انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

تفسير القرطبيالآيات 15–33

تفسير سورة سبإ آية آية، من تفسير القرطبي.

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝١٥

قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} قرأ نافع وغيره بالصرف والتنوين على أنه اسم حَيٍّ، وهو في الأصل اسم رجل؛ جاء بذلك التوقيف عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. روى الترمذِيّ قال: حدّثنا أبو كُريب وعبد بن حُميد قالا حدّثنا أبو أسامة عن الحسن بن الحكم النخعيّ قال: حدّثنا أبو سَبْرة النّخعيّ

عن فَروة بن مُسيك المرادي قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؛ فأذِن لي في قتالهم وأمرني؛ فلما خرجت من عنده سأل عني: «ما فعل الغُطَيفِيّ»؟ فأخبِر أني قد سِرت، قال: فأرسل في أثري فردّني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: «ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك؛ قال: وأنزل في سبأ ما أنزل؛ فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا بامرأة ولكنه رجل ولَد عشرة من العرب فتيامَن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة. فأما الذين تشاءموا فَلخْم وجُذام وغَسّان وعاملة. وأما الذين تيامَنوا فالأْزد والأشعرِيُّون وحِمْير وكِنْدة ومَذْحِج وأنمار. فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خَثْعم وبِجَيلة». وروي هذا عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «لِسَبَأَ» بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة، وهو اختيار أبي عبيد، واستدل على أنه اسم قبيلة بأن بعده «فِي مَسَاكِنِهم». النحاس: ولو كان كما قال لكان في مساكنها. وقد مضى في «النمل» زيادة بيان لهذا المعنى. وقال الشاعر في الصرف:

الواردون وتَيْمٌ في ذُرى سبأقد عضّ أعناقَهُم جِلدُ الجواميس

وقال آخر في غير الصرف:

من سَبَأَ الحاضرين مأرِبَ إذيَبْنُون من دون سَيْلها العَرِما

وقرأ قُنْبُل وأبو حَيْوَة والجَحْدَرِيّ «لسَبَأ» بإسكان الهمزة. «فِي مَسَاكِنِهِمْ» قراءة العامة على الجمع، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ لأن لهم مساكن كثيرة وليس بمسكن واحد. وقرأ إبراهيم وحمزة وحفص «مسكنِهِم» موحَّداً، إلا أنهم فتحوا الكاف. وقرأ يحيـى والأعمش والكسائيّ موحَّداً كذلك، إلا أنهم كسروا الكاف. قال النحاس: والساكن في هذا أبين؛ لأنه يجمع اللفظ والمعنى، فإذا قلت: «مسكنهم» كان فيه تقديران: أحدهما: أن يكون واحداً يؤدي عن الجمع. والآخر: أن يكون مصدراً لا يثنَّى ولا يُجمع؛ كما قال الله تعالى: { خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ }[البقرة: 7] فجاء بالسمع موحَّداً. وكذا { مَقْعَدِ صِدْقٍ }[القمر: 55] و«مَسْكِن» مثل مسجد، خارج عن القياس، ولا يوجد مثله إلا سماعاً. {آيَةٌ} اسم كان، أي علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقاً خلقهم، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يُخرجوا من الخشبة ثمرة لم يمكنهم ذلك، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر. {جَنَّتَانِ} يجوز أن يكون بدلاً من «آية»، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، فيوقف على هذا الوجه على «آية» وليس بتمام. قال الزجاج: أي الآية جنتان، فجنتان رفع لأنه خبر ابتداء محذوف. وقال الفراء: رفع تفسيراً للآية، ويجوز أن تنصب «آية» على أنها خبر كان، ويجوز أن تنصب الجنتين على الخبر أيضاً في غير القرآن. وقال عبد الرحمن بن زيد: إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة قطُّ ولا ذباباً ولا بُرغُوثاً ولا قملة ولا عقرباً ولا حية ولا غيرها من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب فإذا نظروا إلى بيوتهم ماتت الدواب. وقيل: إن الآية هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسهما مِكتل فيمتلىء من أنواع الفواكه من غير أن تمسها بيدها؛ قاله قتادة. وروي أن الجنتين كانتا بين جبلين باليمن. قال سفيان: وُجد فيهما قصران مكتوب على أحدهما: نحن بنينا سَلْحِين في سبعين خريفاً دائبين، وعلى الآخر مكتوب: نحن بنينا صِرْواح، مَقِيل ومَراح؛ فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن شماله. قال القشيريّ: ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجنتين يَمنة ويَسرة؛ أي كانت بلادهم ذات بساتين وأشجار وثمار؛ تستتر الناس بظلالها. {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ} أي قيل لهم كلوا، ولم يكن ثمّ أمر، ولكنهم تمكنوا من تلك النعم. وقيل: أي قالت الرسل لهم قد أباح الله تعالى لكم ذلك؛ أي أباح لكم هذه النعم فاشكروه بالطاعة. {مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ} أي من ثمار الجنتين. {وَٱشْكُرُواْ لَهُ} يعني على ما رزقكم. {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} هذا كلام مستأنف؛ أي هذه بلدة طيبة أي كثيرة الثمار. وقيل: غير سبخة. وقيل: طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها. قال مجاهد: هي صنعاء. {وَرَبٌّ غَفُورٌ} أي والمنعم بها عليكم ربّ غفور يستر ذنوبكم، فجمع لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ولم يجمع ذلك لجميع خلقه. وقيل: إنما ذكر المغفرة مشيراً إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقد مضى القول في هذا في أوّل «البقرة». وقيل: إنما امتَنّ عليهم بعفوه عن عذاب الاستئصال بتكذيب من كذبوه من سالف الأنبياء إلى أن استداموا الإصرار فاستؤصلوا.

