انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ابراهيم

تفسير الطبريالآيات 35–46

تفسير سورة ابراهيم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة ابراهيم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 42:27

  1. 1 الآيات 28–52في هذه الصفحة 17:12

التفسير الصوتي لسورة ابراهيم كاملًا (3 مقاطع)

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ ۝٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: {و} اذكر يا مـحمد {إذْ قالَ إبْرَاهِيـمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِناً} يعنـي الـحَرم، بلداً آمناً أهله وسكانه. {وَاجْنُبْنِـي وَبَنِـيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ} يقال منه: جَنَبْته الشرّ فأنا أَجْنُبُه جَنْبـاً وجَنَّبته الشرّ، فأنا أُجَنِّبُهُ تـجنـيبـاً، وأجنبته ذلك فأنا أُجْنِبُه إجنابـاً. ومِن «جَنَبْتُ» قول الشاعر:

وتَنْفُضُ مَهْدَهُ شفَقَاً عَلَـيْهِوتَجْنُبُهُ قَلائِصَنــا الصِّعابَـا

ومعنى ذلك: أبعدْني وبنيّ من عبـادة الأصنام، والأصنام: جمع صنـم، والصنـم: هو التـمثال الـمصوّر، كما قال رُؤبة بن العجَّاج فـي صفة امرأة:

وَهْنانَةٌ كالزُّونِ يُجْلَـى صَنَـمُهْتَضْحَكُ عن أشْنَبَ عَذْبٍ مَلْثَمُهْ

وكذلك كان مـجاهد يقول:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَإذْ قالَ إبْرَاهِيـمُ رَبّ اجْعَلَ هذَا البَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِـي وَبَنِـيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ} قالَ: فـاستـجاب الله لإبراهيـم دعوته فـي ولده، قال: فلـم يعبد أحد من ولده صنـماً بعد دعوته. والصنـم: التـمثال الـمصوّر، ما لـم يكن صنـماً فهو وثَن. قال: واستـجاب الله له، وجعل هذا البلد آمناً، ورزق أهله من الثمرات، وجعله إماماً، وجعل من ذرّيته من يقـيـم الصلاةَ، وتقبَّل دعاءه، فأراه مناسِكَه، وتاب علـيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، قال: كان إبراهيـم التـيـميّ يقصُّ ويقول فـي قَصَصه: من يأمن من البلاء بعد خـلـيـل الله إبراهيـم، حين يقول: ربّ {اجْنُبْنِـي وَبَنِـيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ}؟ وقوله: {رَبّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِـيرًا مِنَ النَّاسِ} يقول: يا ربّ إن الأصنام أضللن: يقول: أزلن كثـيراً من الناس عن طريق الهُدى وسبـيـل الـحقّ حتـى عبدوهنّ، وكفروا بك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِـيرًا مِنَ النَّاسِ} يعنـي الأوثان.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: {إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِـيرًا مِنَ النَّاسِ} قال: الأصنام.

وقوله: {فَمَنْ تَبِعَنِـي فإنَّهُ مِنِّـي} يقول: فمن تبعنـي علـى ما أنا علـيه من الإيـمان بك وإخلاص العبـادة لك وفراق عبـادة الأوثان، فإنه منـي: يقول: فإنه مستنّ بسنَّتِـي، وعامل بـمثل عملـي. {وَمَنْ عَصَانِـي فإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ} يقول: ومن خالف أمري فلـم يقبل منـي ما دعوته إلـيه، وأشرك بك، فإنه غفور لذنوب الـمذنبـين الـخَطائين بفضلك، رحيـم بعبـادك تعفو عمن تشاء منهم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {فَمَنْ تَبِعَنِـي فإنَّهُ مِنـي وَمَنْ عَصَانِـي فإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ} اسمعوا إلـى قول خـلـيـل الله إبراهيـم، لا والله ما كانوا طَعَّانـين ولا لَعَّانـين وكان يقال: إنّ من أشرّ عبـاد الله كلّ طعان لعان، قال نبـيّ الله ابن مريـم علـيه السلام:

{ { إنْ تُعَذّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبـادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الـحَكِيـمُ } }

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: أخبرنـي ابن وهب، قال: ثنا عمرو بن الـحارث أن بكر بن سَوادة، حدّثه عن عبد الرحمن بن جُبـير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيـم: {رَبّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِـيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِـي فإنَّهُ مِنِّـي وَمَنْ عَصَانِـي فإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ}، وقال عيسى:

{ { إنْ تُعَذّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبـادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الـحَكِيـمُ } } فرفع يديه ثم قال: اللَّهُمَّ أُمَّتِـي، اللَّهُمَّ أُمَّتِـي وبكى. فقال الله تعالـى: يا جبرئيـل اذهب إلـى مـحمد وربك أعلـم فـاسأله ما يُبكيه؟ فأتاه جبرئيـل فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال. قال: فقال الله: يا جبرئيـل اذهب إلـى مـحمد وقل له: إنا سنرضيك فـي أمتك ولا نسوءُك.

