انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير الطبريالآيات 84–94

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يونس

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:32:57

  1. 1 الآيات 71–89في هذه الصفحة 14:19
  2. 2 الآيات 90–109في هذه الصفحة 15:17

التفسير الصوتي لسورة يونس كاملًا (6 مقاطع)

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ۝٨٤

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل موسى نبيه لقومه: يا قوم إن كنتم أقررتم بوحدانية الله وصدّقتم بربوبيته. {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا } يقول: فبه فثقوا، ولأمره فسلّموا، فإنه لن يخذل وليه ويسلم من توكل عليه. {وإنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } يقول: إن كنتم مذعنين لله بالطاعة، فعليه توكلوا.

فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٨٥

يقول تعالى ذكره: فقال قوم موسى لموسى: {عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا} أي به وثقنا، وإليه فوّضنا أمرنا. وقوله:{ رَبِّنا لا تجعلنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يقول جلّ ثناؤه مخبراً عن قوم موسى أنهم دعوا ربهم فقالوا: يا ربنا لا تختبر هؤلاء القوم الكافرين، ولا تمتحنهم بنا يعنون قوم فرعون.

وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سألوه ربهم من إعادته ابتلاء قوم فرعون بهم، فقال بعضهم: سألوه أن لا يظهرهم عليهم، فيظنوا أنهم خير منهم وأنهم إنما سلطوا عليهم لكرامتهم عليه وهوان الآخرين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، في قوله: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } قال: لا يظهروا علينا فيروا أنهم خير منا.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز في قوله:{ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } قال: قالوا: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى:{ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } قال: لا تسلطهم علينا فيزدادوا فتنة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ} لا تسلطهم علينا فيفتنونا.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله:{ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } قال: لا تسلطهم علينا فيضلونا.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. وقال أيضاً: فيفتنونا.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ} لا تعذّبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حقّ ما سلطنا عليهم ولا عذّبوا، فيفتنوا بنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله:{ لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } قال: لا تعذبّنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حقّ ما سلطنا عليهم ولا عذّبوا، فيفتتنوا بنا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، قوله:{ لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } قال: لا تصبنا بعذاب من عندك ولا بأيديهم فيفتتنوا ويقولوا: لو كانوا على حقّ ما سلطنا عليهم وما عذّبوا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله تعالى:{ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } لا تبتلنا ربنا فتجهدنا وتجعله فتنة لهم هذه الفتنة. وقرأ:{ فِتْنَةً للظَّالمينَ } قال المشركون حين كانوا يؤذون النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويرمونهم:: أليس ذلك فتنة لهم، وسوءا لهم؟ وهي بلية للمؤمنين.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن القوم رغبوا إلى الله في أن يجيرهم من أن يكونوا محنة لقوم فرعون وبلاء، وكل ما كان من أحرٍ لهم مَصَدّة عن اتباع موسى والإقرار به وبما جاءهم به، فإنه لا شكّ أنه كان لهم فتنة، وكان من أعظم الأمور لهم إبعادا من الإيمان بالله ورسوله. وكذلك من المَصَدّة كان لهم عن الإيمان، أن لو كان قوم موسى عاجلتهم من الله محنة في أنفسهم من بلية تنزل بهم، فاستعاذ القوم بالله من كل معنى يكون صادا لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم.

وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٨٦

يقول تعالى ذكره: ونجنا يا ربنا برحمتك، فخلّصنا من أيدي القوم الكافرين قوم فرعون لأنهم كان يستعبدونهم ويستعملونهم في الأشياء القذرة من خدمتهم.

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٨٧

يقول تعالى ذكره: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذ لقومكما بمصر بيوتاً، يقال منه: تبوأ فلان لنفسه بيتاً: إذا اتخذه، وكذلك تبوأ مصحفا: إذا اتخذه، وبوأته أنا بيتاً: إذا اتخذته له. {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } يقول: واجعلوا بيوتكم مساجد تصلون فيها.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان عن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: مساجد.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: أمروا أن يتخذوها مساجد.

