك وغيرهم من أهل الكفر بـالله {هُدَاهَا} يعنـي: رشدها وتوفـيقها للإيـمان بـالله {وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّـي} يقول: وجب العذاب منـي لهم، وقوله {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّـمَ منَ الـجِنَّة والنَّاسِ أجمَعِينَ} يعنـي من أهل الـمعاصي والكفر بـالله منهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلَوْ شِئْنا لآتَـيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها} قال: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، لو شاء الله لأنزل علـيهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين {وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّـي} حقّ القول علـيهم.

فَذُوقُوا۟ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: يقال لهؤلاء الـمشركين بـالله إذا هم دخـلوا النار: ذوقوا عذاب الله بـما نسيتـم لقاء يومكم هذا فـي الدنـيا، {إنَّا نَسِيناكُمْ} يقول: إنا تركناكم الـيوم فـي النار. وقوله: {وَذُوقُوا عَذَابَ الـخُـلْدِ} يقول: يقال لهم أيضاً: ذوقوا عذابـاً تـخـلدون فـيه إلـى غير نهاية {بِـما كُنْتُـمْ} فـي الدنـيا {تَعْمَلُونَ} من معاصي الله. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَذُوقُوا بِـما نَسِيتُـمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إنَّا نَسِيناكُمْ} قال: نسوا من كلّ خير، وأما الشرّ فلـم ينسوا منه.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله {إنَّا نَسِيناكُمْ} يقول: تركناكم.

إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: ما يصدق بحججنا وآيات كتابنا إلاَّ القوم الذين إذا ذكروا بها ووعظوا {خرّوا} لله {سجداً} لوجوههم، تذلُّلاً له، واستكانة لعظمته، وإقراراً له بـالعبوديَّة {وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} يقول: وسبحوا الله فـي سجودهم بحمده، فـيبرّؤونه مـما يصفه أهل الكفر به، ويضيفون إلـيه من الصاحبة والأولاد والشركاء والأنداد {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} يقول: يفعلون ذلك، وهم لا يستكبرون عن السجود له والتسبـيح، لا يستنكفون عن التذلُّل له والاستكانة. وقـيـل: إن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن قوماً من الـمنافقـين كانوا يخرجون من الـمسجد إذا أقـيـمت الصلاة، ذُكر ذلك عن حجاج، عن ابن جُرَيج.

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝١٦

يقول تعالـى ذكره: تتنـحَّى جُنوب هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله، الذين وصفت صفتهم، وترتفع من مضاجعهم التـي يضطجعون لـمنامهم، ولا ينامون {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفـاً وَطَمَعاً} فـي عفوه عنهم، وتفضُّله علـيهم برحمته ومغفرته {ومِـمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ} فـي سبـيـل الله، ويؤدّون منه حقوق الله التـي أوجبها علـيهم فـيه. وتتـجافـى: تتفـاعل من الـجفـاء والـجفـاء: النبو، كما قال الراجز:

وَصَاحِبـي ذَاتُ هِبـاب دَمْشَقُ وَابنُ مِلاطٍ مُتـجاف أرْفَقُ

يعنـي: أن كرمها سجية عن ابن ملاط. وإنـما وصفهم تعالـى ذكره بتـجافـي جنوبهم عن الـمضاجع لتركهم الاضطجاع للنوم شغلاً بـالصلاة.

واختلف أهل التأويـل فـي الصلاة التـي وصفهم جلّ ثناؤه، أن جنوبهم تتـجافـى لها عن الـمضطجع، فقال بعضهم: هي الصلاة بـين الـمغرب والعشاء، وقال: نزلت هذه الآية فـي قوم كانوا يصلون فـي ذلك الوقت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن أبـي عروبة، قال: قال قتادة، قال أنس، فـي قوله

{ كانُوا قَلِـيلاً مِنَ اللَّـيْـل مَا يَهْجَعُونَ }قال: كانوا يتنفَّلون فـيـما بـين الـمغرب والعشاء، وكذلك تتـجافـى جنوبهم.

قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، فـي قوله {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ} قال: يصلون ما بـين هاتـين الصلاتـين.

حدثنـي علـيّ بن سعيد الكنديّ، قال: ثنا حفص بن غياث، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ} قال: ما بـين الـمغرب والعشاء.