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ۝٣٧

وقال إبراهيـم خـلـيـل الرحمن هذا القول حين أسكن إسماعيـل وأمه هاجَرَ فـيـما ذُكِر مكة. كما:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم والـحسن بن مـحمد قالا: ثنا إسماعيـل بن إبراهيـم، عن أيوب، كما قال: نبئت عن سعيد بن جبـير، أنه حدث عن ابن عبـاس، قال: إنّ أوّل من سَعى بـين الصَّفـا والـمروة لأمُّ إسماعيـل وإن أوّل ما أحدث نساء العرب جرّ الذيول لـمن أمّ إسماعيـل. قال: لـما فرّت من سارة، أَرْخَتْ من ذيـلها لتعفـي أثرها، فجاء بها إبراهيـم ومعها إسماعيـل حتـى انتهى بهما إلـى موضع البـيت، فوضعهما ثم رجع، فـاتبعته، فقالت: إلـى أيّ شيء تكلنا؟ إلـى طعام تكلنا؟ إلـى شراب تكلنا؟ فجعل لا يردّ علـيها شيئاً، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. قال: فرجعت ومضى حتـى إذا استوى علـى ثنـية كَدَاء، أقبل علـى الوادي فدعا، فقال: {رَبّ إنّـي أسْكَنْتُ منْ ذُريَّتِـي بَوادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَـيْتِكَ الـمُـحَرَّمِ رَبَّنا لِـيُقِـيـمُوا الصَّلاةَ فـاجْعَلْ أفْئِدَةً منَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهمْ وَارْزُقْهُمْ منَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} قال: ومع الإنسانة شَنَّة فـيها ماء، فنفِد الـماء فعطشت وانقطع لبنها، فعطش الصبـيّ، فنظرت أيّ الـجبـال أدنى من الأرض، فصعِدَت بـالصفـا، فتسمعت هل تسمع صوتاً أو ترى أنـيساً فلـم تسمع، فـانـحدرت، فلـما أتت علـى الوادي سعت وما تريد السعي، كالإنسان الـمـجهود الذي يسعى وما يريد السعي، فنظرت أيّ الـجبـال أدنى من الأرض، فصَعِدت الـمروة فتسمعت هل تسمع صوتاً، أو ترى أنـيساً فسمعت صوتاً، فقالت كالإنسان الذي يكذّب سمعه: صه حتـى استـيقنت، فقالت: قد أسمعتنـي صوتك فأغثنـي، فقد هلكتُ وهلك من معي فجاء الـمَلك فجاء بها حتـى انتهى بها إلـى موضع زمزم، فضرب بقدمه ففـارت عيناً، فعجلت الإنسانة فجعلت فـي شَنَّتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رَحِمَ اللّهُ أُمَّ إسْماعيـلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْناً مَعِيناً ». وقال لها الـملك: لا تـخافـي الظمأ علـى أهل هذا البلد، فإنـما هي عين لشرب ضِيفـان الله. وقال: إن أبـا هذا الغلام سيجيء، فـيبنـيان لله بـيتاً هذا موضعه. قال: ومرّت رفقة من جُرهم تريد الشام، فرأوا الطير علـى الـجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف علـى ماء، فهل علـمتـم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا. فأشرفوا فإذا هم بـالإنسانة، فأتوها فطلبوا إلـيها أن ينزلوا معها، فأذنت لهم. قال: وأتـى علـيها ما يأتـي علـى هؤلاء الناس من الـموت، فماتت، وتزوّج إسماعيـل امرأة منهم، فجاء إبراهيـم فسأل عن منزل إسماعيـل حتـى دُلّ علـيه، فلـم يجده، ووجد امرأة له فظة غلـيظة، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولـي له: جاء ههنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك: إنـي لا أرضى لك عتَبَة بـابك فحوِّلها وانطلق فلـما جاء إسماعيـل أخبرته، فقال: ذاك أبـي وأنت عتبة بـابـي، فطلقَها وتزوّج امرأة أخرى منهم. وجاء إبراهيـم حتـى انتهى إلـى منزل إسماعيـل، فلـم يجده، ووجد امرأة له سهلة طلـيقة، فقال لها: أين انطلق زوجك؟ فقالت: انطلق إلـى الصيد، قال: فما طعامكم؟ قالت: اللـحم والـماء، قال: اللهمّ بـارك لهم فـي لـحمهم ومائهم اللهمّ بـارك لهم فـي لـحمهم ومائهم ثلاثاً. وقال لها: إذا جاء زوجك فأخبريه، قولـي: جاء ههنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك: قد رضيت لك عتبة بـابك، فأثْبِتْها فلـما جاء إسماعيـل أخبرته. قال: ثم جاء الثالثة، فرفعا القواعد من البـيت.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنـي يحيى بن عبـاد، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: جاء نبـيّ الله إبراهيـم بإسماعيـل وهاجر، فوضعهما بـمكة فـي موضع زمزم فلـما مضى نادته هاجر: يا إبراهيـم إنـما أسألك ثلاث مرات: من أمرك أن تضعنـي بأرض لـيس فـيها ضَرْع ولا زرع ولا أنـيس ولا زاد ولا ماء؟ قال: ربـي أمرنـي، قالت: فإنه لن يضيِّعنا. قال: فلـما قـفـا إبراهيـم قال:

{ { رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَـمُ ما نُـخْفِـي وَما نُعْلِنُ } } يعنـي من الـحزن { { وَما يَخْفَـى علـى اللّهِ مِنْ شَيْءٍ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ } } . فلـما ظمىء إسماعيـل جعل يَدْحَض الأرض بعقبه، فذهبت هاجر حتـى علت الصفـا، والوادي يومئذٍ لاخ يعنـي عميق فصعدت الصفـا، فأشرفت لتنظر هل ترى شيئاً فلـم تر شيئاً، فـانـحدرت فبلغت الوادي، فسعت فـيه حتـى خرجت منه، فأتت الـمروة، فصعدت فـاستشرفت هل تر شيئاً، فلـم تر شيئاً. ففعلت ذلك سبع مرّات، ثم جاءت من الـمروة إلـى إسماعيـل، وهو يَدْحَض الأرض بقَعْبه، وقد نبعت العين وهي زمزم. فجعلت تفحص الأرض بـيدها عن الـماء، فكلـما اجتـمع ماء أخذته بقدحها، وأفرغته فـي سقائها. قال: فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:يَرْحَمُها اللّهُ لَوْ تَرَكَتْها لَكانَتْ عَيْناً سائِحَةً تَـجْرِي إلـى يَوْمِ القـيامَةِ ». قال: وكانت جُرهُمُ يومئذٍ بواد قريب من مكة قال: ولزمت الطير الوادي حين رأت الـماء فلـما رأت جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا: ما لزِمته إلاَّ وفـيه ماء، فجاءوا إلـى هاجَر، فقالوا: إن شئت كنا معك وآنسناك والـماء ماؤك، قالت: نعم. فكانوا معها حتـى شبّ إسماعيـل، وماتت هاجر فتزوّج إسماعيـل امرأة منهم قال: فـاستأذن إبراهيـم سارة أن يأتـي، هاجر، فأذنت له وشرطت علـيه أن لا ينزل، فقدم إبراهيـم وقد ماتت هاجر، فذهب إلـى بـيت إسماعيـل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: لـيس ههنا ذهب يتصيد، وكان إسماعيـل يخرج من الـحرم فـيتصيد ثم يرجع، فقال إبراهيـم: هل عندك ضيافة، هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: لـيس عندي، وما عندي أحد. فقال إبراهيـم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولـي له: فلـيغير عتبة بـابه وذهب إبراهيـم، وجاء إسماعيـل، فوجد ريح أبـيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: جاءنـي شيخٌ كذا وكذا، كالـمستـخفة بشأنه، قال: فما قال لكِ؟ قالت: قال لـي: أقرئي زوجك السلام وقولـي له: فلـيغير عتبة بـابه، فطلقها وتزوّج أخرى. فلبث إبراهيـم ما شاء الله أن يـلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيـل، فأذنت له، وشرطت علـيه أن لا ينزل، فجاء إبراهيـم حتـى انتهى إلـى بـاب إسماعيـل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يصيد، وهو يجيء الآن إن شاء الله، فـانزل يرحمك الله قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، قال: هل عندك خبز أو برّ أو تـمر أو شعير؟ قالت: لا. فجاءت بـاللبن واللـحم، فدعا لهما بـالبركة، فلو جاءت يومئذٍ بخبز أو برّ أو شعير أو تـمر لكانت أكثر أرض الله برًّا وشعيراً وتـمراً، فقالت له: انزل حتـى أغسل رأسك فلـم ينزل، فجاءته بـالـمقام فوضعته عن شقه الأيـمن، فوضع قدمه علـيه، فبقـي أثر قدمه علـيه، فغسلت شقّ رأسه الأيـمن، ثم حوّلت الـمقام إلـى شقه الأيسر فغسلت شقه الأيسر، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولـي له: قد استقامت عتبة بـابك فلـما جاء إسماعيـل وجد ريح أبـيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: نعم، شيخ أحسن الناس وجهاً وأطيبه ريحاً، فقال لـي كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، وغسلتُ رأسه، وهذا موضع قدمه علـى الـمقام. قال: وما قال لك؟ قالت: قال لـي: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولـي له: قد استقامت عتبة بـابك، قال: ذاك إبراهيـم، فلبث ما شاء الله أن يـلبث، وأمره الله ببناء البـيت، فبناه هو وإسماعيـل فلـما بنـياه قـيـل: أذّن فـي الناس بـالـحجّ فجعل لا يـمرّ بقوم إلاَّ قال: أيها الناس إنه قد بنـي لكم بـيت فحجوه، فجعل لا يسمعه أحد، صخرة ولا شجرة ولا شيء، إلاَّ قال: لبـيك اللهمّ لبـيك. قال: وكان بـين قوله: {رَبَّنَا إنّـي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيَّتِـي بِوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْد بَـيْتِكَ الـمُـحَرَّمِ} وبـين قوله: { { الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لـي علـى الكِبَرِ إسْماعِيـلَ وإسْحاقَ } } كذا وكذا عاماً، لـم يحفظ عطاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {رَبَّنا إنّـي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيَّتِـي بوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَـيْتِكَ الـمُـحَرَّمِ} وإنه بـيت طهَّره الله من السُّوء، وجعله قبلة، وجعله حَرَمه، اختاره نبـيّ الله إبراهيـم لولده.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {غيرِ ذِي زَرْعٍ} قال: مكة لـم يكن بها زرع يومئذٍ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي ابن كثـير، قال القاسم فـي حديثه: قال: أخبرنـي عمرو بن كثـير «قال أبو جعفر»: فغيرته أنا فجعلته: قال أخبرنـي ابن كثـير، وأسقطت عمراً، لأنـي لا أعرف إنساناً يقال له عمرو بن كثـير حدّث عنه ابن جريج، وقد حدّث به معمر عن كثـير بن كثـير بن الـمطلب بن أبـي وداعة، وأخشى أن يكون حديث ابن جريج أيضاً عن كثـير بن كثـير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبـي سلـيـمان فـي أناس مع سعيد بن جبـير لـيلاً، فقال سعيد بن جبـير للقوم: سلونـي قبل ألاَّ تسألونـي فسأله القوم فأكثروا، وكان فـيـما سُئل عنه أن قـيـل له: أحقّ ما سمعنا فـي الـمقام؟ فقال سعيد: ماذا سمعتـم؟ قالوا: سمعنا أن إبراهيـم رسول الله حين جاء من الشام، كان حلف لامرأته أن لا ينزل مكة حتـى يرجع، فقرب له الـمقام، فنزل علـيه. فقال سعيد: لـيس كذاك: حدثنا ابن عبـاس، ولكنه حدثنا حين كان بـين أمّ إسماعيـل وسارة ما كان أقبل بإسماعيـل، ثم ذكر مثل حديث أيوب غير أنه زاد فـي حديثه، قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:

وَلذلكَ طافَ النَّاسُ بـينَ الصَّفـا والـمَرْوَةِ ». ثم حدث وقال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:طَلَبُوا النُّزُولَ مَعَها وَقَدْ أحَبَّتْ أُمُّ إسْماعيـلَ الأنْسَ، فنَزَلُوا وَبَعَثُوا إلـى أهْلِهمْ فَقَدِمُوا، وَطَعامُهُمُ الصَّيْدُ، يَخْرُجُونَ منَ الـحَرَمِ ويَخْرُجُ إِسْماعيـلُ مَعَهُمْ يَتَصَيَّدُ فَلَـمَّا بَلَغَ أنْكَحُوهُ، وَقَدْ تُوُفِّـيَتْ أُمُّهُ قَبْلَ ذلكَ ». قالَ: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لَـمَّا دَعا لَهُما أنْ يُبـارِكَ لَهُمْ فِـي اللَّـحْمِ والـماءِ، قال لَهَا: هَلْ منْ حَبّ أوْ غيرِهِ منَ الطَّعامِ؟ قالَتْ: لا، وَلَوْ وَجَدَ يَوْمَئذٍ لَهَا حَبًّـا لَدَعا لَهَا بـالبَرَكَةِ فـيهِ ». قال ابن عبـاس: ثم لبث ما شاء الله أن يـلبث، ثم جاء فوجد إسماعيـل قاعداً تـحت دَوْحة إلـى ناحية البئر يبرى نبلاً له، فسلـم علـيه ونزل إلـيه، فقعد معه وقال: يا إسماعيـل، إن الله قد أمرنـي بأمر. قال إسماعيـل: فأطع ربك فـيـما أمرك قال إبراهيـم: أمرنـي أن أبنـي له بـيتاً. قال إسماعيـل: ابنِ قال ابن عبـاس: فأشار له إبراهيـم إلـى أكمة بـين يديه مرتفعة علـى ما حولها يأتـيها السيـل من نواحيها، ولا يركبها. قال: فقاما يحفران عن القواعد يرفعانها ويقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِـيـمُ ربنا تقبل منا إنك سميع الدعاء. وإسماعيـل يحمل الـحجارة علـى رقبته، والشيخ إبراهيـم يبنـي. فلـما ارتفع البنـيان وشقّ علـى الشيخ تناوله، قرّب إلـيه إسماعيـل هذا الـحجَر، فجعل يقوم علـيه ويبنـي، ويحوله فـي نواحي البـيت حتـى انتهى. يقول ابن عبـاس: فذلك مقام إبراهيـم وقـيامه علـيه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {رَبَّنا إنّـي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيَّتِـي بِوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ} قال: أسكن إسماعيـل وأمه مكة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير: {إنّـي أسْكَنْتُ مِنْ ذُريَّتِـي بِوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ} قال: حين وضع إسماعيـل.