قال: ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، قال: ثنا زهير، قال: ثنا خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله تعالى:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: كانوا يفرقون من فرعون وقومه أن يصلوا، فقال لهم: اجعلوا بيوتكم قبلة، يقول: اجعلوها مسجدا حتى تصلوا فيها.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال: خافوا فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شبل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: كانوا لا يصلون إلا في البيع، وكانوا لا يصلون إلا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.

قال: ثنا جرير عن ليث، عن مجاهد، قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.

قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: كانت بنو إسرائيل تخاف فرعون، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } يقول: مساجد.

قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: كانوا يصلون في بيوتهم يخافون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن الحباب، عن أبي سنان، عن الضحاك:{ أنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً} قال: مساجد.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: قال أبي زيد: اجعلوا في بيوتكم مساجدكم تصلون فيها تلك القبلة.

وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا مساجدكم قبل الكعبة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } يعني الكعبة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّر المُوءْمِنِينَ} قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة. فأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة.

حدثنا القاسم. قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس في قوله:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } يقول: وجهوا بيوتكم مساجدكم نحو القبلة، ألا ترى أنه يقول:

{ { فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تَرْفَعَ؟ } }

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: قبل القبلة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:{ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: نحو الكعبة، حين خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرًّا.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } ثم ذكر مثله سواء.

قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وأوْحَيْنا إلى مُوسَى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً} مساجد.

قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: في قوله:{ أنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً} قال: مصر، الإسكندرية.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأوْحَيْنا إلى مُوسَى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: وذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم وأن يوجهوا نحو القبلة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: نحو القبلة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق، عن أبي سنان، عن الضحاك:{ وأوْحَيْنا إلى مُوسَى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً} قال: مساجد. {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: قبل القبلة.

وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير:{ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: يقابل بعضها بعضا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي قدمنا بيانه وذلك أن الأغلب من معاني البيوت وإن كانت المساجد بيوتا، البيوت المسكونة إذا ذكرت باسمها المطلق دون المساجد لأن المساجد لها اسم هي به معروفة خاصّ لها، وذلك المساجد. فأما البيوت المطلقة بغير وصلها بشيء ولا إضافتها إلى شيء، فالبيوت المسكونة، وكذلك القبلة الأغلب من استعمال الناس إياها في قِبَل المساجد وللصلوات. فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به دون الخفي المجهول ما لم تأت دلالة تدلّ على غير ذلك، ولم يكن على قوله: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } دلالة تقطع العذر بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب، لم يجز لنا توجيهه إلى غير الظاهر الذي وصفنا. وكذلك القول في قوله:{ قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ } يقول تعالى ذكره: وأدّوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها. وقوله:{ وَبَشِّرِ المُومِنِينَ } يقول جلّ ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام: وبشر مقيمي الصلاة المطيعي الله يا محمد المؤمنين بالثواب الجزيل منه.

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةً وَأَمْوَٰلًا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ۝٨٨

يقول تعالى ذكره: وقال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم، وهم الملأ، زينة من متاع الدنيا وأثاثها، وأمولاً من أعيان الذهب والفضة في الحياة الدنيا. {رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ } يقول موسى لربه: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من ذلك ليضلوا عن سبيلك.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم:{ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} بمعنى: ليضلوا الناسَ عن سبيلك، ويصدّوهم عن دينك.

وقرأ ذلك آخرون: «لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ» بمعنى: ليضلوا هم عن سبيلك، فيَجوروا عن طريق الهدى.

فإن قال قائل: أفكان الله جلّ ثناؤه أعطى فرعون وقومه ماأعطاهم من زينة الدنيا وأموالها ليُضلوا الناس عن دينه، أو ليَضلوا هم عنه؟ فإن كان لذلك أعطاهم ذلك، فقد كان منهم ما أعطاهم لأجله، فلا عتب عليهم في ذلك؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت.