حدثنـي مـحمد بن خـلف، قال: ثنا يزيد بن حيان، قال: ثنا الـحارث بن وجيه الراسبـي، قال: ثنا مالك بن دينار، عن أنس بن مالك، أن هذه الآية نزلت فـي رجال من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، كانوا يصلون فـيـما بـين الـمغرب والعشاء{ تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمضَاجِعِ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بشر، عن سعيد بن أبـي عروبة، عن قتادة، عن أنس: {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَن الـمَضَاجِعِ} قال: كانوا يتطوّعون فـيـما بـين الـمغرب والعشاء.

قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن أنس {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَن الـمَضَاجِعِ} قال: ما بـين الـمغرب والعشاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ} قال: كانوا يتنفَّلون ما بـين صلاة الـمغرب وصلاة العشاء.

وقال آخرون: عنى بها صلاة الـمغرب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن طلـحة، عن عطاء {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَن الـمَضَاجِعِ} قال: عن العتـمة.

وذُكر عن حجاج، عن ابن جريج، قال: قال يحيى بن صَيفـي، عن أبـي سلـمة، قال: العتـمة.

وقال آخرون: لانتظار صلاة العتـمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الله بن أبـي زياد، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأَويسي، عن سلـيـمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، أن هذه الآية {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ} نزلت فـي انتظار الصلاة التـي تدعى العتـمة.

وقال آخرون: عنى بها قـيام اللـيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَن الـمَضَاجِعِ} قال: قـيام اللـيـل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ} قال: هؤلاء الـمتهجدون لصلاة اللـيـل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ} يقومون يصلون من اللـيـل.

وقال آخرون: إنـما هذه صفة قوم لا تـخـلو ألسنتهم من ذكر الله. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِع، يَدْعُونَ رَبَّهُم خَوْفـاً وَطَمَعاً} وهم قوم لا يزالون يذكرون الله، إما فـي صلاة، وإما قـياماً، وإما قعوداً، وإما إذا استـيقظوا من منامهم، هم قوم لا يزالون يذكرون الله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ...} إلـى آخر الآية، يقول: تتـجافـى لذكر الله، كلـما استـيقظوا ذكروا الله، إما فـي الصلاة، وإما فـي قـيام، أو فـي قعود، أو علـى جنوبهم فهم لا يزالون يذكرون الله.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء القوم بأن جنوبهم تنبو عن مضاجعهم، شغلاً منهم بدعاء ربهم وعبـادته خوفـاً وطمعاً، وذلك نبوّ جنوبهم عن الـمضاجع لـيلاً، لأن الـمعروف من وصف الواصف رجلاً بأن جنبه نبـا عن مضجعه، إنـما هو وصف منه له بأنه جفـا عن النوم فـي وقت منام الناس الـمعروف، وذلك اللـيـل دون النهار، وكذلك تصف العرب الرجل إذا وصفته بذلك، يدلّ علـى ذلك قول عبد الله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه فـي صفة نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم:

يَبِـيتُ يُجافِـي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَت بـالـمُشْرِكِينَ الـمَضَاجِعُ

فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالـى ذكره لـم يخصص فـي وصفه هؤلاء القوم بـالذي وصفهم به من جفـاء جنوبهم عن مضاجعهم من أحوال اللـيـل وأوقاته حالاً ووقتاً دون حال ووقت، كان واجبـاً أن يكون ذلك علـى كلّ آناء اللـيـل وأوقاته. وإذا كان كذلك كان من صلـى ما بـين الـمغرب والعشاء، أو انتظر العشاء الآخرة، أو قام اللـيـل أو بعضه، أو ذكر الله فـي ساعات اللـيـل، أو صلـى العتـمة مـمن دخـل فـي ظاهر قوله: {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ} لأن جنبه قد جفـا عن مضجعه فـي الـحال التـي قام فـيها للصلاة قائماً صلـى أو ذكر الله، أو قاعداً بعد أن لا يكون مضطجعاً، وهو علـى القـيام أو القعود قادر. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن توجيه الكلام إلـى أنه معنـيّ به قـيام اللـيـل أعجب إلـيّ، لأن ذلك أظهر معانـيه، والأغلب علـى ظاهر الكلام، وبه جاء الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك ما:

حدثنا به ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، قال: سمعت عروة بن الزبـير يحدّث عن معاذ بن جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:

ألا أدلُّكَ عَلـى أبْوَاب الـخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الـخَطِيئَةَ، وَقِـيامُ العَبْدِ فِـي جَوْفِ اللَّـيْـلِ. وتلا هذه الآية:{ تَتَـجافَـى جُنُوبُهُم عَنِ الـمَضَاجِع، يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفـاً وَطَمَعاً، ومِـمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ}«

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو أُسامة، عن سلـيـمان، عن حبـيب بن أبـي ثابت والـحكم، عن ميـمون بن أبـي شبـيب، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنـحوه.

حدثنـي مـحمد بن خـلف العسقلانـي، قال: ثنا آدم، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا منصور بن الـمعتـمر، عن الـحكم بن عُتـيبة، عن ميـمون بن أبـي شبـيب، عن معاذ بن جبل، قال: قال لـي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنْ شِئْتَ أنبأْتُكَ بأبْوَابِ الـخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الـخَطِيئَةَ، وَقِـيامُ الرَّجُلِ فـي جَوْفِ اللَّـيْـلِثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يزيد بن حيان، عن حماد بن سلـمة، قال: ثنا عاصم بن أبـي النـجود، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـي قوله {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ} قال:

قِـيامُ العَبْدِ مِنَ اللَّـيْـل

حدثنا أبو همام الولـيد بن شجاع قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي زياد بن خيثمة، عن أبـي يحيى بـائع القتّ، عن مـجاهد، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قـيام اللـيـل، ففـاضت عيناه حتـى تـحادرت دموعه، فقال: {تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَن الـمَضَاجِعِ}.

وأما قوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفـاً وَطَمَعاً...} الآية، فإن بنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفـاً وَطَمَعاً ومِـمَّا رَزَقْناهُم يُنْفِقُونَ} قال: خوفـاً من عذاب الله، وطمعاً فـي رحمة الله، ومـما رزقناهم ينفقون فـي طاعة الله، وفـي سبـيـله.

فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: فلا تعلـم نفس ذي نفسٍ ما أخفـى الله لهؤلاء الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم فـي هاتـين الآيتـين، مـما تقرّ به أعينهم فـي جنانه يوم القـيامة {جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ} يقول: ثوابـاً لهم علـى أعمالهم التـي كانوا فـي الدنـيا يعملون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، قال: قال عبد الله: إن فـي التوراة مكتوبـاً: لقد أعدّ الله للذين تتـجافـى جنوبهم عن الـمضاجع ما لـم تر عين، ولـم يخطر علـى قلب بشر، ولـم تسمع أذن، وما لـم يسمعه ملك مقرّب. قال: ونـحن نقرؤها: {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ}.

حدثنا خلاد، قال: أخبرنا النضر بن شميـل، قال: أخبرنا إسرائيـل، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن عُبـيدة بن ربـيعة، عن ابن مسعود، قال: مكتوب فـي التوراة علـى الله للذين تتـجافـى جنوبهم عن الـمضاجع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر علـى قلب بشر، فـي القرآن {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ منْ قُرَّةِ أعْيُن جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله قال: خبىء لهم ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر علـى قلب بشر. قال سفـيان: فـيـما علـمت علـى غير وجه الشكّ.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق قال: سمعت أبـا عبـيدة، قال: قال عبد الله، قال، يعنـي الله: أعددت لعبـادي الصالـحين ما لـم تر عين، ولـم تسمع أذن، ولـم يخطر علـى قلب ناظر {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ منْ قُرَّةِ أعْيُنِ جَزَاءً بِـما كانُوا يَعْمَلونَ}.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن صلت، عن قـيس بن الربـيع، عن أبـي إسحاق، عن عبـيدة بن ربـيعة الـحارثـي، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن فـي التوراة للذين تتـجافـى جنوبهم عن الـمضاجع من الكرامة، ما لـم تر عين، ولـم يخطر علـى قلب بشر، ولـم تسمع أذن، وإنه لفـي القرآن {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن}.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن ابن أبجر، قال: سمعت الشعبـيّ يقول: سمعت الـمغيرة بن شعبة يقول علـى الـمنبر: إن موسى صلى الله عليه وسلم سأل عن أبخس أهل الـجنة فـيها حظاً، فقـيـل له: رجل يُؤتـى به وقد دخـل أهل الـجنة الـجنة، قال: فـيقال له: ادخـل، فـيقول: أين وقد أخذ الناس أَخَذاتهم؟ فـيقال: اعدد أربعة ملوك من ملوك الدنـيا، فـيكون لك مثل الذي كان لهم، ولك أخرى شهوة نفسك، فـيقول: أشتهي كذا وكذا، وأشتهي كذا ويقال: لك أخرى، لك لذّة عينك، فـيقول: ألذّ كذا وكذا، فـيقال: لك عشرة أضعاف مثل ذلك، وسأله عن أعظم أهل الـجنة فـيها حظا، فقال: ذاك شيء ختـمت علـيه يوم خـلقت السموات والأرض. قال الشعبـي: فإنه فـي القرآن: {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْملونَ}.