قال أبو جعفر: فتأويـل الكلام إذن: ربنا إنـي أسكنت بعض ولدي بواد غير ذي زرع. وفـي قوله صلى الله عليه وسلم دلـيـل علـى أنه لـم يكن هنالك يومئذٍ ماء، لأنه لو كان هنالك ماء لـم يصفه بأنه غير ذي زرع عند بـيتك الذي حرّمته علـى جميع خـلقك أن يستـحلوه.

وكان تـحريـمه إياه فـيـما ذُكر كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن عمر بن الـخطاب قال فـي خطبته: إن هذا البـيت أوّل من ولـيه أناس مِن طسْم، فعصوا ربهم واستـحلوا حرمته، واستـخفوا بحقه، فأهلكهم الله. ثم ولـيهم أناس من جُرهمَ فعصوا ربهم واستـحلوا حرمته واستـخفوا بحقه، فأهلكهم الله. ثم ولـيتـموه معاشر قريش، فلا تعصوا ربه، ولا تستـحلوا حرمته، ولا تستـخفوا بحقه فوالله لصلاة فـيه أحبّ إلـيّ من مئة صلاة بغيره، واعلـموا أن الـمعاصي فـيه علـى نـحو من ذلك.

وقال: {إنّـي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيَّتِـي بوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ} ولـم يأت بـما وقع علـيه الفعل، وذلك أن حظّ الكلام أن يقال: إنـي أسكنت من ذريتـي جماعة، أو رجلاً، أو قوماً، وذلك غير جائز مع «من» لدلالتها علـى الـمراد من الكلام، والعرب تفعل ذلك معها كثـيراً، فتقول: قتلنا من بنـي فلان، وطعمنا من الكلإ، وشربنا من الـماء ومنه قول الله تعالـى:

{ أنْ أفِـيضُوا عَلَـيْنا منَ الـماءِ أوْ مِـما رَزَقَكُمُ اللّهُ }

فإن قال قائل: وكيف قال إبراهيـم حين أسكن ابنه مكة {إنّـي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيَّتِـي بِوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَـيْتِك الـمُـحَرَّمِ} وقد رويتَ فـي الأخبـار التـي ذكرتها أن إبراهيـم بنى البـيت بعد ذلك بـمدة؟ قـيـل: قد قـيـل فـي ذلك أقوال قد ذكرتها فـي سورة البقرة، منها أن معناه: عند بـيتك الـمـحرّم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حين رفعته أيام الطوفـان، ومنها: عند بـيتك الـمـحرّم الذي قد مضى فـي سابق علـمك أنه يحدث فـي هذا البلد. وقوله {الـمُـحَرَّمِ} علـى ما قاله قتادة معناه: الـمـحرّم من استـحلال حرمات الله فـيه، والاستـخفـاف بحقه. وقوله: {رَبَّنا لِـيُقِـيـمُوا الصلاةَ} يقول: فعلت ذلك يا ربنا كي تؤدّي فرائضك من الصلاة التـي أوجبتها علـيهم فـي بـيتك الـمـحرّم. وقوله: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} يخبر بذلك تعالـى ذكره عن خـلـيـله إبراهيـم أنه سأله فـي دعائه أن يجعل قلوب بعض خـلقه تنزع إلـى مساكن ذريته الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بـيته الـمـحرَّم. وذلك منه دعاء لهم بأن يرزقهم حجّ بـيته الـحرام كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلـم، عن عمرو بن أبـي قـيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير: {أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} ولو قال: «أفئدة الناس تهوي إلـيهم» لـحجت الـيهود والنصارى والـمـجوس، ولكنه قال: {أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} فهم الـمسلـمون.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} قال: لو كانت «أفئدة الناس» لازدحمت علـيه فـارس والروم، ولكنه «أفئدة من الناس».

حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} قال: لو قال: «أفئدة الناس تهوي إلـيهم»، لازدحمت علـيهم فـارس والروم.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا علـيّ، يعنـي بن الـجعد، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، قال: سألت عكرمة عن هذه الآية: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} فقال: قلوبهم تهوي إلـى البـيت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن الـحكم، عن عكرمة وعطاء وطاووس: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} البـيت تهوي إلـيه قلوبهم يأتونه.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا يحيى بن عبـاد، قال: ثنا سعيد، عن الـحكم، قال: سألت عطاء وطاووساً وعكرمة، عن قوله: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} قالوا: الـحجّ.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا شبـابة وعلـيّ بن الـجعد، قالا: أخبرنا سعيد، عن الـحكم، عن عطاء وطاووس وعكرمة فـي قوله: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} قال: هواهم إلـى مكة أن يحجوا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، قال: سألت طاووساً وعكرمة وعطاء ابن أبـي ربـاح، عن قوله: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} فقالوا: اجعل هواهم الـحجّ.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا يحيى بن عبـاد، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لو كان إبراهيـم قال: «فـاجعل أفئدة الناس تهوي إلـيهم» لـحجه الـيهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال: {أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} قال: تنزع إلـيهم.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: إنـما دعا لهم أن يهووا السكنى بـمكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فـاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَـيْهِمْ} قال: إن إبراهيـم خليل الرحمن سأل الله أن يجعل أناساً من الناس يهوَوْن سكنى أو سَكْن مكة.

وقوله: {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} يقول تعالـى ذكره: وارزقهم من ثمرات النبـات والأشجار ما رزقت سكان الأرياف والقرى التـي هي ذوات الـمياه والأنهار، وإن كنت أسكنتهم وادياً غير ذي زرع ولا ماء. فرزقهم جلّ ثناؤه ذلك، كما:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، قال: قرأت علـى مـحمد بن مسلـم الطائفـي أن إبراهيـم لـما دعا للـحرم: {وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثمرات} نقل الله الطائف من فَلِسطين.

وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} يقول: لـيشكروك علـى ما رزقتهم وتنعم به علـيهم.