وقد اختلفت أهل العلم بالعربية في معنى هذه اللام التي في قوله:{ لِيُضِلّوا } فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ربنا فضلوا عن سبيلك، كما قال:

{ فالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُوَنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً } أي فكان لهم وهم لم يلتقطوه ليكون عدوا وحزنا، وإنما التقطوه فكان لهم. قال: فهذه اللام تجيء في هذا المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة: هذه اللام لام كي ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم كي يضلوا، ثم دعا عليهم وقال آخر: هذه اللامات في قوله «ليضلوا» و «ليكون لهم عدوًّا»، وما أشبهها بتأويل الخفض: آتيتهم ما أتيتهم لضلالهم، والتقطوه لكونه لأنه قد آلت الحالة إلى ذلك. والعرب تجعل لام كي في معنى لام الخفض، ولام الخفض في معنى لام كي لتقارب المعنى، قال الله تعالى: { { سَيَحْلِفُونَ باللَّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتَعْرِضُوا عَنْهُمْ } } أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم وقال الشاعر:

سَمَوْتَ ولَمْ تَكُنْ أهْلاً لِتَسْمُووَلكنَّ المُضَيَّعَ قَدْ يُصَابُ

قال: وإنما يقال: وما كنت أهلاً للفعل، ولا يقال لتفعل إلا قليلاً. قال: وهذا منه.

والصواب من القول في ذلك عندي: أنها لا م كي، ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويُضِلوا عن سبيلك عبادك، عقوبةً منك. وهذا كما قال جلّ ثناؤه:

{ { لأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } } وقوله: {رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ} هذا دعاء من موسى، دعا الله على فرعون وملئه أن يغير أموالهم عن هيئتها، ويبدّلها إلى غير الحال التي هي بها، وذلك نحو قوله: { مِنْ قَبْل أنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنرُدَّها على أدْبارِها }يعني به: من قبل أن نغيرها عن هيئتها التي هي بها، يقال منه: طمست عينه أطْمِسُها وأطْمُسُها طمساً وطُمُوساً، وقد تستعمل العرب الطَّمْس في العُفُوّ والدثور وفي الاندقاق والدروس، كما قال كعب بن زهير:

مِنْ كلّ نَضَّاخَةِ الذفْرَى إذا عَرِقَتعُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك في هذا الموضع، فقال جماعة منهم فيه مثل قولنا. ذكر من قال ذلك:

حدثني زكريا بن يحيى بن زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: ثني ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قال: بلغنا عن القرظي، في قوله:{ رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ } قال: اجعل سكرهم حجارة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن محمد بن القرظيّ، قال: اجعل سكرهم حجارة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:{ اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ } قال: اجعلها حجارة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبُو حذيفة، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: ثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس، في قوله:{ اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ } قال: صارت حجارة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ} قال: بلغنا أن زروعهم تحوّلت حجارة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ} قال: بلغنا أن حروثا لهم صارت حجارة.

حدثني المثنى، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان: {رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ} قال: يقولون: صارت حجارة.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق. قال: ثنا يحيى الحماني، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إسماعيل عن أبي صالح، في قوله: {رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ} قال: صارت حجارة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ} قال: بلغنا أن حروثا لهم صارت حجارة.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ} قال: جعلها الله حجارة منقوشة على هيئة ما كانت.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ} قال: قد فعل ذلك، وقد أصابهم ذلك طمس على أموالهم، فصارت حجارة ذهبهم ودراهمهم وعدسهم وكلّ شيء.

وقال آخرون: معنى ذلك: أهلكها. ذكر من قال ذلك:

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ} قال: أهلكها.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{ رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ } يقول: دمر عليهم وأهلك أموالهم.

وأما قوله: {وَاشْدُدْ على قُلوبِهِمْ} فإنه يعني: واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح بالإيمان. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: وقال موسى قبل أن يأتي فرعون: ربنا {وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ فَلا يؤْمِنُوا حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ} فاستجاب الله له، وحال بين فرعون وبين الإيمان حتى أدركه الغرق، فلم ينفعه الإيمان.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ } يقول: واطبع على قلوبهم، رحتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ} وهو الغرق.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ} بالضلالة.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ } قال: بالضلالة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ } يقول: أهلكهم كفارا.