فَأَعْرَضُوا۟ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ۝١٦

قوله تعالى: {فَأَعْرَضُواْ} يعني عن أمره واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين. قال السُّدّي ووهب: بعث إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيًّا فكذبوهم. قال القُشيرِيّ: وكان لهم رئيس يلقّب بالحمار، وكانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وقيل: كان له ولد فمات فرفع رأسه إلى السماء فبزق وكفر؛ ولهذا يقال: أكفر من حمار. وقال الجوهريّ: وقولهم «أكفر من حمار» هو رجل من عادٍ مات له أولاد فكفر كفراً عظيماً، فلا يمرّ بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه وإلا قتله. ثم لما سال السيل بجنتيهم تفرّقوا في البلاد؛ على ما يأتي بيانه. ولهذا قيل في المثل: «تفرّقوا أيادي سَبَا». وقيل: الأَوْس والخزرج منهم. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} والعرِم فيما روي عن ابن عباس: السَّد؛ فالتقدير: سَيل السَّد العَرِم. وقال عطاء: العرم اسم الوادي. قتادة: العرم وادي سبأ؛ كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية، قيل من البحر وأودية اليمن؛ فردموا ردماً بين جبلين وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، فكانوا يسقون من الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث على قدر حاجاتهم؛ فأخصبوا وكَثُرت أموالهم، فلما كذبوا الرسل سلّط الله عليهم الفأر فنقب الردم. قال وهب: كانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرّب سدّهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا إلى جانبها هرّة؛ فلما جاء ما أراد الله تعالى بهم أقبلت فأرة حمراء إلى بعض تلك الهِرر فساورتها حتى استأخرت عن الصخرة ثم وثبت ودخلت في الفرجة التي كانت عندها ونقبت السَّد حتى أوهنته للسيل وهم لا يدرون؛ فلما جاء السيل دخل تلك الخلل حتى بلغ السد وفاض الماء على أموالهم فغرَّقها ودفن بيوتهم. وقال الزجاج: العَرِم اسم الجُرَذ الذي نقب السِّكْر عليهم، وهو الذي يقال له الخُلد ـ وقاله قتادة أيضاً ـ فنسب السيل إليه لأنه بسببه. وقد قال ابن الأعرابي أيضاً: العَرِم من أسماء الفأر. وقال مجاهد وابن أبي نَجيح: العَرِم ماء أحمر أرسله الله تعالى في السَّد فشقه وهدمه. وعن ابن عباس أيضاً أن العَرِم المطر الشديد. وقيل العَرْم بسكون الراء. وعن الضحاك كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وقال عمرو بن شُرَحْبيل: العرم المُسَنّاة؛ وقاله الجوهريّ، قال ولا واحد لها من لفظها، ويقال واحدها عَرِمة. وقال محمد بن يزيد: العَرِم كل شيء حاجز بين شيئين، وهو الذي يسمى السِّكْر، وهو جَمع عرِمة. النحاس: وما يجتمع من مطر بين جبلين وفي وجهه مُسَنّاة فهو العَرِم، والمُسَنّاة هي التي يسميها أهل مصر الجسر؛ فكانوا يفتحونها إذا شاؤوا فإذا رَويت جنتاهم سدّوها. قال الهَرَوِيّ: المُسَنّاة الضفيرة تبنى للسيل تردّه، سُمّيت مُسَنّاةً لأن فيها مفاتح الماء. وروي أن العرم سدّ بنته بِلْقِيس صاحبة سليمان عليه الصلاة والسلام، وهو المسنّاة بلغة حِمير، بنته بالصخر والقار، وجعلت له أبواباً ثلاثة بعضها فوق بعض، وهو مشتق من العرامة وهي الشدّة، ومنه: رجل عارم، أي شديد، وعَرَمت العظم أعرِمه وأعرُمه عَرْماً إذا عَرَقته، وكذلك عَرَمت الإبل الشجر أي نالت منه. والعُرام بالضم: العراق من العظم والشجر. وتعرّمت العظم تعرّقته. وصبيّ عارم بَيِّن العُرام (بالضم) أي شَرِس. وقد عرم يعرم ويعرم عرامة (بالفتح). والعَرِم العارم؛ عن الجوهريّ.

قوله تعالى: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّاتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} وقرأ أبو عمرو (أُكُلِ خَمْطٍ) بغير تنوين مضافاً. قال أهل التفسير والخليل: الخمط الأراك. الجوهري: الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل. وقال أبو عبيدة: هو كل شجر ذي شوك فيه مرارة. الزجاج: كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله. المبرّد: الخمط كل ما تغيّر إلى ما لا يشتهي. واللبن خَمْط إذا حَمُض. والأوْلى عنده في القراءة «ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ» بالتنوين على أنه نعت لـ«ـأكُل» أو بدل منه؛ لأن الأكل هو الخمط بعينه عنده، فأما الإضافة فباب جوازها أن يكون تقديرها ذواتي أكل حموضة أو أكل مرارة. وقال الأخفش: والإضافة أحسن في كلام العرب؛ نحو قولهم: ثوبُ خَزٍّ. والخمط: اللبن الحامض. وذكر أبو عبيد أن اللبن إذا ذهب عنه حلاوة الحلَب ولم يتغيّر طعمه فهو سامط، وإن أخذ شيئاً من الريح فهو خامط وخميط، فإن أخذ شيئاً من طعمٍ فهو مُمَحَّل، فإذا كان فيه طعم الحلاوة فهو فُوَّهة. وتخمَّط الفحل: هَدَر. وتخمّط فلان أي غضب وتكبّر. وتخمّط البحر أي التطم. وخَمَطت الشاة أخمِطها خَمْطاً: إذا نزعت جلدها وشويتها فهي خميط، فإن نزعت شعرها وشويتها فهي سميط. والخَمْطة: الخمر التي قد أخذت رِيح الإدراك كرِيح التّفاح ولم تُدْرِك بعدُ. ويقال هي الحامضة؛ قاله الجوهريّ. وقال القُتَبِيّ في أدب الكاتب. يقال للحامضة خمطة، ويقال: الخمطة التي قد أخذت شيئاً من الريح؛ وأنشد:

عُقارٌ كماء النِّيء ليست بخمطةولا خَلّةٍ يكْوِي الشُّروبَ شِهابُها

{وَأَثْلٍ} قال الفرّاء: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولاً؛ ومنه اتخذ مِنبَرُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وللأثل أصول غليظة يتخذ منه الأبواب، وورقه كورق الطرفاء، الواحدة أثلة والجمع أثَلاث. وقال الحسن: الأثل الخشب. قتادة: هو ضرب من الخشب يشبه الطرفاء رأيته بفَيْد. وقيل هو السَّمُر. وقال أبو عبيدة: هو شجر النُّضار. النضار: الذهب. والنضار: خشب يعمل منه قصاع، ومنه: قدح نضار. {وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} قال الفَرّاء: هو السَّمُر؛ ذكره النحاس. وقال الأزهري: السِّدر من الشجر سِدران: بريّ لا يُنتفع به ولا يصلح ورقه للغَسُول وله ثمر عَفِص لا يؤكل، وهو الذي يسمى الضّال. والثاني: سِدْر ينبت على الماء وثمره النَّبق وورقه غسَول يشبه شجر العُنّاب. قال قتادة: بينما شجر القوم من خير شجر إذ صيّره الله تعالى من شرّ الشجر بأعمالهم، فأهلك أشجارهم المثمرة وأنبت بدلها الأراك والطَّرفاء والسِّدْر. القُشَيْريّ: وأشجار البوادي لا تسمى جنة وبستاناً ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الأولى أطلق لفظ الجنة، وهو كقوله تعالى: { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [الشورى: 40]. ويحتمل أن يرجع قوله «قَلِيلٍ» إلى جملة ما ذُكر من الخَمْط والأَثْل والسِّدر.

ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِمَا كَفَرُوا۟ وَهَلْ نُجَٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ ۝١٧

قوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} أي هذا التبديل جزاء كفرهم. وموضع «ذلك» نصب؛ أي جزيناهم ذلك بكفرهم. {وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكفُورُ} قراءة العامة «يُجَازَى» بياء مضمومة وزاي مفتوحة، «الكَفورُ» رفعاً على ما لم يُسمّ فاعله. وقرأ يعقوب وحفص وحمزة والكسائيّ: «نُجازِي» بالنون وكسر الزاي، «الكفورَ» بالنصب، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لأن قبله «جَزَيْنَاهُمْ» ولم يقل جُوزُوا. النحاس: والأمر في هذا واسع، والمعنى فيه بيّن، ولو قال قائل: خلق الله تعالى آدم صلى الله عليه وسلم من طين، وقال آخر: خُلق آدم من طين، لكان المعنى واحداً.

مسألة: في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشدّ منه، وهو أن يقال: لم خصّ الله تعالى المجازاة بالكفور ولم يذكر أصحاب المعاصي؟ فتكلم العلماء في هذا؛ فقال قوم: ليس يُجازَى بهذا الجزاء الذي هو الاصطلام والإهلاك إلا من كفر. وقال مجاهد: يجازي بمعنى يعاقب؛ وذلك أن المؤمن يكفِّر الله تعالى عنه سيئاته، والكافر يجازَى بكل سوءٍ عمِله؛ فالمؤمن يُجْزَى ولا يُجَازَى لأنه يثاب. وقال طاوس: هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب. وقال قُطْرُب خلاف هذا، فجعلها في أهل المعاصي غير الكفار، وقال: المعنى على من كفر بالنعم وعمل بالكبائر. النحاس: وأولى ما قيل في هذه الآية وأجلّ ما روي فيها: أن الحسن قال مِثْلاً بمثل.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حوسب هلك» فقلت: يا نبيّ الله، فأين قوله جلّ وعزّ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 8]؟ قال: «إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك». وهذا إسناد صحيح، وشرحه: أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمِل من خير؛ ويبيّن هذا قوله تعالى في الأوّل: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} وفي الثاني: «وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكَفُورُ» ومعنى «يُجَازَى»: يكافأ بكل عَمَل عَمِله، ومعنى «جزيناهم». وفَّيناهم؛ فهذا حقيقة اللغة، وإن كان «جازى» يقع بمعنى «جزى» مجازاً.

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَٰهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ۝١٨

قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} قال الحسن: يعني بين اليمن والشأم. والقُرَى التي بورك فيها: الشام والأُرْدُنّ وفِلَسْطين. والبركة: قيل إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء. ويحتمل أن يكون «بَارَكْنَا فِيهَا» بكثرة العدد. {قُرًى ظَاهِرَةً} قال ابن عباس: يريد بين المدينة والشام. وقال قتادة: معنى «ظَاهِرَةً»: متصلة على طريق، يغدون فَيقِيلون في قرية ويروحون فيبيتون في قرية. وقيل: كان على كل مِيل قريةٌ بسوق، وهو سبب أمن الطريق. قال الحسن: كانت المرأة تخرج معها مِغْزَلها وعلى رأسها مِكْتَلُها ثم تلتهي بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مِكْتَلها من كل الثمار، فكان ما بين الشام واليمن كذلك. وقيل «ظَاهِرَةً» أي مرتفعة، قاله المبرد. وقيل: إنما قيل لها «ظَاهرَةً» لظهورها، أي إذا خرجْتَ عن هذه ظهرت لك الأخرى، فكانت قرى ظاهِرة أي معروفة، يقال: هذا أمر ظاهر أي معروف. {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سَيْراً مقدّراً من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية، أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى. وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أينما أراد. {سِيرُواْ فِيهَا} أي وقلنا لهم سيروا فيها، أي في هذه المسافة فهو أمر تمكين، أي كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين، فهو أمر بمعنى الخبر، وفيه إضمار القول. {لَيَالِيَ وَأَيَّاماً} ظرفان {آمِنِينَ } نصب على الحال. وقال: «لَيَالِيَ وَأَيَّاماً» بلفظ النكرة تنبيهاً على قِصر أسفارهم؛ أي كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه. قال قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظِماء، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضاً، ولو لقي الرجلُ قاتِلَ أبيه لا يحرّكه.

فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝١٩

قوله تعالى: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} لما بَطِروا وطغَوْا وسئموا الراحة ولم يصبروا على العافية تمنوْا طول الأسفار والكَدْح في المعيشة؛ كقول بني إسرائيل:

{ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا }[البقرة: 61] الآية. وكالنضر بن الحارث حين قال: { ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [الأنفال: 32] فأجابه الله تبارك وتعالى، وقُتل يوم بدر بالسيف صَبْراً؛ فكذلك هؤلا تبدّدوا في الدنيا ومُزّقوا كل مُمَزَّق، وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل ويتزودون الأزواد. وقراءة العامة «رَبَّنَا» بالنصب على أنه نداء مضاف، وهو منصوب لأنه مفعول به، لأن معناه: نادَيْت ودعَوْت. «بَاعِدْ» سألوا المباعدة في أسفارهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيْصِن وهشام عن ابن عامر: «رَبَّنا» كذلك على الدعاء «بَعَد» من التبعيد. النحاس: وباعد وبعّد واحد في المعنى، كما تقول: قارب وقرّب. وقرأ أبو صالح ومحمد بن الحنفية وأبو العالية ونصر ابن عاصم ويعقوب، ويروى عن ابن عباس: «رَبُّنَا» رفعاً «باعَدَ» بفتح العين والدال على الخبر، تقديره: لقد باعد ربّنا بين أسفارنا، كأن الله تعالى يقول: قَرَّبنا لهم أسفارهم فقالوا أَشَراً وبَطَراً: لقد بُوعدت علينا أسفارنا. واختار هذه القراءة أبو حاتم قال: لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب بَطَراً وعجباً مع كفرهم. وقراءة يحيـى بن يَعْمر وعيسى بن عمر وتروى عن ابن عباس «رَبَّنَا بَعّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا» بشدّ العين من غير ألف، وفسرها ابن عباس قال: شكوْا أن ربهم باعد بين أسفارهم. وقراءة سعيد بن أبي الحسن أخي الحسن البصري «رَبَّنَا بَعُدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا». «رَبَّنَا» نداء مضاف، ثم أخبروا بعد ذلك فقالوا: «بَعُدْ بينُ أَسْفَارِنَا» ورفع «بين» بالفعل، أي بعد ما يتصل بأسفارنا. وروى الفراء وأبو إسحاق قراءة سادسة مثل التي قبلها في ضم العين إلا أنك تنصب «بين» على ظرف، وتقديره في العربية: بعد سيرنا بين أسفارنا. النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها، ولكن خبّر عنهم أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم بَطَراً وأَشراً، وخبّر عنهم أنهم لما فعل ذلك بهم خبروا به وشكوْا، كما قال ابن عباس. {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي بكفرهم {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي يُتحدّث بأخبارهم، وتقديره في العربية: ذوي أحاديث. {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي لما لحقهم ما لحقهم تفرقوا وتمزقوا. قال الشعبيّ: فلحقت الأنصار بيَثْرِب، وغسّان بالشام، والأسد بعُمَان، وخُزاعة بتِهامة، وكانت العرب تضرب بهم المثل فتقول: تفرقوا أيدي سبا وأيادي سبأ، أي مذاهب سبأ وطرقها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} الصبار الذي يصبر عن المعاصي، وهو تكثير صابر يمدح بهذا الاسم. فإن أردت أنه صَبَر عن المعصية لم يستعمل فيه إلا صبار عن كذا. {شَكُورٍ } لنعمه؛ وقد مضى هذا المعنى في «البقرة».

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٢٠

قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} فيه أربع قراءات: قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويروى عن مجاهد، «ولَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ» بالتخفيف «إبليسُ» بالرفع «ظَنَّهُ» بالنصب؛ أي في ظنه. قال الزجاج: وهو على المصدر؛ أي صدق عليهم ظنًّا ظنه إذ صدق في ظنه؛ فنصب على المصدر أو على الظرف. وقال أبو عليّ: «ظنَّه» نصب لأنه مفعول به؛ أي صدق الظن الذي ظنه إذ قال:

{ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }[الأعراف: 16] وقال: { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }[صۤ: 82] و[الحجر: 39]؛ ويجوز تعدية الصدق إلى المفعول به، ويقال: صدق الحديثَ، أي في الحديث. وقرأ ابن عباس ويحيـى بن وثّاب والأعمش وعاصم وحمزة والكسائيّ: «صدّق» بالتشديد «ظنَّه» بالنصب بوقوع الفعل عليه. قال مجاهد: ظن ظناً فكان كما ظن فصدق ظنه. وقرأ جعفر بن محمد وأبو الهجهاج «صدَق عليهم» بالتخفيف «إبليسَ» بالنصب «ظنُّه» بالرفع. قال أبو حاتم: لا وجه لهذه القراءة عندي، والله تعالى أعلم. وقد أجاز هذه القراءة الفرّاء وذكرها الزجاج وجعل الظن فاعل «صدق» «إبليسَ» مفعول به؛ والمعنى: أن إبليس سوّل له ظنه فيهم شيئاً فصدق ظنه، فكأنه قال: ولقد صدّق عليهم ظن إبليسَ. و«على» متعلقة بـ«صدق»، كما تقول: صدقت عليك فيما ظننته بك، ولا تتعلق بالظن لاستحالة تقدم شيء من الصلة على الموصول. والقراءة الرابعة: «وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبليسُ ظَنُّهُ» برفع إبليس والظن، مع التخفيف في «صدق» على أن يكون ظنه بدلاً من إبليس وهو بدل الاشتمال. ثم قيل: هذا في أهل سبأ، أي كفروا وغيّروا وبدّلوا بعد أن كانوا مسلمين إلا قوماً منهم آمنوا برسلهم. وقيل: هذا عام، أي صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله تعالى؛ قاله مجاهد. وقال الحسن: لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة ومعه حوّاء وهبط إبليس قال إبليس: أمّا إذ أصبتُ من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف! فكان ذلك ظناً من إبليس، فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ}. وقال ابن عباس: إن إبليس قال: خُلقت من نار وخُلق آدم من طين والنار تحرق كل شيء « { لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً }» [الإسراء:62] فصدق ظنه عليهم. وقال زيد بن أسلم: إن إبليس قال يا رب أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم وشرّفتهم وفضّلتهم عليّ لا تجد أكثرهم شاكرين، ظناً منه فصدق عليهم إبليس ظنه. وقال الكلبي: إنه ظن أنه إن أغواهم أجابوه وإن أضلهم أطاعوه، فصدق ظنه. {فَٱتَّبَعُوهُ} قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصا وإنما ظن ظناً فكان كما ظن بوسوسته. {إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} نصب على الاستثناء، وفيه قولان: أحدهما أنه يراد به بعض المؤمنين، لأن كثيراً من المؤمنين من يذنب وينقاد لإبليس في بعض المعاصي، أي ما سلم من المؤمنين أيضاً إلا فريق وهو المعني بقوله تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }[الإسراء: 42]. فأما ابن عباس فعنه أنه قال: هم المؤمنون كلهم، فـ«ـمن» على هذا للتبيين لا للتبعيض، فإن قيل: كيف علم إبليس صدق ظنه وهو لا يعلم الغيب؟ قيل له: لما نفذ له في آدم ما نفذ غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ذلك في ذريته، وقد وقع له تحقيق ما ظن. وجواب آخر وهو ما أجيب من قوله تعالى: { وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } [الإسراء: 64] فأعطي القوة والاستطاعة، فظن أنه يملكهم كلهم بذلك، فلما رأى أنه تاب على آدم وأنه سيكون له نسل يتبعونه إلى الجنة وقال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } علم أن له تبعاً ولآدم تبعاً؛ فظن أن تبعه أكثر من تبع آدم، لما وُضع في يديه من سلطان الشهوات، ووضعت الشهوات في أجواف الآدميين، فخرج على ما ظن حيث نفخ فيهم وزيّن في أعينهم تلك الشهوات، ومدّهم إليها بالأماني والخدائع، فصدق عليهم الظن الذي ظنه، والله أعلم.

وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ ۝٢١

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي لم يَقْهَرهم إبليس على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والتزيين. والسلطان: القوّة. وقيل الحجة، أي لم تكن له حجة يستتبعهم بها، وإنما اتبعوه بشهوة وتقليد وهوى نفس؛ لا عن حجة ودليل. {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ} يريد علم الشهادة الذي يقع به الثواب والعقاب، فأما الغيب فقد علمه تبارك وتعالى. ومذهب الفرّاء أن يكون المعنى: إلا لنعلم ذلك عندكم؛ كما قال:

{ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } [النحل: 27] على قولكم وعندكم، وليس قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} جوابَ {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} في ظاهره إنما هو محمول على المعنى؛ أي وما جعلنا له سلطاناً إلا لنعلم، فالاستثناء منقطع، أي لا سلطان له عليهم ولكنا ابتليناهم بوسوسته لنعلم، فـ«ـإلا» بمعنى لكن. وقيل هو متصل، أي ما كان له عليهم من سلطان، غير أنّا سلّطناه عليهم ليتم الابتلاء. وقيل: «كَانَ» زائدة؛ أي وما له عليهم من سلطان، كقوله: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [آل عمران: 110] أي أنتم خير أمّة. وقيل: لما اتصل طرف منه بقصة سبأ قال: وما كان لإبليس على أولئك الكفار من سلطان. وقيل: وما كان له في قضائنا السابق سلطان عليهم. وقيل: «إِلاَّ لِنَعْلَمَ» إلا لنظهر، وهو كما تقول: النار تحرق الحطب، فيقول آخر لا بل الحطب يحرق النار؛ فيقول الأول تعال حتى نجرّب النار والحطب لنعلم أيهما يحرق صاحبه، أي لنظهر ذلك وإن كان معلوماً لهم ذلك. وقيل: إلا لتعلموا أنتم. وقيل: أي ليعلم أولياؤنا والملائكة؛ كقوله: { إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } [المائدة: 33] أي يحاربون أولياء الله ورسوله. وقيل: أي ليميز؛ كقوله: { لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ } [الأنفال: 37] وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. وقرأ الزهري: «إِلاّ لِيُعْلَمَ» على ما لم يسم فاعله. {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} أي أنه عالم بكل شيء. وقيل: يحفظ كل شيء على العبد حتى يجازيه عليه.

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ۝٢٢

قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي هذا الذي مضى ذكره من أمر داود وسليمان وقصة سبأ من آثار قدرتي، فقل يا محمد لهؤلاء المشركين هل عند شركائكم قدرة على شيء من ذلك. وهذا خطاب توبيخ، وفيه إضمار: أي ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله لتنفعكم أو لتدفع عنكم ما قضاه الله تبارك وتعالى عليكم، فإنهم لا يملكون ذلك، و{لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} أي ما لِلَّه من هؤلاء من معين على خلق شيء، بل الله المنفرد بالإيجاد؛ فهو الذي يُعبَد، وعبادة غيره محال.

وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ۝٢٣

قوله تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ} أي شفاعة الملائكة وغيرهم. {عِندَهُ} أي عندَ الله. {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} قراءة العامة «أَذِنَ» بفتح الهمزة؛ لذكر الله تعالى أولاً. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ «أُذِن» بضم الهمزة على ما لم يسم فاعله. والآذن هو الله تعالى. و«مَن» يجوز أن ترجع إلى الشافعين، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع لهم. {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} قال ابن عباس: خُلّي عن قلوبهم الفزع. قطرب: أخرج ما فيها من الخوف. مجاهد: كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة؛ أي إن الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام؛ إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة وهم على غاية الفزع من الله؛ كما قال:

{ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ }[الأنبياء: 28]. والمعنى: أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام الله فزعوا؛ لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير، فإذا سُرِّيَ عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} أي ماذا أمر الله به، فيقولون لهم: {قَالُواْ ٱلْحَقَّ} وهو أنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين. {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} فله أن يحكم في عباده بما يريد. ثم يجوز أن يكون هذا إذناً لهم في الدنيا في شفاعة أقوام، ويجوز أن يكون في الآخرة. وفي الكلام إضمار؛ أي ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ففزع لما ورد عليه من الإذن تهيّباً لكلام الله تعالى، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم أجاب بالانقياد. وقيل: هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في كل أمر يأمر به الرب تعالى؛ أي لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم اليوم فزعون، مطيعون لله تعالى دون الجمادات والشياطين. وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قضى الله في السماء أمراً ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعاناً لقوله كأنها سلسلة على صَفْوانَ فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ـ قال ـ والشياطين بعضهم فوق بعضقال: حديث حسن صحيح. وقال النوّاس بن سمعان قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أراد أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو رِعدة شديدة خوفاً من الله تعالى فإذا سمع أهل السموات ذلك صعِقوا وخروا لله تعالى سجداً فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله تعالى ويقول له من وحْيه ما أراد ثم يمرّ جبريل بالملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول جبريل قال الحق وهو العلي الكبير ـ قال ـ فيقول كلهم كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله تعالى. وذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصَّفْوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صَعِقوا فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، ثم يقول يكون العام كذا ويكون كذا فتسمعه الجن فيخبرون به الكهنة والكهنةُ الناسَ (يقولون) يكون العامَ كذا وكذا فيجدونه كذلك؛ فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم دُحروا بالشُّهب فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيراً، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة؛ حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثَقيف وكانت أعقلَ العرب: أيها الناس! أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وإن هذا ليس بانتثار، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر والليل والنهار! قال: فقال إبليس: لقد حدث في الأرض اليوم حَدَث، فأتوني من تربة كل أرض فأتوه بها، فجعل يَشُمّها فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا جاء الحَدَث؛ فنصتوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث. وقد مضى هذا المعنى مرفوعاً مختصراً في سورة «الحجر»، ومعنى القول أيضاً في رميهم بالشهب وإحراقهم بها، ويأتي في سورة «الجن» بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وقيل: إنما يفزعون من قيام الساعة. وقال الكلبي وكعب: كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام فَتْرة خمسمائة وخمسين سنة لا يجيء فيها الرسل، فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم كلم الله تعالى جبريل بالرسالة، فلما سمعت الملائكة الكلام ظنوا أنها الساعة قد قامت، فصعِقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل عليه السلام جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم فلم يدروا ماذا قال ولكنهم قالوا قال الحق وهو العلي الكبير، وذلك أن محمداً عليه السلام عند أهل السموات من أشراط الساعة. وقال الضحاك: إن الملائكة المعقِّبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، يرسلهم الرب تبارك وتعالى، فإذا انحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين هم أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سُجَّداً ويصَعْقون حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة. وهذا تنبيه من الله تعالى وإخبار أن الملائكة مع اصطفائهم ورفعتهم لا يمكن أن يشفعوا لأحد حتى يؤذن لهم، فإذا أذن لهم وسمعوا صَعِقوا، وكان هذه حالهم، فكيف تشفع الأصنام أو كيف تؤمّلون أنتم الشفاعة ولا تعترفون بالقيامة. وقال الحسن وابن زيد ومجاهد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين. قال الحسن ومجاهد وابن زيد: في الآخرة عند نزول الموت، إقامة للحجة عليهم قالت الملائكة لهم: ماذا قال ربكم في الدنيا قالوا الحق وهو العلي الكبير، فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار، أي قالوا قال الحق. وقراءة العامة «فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ». وقرأ ابن عباس «فَزَّع عَنْ قُلُوبِهِمْ» مسمَّى الفاعل وفاعله ضمير يرجع إلى اسم الله تعالى. ومن بناه للمفعول فالجار والمجرور في موضع رفع، والفعل في المعنى لله تبارك وتعالى. والمعنى في القراءتين: أزيل الفزع عن قلوبِهِم، حسبما تقدم بيانه. ومثله: أشكاه، إذا أزال عنه ما يشكوه. وقرأ الحسن: «فُزِع» مثل قراءة العامة، إلا أنه خفف الزاي، والجار والمجرور في موضع رفع أيضاً؛ وهو كقولك: انصرف عن كذا إلى كذا. وكذا معنى «فُرِغَ» بالراء والغين المعجمة والتخفيف غير مسمى الفاعل، رويت عن الحسن أيضاً وقتادة. وعنهما أيضاً «فَرغَ» بالراء والغين المعجمة مسمى الفاعل، والمعنى: فرغ الله تعالى قلوبهم أي كشف عنها، أي فرغها من الفزع والخوف، وإلى ذلك يرجع البناء للمفعول على هذه القراءة. وعن الحسن أيضاً «فرّغ» بالتشديد.