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۝٣٨

وهذا خبر من الله تعالـى ذكره عن استشهاد خـلـيـله إبراهيـم إياه علـى ما نوى وقصد بدعائه وقـيـله

{ { رَبّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنا وَاجْنُبْنـي وَبَنـيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامُ } } ... الآية، وأنه إنـما قصد بذلك رضا الله عنه فـي مـحبته أن يكون ولده من أهل الطاعة لله، وإخلاص العبـادة له علـى مثل الذي هو له، فقال: ربنا إنك تعلـم ما تـخفـي قلوبنا عند مسألتنا ما نسألك، وفـي غير ذلك من أحوالنا، وما نعلن من دعائنا، فنـجهر به وغير ذلك من أعمالنا، وما يخفـى علـيك يا ربنا من شيء يكون فـي الأرض ولا فـي السماء لأن ذلك كله ظاهر لك متـجلّ بـاد، لأنك مدبره وخالقه، فكيف يخفـى علـيك.

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ۝٣٩

يقول: الـحمد لله الذي رزقنـي علـى كبر من السنّ ولداً إسماعيـل وإسحاق. {إنَّ رَبّـي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ} يقول: إن ربـي لسميع دعائي الذي أدعوه به، وقولـي:

{ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنا وَاجْنُبْنِـي وَبَنِـيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ } وغير ذلك من دعائي ودعاء غيري، وجميع ما نطق به ناطق لا يخفـى علـيه منه شيء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن ضرار بن مرّة، قال: سمعت شيخاً يحدّث سعيد بن جبـير، قال: بُشر إبراهيـم بعد سبع عشرة ومئة سنة.

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ۝٤٠

يقول: ربّ اجعلنـي مؤدّياً ما ألزمتنـي من فريضتك التـي فرضتها علـيّ من الصلاة. {وَمِنْ ذُرّيَّتِـي} يقول: واجعل أيضاً من ذريتـي مقـيـمي الصلاة لك. {رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ} يقول: ربنا وتقبل عملـي الذي أعمله لك وعبـادتـي إياك. وهذا نظير الـخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العبـادَةُ ثم قرأ: { { وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِـي أسْتَـجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبـادَتِـي سَيَدْخُـلُونَ جَهَنَّـمَ دَاخِرِينَ } }.

رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ۝٤١

وهذا دعاء من إبراهيـم صلوات الله علـيه لوالديه بـالـمغفرة، واستغفـار منه لهما. وقد أخبر الله عزّ ذكره أنه لـم يكن اسْتِغْفـارُ إبْرَاهِيـمَ لأَبِـيهِ إلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيَّاهُ فَلَـمَّا تَبَـيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ اللّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إنَّ إبْرَاهِيـمَ لأَوَّاهٌ حَلِـيـمٌ.

وقد بـيَّنا وقت تبرّئه منه فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته.

وقوله: {وللْـمُؤْمِنِـينَ} يقول: وللـمؤمنـين بك مـمن تبعنـي علـى الدين الذي أنا علـيه، فأطاعك فـي أمرك ونهيك. وقوله: {يَوْمَ يَقُومُ الـحِسابُ} يعنـي: يقوم الناس للـحساب فـاكتفـى بذكر الـحساب من ذكر الناس، إذ كان مفهوماً معناه.

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ ۝٤٢ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌ ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَـحْسَبنَّ اللّهَ} يا مـحمد {غَافِلاً} ساهياً {عَمَّا يَعْمَلُ} هؤلاء الـمشركون من قومك، بل هو عالـم بهم وبأعمالهم مـحصيها علـيهم، لـيجزيهم جزاءهم فـي الـحين الذي قد سبق فـي علـمه أنه يجزيهم فـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا علـيّ بن ثابت، عن جعفر بن برَقان، عن ميـمون بن مِهران فـي قوله: {وَلا تَـحْسَبنَّ اللّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِـمُونَ} قال: هي وعيد للظالـم وتعزية للـمظلوم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إنَّـمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِـيَوْمٍ تَشْخصُ فِـيهِ الأبصار مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَـيْهِمْ طَرْفُهُمْ وأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}.

يقول تعالـى ذكره: إنـما يؤخر ربك يا مـحمد هؤلاء الظالـمين الذين يكذّبونك ويجحَدون نبوّتك، لـيوم تشخص فـيه الأبصار. يقول: إنـما يؤخِّر عقابَهم وإنزال العذاب بهم، إلـى يوم تشخَص فـيه أبصار الـخـلق وذلك يوم القـيامة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لِـيَوْم تَشْخَصُ فِـيهِ الأبْصَارُ} شخصت فـيه والله أبصارهم، فلا ترتدّ إلـيهم.

وأما قوله: {مُهْطِعِينَ} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي معناه فقال بعضهم: معناه: مسرعين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبـي سعيد الـمؤدّب، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير: {مُهْطِعِينَ} قال: النَّسَلان، وهو الـخبب أو ما دون الـخبب، شكّ أبو سعيد يخبون وهم ينظرون.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مُهْطِعِينَ} قال: مسرعين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مُهْطِعِينَ} يقول: منطلقـين عامدين إلـى الداعي.

وقال آخرون: معنى ذلك: مديـمي النظر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مُهْطِعِينَ} يعنـي بـالإهطاع: النظر من غير أن يطرف.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن سعيد بن مسروق، عن أبـي الضحى: {مُهْطِعِينَ} قال: الإهطاع: التـحميج الدائم الذي لا يَطْرِف.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن مغيرة، عن أبـي الـخير بن تـميـم بن حَذْلَـم، عن أبـيه، فـي قوله: {مُهْطِعِينَ} قال: الإهطاع: التـحميج.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {مُهْطِعِينَ} قال: شدّة النظر الذي لا يطرف.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا عمرو، قال: أخبرنا هُشَيـم، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {مُهْطِعِينَ} قال: شدة النظر فـي غير طَرْف.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مُهْطِعِينَ} الإهطاع: شدة النظر فـي غير طَرْف.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مُهْطِعِينَ} قال: مُديـمي النظر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا يرفع رأسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مُهْطِعِينَ} قال: الـمهطع الذي لا يرفع رأسه.