حدثنـي أحمد بن مـحمد الطَّوسي، قال: ثنا الـحميدي، قال: ثنا ابن عُيـينة وحدثنـي به القرقسانـي، عن ابن عيـينة، عن مطرف بن طريف، وابن أبجر، سمعنا الشعبـيّ يقول: سمعت الـمغيرة بن شعبة علـى الـمنبر يرفعه إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

إنَّ مُوسَى سألَ رَبَّهُ: أيْ رَبّ، أيُّ أهْلِ الـجَنَّةِ أدْنَى مَنْزِلةً؟ قال: رَجُلُ يَجيءُ بَعْدَ ما دَخَـلَ أهْلُ الـجَنَّةِ الـجَنَّةَ، فَـيُقالُ لَهُ: ادْخُـلْ، فَـيَقُولُ: كَيْفَ أدْخُـلُ وَقَدْ نَزَلُوا مَنازِلَهُمْ؟ فَـيُقالُ لَهُ: أتَرْضَى أنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ ما كانَ لِـمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْـيا؟، فَـيَقُولُ: بَخ أيْ رَبّ قَدْ رَضِيتُ فَـيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَمِثْلَهُ وَمِثْلهُ ومِثْلَهُ، فَـيَقُولُ: رَضِيتُ أيْ رَبّ رَضِيتُ، فَـيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَعَشْرَةَ أمْثالِهِ مَعَهُ، فـيَقُول: رَضِيتُ أيْ رَبّ، فَـيُقالُ لَهُ: فإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ قالَ: فَقالَ مُوسَى: أيْ رَبّ، وأيُّ أهْل الـجَنَّةَ أرْفَعُ مَنْزِلَةً؟ قالَ: إيَّاها أرَدْتُ، وسأُحَدّثُكَ عَنْهُمْ غَرَسْتُ لَهُمْ كَرَامَتِـي بِـيَدِي، وَخَتَـمْتُ عَلَـيْها، فَلا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ: وَمِصْدَاق ذلكَ فِـي كِتابِ اللّهِ {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ}

» حدثنا مـحمد بن منصور الطوسيّ، قال: ثنا إسحاق بن سلـيـمان، قال: ثنا عمرو بن أبـي قَـيْس، عن ابن أبـي لـيـلَـى، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله:

{ وكانَ عَرْشُهُ علـى الـمَاءِ }وكان عرش الله علـى الـماء، ثم اتـخذ لنفسه جنة، ثم اتـخذ دونها أخرى، ثم أطبقها بلؤلؤة واحدة قال: { ومن دونهما جنتان }قال: وهي التـي لا تعلـم نفس، أو قال: هما التـي {لا تعلـم نفس ما أخفـي لهم من قرّة أعين جزاء بـما كانوا يعملون}. قال: وهي التـي لا تعلـم الـخلائق ما فـيها، أو ما فـيهما يأتـيهم كلَّ يوم منها أو منهما تـحفة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن سالـم الأفطس، عن سعيد بن جُبَـير، بنـحوه.

حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، عن صفوان بن عمرو، عن أبـي الـيـمان الهَوْزنـيّ أو غيره، قال: الـجنة مئة درجة، أوّلها درجة فضة، أرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنـيتها فضة، وترابها الـمِسك. والثانـية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنـيتها ذهب، وترابها الـمسك. والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها لؤلؤ، وآنـيتها لؤلؤ، وترابها الـمسك. وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عينٌ رأته، ولا أذن سمعته، ولا خطر علـى قلب بشر، وتلا هذه الآية {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الـمـحاربـي وعبد الرحيـم، عن مـحمد بن عمرو، عن أبـي سلـمة، عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قالَ اللّهُ: أعْدَدْتُ لِعِبـادِي الصَّالِـحِينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍ، وَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُـمْ، قالَ اللّهُ {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ، جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ}

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو معاوية وابن نـمير، عن الأعمش، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أعْدَدْتُ لعِبـادِي الصَّالِـحِينَ، ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍقال أبو هريرة: ومن بله ما أطلعكم علـيه، اقرَءوا إن شئتـم: {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ، جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ} قال أبو هريرة: نقرؤها: «قُرَّاتِ أعيُنٍ».

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، عن الـحكم بن أبـان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عبـاس، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، عن الروح الأمين، قال:

يُؤْتَـى بِحَسَناتِ العَبْدِ وَسَيِّئاتِهِ، فَـيَنْقُصُ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، فإنْ بَقِـيَتْ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَسَّعَ اللّهُ لَهُ فِـي الـجَنَّةِقال: فدخـلت علـى يزداد، فحدّث بـمثل هذا قال: قلت: فأين ذهبت الـحسنة؟ قال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أحْسَنَ ما عَمِلُوا، وَنَتَـجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِـي أصحابِ الـجَنَّةِ وَعْدَ الصّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ }، قلت: قوله {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ} قال: العبد يعمل سرّا أسرّه إلـى الله لـم يعلـم به الناس، فأسرّ الله له يوم القـيامة قرّة عين.

حدثنـي العبـاس بن أبـي طالب، قال: ثنا معلـى بن أسد، قال: ثنا سلام بن أبـي مطيع، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبـي سعيد الـخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يروي عن ربه، قال:

أعْدَدْتُ لِعِبـادِيَ الصَّالِـحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍ

حدثنـي أبو السائب، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي أبو صخر، أن أبـا حازم حدثه، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مـجلساً وصف فـيه الـجنة حتـى انتهى، ثم قال فـي آخر حديثه:

فـيهَا ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍثم قرأ هذه الآية: { تَتَـجافَـى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـمَضَاجِعِ... }إلـى قوله {جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن عوف، عن الـحسن، قال: بلغنـي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قالَ رَبُّكُمْ: أعْدَدْتُ لعِبـادِي الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍ

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي ذلك عن ربه،

قالَ رَبُّكُمْ: أعْدَدْتُ لِعِبـادِي الصَّالِـحِينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الـحسن {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ} قال: أخفوا عملاً فـي الدنـيا، فأثابهم الله بأعمالهم.

حدثنـي القاسم بن بشر، قال: ثنا سلـيـمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن ثابت، عن أبـي رافع، عن أبـي هريرة، قال حماد: أحسبه عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ يَدْحُلِ الـجَنَّةَ يَنْعَمْ وَلا يَبْؤُسْ، لا تَبْلَـى ثِـيابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبـابُهُ، فـي الـجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍ

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ} فقرأ ذلك بعض الـمدنـيـين والبصريـين، وبعض الكوفـيـين: {أُخْفِـيَ} بضم الألف وفتـح الـياء بـمعنى فُعِل. وقرأ بعض الكوفـيـين: «أُخْفِـي لَهُمْ» بضم الألف وإرسال الـياء، بـمعنى أفعل، أخفـي لهم أنا.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، متقاربتا الـمعنى، لأن الله إذا أخفـاه فهو مخفـى، وإذا أخفـى فلـيس له مخف غيره، و «ما» فـي قوله {فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفِـيَ لَهُمْ} فإنها إذا جعلت بـمعنى الذي كانت نصبـاً بوقوع تعلـم علـيها كيف قرأ القارىء أخفـى، وإذا وجهت إلـى معنى أيّ كانت رفعاً إذا قرىء أخفـى بنصب الـياء وضم الألف، لأنه لـم يسمّ فـاعله، وإذا قرىء أُخْفِـي بإرسال الـياء كانت نصبـاً بوقوع أخفـي علـيها.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