وأما قوله:{ فَلا يُوءْمِنُوا حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ } فإن معناه: فلا يصدّقوا بتوحيد الله ويقروا بوحدانيته حتى يروا العذاب الموجع. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ فَلا يؤْمِنُوا } بالله فيما يرون من الآيات، {حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ}.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: سمعت المنقري يقول:{ فَلا يؤْمِنُوا } يقول: دعا عليهم.

واختلف أهل العربية في موضع:{ يُوءْمِنُوا } فقال بعض نحويي البصرة: هو نصب لأن جواب الأمر بالفاء أو يكون دعاء عليهم إذا عصوا. وقد حُكي عن قائل هذا القول أنه كان يقول: هو نصب عطفا على قوله:{ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ}. وقال آخر منهم، وهو قول نحوييِّ الكوفة: موضعه جزم على الدعاء من موسى عليهم، بمعنى: فلا آمنوا، كما قال الشاعر:

فَلا يَنْبَسِطْ مِنْ بينِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوَىوَلا تَلْقَنِي إلاَّ وأنْفُكَ رَاغِمُ

بمعنى: فلا انبسط من بين عينيك ما انزوى، ولا لقيتني على الدعاء. وكان بعض نحويّي الكوفة يقول: هو دعاء، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا. قال: وإن شئت جعلتها جوابا لمسئلته إياه، لأن المسئلة خرجت على لفظ الأمر، فتجعل {فلا يؤْمِنُوا} في موضع نصب على الجواب، وليس بسهل. قال: ويكون كقول الشاعر:

يا ناقَ سِيرِي عَنَقاً فَسِيحاإلى سُلَيْمَانَ فَنَستَرِيحا

قال: وليس الجواب بسهل في الدعاء لأنه ليس بشرط.

والصواب من القول في ذلك أنه في موضع جزم على الدعاء، بمعنى: فلا آمنوا. وإنما اخترت ذلك لأن ما قبله دعاء، وذلك قوله:

{ { رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ } }، فإلحاق قوله:{ فَلا يؤْمِنُوا} إذ كان في سياق ذلك بمعناه أشبهُ وأولى.

وأما قوله: {حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ} فإن ابن عباس كان يقول: معناه: حتى يروا الغرق.

وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك من بعض وجوهها فيما مضى.

حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عباس: {فَلا يؤْمِنُوا حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ} قال: الغرق.

قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۝٨٩

وهذا خبر من الله عن إجابته لموسى صلى الله عليه وسلم وهارون دعاءهما على فرعون وأشراف قومه وأموالهم. يقول جلّ ثناؤه: {قَالَ} الله لهما {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما} في فرعون وملئه وأموالهم.

فإن قائل قائل: وكيف نسبت الإجابة إلى اثنين والدعاء إنما كان من واحد؟ قيل: إن الداعي وإن كان واحدا فإن الثاني كان مؤمنا وهو هارون، فلذلك نسبت الإجابة إليهما، لأن المؤمِّن داعٍ. وكذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن رجل، عن عكرمة في قوله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما} قال: كان موسى يدعوا وهارون يؤمِّن، فذلك قوله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما}.

وقد زعم بعض أهل العربية أن العرب تخاطب الواحد خطاب الاثنين، وأنشد في ذلك:

فَقُلْتُ لِصَاحِبي لا تُعْجِلانابِنَزْعِ أُصُولِهِ وَاجْتَزَّ شِيحَا

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زكريا بن عديّ، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قال: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما} قال: دعا موسى، وأمَّن هارُون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي وزيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، قال: دعا موسى، وأمَّن هارون.

قال: ثنا أبو معاوية، عن شيخ له، عن محمد بن كعب، قال: دعا موسى، وأمَّن هارون.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما} قال: دعا موسى، وأمَّن هارون.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، وعبد الله بن أبي جعفر، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: دعا موسى وأمَّن هارون، فذلك قوله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما.

} حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن عكرمة في قوله: {قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما} قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمِّن، فذلك قوله {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما.

} حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما} لموسى وهارون. قال ابن جريج: قال عكرمة: أمِّن هارون على دعاء موسى، فقال الله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان هارون يقول: آمين، فقال الله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما} فصار التأمين دعوة صار شريكه فيها.

وأما قوله: {فاسْتَقِيما} فإنه أمر من الله تعالى لموسى وهارون بالاستقامة والثبات على أمرها من دعاء فرعون وقومه إلى الإجابة إلى توحيد الله وطاعته، إلى أن يأتيهم عقاب الله الذي أخبرهما أنه أجابهما فيه. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: {فاسْتَقِيما}: فامضيا لأمري، وهي الاستقامة.

قال ابن جريج يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة.

وقوله: {وَلا تَتَّبِعانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} يقول: ولا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، فإن وعدي لا خالف له، وإن وعيدي نازل بفرعون وعذابي واقع به وبقومه.

وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝٩٠

يقول تعالى ذكره: وقطعنا ببني إسرائيل البحر حتى جاوزوه. {فَأتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ} يقول: فتبعهم فرعون {وَجُنُودُهُ} يقال منه: أتبعته وتبعته بمعنى واحد. وقد كان الكسائي فيما ذكر أبو عبيد عنه يقول: إذا أريد أنه أتبعهم خيراً أو شرًّا فالكلام «أتبعهم» بهمز الألف، وإذا أريد اتبع أثرهم أو اقتدى بهم فإنه من «اتّبعت» مشددة التاء غير مهموزة الألف. {بَغْيًّا } على موسى وهارون ومن معهما من قومهما من بني إسرائيل. {وَعَدْوا } يقول: واعتداء عليهم، وهو مصدر من قولهم: عدا فلان على فلان في الظلم يعدو عليه عَدْوا، مثل غزا يغزو غزوا. وقد رُوي عن بعضهم أنه كان يقرأ: «بَغْيا وَعُدُوًّا» وهو أيضاً مصدر من قولهم: عدا يعدو عدوًّا، مثل علا يعلو عُلُوًّا. {حتى إذَا أدْرَكَهُ الغَرَقُ} يقول: حتى إذا أحاط به الغرق. وفي الكلام متروك قد ترك ذكره بدلالة ما ظهر من الكلام عليه وذلك: فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً فيه، فغرّقناه حتى إذَا أدْرَكَهُ الغرق.

وقوله: {قالَ آمَنْتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِن المُسلِمِينَ } يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل فرعون حين أشرف على الغرق وأيقن بالهلكة: {آمَنْتُ } يقول: أقررت، {أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ}.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأ بعضهم وهو قراءة عامة المدينة والبصرة: «أنه» بفتح الألف من «أنه» على إعمال «آمنت» فيها ونصبها به. وقرأ آخرون: «آمنت إنه» بكسر الألف من أنه على ابتداء الخبر، وهي قراءة عامة الكوفيين.

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شدّاد، قال: اجتمع يعقوب وبنوه إلى يوسف، وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى من مصر حين خرجوا وهم ستمائة ألف، فلما أدركهم فرعون فرأوه، قالوا: يا موسى أين المخرج؟ فقد أدركنا قد كنا نلقى من فرعون البلاء؟ فأوحى الله إلى موسى:

{ { أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّودِ العَظِيمِ } } ويبس لهم البحر، وكشف الله عن وجه الأرض، وخرج فرعون على فرس حصان أدّهم على لونه من الدهم ثمان مئة ألف سوى ألوانها من الدوابّ، وكانت تحت جبريل عليه السلام فرس وديق ليس فيها أنثى غيرها. وميكائيل يسوقهم، لا يشذّ رجل منهم إلا ضمه إلى الناس. فلما خرج آخر بني إسرائيل دنا منه جبريل ولصق به، فوجد الحصان ريح الأنثى، فلم يملك فرعون من أمره شيئاً، وقال: أقدموا فليس القوم أحقّ بالبحر منكم ثم أتبعهم فرعون حتى إذا هم أوّلهم أن يخرجوا ارتطم ونادى فيها: {آمَنْتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ } ونودي: { { الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ } }

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وعن عدّي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: رفعه أحدهما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:

إنَّ جِبْرَائِيلَ كانَ يَدُسُّ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ الطِّينَ مَخافَةَ أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ ».

حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن عديّ بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:جَعَلَ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُسُّ أوْ يَحْشُو فِي فَمِ فِرْعَوْنَ الطِّينَ مخافَةَ أنْ تُدْرِكهُ الرَّحْمَةُ ».

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:قالَ لي جِبْرَائِلُ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رأيْتَنِي وأنا أغُطّهُ وأدُسُّ مِنْ حَمْئِهِ فِي فِيهِ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ فَيَغْفِرُ لَهُيعني فرعون.

حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

لَمَّا أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قالَ: آمَنْتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ، فقالَ جِبْرَائيلُ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رأيْتَنِي وأنا آخِذٌ مِنْ حمأةِ البَحْرِ وأدُسُّهُ فِي فِيهِ مخَافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ ».

حدثني المثنى، قال: ثني عمرو، عن حكام، قال: ثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:لَمَّا قالَ فِرْعَوْنُ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ، جَعَلَ جِبْرَائِيلُ يَحْشُوا في فِيهِ الطِّينَ وَالتُّرَابَ ».

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: أخبرني من سمع ميمون بن مهران يقول في قوله: { { آمَنْتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ } } قال: أخذ جبرائيل من حمأة البحر فضرب بها فاه أو قال: ملأ بها فاه مخافة أن تدركه رحمه الله

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الحسين بن علي. عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، قال: خطب الضحاك بن قيس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن فرعون كان عبداً طاغياً ناسياً لذكر الله، فلما أدركه الغرق {قالَ آمَنْتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ} قال الله:

{ { الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ } }.

قال: ثني أبي، عن شعبة، عن عديّ بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن فرعون لما أدركه الغرق جعل جبرائيل يحثو في فيه التراب خشية أن يغفر له.

قال: ثنا محمد بن عبيد، عن عيسى بن المغيرة، عن إبراهيم التيمي، أن جبرائيل عليه السلام قال: ما خشيت على أحد من بني آدم الرحمة إلا فرعون، فإنه حين قال ما قال خشيت أن تصل إلى الربّ فيرحمه، فأخذت من حمأة البحر وزبده فضربت به عينيه ووجهه.

قال: أخبرنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال جبرائيل عليه السلام: لقد حشوت فاه الحمأة مخافة أن تدركه الرحمة.

ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٩١

يقول تعالى ذكره معرّفاً فرعون قبح صنيعه أيام حياته وإساءته إلى نفسه أيام صحته، بتماديه في طغيانه ومعصيته ربه حين فزع إليه في حال حلول سخطه به ونزول عقابه، مستجيراً به من عذابه الواقع به لما ناداه وقد علته أمواج البحر وغشيته كرب الموت:

{ { آمَنْتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ } } له، المنقادين بالذلة له، المعترفين بالعبودية: الآن تقرّ لله بالعبودية، وتستسلم له بالذلة، وتخلص له الألوهة، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك فأسخطته على نفسك وكنت من المفسدين في الأرض الصّادّين عن سبيله؟ فهلاّ وأنت في مهل وباب التوبة لك منفتح أقررت بما أنت به الآن مقرّ.

فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ۝٩٢

يقول تعالى ذكره لفرعون: فاليوم نجعلك على نجوة من الأرض ببدنك، ينظر إليك هالكا من كذّب بهلاكك. {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} يقول: لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك، فينزجرون عن معصية الله والكفر به والسعي في أرضه بالفساد. والنجوة: الموضع المرتفع على ما حوله من الأرض، ومنه قوله أوس بن حجر

:

فَمَنْ بِعَقْوَتِهِ كَمَنْ بِنَجْوَتِهِوالمُسْتَكِنُّ كمَنْ يَمْشِي بِقرْوَاحِ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد وغيره قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: إنه لم يمت فرعون. قال: فأخرجه الله إليهم ينظرون إليه مثل الثور الأحمر.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد، قال: وكان من أكثر الناس، أو أحدث الناس عن بني إسرائيل. قال: فحدثنا أن أول جنود فرعون لما انتهى إلى البحر هابت الخيل اللهب، قال: ومثل لحصان منها فرس وديق، فوجد ريحها أحسبه أنا قال: فانسل فاتبعته قال: فلما تتامَّ آخر جنود فرعون في البحر وخرج آخر بني إسرائيل أمر البحر فانطبق عليهم، فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون، وما كان ليموت أبدا فسمع الله تكذيبهم نبيه. قال: فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمر يتراءآه بنو إسرائيل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد: {فالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدنِكَ} قال: بدنه: جسده رمى به البحر.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن مجاهد: {فالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدنِكَ قال: بجسدك.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا الأصغر بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، قال: ثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما جاوز موسى البحر بجميع من معه، التقى البحر عليهم يعني على فرعون وقومه فأغرقهم، فقال أصحاب موسى: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه فدعا ربه فأخرجه، فنبذه البحر حتى استيقنوا بهلاكه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} يقول: أنكر ذلك طوائف من بني إسرائيل، فقذفه الله على ساحل البحر ينظرون إليه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } قال: لما أغرق الله فرعون لم تصدق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله آية وعظة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي السليل عن قيس بن عباد أو غيره، بنحو حديث ابن عبد الأعلى، عن معمر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: {فالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدنِكَ} قال: بجسدك.

قال: ثنا محمد بن بكير، عن ابن جريج، قال: بلغني، عن مجاهد: {فالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدنِكَ} قال: بجسدك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فرمى به على ساحل البحر ليراه بنو إسرائيل، قال: كأنه ثور أحمر.

وقال آخرون: تنجو بجسدك من البحر فتخرج منه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } يقول: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر، فنظروا إليه بعد ما غرق.

فإن قال قائل: وما وجه قوله: ببدنك؟ وهل يجوز أن ينجيه بغير بدنه، فيحتاج الكلام إلى أن يقال فيه ببدنك؟ قيل: كان جائزاً أن ينجيه بهيئته حياً كما البحر فلما كان جائراً ذلك قيل فاليوم ننجيك ببدنك ليعلم أنه ينجيه بالبدن بغير روح، ولكن ميتاً.

وقوله: {وإنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ} يقول تعالى ذكره: {وإنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنَا} يعني: عن حججنا وأدلتنا على أن العبادة والألوهة لنا خالصة، {لغَافِلُونَ} يقول: لساهون، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝٩٣

يقول تعالى ذكره: ولقد أنزلنا بني إسرائيل منازل صدق. قيل: عنى بذلك الشأم وبيت المقدس.

وقيل: عنى به الشام ومصر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: {مُبَوَّأ صِدْقٍ} قال: منازل صدق: مصر والشام.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مُبَوَّأ صِدْقٍ} قال: بوأهم الله الشام وبيت المقدس.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَلَقَدْ بَوَّأنا بني إسْرَائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ } الشام. وقرأ:

{ { إلى الأرْض التي بارَكْنا فِيها للعَالَمِينَ } }

وقوله: {وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ} يقول: ورزقنا بني إسرائيل من حلال الرزق وهو الطيب.

وقوله: {فَمَا اخْتَلَفُوا حتى جاءَهُمُ العِلْمُ} يقول جلّ ثناؤه: فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل، حتى جاءهم ما كانوا به عالمين وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد النبيّ صلى الله عليه وسلم مجمعين على نبوّة محمد والإقرار به وبمبعثه غير مختلفين فيه بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوباً عندهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعضهم وآمن به بعضهم، والمؤمنون به منهم كانوا عدداً قليلاً، فذلك قوله: فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه نبيًّا لله، فوضع العلم مكان المعلوم.