والإهطاع فـي كلام العرب بـمعنى الإسراع أشهر منه بـمعنى إدامة النظر، ومن الإهطاع بـمعنى الإسراع، قول الشاعر:

وبِـمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ زِمامَهُفـي رأسِ جذْعٍ مِنْ أراك مُشَذَّبِ

وقول الآخر:

بـمُسْتَهْطعٍ رَسْلٍ كأنَّ جَدِيـلَهُبقَيْدُومِ رَعْنٍ مِنْ صَوَامٍ مُـمَنَّعِ

وقوله: {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} يعنـي رافعي رؤوسهم. وإقناع الرأس: رفعه ومنه قول الشماخ:

يُبـاكِرْنَ العِضَاهَ بـمُقْنَعاتٍنَوَاجِذُهُنَّ كالـحَدَإِ الوَقـيعِ

يعنـي: أنهنّ يبـاكرن العضاه برؤوسهن مرفوعات إلـيها لتتناول منها، ومنه أيضاً قول الراجز:

أنْغَضَ نـحْوِي رأسَهْ وأقْنَعاكأنـمَا أبْصَرَ شَيْئاً أطْمَعا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مُقْنِعِي رُؤوسِهِمْ} قال: الإقناع: رفع رؤوسهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، وقال الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {مُقْنِعِي} قال: رافعيها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن أبـي سعد، قال: قال الـحسن: وجوه الناس يوم القـيامة إلـى السماء لا ينظر أحد إلـى أحد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن عثمان بن الأسود، أنه سمع مـجاهداً يقول فـي قوله: {مُهْطعينَ مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافع رأسه هكذا، {لاَ يَرْتَدُّ إلَـيهمْ طَرْفُهُمْ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافعي رؤوسهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: الإقناعُ رفع رؤوسهم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: الـمقنع الذي يرفع رأسه شاخصاً بصره لا يطرف.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافعيها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: الـمقنع الذي يرفع رأسه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافعي رؤوسهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبـي سعيد، عن سالـم، عن سعيد: {مُقْنِعِي رُؤوسِهمْ} قال: رافعي رؤوسهم.

وقوله: {لا يَرْتَدُّ إلَـيْهِمْ طَرْفُهُمْ} يقول: لا ترجع إلـيهم لشدّة النظر أبصارهم. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {لا يَرْتَدُّ إلَـيْهمْ طَرْفُهُمْ وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: شاخصة أبصارهم.

وقوله: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: متـخرّقة لا تعي من الـخير شيئاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، فـي قوله: {وأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: متـخرقة لا تعي شيئاً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا مالك بن مغول، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، بـمثل ذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، مثله.

حدثنا مـحمد بن عمارة، قال: ثنا سهل بن عامر، قال: ثنا مالك وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن مرّة: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: متـخرقة لا تعي شيئاً من الـخير.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا يحيى بن عبـاد، قال: ثنا مالك، يعنـي ابن مغول، قال: سمعت أبـا إسحاق، عن مرّة إلاَّ أنه قال: لا تعي شيئاً. ولـم يقل من الـخير.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن مرّة، مثله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مالك بن مغول، وإسرائيـل عن أبـي إسحاق، عن مرّة: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال أحدهما: خربة، وقال الآخر: متـخرقة لا تعي شيئاً.

حدثنـي مـحمد بن سعد قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: لـيس فـيها شيء من الـخير فهي كالـخربة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: لـيس من الـخير شيء فـي أفئدتهم، كقولك للبـيت الذي لـيس فـيه شيء إنـما هو هواء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد فـي قوله: {وأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: الأفئدة: القلوب هواء كما قال الله، لـيس فـيها عقل ولا منفعة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي بكرة، عن أبـي صالـح: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: لـيس فـيها شيء من الـخير.

وقال آخرون: إنها لا تستقرّ فـي مكان تردّد فـي أجوافهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: تـمور فـي أجوافهم، لـيس لها مكان تستقرّ فـيه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبـي سعيد، عن سالـم، عن سعيد بنـحوه.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنها خرجت من أماكنها فنَشِبَت بـالـحلوق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد الزبـيري، عن إسرائيـل، عن سعيد، عن مسروق عن أبـي الضحى: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: قد بلغت حناجرهم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: هواء لـيس فـيها شيء، خرجت من صدورهم فنشبت فـي حلوقهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ} انتزعت حتـى صارت فـي حناجرهم لا تـخرج من أفواههم، ولا تعود إلـى أمكنتها.

وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب فـي تأويـل ذلك قول من قال: معناه: أنها خالـية لـيس فـيها شيء من الـخير، ولا تعقل شيئاً وذلك أن العرب تسمي كلّ أجوف خاو: هواء ومنه قول حسَّان بن ثابت:

ألا أبْلِغْ أبـا سُفْـيانَ عَنّـيفأنْتَ مُـجَوَّفٌ نَـخِبٌ هَوَاءُ

ومنه قول الآخر:

وَلا تَكُ مِنْ أخْدانِ كُلّ يَراعةٍهَوَاءٍ كَسَقْبِ البـانِ جُوفٍ مَكاسِرُهْ

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: وأنذر يا مـحمد الناس الذين أرسلتك إلـيهم داعياً إلـى الإسلام ما هو نازل بهم، يوم يأتـيهم عذاب الله فـي القـيامة. {فَـيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَـمُوا} يقول: فـيقول الذين كفروا بربهم، فظلـموا بذلك أنفسهم: {رَبَّنا أخِّرْنا}: أي أخِّر عنا عذابك، وأمهلنا {إلـى أجَلٍ قَرِيبٍ نُـجِبْ دَعْوَتَكَ} الـحقّ، فنؤمن بك، ولا نشرك بك شيئاً {وَنَتَّبعِ الرُّسُلَ} يقولون: ونصدّق رسلك فنتبعهم علـى ما دعوتنا إلـيه من طاعتك واتبـاع أمرك.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {وأنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِـيهِمُ العَذَابُ} قال: يوم القـيامة {فَـيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ} قال: مدّة يعملون فـيها من الدنـيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتـيهِمُ العَذابُ} يقول: أنذرهم فـي الدنـيا قبل أن يأتـيهم العذاب.

وقوله: {فَـيَقُولُ الَّذِينَ ظَلـمُوا} رفع عطفـاً علـى قوله: {يَأَتـيهمُ} فـي قوله: {يأْتـيهمُ العَذَابُ} ولـيس بجواب للأمر، ولو كان جوابـاً لقوله: {وأنْذِرِ النَّاسَ} جاز فـيه الرفع والنصب. أما النصب فكما قال الشاعر:

يا نَاقَ سيرِي عَنَقا فَسِيحَاإلـى سُلَـيْـمانَ فَنَسْتَرِيحا

والرفع علـى الاستئناف. وذُكر عن العلاء بن سيابة أنه كان ينكر النصب فـي جواب الأمر بـالفـاء، قال الفراء: وكان العلاء هو الذي علَّـم معاذاً وأصحابه.

