انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

تفسير القرطبيالآيات 44–88

تفسير سورة ص آية آية، من تفسير القرطبي.

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِرًا نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝٤٤

فيه سبع مسائل:

الأولى: كان أيوب حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة؛ وفي سبب ذلك أربعة أقوال: أحدها: ما حكاه ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب؛ فقال أداويه على أنه إذا برىء قال أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه. قالت: نعم! فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها. وقال: وَيْحَكِ ذلك الشيطان. الثاني: ما حكاه سعيد بن المسيّب، أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه من الخبز، فخاف خيانتها فحلف ليضربنها. الثالث: ما حكاه يحيـى بن سلاّم وغيره: أن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقرّباً إليه وأنه يبرأ؛ فذكرت ذلك له فحلف ليضربنها إن عوفي مائة. و(الرابع) قيل: باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئاً تحمله إلى أيوب، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً فيضرب به، فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة. وقيل: الضغث قبضة حشيش مختلطة الرَّطب باليابس. وقال ابن عباس: إنه إثكال النخل الجامع بشماريخه.

الثانية: تضمنت هذه الآية جواز ضرب الرجل امرأته تأديباً. وذلك أن امرأة أيوب أخطأت فحلف ليضربنها مائة، فأمره الله تعالى أن يضربها بعثكول من عثاكيل النخل، وهذا لا يجوز في الحدود. إنما أمره الله بذلك لئلا يضرب امرأته فوق حدّ الأدب. وذلك أنه ليس للزوج أن يضرب امرأته فوق حدّ الأدب؛ ولهذا قال عليه السلام:

واضربوهنّ ضرباً غير مُبرِّحعلى ما تقدم في «النساء» بيانه.

الثالثة: واختلف العلماء في هذا الحكم هل هو عام أو خاص بأيوب وحده؛ فروي عن مجاهد أنه عام للناس. ذكره ابن العربي. وحكي عن القشيري أن ذلك خاص بأيوب. وحكى المهدوي عن عطاء بن أبي رباح أنه ذهب إلى أن ذلك حكم باق، وأنه إذا ضرب بمائة قضيب ونحوه ضربة واحدة بَرَّ. وروى نحوه الشافعي. وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم في المقعد الذي حملت منه الوليدة، وأمر أن يضرب بعثكول فيه مائة شمراخ ضربة واحدة. وقال القشيري: وقيل لعطاء هل يعمل بهذا اليوم؟ فقال: ما أنزل القرآن إلا ليعمل به ويتبع. ابن العربي: وروي عن عطاء أنها لأيوب خاصة. وكذلك روى أبو زيد عن ابن القاسم عن مالك: من حلف ليضربنّ عبده مائة فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبرّ. قال بعض علمائنا: يريد مالك قوله تعالى:

{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً }[المائدة: 48] أي إن ذلك منسوخ بشريعتنا. قال ابن المنذر: وقد روينا عن عليّ أنه جلد الوليد بن عقبة بسوط له طرفان أربعين جلدة. وأنكر مالك هذا وتلا قول الله عز وجل: { فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ } [النور: 2] وهذا مذهب أصحاب الرأي. وقد احتج الشافعي لقوله بحديث، وقد تُكلِّم في إسناده؛ والله أعلم.

قلت: الحديث الذي احتج به الشافعي خرجه أبو داود في سننه قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهَمْداني، قال حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حُنَيْف أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، أنه اشتكى رجل منهم حتى أَضْنَى، فعاد جِلدةً على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإني قد وقعت على جارية دخلت عليّ. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به؛ لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. قال الشافعي: إذا حلف ليضربنّ فلاناً مائة جلدة، أو ضرباً ولم يقل ضرباً شديداً ولم ينو ذلك بقلبه يكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية ولا يحنث. قال ابن المنذر: وإذا حلف الرجل ليضربن عبده مائة فضربه ضرباً خفيفاً فهو بارّ عند الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس الضرب إلا الضرب الذي يؤلم.

الرابعة: قوله تعالى: {وَلاَ تَحْنَثْ} دليل على أن الاستثناء في اليمين لا يرفع حكماً إذا كان متراخياً. وقد مضى القول فيه في «المائدة» يقال: حنث في يمينه يحنث إذا لم يَبرّ بها. وعند الكوفيين الواو مقحمة أي فاضرب لا تحنث.

الخامسة: قال ابن العربي: قوله تعالى: {فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} يدل على أحد وجهين: إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارة، وإنما كان البرّ والحِنث. والثاني أن يكون صدر منه نذر لا يمين، وإذا كان النذر معيَّناً فلا كفارة فيه عند مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: في كل نذر كفارة.