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٢٤

قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لما ذكر أن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرّة مما يقدر عليه الرّب قرّر ذلك فقال: قل يا محمد للمشركين {مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي من يخلق لكم هذه الأرزاق الكائنة من السموات؛ أي عن المطر والشمس والقمر والنجوم وما فيها من المنافع. «وَالأَرْضِ» أي الخارجة من الأرض عن الماء والنبات ـ أي لا يمكنهم أن يقولوا هذا فِعْلُ آلهتنا ـ فيقولون لا ندري، فقل إن الله يفعل ذلك الذي يعلم ما في نفوسكم. وإن قالوا: إن الله يرزقنا فقد تقررت الحجة بأنه الذي ينبغي أن يعبد. {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} هذا على وجه الإنصاف في الحجة؛ كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وأن صاحبه كاذب. والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين متضادّين، وأحد الفريقين مهتدٍ وهو نحن والآخر ضالّ وهو أنتم؛ فكذّبهم بأحسن من تصريح التكذيب، والمعنى: أنتم الضالون حين أشركتم بالذي يرزقكم من السموات والأرض. «أَوْ إِيَّاكُمْ» معطوف على اسم «إنّ» ولو عطف على الموضع لكان «أو أنتم» ويكون «لَعَلَى هُدًى» للأول لا غير. وإذا قلت: «أَوْ إِيّاكُمْ» كان للثاني أوْلى، وحذفت من الأول، ويجوز أن يكون للأول، وهو اختيار المبرد، قال: ومعناه معنى قول المستبصر لصاحبه على صحة الوعيد والاستظهار بالحجة الواضحة: أحدنا كاذب، قد عرف المعنى، كما تقول: أنا أفعل كذا وتفعل أنت كذا وأحدنا مخطىء، وقد عرف أنه هو المخطىء، فهكذا «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ». و«أَوْ» عند البصريين على بابها وليست للشك، ولكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى وإياكم في ضلال مبين.وقال جرير:

أثعلبةَ الفوارس أو رياحاًعدلْتَ بهم طُهَيَّةَ والرَّبابا

يعني أثعلبة ورياحا. وقال آخر:

فلما اشتد أمر الحرب فيناتأمّلنا رياحاً أو رِزاما

قُل لَّا تُسْـَٔلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْـَٔلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝٢٥

قوله تعالى: {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا} أي اكتسبنا، {وَلاَ نُسْأَلُ} نحن أيضاً {عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي إنما أقصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، لا أنه ينالني ضرر كفركم، وهذا كما قال:

{ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } [الكافرون: 6] والله مجازي الجميع. فهذه آية مهادنة ومتاركة، وهي منسوخة بالسيف. وقيل: نزل هذا قبل آية السيف.

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ۝٢٦

قوله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} يريد يوم القيامة {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ} أي يقضي فيثيب المهتدي ويعاقب الضال {وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ} أي القاضي بالحق {ٱلْعَلِيمُ} بأحوال الخلق. وهذا كله منسوخ بآية السيف.

قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ كَلَّا بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٧

قوله تعالى: {قُلْ أَرُونِيَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ} يكون «أَرُونِيَ» هنا من رؤية القلب، فيكون «شُرَكَاء» المفعول الثالث، أي عرفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لِلَّهِ عز وجل، وهل شاركت في خلق شيء، فبينوا ما هو؟ وإلا فلِم تعبدونها. ويجوز أن تكون من رؤية البصر، فيكون «شُرَكَاء» حالاً. {كَلاَّ} أي ليس الأمر كما زعمتم. وقيل: إن «كَلا» ردّ لجوابهم المحذوف، كأنه قال: أروني الذين ألحقتم به شركاء. قالوا: هي الأصنام. فقال كلا، أي ليس له شركاء {بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ}.

وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢٨ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٢٩ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ۝٣٠

قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي وما أرسلناك إلا للناس كافة أي عامة؛ ففي الكلام تقديم وتأخير. وقال الزجاج: أي وما أرسلناك إلا جامعاً للناس بالإنذار والإبلاغ. والكافة بمعنى الجامع. وقيل: معناه كافا للَّناس، تكفهم عما هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام. والهاء للمبالغة. وقيل: أي إلا ذا كافة، فحذف المضاف، أي ذا منع للناس من أن يَشِذُّوا عن تبليغك، أو ذا منع لهم من الكفر، ومنه: كف الثوبَ، لأنه ضم طرفيه. {بَشِيراً} أي بالجنة لمن أطاع. {وَنَذِيراً} من النار لمن كفر. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ما عند الله وهم المشركون؛ وكانوا في ذلك الوقت أكثر من المؤمنين عدداً. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} يعني موعدكم لنا بقيام الساعة. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فقال الله تعالى: {قُل} لهم يا محمد: {لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} فلا يغرّنكم تأخيره. والميعاد الميقات. ويعني بهذا الميعاد وقت البعث وقيل وقت حضور الموت؛ أي لكم قبل يوم القيامة وقت معين تموتون فيه فتعلمون حقيقة قولي. وقيل: أراد بهذا اليوم يوم بدر؛ لأن ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا في حكم الله تعالى. وأجاز النحويون «ميعاد يومٌ» على أن يكون «ميعادٌ» ابتداء و«يومٌ» بدل منه، والخبر «لكم». وأجازوا «ميعادٌ يوماً» يكون ظرفاً، وتكون الهاء في «عنه» ترجع إلى «يوم» ولا يصح «ميعادُ يومَ لا تستأخرون» بغير تنوين، وإضافة «يوم» إلى ما بعده إذا قدّرت الهاء عائدة على اليوم، لأن ذلك يكون من إضافة الشيء إلى نفسه من أجل الهاء التي في الجملة. ويجوز ذلك على أن تكون الهاء للميعاد لا لليوم.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ بِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ۝٣١ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوٓا۟ أَنَحْنُ صَدَدْنَٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ۝٣٢ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًا وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٣٣

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يريد كفار قريش. {لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} قال سعيد عن قتادة: «وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» من الكتب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل من الآخرة. وقال ابن جُريج: قائل ذلك أبو جهل بن هشام. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا للمشركين صفة محمد في كتابنا فسلوه، فلما سألوه فوافق ما قال أهل الكتاب قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي أنزل قبله من التوراة والإنجيل بل نكفر بالجميع؛ وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب ويحتجون بقولهم، فظهر بهذا تناقضهم وقلة علمهم. ثم أخبر الله تبارك وتعالى عن حالهم فيما لهم فقال {وَلَوْ تَرَىٰ} يا محمد {إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي محبوسون في موقف الحساب، يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب بعد أن كانوا في الدنيا أخلاء متناصرين. وجواب «لو» محذوف؛ أي لرأيت أمراً هائلاً فظيعاً. ثم ذكر أيّ شيء يرجع من القول بينهم فقال: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} في الدنيا من الكافرين {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} وهم القادة والرؤساء {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} أي أغويتمونا وأضللتمونا. واللغة الفصيحة «لَوْلاَ أَنْتُمْ» ومن العرب من يقول: «لولاكم» حكاها سيبويه؛ تكون «لَوْلا» تخفض المضمر ويرتفع المظهر بعدها بالابتداء ويحذف خبره. ومحمد بن يزيد يقول: لا يجوز «لولاكم» لأن المضمر عقيب المظهر، فلما كان المظهر مرفوعاً بالإجماع وجب أن يكون المضمر أيضاً مرفوعاً. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ} هو استفهام بمعنى الإنكار، أي ما رددناكم نحن عن الهدى، ولا أكرهناكم. {بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} أي مشركين مصرين على الكفر. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} المكر أصله في كلام العرب الاحتيال والخديعة، وقد مكر به يَمكُرُ فهو ماكر ومَكّار. قال الأخفش: هو على تقدير: هذا مكر الليل والنهار. قال النحاس: والمعنى ـ والله أعلم ـ بل مكركم في الليل والنهار، أي مسارّتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر حملنا على هذا. وقال سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار. قتادة: بل مكركم بالليل والنهار صدّنا؛ فأضيف المكر إليهما لوقوعه فيهما، وهو كقوله تعالى:

{ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ }[نوح: 4] فأضاف الأجل إلى نفسه، ثم قال: { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً }[الأعراف: 34] إذ كان الأجل لهم. وهذا من قبيل قولك: ليله قائم ونهاره صائم. قال المبرد: أي بل مكركم الليل والنهار، كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم. وأنشد لجرير:

لقد لُمْتِنَا يا أمَّ غَيْلان في السُّرَىونمِت وما ليلُ المَطِيّ بنائم

وأنشد سيبويه:

فـنـام ليـلـي وتـجـلّـى هـمـي

أي نمت فيه. ونظيره: { وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً }[غافر: 61]. وقرأ قتادة: «بل مَكْرٌ الليلَ والنهارَ» بتنوين «مكر» ونصب «الليل والنهار»، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار، فحذف. وقرأ سعيد بن جبير «بَلْ مكَرُّ» بفتح الكاف وشدّ الراء بمعنى الكرور، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف. ويجوز أن يرتفع بفعل مضمر دلّ عليه «أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ» كأنهم لما قالوا لهم أنحن صددناكم عن الهدى قالوا بل صدّنا مكر الليلِ والنهار. وروي عن سعيد بن جبير «بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار» قال: مرّ الليلُ والنهار عليهم فغفلوا. وقيل: طول السلامة فيهما كقوله: { فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ }[الحديد: 16]. وقرأ راشد «بل مَكَرَّ الليل والنهار» بالنصب، كما تقول: رأيته مَقْدَمُ الحاج، وإنما يجوز هذا فيما يعرف، لو قلت: رأيته مقدَمَ زيد، لم يجز؛ ذكره النحاس. {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} أي أشباهاً وأمثالاً ونظراء. قال محمد بن يزيد: فلانٌ نِدُّ فلانٍ، أي مثله. ويقال نَدِيد؛ وأنشد:

أينما تجعلون إليّ ندّاًوما أنتم لذي حسب نديد

وقد مضى هذا في «البقرة». {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} أي أظهروها، وهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء والإبداء. قال امرؤ القيس:

تجاوزت أحراساً وأهوال مَعْشرٍعلّي حراصا لو يُسِرّون مَقْتَلي

وروي «يُشِرون». وقيل: «وَأَسَرّوا النَّدامَةَ» أي تبينت الندامة في أسرار وجوههم. قيل: الندامة لا تظهر، وإنما تكون في القلب، وإنما يظهر ما يتولّد عنها، حسبما تقدّم بيانه في سورة «يونس، وآل عمران». وقيل: إظهارهم الندامة قولُهم: { فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }[الشعراء: 102]. وقيل: أسروا الندامة فيما بينهم ولم يجهروا القول بها؛ كما قال: { وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } [طه: 62]. {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الأغلال جمع غُلَّ، يقال: في رقبته غُلّ من حديد. ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غلٌّ قَمِل، وأصله أن الغُلّ كان يكون من قِدّ وعليه شعر فيَقْمَل. وغَللتُ يده إلى عنقه؛ وقد غُلَّ فهو مغلول، يقال: مالَه أُلَّ وغُلَّ. والغُلّ أيضاً والغُلّة: حرارة العطش، وكذلك الغليل؛ يقال منه: غُلَّ الرجلُ يُغَلَّ غَلَلاً فهو مغلول، على ما لم يسمَّ فاعله؛ عن الجوهري. أي جعلت الجوامع في أعناق التابعين والمتبوعين. قيل من غير هؤلاء الفريقين. وقيل يرجع «الَّذِينَ كَفَرُوا» إليهم. وقيل: تم الكلام عند قوله: {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ} ثم ابتدأ فقال: {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ} بعد ذلك في أعناق سائر الكفار. {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الدنيا.
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