القول فـي تأويل قوله تعالـى: {أو لَـمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُـمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}. وهذا تقريع من الله تعالـى ذكره للـمشركين من قريش بعد أن دخـلوا النار بإنكارهم فـي الدنـيا البعث بعد الـموت. يقول لهم إذ سألوه رفع العذاب عنهم وتأخيرهم لـينـيبوا ويتوبوا: {أو لَـمْ تَكُونُوا} فـي الدنـيا {أقْسَمْتُـمْ منْ قَبْلُ ما لَكُمْ منْ زَوَالٍ} يقول: ما لكم من انتقال من الدنـيا إلـى الآخرة، وأنكم إنـما تـموتون، ثم لا تبعثون؟ كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: {أو لَـمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُـمْ منْ قَبْلُ} كقوله:

{ وأقْسَمُوا بـاللّهِ جَهْدَ أيـمَانِهمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَـمُوتُ بلـي }. ثم قال: {ما لَكُمْ منْ زَوَالٍ} قال: الانتقال من الدنـيا إلـى الآخرة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سلـمة وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {ما لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} قال: لا تـموتون لقريش.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن الـحكم، عن عمرو بن أبـي لـيـلـى أحد بنـي عامر، قال: سمعت مـحمد بن كعب القرظي يقول: بلغنـي، أو ذُكر لـي، أن أهل النار ينادون: {رَبَّنا أخِّرْنا إلـى أجَلٍ قَرِيبٍ نُـجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} فردّ علـيهم: {أو لَـمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُـمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُـمْ فِـي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَـمُوا أنْفُسَهُمْ}... إلـى قوله:

{ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ }

وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره: وسكنتـم فـي الدنـيا فـي مساكن الذين كفروا بـالله، فظلـموا بذلك أنفسهم من الأمـم التـي كانت قبلكم. {وتَبَـيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} يقول: وعلـمتـم كيف أهلكناهم حين عتوا علـى ربهم وتـمادوا فـي طغيانهم وكفرهم. {وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ} يقول: ومثَّلنا لكم فـيـما كنتـم علـيه من الشرك بـالله مقـيـمين الأشبـاه، فلـم تنـيبوا ولـم تتوبوا من كفركم، فـالآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم ما قد نزل بكم من العذاب، إن ذلك لغير كائن.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَسَكَنْتُـمْ فِـي مَساكنِ الَّذِينَ ظَلَـمُوا أنْفُسَهُمْ} يقول: سكن الناس فـي مساكن قوم نوح وعاد وثمود، وقرون بـين ذلك كثـيرة مـمن هلك من الأمـم. {وتَبَـيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ} قد والله بعث رسله، وأنزل كتبه، ضرب لكم الأمثال، فلا يصم فـيها إلاَّ أصمّ، ولا يخيب فـيها إلاَّ الـخائب، فـاعقلوا عن الله أمره.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَسَكَنْتُـمْ فِـي مَساكنِ الَّذِينَ ظَلَـمُوا أنْفُسَهُمْ وَتَبَـيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ} قال: سكنوا فـي قراهم مدين والـحجر والقرى التـي عذّب الله أهلها، وتبـين لكم كيف فعل الله بهم، وضرب لهم الأمثال.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {الأمْثالَ} قال: الأشبـاه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ۝٤٦

يقول تعالى ذكره: قد مكر هؤلاء الذين ظلـموا أنفسهم، فسكنتـم من بعدهم فـي مساكنهم، مَكْرَهم. وكان مكرهم الذي مكروا ما:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبـان قال: سمعت علـيًّا يقرأ: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ} قال: كان ملك فَرِه أخذ فروخ النسور، فعلفها اللـحم حتـى شبَّت واستعلـجت واستغلظت، فقعد هو وصاحبه فـي التابوت وربطوا التابوت بأرجل النسور، وعلقوا اللـحم فوق التابوت، فكانت كلـما نظرت إلـى اللـحم صعدت وصعدت، فقال لصاحبه: ما ترى؟ قال: أرى الـجبـال مثل الدخان، قال: ما ترى؟ قال: ما أرى شيئاً، قال: ويحك صوّب صوّب قال: فذلك قوله: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ}.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، عن عبد الرحمن بن واصل، عن علـيّ بن أبـي طالب، مثل حديث يحيى بن سعيد، وزاد فـيه: وكان عبد الله بن مسعود يقرؤها: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ}.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن أبـي عديّ، عن شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن واصل أن علـيًّا قال فـي هذه الآية: «وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ» قال: أخذ ذلك الذي حاجّ إبراهيـم فـي ربه نسرين صغيرين فرّبـاهما، ثم استغلظا واستعلـجا وشبَّـا قال: فأوثق رجل كلّ واحد منهما بوتد إلـى تابوت، وجوّعهما، وقعد هو ورجل آخر فـي التابوت، قال: ورفع فـي التابوت عصا علـى رأسه اللـحم، قال: فطارا، وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى؟ قال: أرى كذا وكذا، حتـى قال: أرى الدنـيا كأنها ذبـاب، فقال: صوّب العصا فصوّبها فهبطا. قال: فهو قول الله تعالـى: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ} قال أبو إسحاق: وكذلك فـي قراءة عبد الله: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجبـالُ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: «وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ» مكر فـارس. وزعم أن بختنصر خرج بنسور، وجعل له تابوتاً يدخـله، وجعل رماحاً فـي أطرافها واللـحم فوقها أراه قال: فعلت تذهب نـحو اللـحم حتـى انقطع بصره من الأرض وأهلها، فنودي: أيها الطاغية أين تريد؟ ففرِق، ثم سمع الصوت فوقه، فصوّب الرماح، فتصوّبت النسور، ففزعت الـجبـال من هدّتها، وكادت الـجبـال أن تزول منه من حسّ ذلك، فذلك قوله: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعنْدَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ} كذا قرأها مـجاهد: {كادَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} وقال: إن بعض من مضى جوّع نسوراً، ثم جعل علـيها تابوتاً فدخـله، ثم جعل رماحاً فـي أطرافها لـحم، فجعلت ترى اللـحم فتذهب، حتـى انتهى بصره، فنودي: أيها الطاغية أين تريد؟ فصوّب الرّماح، فتصوّبت النسور، ففزعت الـجبـال، وظنَّت أن الساعة قد قامت، فكادت أن تزول، فذلك قوله تعالـى: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ}.

قال ابن جريج: أخبرنـي عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن عمر بن الـخطاب، أنه كان يقرأ: {وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْه الـجِبـالُ}.

