وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ ٤٢ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌ ٤٣
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَـحْسَبنَّ اللّهَ} يا مـحمد {غَافِلاً} ساهياً {عَمَّا يَعْمَلُ} هؤلاء الـمشركون من قومك، بل هو عالـم بهم وبأعمالهم مـحصيها علـيهم، لـيجزيهم جزاءهم فـي الـحين الذي قد سبق فـي علـمه أنه يجزيهم فـيه.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا علـيّ بن ثابت، عن جعفر بن برَقان، عن ميـمون بن مِهران فـي قوله: {وَلا تَـحْسَبنَّ اللّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِـمُونَ} قال: هي وعيد للظالـم وتعزية للـمظلوم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إنَّـمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِـيَوْمٍ تَشْخصُ فِـيهِ الأبصار مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَـيْهِمْ طَرْفُهُمْ وأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}.
يقول تعالـى ذكره: إنـما يؤخر ربك يا مـحمد هؤلاء الظالـمين الذين يكذّبونك ويجحَدون نبوّتك، لـيوم تشخص فـيه الأبصار. يقول: إنـما يؤخِّر عقابَهم وإنزال العذاب بهم، إلـى يوم تشخَص فـيه أبصار الـخـلق وذلك يوم القـيامة، كما:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لِـيَوْم تَشْخَصُ فِـيهِ الأبْصَارُ} شخصت فـيه والله أبصارهم، فلا ترتدّ إلـيهم.
وأما قوله: {مُهْطِعِينَ} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي معناه فقال بعضهم: معناه: مسرعين. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبـي سعيد الـمؤدّب، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير: {مُهْطِعِينَ} قال: النَّسَلان، وهو الـخبب أو ما دون الـخبب، شكّ أبو سعيد يخبون وهم ينظرون.
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مُهْطِعِينَ} قال: مسرعين.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مُهْطِعِينَ} يقول: منطلقـين عامدين إلـى الداعي.
وقال آخرون: معنى ذلك: مديـمي النظر. ذكر من قال ذلك:
حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مُهْطِعِينَ} يعنـي بـالإهطاع: النظر من غير أن يطرف.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن سعيد بن مسروق، عن أبـي الضحى: {مُهْطِعِينَ} قال: الإهطاع: التـحميج الدائم الذي لا يَطْرِف.
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن مغيرة، عن أبـي الـخير بن تـميـم بن حَذْلَـم، عن أبـيه، فـي قوله: {مُهْطِعِينَ} قال: الإهطاع: التـحميج.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {مُهْطِعِينَ} قال: شدّة النظر الذي لا يطرف.
حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا عمرو، قال: أخبرنا هُشَيـم، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {مُهْطِعِينَ} قال: شدة النظر فـي غير طَرْف.
حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مُهْطِعِينَ} الإهطاع: شدة النظر فـي غير طَرْف.
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مُهْطِعِينَ} قال: مُديـمي النظر.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا يرفع رأسه. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مُهْطِعِينَ} قال: الـمهطع الذي لا يرفع رأسه.
والإهطاع فـي كلام العرب بـمعنى الإسراع أشهر منه بـمعنى إدامة النظر، ومن الإهطاع بـمعنى الإسراع، قول الشاعر:
وبِـمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ زِمامَهُفـي رأسِ جذْعٍ مِنْ أراك مُشَذَّبِ
وقول الآخر:
بـمُسْتَهْطعٍ رَسْلٍ كأنَّ جَدِيـلَهُبقَيْدُومِ رَعْنٍ مِنْ صَوَامٍ مُـمَنَّعِ
وقوله: {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} يعنـي رافعي رؤوسهم. وإقناع الرأس: رفعه ومنه قول الشماخ:
يُبـاكِرْنَ العِضَاهَ بـمُقْنَعاتٍنَوَاجِذُهُنَّ كالـحَدَإِ الوَقـيعِ
يعنـي: أنهنّ يبـاكرن العضاه برؤوسهن مرفوعات إلـيها لتتناول منها، ومنه أيضاً قول الراجز:
أنْغَضَ نـحْوِي رأسَهْ وأقْنَعاكأنـمَا أبْصَرَ شَيْئاً أطْمَعا
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مُقْنِعِي رُؤوسِهِمْ} قال: الإقناع: رفع رؤوسهم.