وكان بعضهم يتأوّل العلم ههنا كتاب الله ووحيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فَمَا اخْتَلَفُوا حتى جاءَهُمُ العِلُمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} قال: العلم: كتاب الله الذي أنزله وأمره الذي أمرهم به، وهل اختلفوا حتى جاءهم العلم بغيا بينهم أهل هذه الأهواء، هل اقتتلوا إلا على البغي؟ قال: والبغي وجهان: وجه النفاسة في الدنيا ومن اقتتل عليها من أهلها، وبغى في العلم يرى هذا جاهلاً مخطئاً ويرى نفسه مصيباً عالماً، فيبغي بإصابته وعلمه على هذا المخطىء.

وقوله: {إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل فيك يوم القيامة فيما كانوا فيه من أمري في الدنيا يختلفون، بأن يدخل المكذّبين بك منهم النار والمؤمنين بك منهم الجنة. فذلك قضاؤه يومئذ فيما كانوا يختلفون من أمر محمد صلى الله عليه وسلم.

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ۝٩٤

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن كنت يا محمد في شكّ من حقيقة ما أخبرناك وأنزل إليك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوّتك قبل أن تبعث رسولاً إلى خلقه، لأنهم يجدونك عندهم مكتوباً ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل فاسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك من أهل التوراة والإنجيل كعبد الله بن سلام ونحوه من أهل الصدق والإيمان بك منهم دون أهل الكذب والكفر بك منهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله: {فاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ} قال: التوراة والإنجيل الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فآمنوا به، يقول: فاسئلهم إن كنت في شكّ بأنك مكتوب عندهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله تعالى: {فإنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ} قال: هو عبد الله بن سلام، كان من أهل الكتاب فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {فاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ} قال: هم أهل الكتاب.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت إبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: {فاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ } يعني أهل التقوى وأهل الإيمان من أهل الكتاب، ممن أدرك نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: أو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شكّ من خبر الله أنه حقّ يقين حتى قيل له: {فإنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ } قيل: لا وكذلك قال جماعة من أهل العلم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {فإنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ } فقال: لم يشكّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يسأل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {فإنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ} قال: ما شكّ وما سأل.

حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير ومنصور، عن الحسن في هذه الآية، قال: لم يشكّ صلى الله عليه وسلم ولم يسأل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ } ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لا أشُك ولا أسْألُ

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فإنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ} قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لا أشُكُّ ولا أسأَلُ

فإن قال: فما وجه مخرج هذا الكلام إذن إن كان الأمر على ما وصفت؟ قيل: قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا استجازة العرب قول القائل منهم لملوكه: إن كنت مملوكي فانته إلى أمري والعبد المأمور بذلك لا يشكّ سيده القائل له ذلك أنه عبده. كذلك قول الرجل منهم لابنه: إن كنت ابني فبرَّني وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه، وأن ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم، وذكرنا ذلك بشواهد، وأن منه قول الله تعالى:

{ { وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } } وقد علم جلّ ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك. وهذا من ذلك، لم يكن صلى الله عليه وسلم شاكاً في حقيقة خبر الله وصحته، والله تعالى بذلك من أمره كان عالماً، ولكنه جلّ ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضاً، إذ كان القرآن بلسانهم نزل.

وأما قوله: {لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}... الآية، فهو خبر من الله مبتدأ، يقول تعالى ذكره: أقسم لقد جاءك الحقّ اليقين من الخبر بأنك لله رسول، وأن هؤلاء اليهود والنصارى يعلمون صحة ذلك، ويجدون نعتك عندهم في كتبهم. {فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْترِينَ} يقول: فلا تكوننّ مِنَ الشَّاكِين في صحة ذلك وحقيقته. ولو قال قائل: إن هذه الآية خوطب بها النبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد بها بعض من لم يكن صحت بصيرته بنبوّته صلى الله عليه وسلم ممن كان قد أظهر الإيمان بلسانه، تنبيهاً له على موضع تعرّف حقيقة أمره الذي يزيل اللبس عن قلبه، كما قال جلّ ثناؤه:

{ { يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً } } كان قولاً غير مدفوعة صحته.
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