حدثنـي هذا الـحديث أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، أنه كان يقرأ علـى نـحو: {لَتَزُولُ} بفتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن عبد الرحمن بن دانـيـل قال: سمعت علـيًّا يقول: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الرحمن بن دانـيـل، قال: سمعت علـيًّا يقول: {وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} قال: ثم أنشأ علـيّ يحدّث فقال: نزلت فـي جبَّـار من الـجبـابرة قال: لا أنتهي حتـى أعلـم ما فـي السماء، ثم اتـخذ نسوراً فجعل يطعمها اللـحم حتـى غلظت واستعلـجت واشتدّت، وذكر مثل حديث شعبة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود الـحضرمي، عن يعقوب، عن حفص بن حميد أو جعفر، عن سعيد بن جبـير: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ} قال: نـمرود صاحب النسور، أمر بتابوت فجعل وجعل معه رجلاً، ثم أمر بـالنسور فـاحتـمل، فلـما صعد قال لصاحبه: أيّ شيء ترى؟ قال: أرى الـماء وجزيرة يعنـي الدنـيا ثم صعد فقال لصاحبه: أيّ شيء ترى؟ قال: ما نزداد من السماء إلاَّ بُعداً، قال: اهبط وقال غيره: نودي أيها الطاغية أين تريد؟ قال: فسمعت الـجبـال حفـيف النسور، فكانت ترى أنها أمر من السماء، فكادت تزول، فهو قوله: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس، أن أنساً كان يقرأ: {وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ}.

وقال آخرون: كان مكرهم شركهم بـالله وافتراءهم علـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} يقول: شركهم، كقوله:

{ تَكادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ }

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ} قال: هو كقوله:

{ وَقالُوا اتَّـخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُـمْ شَيْئاً إدًّا تَكاد السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَـخِرُّ الـجبـالُ هَدًّا }

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ} ثم ذكر مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الـحسن كان يقول: كان أهون علـى الله وأصغر من أن تزول منه الـجبـال، يصفهم بذلك. قال قتادة: وفـي مصحف عبد الله بن مسعود: {وإنْ كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ}، وكان قتادة يقول عند ذلك:

{ { تَكادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَـخِرُّ الـجِبـالُ هَدًّا } } : أي لكلامهم ذلك.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجبـالُ} قال ذلك حين دعوا لله ولداً. وقال فـي آية أخرى:

{ تَكادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَـخِرُّ الـجِبـالُ هَدًّا أنْ دَعَوْا للرَّحْمَنِ وَلَدًا }

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} فـي حرف ابن مسعود: {وإنْ كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ} هو مثل قوله:

{ { تَكادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَـخِرُّ الـجِبـالُ هَدًّا } }

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـحجاز والـمدينة والعراق ما خلا الكسائي: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} بكسر اللام الأولـى وفتـح الثانـية، بـمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال. وقرأه الكسائي: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ} بفتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية علـى تأويـل قراءة من قرأ ذلك: {وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ} من الـمتقدمين الذين ذكرت أقوالهم، بـمعنى: اشتدّ مكرهم حتـى زالت منه الـجبـال، أو كادت تزول منه. وكان الكسائيّ يحدّث عن حمزة، عن شبل عن مـجاهد، أنه كان يقرأ ذلك علـى مثل قراءته: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجبـالُ} برفع تزول.

حدثنـي بذلك الـحارث عن القاسم عنه.

والصواب من القراءة عندنا، قراءة من قرأه: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} بكسر اللام الأولـى وفتـح الثانـية، بـمعنى: وما كان مكرههم لتزول منه الـجبـال.

وإنـما قلنا ذلك هو الصواب، لأن اللام الأولـى إذا فُتـحت، فمعنى الكلام: وقد كان مكرهم تزول منه الـجبـال، ولو كانت زالت لـم تكن ثابتة، وفـي ثبوتها علـى حالتها ما يبـين عن أنها لـم تزُل. وأخرى إجماع الـحجة من القرّاء علـى ذلك، وفـي ذلك كفـاية عن الاستشهاد علـى صحتها وفساد غيرها بغيره.

فإن ظنّ ظانّ أن ذلك لـيس بإجماع من الـحجة إذ كان من الصحابة والتابعين من قرأ ذلك كذلك، فإن الأمر بخلاف ما ظنّ فـي ذلك، وذلك أن الذين قرءوا ذلك بفتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية قرءوا: {وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ} بـالدال، وهي إذا قرئت كذلك، فـالصحيح من القراءة مع: {وَإنْ كادَ} فتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية علـى ما قرءوا، وغير جائز عندنا القراءة كذلك، لأن مصاحفنا بخلاف ذلك، وإنـما خطّ مصاحفنا وإن كان بـالنون لا بـالدال. وإذا كانت كذلك، فغير جائز لأحد تغيـير رسم مصاحف الـمسلـمين، وإذا لـم يجز ذلك لـم يكن الصحاح من القراءة إلاَّ ما علـيه قرّاء الأمصار دون من شذّ بقراءته عنهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ} قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكرهُم وَعِنْدَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الـحسن، فـي قوله: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} ما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن، قال: ما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن يونس وعمرو، عن الـحسن: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ منْهُ الـجِبـالُ} قالا: وكان الـحسن يقول: وإن كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن تزول منه الـجبـال.

قال: قال هارون: وأخبرنـي يونس، عن الـحسن قال: أربع فـي القرآن: {وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ}: ما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال. وقوله:

{ { لاتَّـخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إنْ كُنَّا فـاعِلِـينَ } }: ما كنا فـاعلـين. وقوله: { إنْ كانَ للرَّحْمَنِ وَلَدٌ فأنا أوَّلُ العابِدِينَ }: ما كان للرحمن ولد. وقوله: { { وَلَقَدْ مَكَنَّاهُمْ فِـيـما إنْ مَكَّنَّاكُمْ } }: ما مكناكم فـيه.

قال: هارون: وحدثنـي بهنّ عمرو بن أسبـاط، عن الـحسن، وزاد فـيهنّ واحدة:

{ { فإنْ كُنْتَ فِـي شَكّ } }: {ما كنت فـي شكّ {مِـمَّا أنْزَلْنا إلَـيْكَ}.

فـالأولـى من القول بـالصواب فـي تأويـل الآية، إذ كانت القراءة التـي ذكرت هي الصواب لـما بـيَّنا من الدلالة فـي قوله: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ الله مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ} وقد أشرك الذين ظلـموا أنفسهم بربهم وافتروا علـيه فريتهم علـيه، وعند الله علـم شركهم به وافترائهم علـيه، وهو معاقبهم علـى ذلك عقوبتهم التـي هم أهلها، وما كان شركهم وفريتهم علـى الله لتزول منه الـجبـال، بل ما ضرّوا بذلك إلاَّ أنفسهم، ولا عادت بغية مكروهة إلاَّ علـيهم.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا وكيع بن الـجرّاح، قال: ثنا الأعمش، عن شِمر، عن علـيّ، قال: الغدر مكر، والـمكر كفر.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