قلت: قوله إنه لم يكن في شرعهم كفارة ليس بصحيح؛ فإن أيوب عليه السلام لما بقي في البلاء ثمان عشرة سنة، كما في حديث ابن شهاب، قال له صاحباه: لقد أذنبت ذنباً ما أظنّ أحداً بلغه. فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: ما أدري ما تقولان، غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان فكل يحلف بالله، أو على النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي، فأكفر عن أيمانهم إرادة ألاّ يأثم أحد يذكره ولا يذكره إلا بحق فنَادَى ربه.

{ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ } [الأنبياء: 83] وذكر الحديث. فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من شرع أيوب، وأن من كفّر عن غيره بغير إذنه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه الكفارة.

السادسة: استدل بعض جهّال المتزهدة؛ وَطَغام المتصوّفة بقوله تعالى لأيوب: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ» على جواز الرقص. قال أبو الفرج الجوزي: وهذا احتجاج بارد؛ لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحاً كان لهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء. قال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازاً من الرقص ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوامّ دلالة على جواز الرقص في الإسلام، جاز أن يجعل قوله سبحانه لموسى:

{ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ }[الأعراف: 160] دلالة على ضرب المحادّ بالقضبان! نعوذ بالله من التلاعب بالشرع. وقد احتج بعض قاصريهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعليّ:«أنت منّي وأنا منك» فحَجل. وقال لجعفر: «أشبهت خَلْقي وخُلُقي» فحَجَل. وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» فحجل. ومنهم من احتج بأن الحبشة زَفَنت والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم. والجواب: أما الْحَجْل فهو نوع من المشي يُفعل عند الفرح فأين هو والرقص، وكذلك زَفْن الحبشة نوع من المشي يفعل عند اللقاء للحرب.

السابعة: قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} أي على البلاء. {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي توّاب رجّاع مطيع. وسئل سفيان عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر، وأنعم على الآخر فشكر؛ فقال: كلاهما سواء؛ لأن الله تعالى أثنى على عبدين، أحدهما صابر والآخر شاكر ثناء واحداً؛ فقال في وصف أيوب: «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» وقال في وصف سليمان: «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ».

قلت: وقد ردّ هذا الكلام صاحب «القوت» واستدل بقصة أيوب في تفضيل الفقير على الغنيّ وذكر كلاماً كثيراً شيد به كلامه، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع من كتاب «منهج العباد ومحجة السالكين والزهاد». وخفي عليه أن أيوب عليه السلام كان أحد الأغنياء من الأنبياء قبل البلاء وبعده، وإنما ابتلي بذهاب ماله وولده وعظيم الداء في جسده. وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه صبروا على ما به امتُحِنوا وفُتِنوا. فأيوب عليه السلام دخل في البلاء على صفة، فخرج منه كما دخل فيه، وما تغيّر منه حال ولا مقال، فقد اجتمع مع أيوب في المعنى المقصود، وهو عدم التغير الذي يفضل فيه بعض الناس بعضاً. وبهذا الاعتبار يكون الغني الشاكر والفقير الصابر سواء. وهو كما قال سفيان. والله أعلم. وفي حديث ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم:

إن أيوب خرج لما كان يخرج إليه من حاجته فأوحى الله إليه: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فاغتسل فأعاد الله لحمه وشعره وبشره على أحسن ما كان ثم شرب فأذهب الله كل ما كان في جوفه من ألم أو ضعف وأنزل الله عليه ثوبين من السماء أبيضين فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر ثم أقبل يمشي إلى منزله ورَاثَ على امرأته فأقبلت حتى لقيته وهي لا تعرفه فسلّمت عليه وقالت أي يرحمك الله هل رأيت هذا الرجل المبتلَى؟ قال من هو؟ قالت نبيّ الله أيوب، أما والله ما رأيت أحداً قط أشبه به منك إذ كان صحيحاً. قال فإني أيوب وأخذ ضِغْثاً فضربها به فزعم ابن شهاب أن ذلك الضغث كان ثماماً، وردّ الله إليه أهله ومثلهم معهم، فأقبلت سحابة حتى سجلت في أندر قمحه ذهباً حتى امتلأ، وأقبلت سحابة أخرى إلى أنْدَر شعيره وقطانِيه فسَجَلت فيه وَرِقا حتى امتلأ.

