انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة سبإ

تفسير القرطبيالآيات 34–54

تفسير سورة سبإ آية آية، من تفسير القرطبي.

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝٣٤ وَقَالُوا۟ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَٰدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ۝٣٥ قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٦ وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ۝٣٧ وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ۝٣٨

قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } قال قتادة: أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} أي فُضّلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضياً بما نحن عليه من الدِّين والفضل لم يخوّلنا ذلك. {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} لأن من أحسن إليه فلا يعذبه، فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى فقال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي يوسعه {وَيَقْدِرُ} أي يقتّر، أي إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحاناً لهم، فلا يدلّ شيء من ذلك على ما في العواقب، فسَعَة الرزق في الدنيا لا تدلّ على سعادة الآخرة، فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغني عنكم غداً شيئاً. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} هذا لأنهم لا يتأملون. ثم قال تأكيداً: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} قال مجاهد: أي قُرْبى. والزُّلْفة القربة. وقال الأخفش: أي إزلافاً، وهو اسم المصدر، فيكون موضع «قُرْبَى» نصباً، كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريباً. وزعم الفراء أن «التي» تكون للأموال والأولاد جميعاً. وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، يكون المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأوّل لدلالة الثاني عليه وأنشد الفراء:

نحن بما عندنا وأنت بماعندك راضٍ والرأيُ مختلِفُ

ويجوز في غير القرآن: باللتين وباللاتي وباللواتي وباللَّذَين وبالّذين؛ للأولاد خاصة، أي لا تزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة، ولا تقرّبكم تقريباً. {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} قال سعيد بن جبير: المعنى إلا من آمن وعمل صالحاً فلن يضره مالُه وولدُه في الدنيا. وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول: اللهم ارزقني الإيمان والعمل، وجنّبني المالَ والولد، فإني سمعت فيما أوْحيتَ {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً}.

قلت: قول طاوس فيه نظر، والمعنى والله أعلم: جنّبني المال والولد المطْغِيَيْن أو اللذين لا خير فيهما؛ فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنِعم هذاٰ وقد مضى هذا في «آل عمران ومريم، والفرقان». و«مَن» في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من آمن وعمل صالحاً فإيمانه وعمله يقرِّبانه مني. وزعم الزجاج أنه في موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في «تقرّبكم». النحاس: وهذا القول غلط؛ لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا لجاز: رأيتك زيداً. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء، إلا أن الفراء لا يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين، ولكن قوله يؤول إلى ذلك، وزعم أن مثله

{ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }[الشعراء: 89] يكون منصوباً عنده بـ«ـينفع». وأجاز الفراء أن يكون «مَن» في موضع رفع بمعنى: ما هو إلا من آمن، كذا قال، ولست أحصِّل معناه. {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ} يعني قوله: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }[الأنعام: 160] فالضعف الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول. وقيل: لهم جزاء الأضعاف، فالضعف في معنى الجمع، وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه، نحو: حق اليقين، وصلاة الأولى. أي لهم الجزاء المضعّف، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة.

وبهذه الآية استدلّ من فضّل الغنى على الفقر. وقال محمد بن كعب: إن المؤمن إذا كان غنِيًّا تقيًّا آتاه الله أجره مرتين بهذه الآية. {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} قراءة العامة «جَزَاءُ الضِّعْفِ» بالإضافة. وقرأ الزهرِي ويعقوب ونصر بن عاصم «جزاءً» منوّناً منصوباً «الضعفُ» رفعاً؛ أي فأولئك لهم الضعف جزاء، على التقديم والتأخير. «وَجَزَاءُ الضِّعْفِ» على أن يجازوا الضعف. و«جزاءٌ الضعفُ» مرفوعان، الضعفُ بدل من جزاء. وقرأ الجمهور أيضاً «في الْغُرُفَات» على الجمع، وهو اختيار أبي عبيد؛ لقوله:

{ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً } [العنكبوت: 58]. الزمخشري: وقرىء «فِي الغرفاتِ» بضم الراء وفتحها وسكونها. وقرأ الأعمش ويحيـى بن وَثّاب وحمزة وخلف «في الغرفة» على التوحيد؛ لقوله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } [الفرقان: 75]. والغرفة قد يراد بها اسم الجمع واسم الجنس. قال ابن عباس: هي غرف من ياقوت وزبرجد ودُرّ. وقد مضى بيان ذلك. {آمِنُونَ} أي من العذاب والموت والأسقام والأحزان. {وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا} في إبطال أدلتنا وحجتنا وكتابنا. {مُعَاجِزِينَ} معانِدين، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم. {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي في جهنم تحضرهم الزبانية فيها.

قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝٣٩

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} كرر تأكيداً. {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} أي قل يا محمد لهؤلاء المغترين بالأموال والأولاد إن الله يوسِّع على من يشاء ويضيِّق على من يشاء، فلا تغتروا بالأموال والأولاد بل أنفقوها في طاعة الله، فإن ما أنفقتم في طاعة الله فهو يخلفه. وفيه إضمار، أي فهو يخلفه عليكم؛ يقال: أخلف له وأخلف عليه، أي يعطيكم خلفه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللَّهُمَّ أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاًوفيه أيضاً عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إن الله قال لي أَنفق أنفق عليك...الحديث. وهذه إشارة إلى الخلف في الدنيا بمثل المنفق فيها إذا كانت النفقة في طاعة الله. وقد لا يكون الخلف في الدنيا فيكون كالدعاء ـ كما تقدّم ـ سواء في الإجابة أو التكفير أو الادخار؛ والادخار هاهنا مثله في الأجر.

مسألة: روى الدَّارَقُطْنِيّ وأبو أحمد بن عَدِيّ عن عبد الحميد الهلالي عن محمد بن المُنْكَدِر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة وما وَقَى به الرجل عرضَه فهو صدقة وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلَفُها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية. قال عبد الحميد: قلت لابن المنكدر: «ما وَقَى الرجل عرضه؟» قال: يعطي الشاعر وذا اللسان. عبد الحميد وثّقه ابن معين.

قلت: أما ما أنفق في معصية فلا خلاف أنه غير مثاب عليه ولا مخلوف له. وأما البنيان فما كان منه ضرورياً يكنّ الإنسانَ ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه. وكذلك كحفظ بنيته وستر عورته، قال صلى الله عليه وسلم:

ليس لآبن آدم حق في سِوى هذه الخصال، بيت يسكنه وثوب يوارِي عورته وجِلْفُ الخبز والماء. وقد مضى هذا المعنى في «الأعراف» مستوفى.

قوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} لما كان يقال في الإنسان: إنه يرزق عياله، والأمير جنده؛ قال: «وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» والرازق من الخلق يرزق، لكن ذلك من مال يملك عليهم ثم ينقطع، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا تتناهى. ومن أخرج من عدم إلى الوجود فهو الرازق على الحقيقة، كما قال:

{ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } [الذاريات: 58].

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ۝٤٠ قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ۝٤١

قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} هذا متصل بقوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ}. أي لو تراهم في هذه الحالة لرأيت أمراً فظيعاً. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته. ثم قال: ولو تراهم أيضاً «يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً» العابدين والمعبودين، أي نجمعهم للحساب {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}. قال سعيد عن قتادة: هذا استفهام؛ كقوله عز وجل لعيسى:

{ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }[المائدة: 116]. قال النحاس: فالمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم؛ فهو استفهام توبيخ للعابدين. {قَالُواْ سُبْحَانَكَ} أي تنزيهاً لك. {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} أي أنت ربنا الذي نتولاه ونطيعه ونعبده ونُخلص في العبادة له. {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} أي يطيعون إبليس وأعوانه. وفي التفاسير: أن حَيًّا يقال لهم بنو مُلَيح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله؛ وهو قوله: { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً }[الصافات: 158].

فَٱلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ۝٤٢

قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً} أي شفاعة ونجاة. {وَلاَ ضَرّاً} أي عذاباً وهلاكاً. وقيل: أي لا تملك الملائكة دفع ضرّ عن عابديهم؛ فحذف المضاف. {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} يجوز أن يقول الله لهم أو الملائكة: ذوقوا.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٤٣

قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} يعني القرآن. {قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم. {يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} أي أسلافكم من الآلهة التي كانوا يعبدونها. {وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى} يعنون القرآن؛ أي ما هو إلا كذب مختلَق. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} فتارةً قالوا سحر، وتارةً قالوا إفك. ويحتمل أن يكون منهم من قال سحر ومنهم من قال إفك.

وَمَآ ءَاتَيْنَٰهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ ۝٤٤ وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَكَذَّبُوا۟ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝٤٥

قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} أي لم يقرؤوا في كتاب أوتُوه بطلانَ ما جئتَ به، ولا سمعوه من رسول بُعث إليهم، كما قال:

{ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ }[الزخرف: 21] فليس لتكذيبهم وجه يتشبّث به ولا شبهة متعلق كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتاب وشرائع ومستندون إلى رسل من رسل الله، ثم توعّدهم على تكذيبهم بقوله الحق: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} أي كذب قبلهم أقوام كانوا أشدّ من هؤلاء بطشاً وأكثرَ أموالاً وأولاداً وأوسع عيشاً، فأهلكتهم كثمود وعاد. {وَمَا بَلَغُواْ} أي ما بلغ أهل مكة {مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ} تلك الأمم. والمعشار والعُشر سواء، لغتان. وقيل: المعشار عشر العشر. الجوهري: ومعشار الشيء عشره، ولا يقولون هذا في شيء سوى العشر. وقيل: ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم؛ حكاه النقاش. وقيل: ما أعطى الله تعالى من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان. قال ابن عباس: فليس أمة أعلمَ من أمته، ولا كتاب أبين من كتابه. وقيل: المعشار هو عشر العشير، والعشير هو عشر العشر فيكون جزءاً من ألف جزء. الماوردي: وهو الأظهر، لأن المراد به المبالغة في التقليل. {فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي عقابي في الأمم، وفيه محذوف وتقديره: فأهلكناهم فكيف كان نكيري.

قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ۝٤٦

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} تمم الحجة على المشركين؛ أي قل لهم يا محمد: {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ} أي أذكّركم وأحذّركم سوء عاقبة ما أنتم فيه. {بِوَاحِدَةٍ} أي بكلمة واحدة مشتملة على جميع الكلام، تقتضي نفي الشرك وإثبات الإلٰه. قال مجاهد: هي لا إلٰه إلا الله؛ وهذا قول ابن عباس والسّدي. وعن مجاهد أيضاً: بطاعة الله. وقيل: بالقرآن؛ لأنه يجمع كل المواعظ. وقيل: تقديره بخصلة واحدة، ثم بينها بقوله: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} فتكون «أَنْ» في موضع خفض على البدل من «وَاحِدَة»، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هي أن تقوموا. ومذهب الزجاج أنها في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا. وهذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق لا القيام الذي هو ضدّ القعود، وهو كما يقال: قام فلان بأمر كذا؛ أي لوجه الله والتقرب إليه. وكما قال تعالى:

{ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ } [النساء: 127]. {مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} أي وُحداناً ومجتمعين؛ قاله السّديّ. وقيل: منفرداً برأيه ومشاوراً لغيره، وهذا قول مأثور. وقال القُتَبِيّ: مناظراً مع غيره ومفكّراً في نفسه، وكله متقارب. ويحتمل رابعاً أن المَثْنَى عمل النهار والفرادى عمل الليل، لأنه في النهار معانٌ وفي الليل وحيد، قاله الماوردي. وقيل: إنما قال: «مَثْنَى وَفُرَادَى» لأن الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلاً أوفرهم حظاً من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مَثْنَى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد؛ والله أعلم. {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ} الوقف عند أبي حاتم وابن الأنباري على «ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا». وقيل: ليس هو بوقف، لأن المعنى؛ ثم تتفكروا هل جرَّبتم على صاحبكم كذباً، أو رأيتم فيه جنة، أو في أحواله من فساد، أو اختلف إلى أحد ممن يدّعي العلم بالسحر؛ أو تعلّم الأقاصيص وقرأ الكتب، أو عرفتموه بالطمع في أموالكم، أو تقدرون على معارضته في سورة واحدة؛ فإذا عرفتم بهذا الفكر صدقه فما بال هذه المعاندة. {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } «ورَهْطَكَ مِنهمْ المُخْلصِين» خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعِد الصَّفا فهتف: يا صباحاه؟ فقالوا: من هذا الذي يهْتِفٰ؟ قالوا: محمد؛ فاجتمعوا إليه فقال: «يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب ـ فاجتمعوا إليه فقال ـ أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقِيّ»؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد». قال فقال أبو لهب: تَبًّا لك! أمَا جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قال فنزلت هذه السورة {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.

قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝٤٧

قوله تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ} أي جُعْل على تبليغ الرسالة {فَهُوَ لَكُمْ} أي ذلك الجُعْل لكم إن كنت سألتكموه {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ} أي رقيب وعالم وحاضر لأعمالي وأعمالكم، لا يخفى عليه شيء فهو يجازي الجميع.

قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝٤٨

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} أي يبيّن الحجة ويظهرها. قال قتادة: بالحق بالوحي. وعنه: الحق القرآن. وقال ابن عباس: أي يقذف الباطل بالحق علامُ الغيوبِ. وقرأ عيسى بن عمر «عَلاّمَ الغيوب» على أنه بدل، أي قل إن ربي علام الغيوب يقذف بالحق. قال الزجاج: والرفع من وجهين على الموضع، لأن الموضع موضع رفع، أو على البدل مما في يقذف. النحاس: وفي الرفع وجهان آخران: يكون خبراً بعد خبر، ويكون على إضمار مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد خبر «إنّ» ومثله

{ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ }[صۤ: 64] وقرىء: «الغُيوبُ» بالحركات الثلاث، فالغُيوب كالبيوت، والغَيوب كالصبور، وهو الأمر الذي غاب وخَفِيَ جدًّا.

قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ۝٤٩

قوله تعالى: {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} قال سعيد عن قتادة: يريد القرآن. النحاس: والتقدير جاء صاحب الحق؛ أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج. {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ} قال قتادة: الشيطان؛ أي ما يخلق الشيطان أحداً. {وَمَا يُعِيدُ} فـ«ـما» نَفْيٌ. ويجوز أن يكون استفهاماً بمعنى أيّ شيء؛ أي جاء الحق فأيّ شيء بقي للباطل حتى يعيده ويبدئه؛ أي فلم يبق منه شيء، كقوله:

{ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ }[الحاقة: 8] أي لا ترى.

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ۝٥٠

قوله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} وذلك أن الكفار قالوا تركتَ دين آبائك فضللت. فقال له: قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي. وقراءة العامة «ضَللت» بفتح اللام. وقرأ يحيـى بن وَثّاب وغيره: «قُلْ إِنْ ضَلِلت» بكسر اللام وفتح الضاد من «أضَلُّ»، والضلال والضلالة ضدّ الرشاد. وقد ضلَلت (بفتح اللام) أضل (بكسر الضاد)، قال الله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون «ضَلِلت» بالكسر «أضِل»، أي إثم ضلالتي على نفسي. {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} من الحكمة والبيان {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة. وقيل وجه النظم: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ويبيّن الحجة، وضلالُ من ضل لا يبطل الحجة، ولو ضللت لأضررت بنفسي، لا أنه يبطل حجة الله، وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سمِيع قرِيب.