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، وقال الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {مُقْنِعِي} قال: رافعيها.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن أبـي سعد، قال: قال الـحسن: وجوه الناس يوم القـيامة إلـى السماء لا ينظر أحد إلـى أحد.
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن عثمان بن الأسود، أنه سمع مـجاهداً يقول فـي قوله: {مُهْطعينَ مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافع رأسه هكذا، {لاَ يَرْتَدُّ إلَـيهمْ طَرْفُهُمْ}.
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافعي رؤوسهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: الإقناعُ رفع رؤوسهم.
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: الـمقنع الذي يرفع رأسه شاخصاً بصره لا يطرف.
حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافعيها.
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: الـمقنع الذي يرفع رأسه.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافعي رؤوسهم.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبـي سعيد، عن سالـم، عن سعيد: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافعي رؤوسهم.
وقوله: {لا يَرْتَدُّ إلَـيْهِمْ طَرْفُهُمْ} يقول: لا ترجع إلـيهم لشدّة النظر أبصارهم. كما:
حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {لا يَرْتَدُّ إلَـيْهمْ طَرْفُهُمْ وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: شاخصة أبصارهم.
وقوله: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: متـخرّقة لا تعي من الـخير شيئاً. ذكر من قال ذلك:
حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، فـي قوله: {وأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: متـخرقة لا تعي شيئاً.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا مالك بن مغول، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، بـمثل ذلك.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، مثله.
حدثنا مـحمد بن عمارة، قال: ثنا سهل بن عامر، قال: ثنا مالك وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن مرّة: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: متـخرقة لا تعي شيئاً من الـخير.
حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا يحيى بن عبـاد، قال: ثنا مالك، يعنـي ابن مغول، قال: سمعت أبـا إسحاق، عن مرّة إلاَّ أنه قال: لا تعي شيئاً. ولـم يقل من الـخير.
حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، مثله.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مالك بن مغول، وإسرائيـل عن أبـي إسحاق، عن مرّة: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال أحدهما: خربة، وقال الآخر: متـخرقة لا تعي شيئاً.
حدثنـي مـحمد بن سعد قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: لـيس فـيها شيء من الـخير فهي كالـخربة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: لـيس من الـخير شيء فـي أفئدتهم، كقولك للبـيت الذي لـيس فـيه شيء إنـما هو هواء.
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد فـي قوله: {وأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: الأفئدة: القلوب هواء كما قال الله، لـيس فـيها عقل ولا منفعة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي بكرة، عن أبـي صالـح: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: لـيس فـيها شيء من الـخير.
وقال آخرون: إنها لا تستقرّ فـي مكان تردّد فـي أجوافهم. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: تـمور فـي أجوافهم، لـيس لها مكان تستقرّ فـيه.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبـي سعيد، عن سالـم، عن سعيد بنـحوه.
وقال آخرون: معنى ذلك: أنها خرجت من أماكنها فنَشِبَت بـالـحلوق. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد الزبـيري، عن إسرائيـل، عن سعيد، عن مسروق عن أبـي الضحى: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: قد بلغت حناجرهم.
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: هواء لـيس فـيها شيء، خرجت من صدورهم فنشبت فـي حلوقهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} انتزعت حتـى صارت فـي حناجرهم لا تـخرج من أفواههم، ولا تعود إلـى أمكنتها.
وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب فـي تأويـل ذلك قول من قال: معناه: أنها خالـية لـيس فـيها شيء من الـخير، ولا تعقل شيئاً وذلك أن العرب تسمي كلّ أجوف خاو: هواء ومنه قول حسَّان بن ثابت:
ألا أبْلِغْ أبـا سُفْـيانَ عَنّـيفأنْتَ مُـجَوَّفٌ نَـخِبٌ هَوَاءُ
ومنه قول الآخر:
وَلا تَكُ مِنْ أخْدانِ كُلّ يَراعةٍهَوَاءٍ كَسَقْبِ البـانِ جُوفٍ مَكاسِرُهْ