وَٱذْكُرْ عِبَٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَٰرِ ۝٤٥ إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ۝٤٦ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ ۝٤٧

قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} وقرأ ابن عباس: «عَبْدنَا» بإسناد صحيح؛ رواه ابن عُيينة عن عمرو عن عطاء عنه، وهي قراءة مجاهد وحُميد وابن مُحَيْصن وابن كثير؛ فعلى هذه القراءة يكون «إِبْرَاهِيمَ» بدلاً من «عَبْدَنَا» و«إسْحَاقَ وَيَعْقُوب» عطف. والقراءة بالجمع أبين، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ويكون «إِبْرَاهِيمَ» وما بعده على البدل. النحاس: وشرح هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيداً وعمراً وخالداً، فزيد وعمرو وخالد بدل وهم الأصحاب، وإذا قلت رأيت صاحبنا زيداً وعمراً وخالداً فزيد وحده بدل وهو صاحبنا، وزيد وعمرو عطف على صاحبنا وليسا بداخلين في المصاحبة إلا بدليل غير هذا، غير أنه قد علم أن قوله: {وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} داخل في العبودية. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، وهو الصحيح على ما ذكرناه في كتاب «الإعلام بمولد النبي عليه السلام». {أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ} قال النحاس: أما «الأَبْصَارِ» فمتفق على تأويلها أنها البصائر في الدين والعلم. وأما «الأَيْدِي» فمختلف في تأويلها؛ فأهل التفسير يقولون: إنها القوّة في الدين. وقوم يقولون: «الأَيْدِي» جمع يد وهي النعمة؛ أي هم أصحاب النعم؛ أي الذين أنعم الله عز وجل عليهم. وقيل: هم أصحاب النعم والإحسان؛ لأنهم قد أحسنوا وقدّموا خيراً. وهذا اختيار الطبري. {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ } أي الذين اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته. ومصطفَين جمع مصطفى والأصل مصتفى وقد مضى في «البقرة» عند قوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ }[البقرة: 132] «والأَخْيَار» جمع خير. وقرأ الأعمش وعبد الوارث والحسن وعيسى الثقفي «أولِي الأَيْدِ» بغير ياء في الوصل والوقف على معنى أولي القوّة في طاعة الله. ويجوز أن يكون كمعنى قراءة الجماعة وحذف الياء تخفيفاً.

قوله تعالى: {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ } قراءة العامة «بِخَالِصَةٍ» منونة وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وهشام عن ابن عامر «بِخَالِصَةِ ذِكْرى الدَّارِ» بالإضافة فمن نوّن خالصة فـ«ـذِكْرَى الدَّار» بدل منها؛ التقدير إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، ويرغبوا فيها ويُرَغِّبوا الناس فيها. ويجوز أن يكون «خالِصَةٍ» مصدراً لخلَص و«ذِكْرَى» في موضع رفع بأنها فاعله، والمعنى أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار؛ أي تذكير الدار الآخرة. ويجوز أن يكون «خالصة» مصدراً لأخلصت فحذفت الزيادة، فيكون «ذِكْرَى» على هذا في موضع نصب، التقدير: بأن أخلصوا ذكرى الدار. والدار يجوز أن يراد بها الدنيا؛ أي ليتذكروا الدنيا ويزهدوا فيها، ولتخلص لهم بالثناء الحسن عليهم، كما قال تعالى:

{ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } [مريم: 50] ويجوز أن يراد بها الدار الآخرة وتذكير الخلق بها. ومن أضاف خالصة إلى الدار فهي مصدر بمعنى الإخلاص، والذكرى مفعول به أضيف إليه المصدر؛ أي بإخلاصهم ذكرى الدار. ويجوز أن يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل والخالصة مصدر بمعنى الخلوص؛ أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار، وهي الدار الآخرة أو الدنيا على ما تقدّم. وقال ابن زيد: معنى أخلصناهم أي بذكر الآخرة؛ أي يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا. وقال مجاهد: المعنى إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم.

وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ ۝٤٨ هَٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٤٩ جَنَّٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ ۝٥٠ مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ۝٥١ وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ ۝٥٢ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝٥٣ إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ۝٥٤

قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ} مضى ذكر اليسع في «الأنعام» وذكر ذي الكفل في «الأنبياء». {وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ} أي ممن اختير للنبوّة. {هَـٰذَا ذِكْرٌ} بمعنى هذا ذكر جميل في الدنيا وشرف يذكرون به في الدنيا أبداً. {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} أي لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع في القيامة. ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} والعدن في اللغة الإقامة؛ يقال: عدن بالمكان إذا أقام. وقال عبد الله بن عمر: إن في الجنة قصراً يقال له عَدْن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حِبَرَة لا يدخله إلا نبيّ أو صِدّيق أو شهيد. {مُّفَتَّحَةً} حال {لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} رفعت الأبواب لأنه اسم ما لم يسم فاعله. قال الزجاج: أي مفتحة لهم الأبواب منها. وقال الفرّاء: مفتحة لهم أبوابها. وأجاز الفرّاء: «مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابَ» بالنصب. قال الفرّاء: أي مفتحة الأبوابِ ثم جئت بالتنوين فنصبت. وأنشد هو وسيبويه:

ونأخذُ بعدهُ بِذِنَابِ عَيْشٍأَجبَّ الظَّهْرَ ليس له سَنَامُ

وإنما قال: «مُفَتَّحَةً» ولم يقل مفتوحة؛ لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس. قال الحسن: تُكلَّم: انفتحي فتنفتح انغلقي فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب.

قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} هو حال قدمت على العامل فيها وهو قوله: {يَدْعُونَ فِيهَا} أي يدعون في الجنات متكئين فيها. {بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} أي بألوان الفواكه {وَشَرَابٍ} أي وشراب كثير فحذف لدلالة الكلام عليه.

قوله تعالى: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم وقد مضى في «الصافات». {أَتْرَابٌ} أي على سن واحد. وميلاد امرأة واحدة، وقد تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة. قال ابن عباس: يريد الآدميات. و«أَتْرابٌ» جمع تِرْب وهو نعت لقاصرات؛ لأن «قاصِرَاتُ» نكرة وإن كان مضافاً إلى المعرفة. والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه كما قال:

مِن القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌمن الذَّرِّ فوق الإِتْبِ مِنها لأَثَّرا

قوله تعالى: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } أي هذا الجزاء الذي وعدتم به. وقراءة العامة بالتاء أي ما توعدون أيها المؤمنون. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب بالياء على الخبر، وهي قراءة السُّلمي واختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ لقوله تعالى: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} فهو خبر. «لِيوْمِ الْحِسَابِ» أي في يوم الحساب، قال الأعشى:

المهِينِين مَا لَهُمْ لزمانِ السَّــوءِ حتى إِذا أفاق أفاقوا

أي في زمان السوء.

قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } دليل على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع؛ كما قال:

{ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } [هود: 108]وقال: { لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } [الانشقاق: 25].

هَٰذَا وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍ ۝٥٥ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝٥٦ هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۝٥٧ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ ۝٥٨ هَٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا۟ ٱلنَّارِ ۝٥٩ قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ۝٦٠ قَالُوا۟ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِى ٱلنَّارِ ۝٦١

قوله تعالى: {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ } لما ذكر ما للمتقين ذكر ما للطاغين. قال الزجاج: «هَذَا» خبر ابتداء محذوف أي الأمر هذا فيوقف على «هذا» قال ابن الأنباري: «هذا» وقف حسن ثم تبتدىء «وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ» وهم الذين كذبوا الرسل. {لَشَرَّ مَآبٍ} أي منقلب يصيرون إليه. ثم بيّن ذلك بقوله: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } أي بئس ما مهدوا لأنفسهم، أو بئس الفراش لهم. ومنه مهد الصبي. وقيل: فيه حذف أي بئس موضع المهاد. وقيل: أي هذا الذي وصفت لهؤلاء المتقين، ثم قال: وإن للطاغين لشر مرجع فيوقف على «هذا» أيضاً.

قوله تعالى: {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } «هَذَا» في موضع رفع بالابتداء وخبره «حَمِيمٌ» على التقديم والتأخير؛ أي هذا حميم وغساق فليذوقوه. ولا يوقف على «فلْيَذُوقُوهُ» ويجوز أن يكون «هَذَا» في موضع رفع بالابتداء و«فَلْيَذُوقُوهُ» في موضع الخبر، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في «هَذَا» فيوقف على «فَلْيَذُوقُوهُ» ويرتفع «حَمِيمٌ» على تقدير هذا حميم. قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا، وحميم وغساق إذا لم تجعلهما خبرا فرفعهما على معنى هو حميم وغسّاق. والفرّاء يرفعهما بمعنى منه حميم ومنه غسّاق وأنشد:

حتّى إذا ما أَضَاءَ الصُّبْحُ في غلَسٍوغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ

وقال آخر:

لها مَتَاعٌ وأَعْوانٌ غَدَوْنَ بِهِقِتْبٌ وغَرْب إذا ما أُفْرغَ انْسَحَقَا

ويجوز أن يكون «هذَا» في موضع نصب بإضمار فعل يفسره «فَلْيَذُوقُوهُ» كما تقول زيداً اضربه. والنصب في هذا أولى فيوقف على «فَلْيَذُوقُوهُ» وتبتدىء «حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ» على تقدير الأمر حميم وغسّاق. وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف السين في «وغَسَّاق». وقرأ يحيـى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي «وغسَّاق» بالتشديد، وهما لغتان بمعنى واحد في قول الأخفش. وقيل: معناهما مختلف؛ فمن خفّف فهو اسم مثل عذاب وجوَاب وصوَاب، ومن شدّد قال: هو اسم فاعل نقل إلى فعّال للمبالغة، نحو ضرّاب وقتّال وهو فعّال من غَسَق يغسِق فهو غسّاق وغاسِق. قال ابن عباس: هو الزمهرير يخوّفهم ببرده. وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما. إنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحرِّه. وقال عبد الله بن عمرو: هو قيح غليظ لو وقع منه شيء بالمشرق لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شيء في المغرب لأنتن من في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة ومن نَتْن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنَّتْن. وقال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار. وهذا القول أشبه باللغة؛ يقال: غَسَق الجرح يغسِق غسقا إذا خرج منه ماء أصفر؛ قال الشاعر:

إذا ما تَذَكَّرْتُ الحياةَ وطِيبهَاإليّ جَرَى دَمْعٌ من اللّيلِ غاسِقُ

أي بارد. ويقال: ليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار. وقال السدّي: الغسّاق الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، يجمع في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم. والاختيار على هذا «وغَسّاق» حتى يكون مثل سيّال. وقال كعب: الغسّاق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي حُمَةٍ من عقرب وحيَّة. وقيل: هو مأخوذ من الظلمة والسواد. والغسق أوّل ظلمة الليل، وقد غَسقَ الليلُ يغسِق إذا أظلم. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لو أن دَلْواً من غساق يُهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا».

قلت: وهذا أشبه على الاشتقاق الأوّل كما بينا، إلا أنه يحتمل أن يكون الغساق مع سيلانه أسود مظلماً فيصح الاشتقاقان. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } قرأ أبو عمرو: «وَأخَرُ» جمع أخرى مثل الكبرى والكُبَر. الباقون: «وَآخَرُ» مفرد مذكر. وأنكر أبو عمرو «وَآخَرُ» لقوله تعالى: {أَزْوَاجٌ} أي لا يخبر بواحد عن جماعة. وأنكر عاصم الجحدريّ «وَأخَرُ» قال: ولو كانت «وَأُخَرُ» لكان من شكلها. وكلا الردين لا يلزم والقراءتان صحيحتان. «وَآخرُ» أي وعذاب آخر سوى الحميم والغساق. «مِنْ شَكْلِهِ» قال قتادة: من نحوه. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. وارتفع «وآخر» بالابتداء و«أَزْوَاجٌ» مبتدأ ثانٍ و«مِنْ شَكْلِهِ» خبره والجملة خبر «آخر». ويجوز أن يكون «وآخر» مبتدأ والخبر مضمر دل عليه {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } لأن فيه دليلاً على أنه لهم، فكأنه قال: ولهم آخر ويكون {مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} صفة لآخر فالمبتدأ متخصص بالصفة و«أَزْوَاجٌ» مرفوع بالظرف. ومن قرأ «وَأُخرُ» أراد وأنواع من العذاب أُخَرُ، ومن جمع وهو يريد الزمهرير فعلى أنه جعل الزمهرير أجناساً فجمع لاختلاف الأجناس. أو على أنه جعل لكل جزء منه زمهريراً ثم جمع كما قالوا: شابت مفارقه. أو على أنه جمع لما في الكلام من الدلالة على جواز الجمع؛ لأنه جعل الزمهرير الذي هو نهاية البرد بإزاء الجمع في قوله: {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } والضمير في «شكْلِهِ» يجوز أن يعود على الحميم أو الغسّاق. أو على معنى: «وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ» ما ذكرنا، ورفع «أُخَرُ» على قراءة الجمع بالابتداء و«مِنْ شَكْلِهِ» صفة له وفيه ذكر يعود على المبتدأ و«أَزْوَاجٌ» خبر المبتدأ. ولا يجوز أن يحمل على تقدير ولهم أخر و«مِنْ شَكْلِهِ» صفة لأخر و«أَزْوَاجٌ» مرتفعة بالظرف كما جاز في الإفراد؛ لأن الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع «أَزْوَاجٌ» بالظرف ولا ضمير في الظرف، والهاء في «شكله» لا تعود على «أخر» لأنه جمع والضمير مفرد؛ قاله أبو علي. و«أَزْوَاجٌ» أي أصناف وألوان من العذاب. وقال يعقوب: الشكل بالفتح المثل وبالكسر الدل.

قوله تعالى: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} قال ابن عباس: هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة: «هَذَا فَوْجٌ» يعني الأتباع والفوج الجماعة «مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ» أي داخل النار معكم؛ فقالت السادة: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} أي لا اتسعت منازلهم في النار. والرحب السعة، ومنه رحبة المسجد وغيره. وهو في مذهب الدعاء فلذلك نصب؛ قال النابغة:

لاَ مَرْحَباً بِغَدٍ ولاَ أَهْلاً بِهِإنْ كَانَ تَفْرِيقُ الأَحِبَّةِ في غَد

قال أبو عبيدة العرب تقول: لا مرحبا بك؛ أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت. {إِنَّهُمْ صَالُوا ٱلنَّارِ} قيل: هو من قول القادة، أي إنهم صالوا النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة متصل بقولهم: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} و{قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} هو من قول الأتباع. وحكى النقاش: إن الفوج الأوّل قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر. والظاهر من الآية أنها عامة في كل تابع ومتبوع. {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} أي دعوتمونا إلى العصيان {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} لنا ولكم {قَالُواْ} يعني الأتباع {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا} قال الفراء: من سوّغ لنا هذا وسَنّه. وقال غيره: من قدم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى المعاصي {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ} وعذاباً بدعائه إيانا فصار ذلك ضعفاً. وقال ابن مسعود: معنى عذاباً ضعفاً في النار الحيات والأفاعي. ونظير هذه الآية قوله تعالى: { رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ } [الأعراف: 38].

وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ ۝٦٢ أَتَّخَذْنَٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَٰرُ ۝٦٣ إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ ۝٦٤

قوله تعالى: {وَقَالُواْ} يعني أكابر المشركين {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ يقول أبو جهل: أين بلال أين صُهَيْب أين عَمّار أولئك في الفردوس! واعجباً لأبي جهل! مسكين؛ أسلم ابنه عكرمة، وابنته جُوَيرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو؛ قال:

ونوراً أضاءَ الأرضَ شَرْقاً ومَغْرِباًوموضِعُ رِجلِي مِنْهُ أَسْوَدُ مُظْلِمُ

{أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً} قال مجاهد: أتخذناهم سخريا في الدنيا فأخطأنا {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـرُ} فلم نعلم مكانهم. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا؛ اتخذوهم سخريًّا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم. وقيل: معنى {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـرُ} أي أهم معنا في النار فلا نراهم. وكان ابن كثير والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي يقرؤون «مِنَ الأَشْرَارِ اتَّخَذْنَاهُمْ» بحذف الألف في الوصل. وكان أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وابن عامر يقرؤون «أَتَّخَذْنَاهُمْ» بقطع الألف على الاستفهام وسقطت ألف الوصل؛ لأنه قد استغنى عنها؛ فمن قرأ بحذف الألف لم يقف على «الأَشْرَارِ» لأن «اتَّخَذْنَاهُمْ» حال. وقال النحاس والسجستاني: هو نعت لرجال. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ؛ لأن النعت لا يكون ماضياً ولا مستقبلاً. ومن قرأ: «أَتخذناهم» بقطع الألف وقف على «الأَشْرَارِ» قال الفراء: والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب. «أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ» إذا قرأت بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا قرأت بغير الاستفهام فهي بمعنى بل. وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة والمفضّل وهبيرة ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائي: «سُخْرِيًّا» بضم السين. الباقون بالكسر. قال أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء ومن ضم جعله من التسخير. وقد تقدّم. {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } «لَحَقٌّ» خبر إنّ و«تَخَاصُمُ» خبر مبتدأ محذوف بمعنى هو تخاصم. ويجوز أن يكون بدلاً من حق. ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر. ويجوز أن يكون بدلاً من ذلك على الموضع. أي إنّ تخاصم أهل النار في النار لحق. يعني قولهم: «لاَ مَرْحبَاً بِكُمْ» الآية وشبهه من قول أهل النار.

قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ۝٦٥ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ ۝٦٦ قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ ۝٦٧ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ۝٦٨ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ۝٦٩ إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٧٠

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ} أي مخوف عقاب الله لمن عصاه وقد تقدّم. {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ} أي معبود {إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} الذي لا شريك له {رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } بالرفع على النعت وإن نصبت الأول نصبته. ويجوز رفع الأول ونصب ما بعده على المدح. «وَالْعَزِيزُ» معناه المنيع الذي لا مثل له. «الغَفَّارُ» الستار لذنوب خلقه.

قوله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ } أي وقل لهم يا محمد: «هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ» أي ما أنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبر عظيم القدر فلا ينبغي أن يُستخَّف به. قال معناه قتادة. نظيره قوله تعالى:

{ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } [النبأ: 1 ـ 2]. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني القرآن الذي أنبأكم به خبر جليل. وقيل: عظيم المنفعة {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.

قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسّدي اختصموا في أمر آدم حين خلق فـ

{ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } [البقرة: 30] وقال إبليس: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} وفي هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلٰهي؛ فقد قامت المعجزة على صدقه، فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه؛ ولهذا وصل قوله بقوله: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }. وقول ثان رواه أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألني ربي فقال يا محمد فِيم اختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات والدرجات قال وما الكفارات قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السَّبْرَات والتعقيب في المساجد بانتظار الصلاة بعد الصلاة قال وما الدرجات قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيامخرجه الترمذي بمعناه عن ابن عباس، وقال فيه حديث غريب. وعن معاذ بن جبل أيضاً وقال حديث حسن صحيح. وقد كتبناه بكماله في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وأوضحنا إشكاله والحمد لله. وقد مضى في «يس» القول في المشي إلى المساجد، وأن الخُطَا تكفّر السيئات، وترفع الدرجات. وقيل: الملأ الأعلى الملائكة والضمير في «يَخْتَصِمُونَ» لفرقتين. يعني قول من قال منهم الملائكة بنات الله، (ومن قال آلهة تعبد). وقيل: الملأ الأعلى هاهنا قريش؛ يعني اختصامهم فيما بينهم سِرًّا، فأطلع الله نبيه على ذلك. {إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي إن يوحى إليّ إلا الإنذار. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «إِلاَّ إِنَّمَا» بكسر الهمزة؛ لأن الوحي قول، كأنه قال: يقال لي إنما أنت نذير مبين، ومن فتحها جعلها في موضع رفع؛ لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله. قال الفراء: كأنك قلت ما يوحى إليّ إلا الإنذار، النحاس: ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى إلا لأنما. والله أعلم.

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍ ۝٧١ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ۝٧٢ فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ۝٧٣ إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧٤

قوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} «إِذْ» من صلة «يَخْتَصِمُونَ» المعنى؛ ما كان لي من علم بالملإ الأعلى حين يختصمون حين {قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ}. وقيل: «إِذْ قَالَ» بدل من «إِذْ يَخْتَصِمُونَ» و«يَخْتَصِمُونَ» يتعلق بمحذوف؛ لأن المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم. {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} «إذَا» تردّ الماضي إلى المستقبل؛ لأنها تشبه حروف الشرط وجوابها كجوابه؛ أي خلقته. {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} أي من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. فهذا معنى الإضافة، وقد مضى هذا المعنى مجوّداً في «النساء» في قوله في عيسى

{ وَرُوحٌ مِّنْهُ } [النساء: 171]. {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} نصب على الحال. وهذا سجود تحية لا سجود عبادة. وقد مضى في «البقرة» {فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } أي امتثلوا الأمر وسجدوا له خضوعاً له وتعظيماً لله بتعظيمه {إِلاَّ إِبْلِيسَ} أنف من السجود له جهلاً بأن السجود له طاعة لله، والأنفة من طاعة الله استكباراً كفر، ولذلك كان من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى. وقد مضى الكلام في هذا في «البقرة» مستوفى.

قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ۝٧٥ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ ۝٧٦ قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۝٧٧ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٧٨ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝٧٩ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ۝٨٠ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ۝٨١ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٨٣

قوله تعالى: {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ} أي صرفك وصدّك {أَن تَسْجُدَ} أي عن أن تسجد {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} أضاف خلقه إلى نفسه تكريماً له، وإن كان خالق كل شيء وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد؛ فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئاً بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم، فذِكْر اليد هنا بمعنى هذا. قال مجاهد: اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة؛ مجازه لما خلقت أنا كقوله:

{ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ } [الرحمن: 27] أي يبقى ربك. وقيل: التشبيه في اليد في خلق الله تعالى دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة؛ وإنما هما صفتان من صفات ذاته تعالى. وقيل: أراد باليد القدرة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد. وما لي بالحِمْل الثقيلِ يَدَانِ. ويدل عليه أن الخلق لا يقع إلا بالقدرة بالإجماع. وقال الشاعر:

تَحمَّلْت مِنْ (عَفْرَاءَ) ما ليس لِي بِهولا للجِبَالِ الرّاسِياتِ يَدَانِ

وقيل: «لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» لما خلقت بغير واسطة. {أَسْتَكْبَرْتَ} أي عن السجود {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} أي المتكبرين على ربك. وقرأ محمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير وأهل مكة «بِيَدَيَّ اسْتَكْبَرْتَ» موصولة الألف على الخبر وتكون أم منقطعة بمعنى بل مثل: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ» وشبهه. ومن استفهم فـ«ـأمْ» معادلة لهمزة الاستفهام وهو تقرير وتوبيخ. أي استكبرت بنفسك حين أبيت عن السجود لآدم، أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت لهذا.

قوله تعالى: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} قال الفرّاء: من العرب من يقول أنا أخير منه وأشرُّ منه؛ وهذا هو الأصل إلا أنه حذف لكثرة الاستعمال. {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فَضَّل النار على الطين وهذا جهل منه؛ لأن الجواهر متجانسة فقاس فأخطأ القياس. وقد مضى في «الأعراف» بيانه. {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا} يعني من الجنة {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي مرجوم بالكواكب والشهب {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ} أي طردي وإبعادي من رحمتي {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تعريف بإصراره على الكفر لأن اللعن منقطع حينئذٍ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أراد الملعون ألا يموت فلم يُجَب إلى ذلك، وَأُخِّر إلى الوقت المعلوم، وهو يوم يموت الخلق فيه، فَأُخّر إليه تهاوناً به. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } لما طرده بسبب آدم حلف بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات وإدخال الشبه عليهم، فمعنى: «لأُغْوِيَنَّهُمْ» لأستدعينهم إلى المعاصي وقد علم أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة، ولا يفسد إلا من كان لا يصلح لو لم يوسوسه؛ ولهذا قال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي الذين أخلصتَهم لعبادتك، وعصمتهم مني. وقد مضى في «الحجر» بيانه.

قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ۝٨٤ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٨٥ قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ۝٨٦ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ ۝٨٧ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ ۝٨٨

قوله تعالى: {قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } هذه قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة والكسائي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وعاصم والأعمش وحمزة برفع الأول. وأجاز الفرّاء فيه الخفض. ولا اختلاف في الثاني في أنه منصوب بـ«ـأقول» ونصب الأوّل على الإغراء أي فاتبعوا الحق واستمعوا الحق، والثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: هو بمعنى أُحِقّ الحقّ أي أفعله. قال أبو علي: الحق الأوّل منصوب بفعل مضمر أي يحق الله الحق، أو على القسم وحذف حرف الجر؛ كما تقول: الله لأفعلنّ؛ ومجازه: قال فبالحق وهو الله تعالى أقسم بنفسه. «والْحَقَّ أَقُولُ» جملة اعترضت بين القسم والمقسم عليه، وهو توكيد القصة، وإذا جعل الحق منصوباً بإضمار فعل كان «لأملانّ» على إرادة القسم. وقد أجاز الفرّاء وأبو عبيد أن يكون الحق منصوباً بمعنى حقاً «لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ» وذلك عند جماعة من النحويين خطأ؛ لا يجوز زيداً لأضربنّ؛ لأن ما بعد اللام مقطوع مما قبلها فلا يعمل فيه. والتقدير على قولهما لأملانّ جهنم حقّاً. ومن رفع «الحقّ» رفعه بالابتداء؛ أي فأنا الحقُّ أو الحقُّ مني. رويا جميعاً عن مجاهد. ويجوز أن يكون التقدير هذا الحقّ. وقول ثالث على مذهب سيبويه والفراء أن معنى فالحقّ لأملأن جهنم بمعنى فالحق أن أملأ جهنم. وفي الخفض قولان وهي قراءة ابن السَّمَيْقَع وطلحة بن مُصَرِّف: أحدهما أنه على حذف حرف القسم. هذا قول الفراء قال كما يقول: الله عز وجل لأفعلنّ. وقد أجاز مثل هذا سيبويه وغلطه فيه أبو العباس ولم يُجِز الخفض؛ لأن حروف الخفض لا تضمر، والقول الآخر أن تكون الفاء بدلاً من واو القسم؛ كما أنشدوا:

فمثـلِـكِ حُبْـلَـى قـد طَـرَقْـتُ ومُـرْضِـع

{لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ} أي من نفسك وذريتك {وَمِمَّن تَبِعَكَ} من بني آدم {أَجْمَعِينَ}. قوله تعالى: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي من جُعل على تبليغ الوحي وكنى به عن غير مذكور. وقيل هو راجع إلى قوله: { أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا }[صۤ: 8]. {وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} أي لا أتكلف ولا أتخرص ما لم أومر به. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: من سئل عما لم يعلم فليقل لا أعلم ولا يتكلف؛ فإن قوله لا أعلم عِلمٌ، وقد قال الله عز وجل لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ }. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: للمتكلف ثلاث علامات ينازع مَن فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم. وروى الدَّارَقُطْنِي من حديث نافع عن ابن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فسار ليلاً فمروا على رجل جالس عند مَقْرَاة له، فقال له عمر: يا صاحب المَقْرَاة أوْلَغت السباع الليلة في مَقْرَاتك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا صاحب المَقْرَاة لا تخبره هذا متكلِّف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور». وفي الموطأ عن يحيـى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا. وقد مضى القول في المياه في سورة «الفرقان». {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ} يعني القرآن {لِّلْعَالَمِينَ} من الجن والإنس. {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } أي نبأ الذكر وهو القرآن أنه حق «بَعْدَ حِينٍ» قال قتادة: بعد الموت. وقاله الزجاج. وقال ابن عباس وعكرمة وابن زيد: يعني يوم القيامة. وقال الفراء: بعد الموت وقبله. أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول: «بَعْدَ حِينٍ» أي في المستأنف أي إذا أخذتكم سيوف المسلمين. قال السّدي: وذلك يوم بدر. وكان الحسن يقول: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وسئل عكرمة عمن حلف ليصنعن كذا إلى حين. قال: إن من الحين ما لا تدركه كقوله تعالى؛ {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } ومنه ما تدركه؛ كقوله تعالى: { تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } [إبراهيم: 25] من صرام النخل إلى طلوعه ستة أشهر. وقد مضى القول في هذا في «البقرة» و«إبراهيم» والحمد لله.
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