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا۟ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ۝٥١

قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ} ذكر أحوال الكفار في وقت ما يضطرون فيه إلى معرفة الحق. والمعنى: لو ترى إذا فزعوا في الدنيا عند نزول الموت أو غيره من بأس الله تعالى بهم، روي معناه عن ابن عباس. الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة. وعنه أن ذلك الفزع إنما هو إذا خرجوا من قبورهم؛ وقاله قتادة. وقال ابن مُغَفَّل: إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة. السّدّي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فراراً ولا رجوعاً إلى التوبة. سعيد بن جُبير: هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون، فهذا هو فزعهم. {فَلاَ فَوْتَ} فلا نجاة؛ قاله ابن عباس. مجاهد: فلا مهرب. {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي من القبور. وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يَعْزُبون عنه ولا يفوتونه. وقال ابن عباس: نزلت في ثمانين ألفاً يغزون في آخر الزمان الكعبة ليَخْرِبوها، وكما يدخلون البيداء يخسف بهم؛ فهو الأخذ من مكان قريب.

قلت: وفي هذا المعنى خبر مرفوع عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب التذكِرة، قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب ـ: «فبيناهم كذلك إذ خرج عليهم السُّفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين، جيشاً إلى المشرق؛ وجيشاً إلى المدينة، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة ـ يعني مدينة بغداد، قال ـ فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفلِت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبّي والغنائم ويَحُلّ جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل عليه السلام فيقول يا جبريل اذهب فأبِدْهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جُهينة»، ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين. وقيل: «أُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ» أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من الموت، وهذا على قول من يقول: هذا الفزع عند النزع. ويحتمل أن يكون هذا من الفزع الذي هو بمعنى الإجابة؛ يقال: فزِع الرجل أي أجاب الصارخ الذي يستغيث به إذا نزل به خوف. ومنه الخبر إذا قال للأنصار: «إنكم لتَقِلّون عند الطمع وتكثرون عند الفزع». ومن قال: أراد الخسف أو القتل في الدنيا كيوم بدر قال: أخذوا في الدنيا قبل أن يؤخذوا في الآخرة. ومن قال: هو فزع يوم القيامة قال: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وقيل: «أُخِذُوا مِنْ مَكَان قَرِيبٍ» من جهنم فألقوا فيها.

وَقَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٢

قوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ} أي بالقرآن. وقال مجاهد: بالله عز وجل. الحسن: بالبعث. قتادة: بالرسول صلى الله عليه وسلم. {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} قال ابن عباس والضحاك: التناوش الرجعة؛ أي يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا، وهيهات من ذلك! ومنه قول الشاعر:

تمنَّى أن تؤوب إليّ مَيٌّوليس إلى تناوشها سبيل

وقال السُّدّي: هي التوبة؛ أي طلبوها وقد بَعُدت، لأنه إنما تقبل التوبة في الدنيا. وقيل: التناوش التناول؛ قال ابن السِّكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلاً ليأخذ برأسه ولحيته: ناشه ينوشه نَوْشاً. وأنشد:

فهي تنوش الحوض نَوْشاً مِن عَلاَنَوْشاً به تَقْطع أجواز الفَلا

أي تتناول ماء الحوض من فوق وتشرب شرباً كثيراً، وتقطع بذلك الشرب فلوات فلا تحتاج إلى ماء آخر. قال: ومنه المناوشة في القتال؛ وذلك إذا تدانى الفريقان. ورجل نَوُوش أي ذو بطش. والتناوش. التناول: والانتياش مثله. قال الراجز:

كانـت تـنـوش العـنَـق انتـيـاشـا

قوله تعالى: {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} يقول: أنَّى لهم تناول الإيمان في الآخرة وقد كفروا في الدنيا. وقرأ أبو عمرو والكسائي والأعمش وحمزة: «وأنى لهم التناؤش» بالهمز. النحاس: وأبو عبيدة يستبعد هذه القراءة؛ لأن «التناؤش» بالهمز البعد، فكيف يكون: وأنى لهم البعد من مكان بعيد. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة حسنة، ولها وجهان في كلام العرب، ولا يتأوّل بها هذا المتأوّل البعيد، فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز، ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية، وذلك كثير في كلام العرب. وفي المصحف الذي نقلته الجماعة عن الجماعة { وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ }[المرسلات: 11] والأصل «وُقّتت» لأنه مشتق من الوقت. ويقال في جمع دار: أدؤر. والوجه الآخر ذكره أبو إسحاق قال: يكون مشتقاً من النئيش وهو الحركة في إبطاء؛ أي من أين لهم الحركة فيما قد بَعُد، يقال: نأشت الشيء أخذته من بُعْد والنئيش: الشيء البطيء. قال الجوهري: التناؤش (بالهمز) التأخر والتباعد. وقد نأشت الأمر أنأشه نأشا أخرته؛ فانتأش. ويقال: فعله نئيشاً أي أخيراً. قال الشاعر:

تمنّى نئيشاً أن يكون أطاعنيوقد حدثت بعد الأمور أمور

وقال آخر:

قعدت زماناً عن طلابك للعلاوجئت نئيشاً بعد ما فاتك الخُبْر

وقال الفراء: الهمز وترك الهمز في التناؤش متقارب؛ مثل: ذِمْت الرجلَ وذَأَمْته أي عبته. {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} أي من الآخرة. وروى أبو إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال: «وَأَنَّى لهم» قال: الردّ، سألوه وليس بحين ردّ.

وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٣

قوله تعالى: {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ} أي بالله عز وجل. وقيل: بمحمد {مِن قَـبْلُ} يعني في الدنيا. {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ} العرب تقول لكل من تكلم بما لا يَحُقّه: هو يقذف ويرجم بالغيب. {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} على جهة التمثيل لمن يرجم ولا يصيب، أي يرمون بالظن فيقولون: لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، رَجْماً منهم بالظن؛ قاله قتادة. وقيل: «يقذفون» أي يرمون في القرآن فيقولون: سحر وشعر وأساطير الأولين. وقيل: في محمد؛ فيقولون ساحر شاعر كاهن مجنون. {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي إن الله بعّد لهم أن يعلموا صدق محمد. وقيل: أراد البعد عن القلب، أي من مكان بعيد عن قلوبهم. وقرأ مجاهد «ويُقذفُون بالغيب» غير مسمّى الفاعل، أي يُرمون به. وقيل: يقذف به إليهم من يغويهم ويضلهم.

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ فِى شَكٍّ مُّرِيبٍۭ ۝٥٤

قوله تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} قيل: حيل بينهم وبين النجاة من العذاب. وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون لما رأوا العذاب أن يقبل منهم أن يطيعوا الله جل وعز وينتهوا إلى ما يأمرهم به الله فحيل بينهم وبين ذلك؛ لأن ذلك إنما كان في الدنيا وقد زالت في ذلك الوقت. والأصل «حُوِل» فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء ثم حذفت حركتها لثقلها. {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم} الأشياع جمع شِيَع، وشِيَع جمعه شيعة. {مِّن قَبْلُ} أي بمن مضى من القرون السالفة الكافرة. {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ} أي من أمر الرسل والبعث والجنة والنار. وقيل: في الدين والتوحيد، والمعنى واحد. {مُّرِيبِ } أي يستراب به، يقال: أراب الرجل أي صار ذا ريبة، فهو مريب. ومن قال هو من الريب الذي هو الشك والتهمة قال: يقال شكٌّ مريب؛ كما يقال: عجبٌ عجيب وشعر شاعر؛ في التأكيد.

ختمت السورة، والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