انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير الطبريالآيات 17–30

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يونس

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:32:57

  1. 1 الآيات 11–25في هذه الصفحة 17:31
  2. 2 الآيات 26–52في هذه الصفحة 23:02

التفسير الصوتي لسورة يونس كاملًا (6 مقاطع)

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝١٧

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين نسبوك فيما جئتهم به من عند ربك إلى الكذب: أي خلق أشر بعدنا وأوضع لقيله في غير موضعه، ممن اختلف على الله كذباً وافترى عليه باطلاً {أوْ كَذَّبَ بآياتِهِ} يعني بحججه ورسله وآيات كتابه. يقول له جلّ ثناؤه: قل لهم ليس الذي أضفتموني إليه بأعجب من كذبكم على ربكم وافترائكم عليه وتكذيبكم بآياته.{ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ } يقول: إنه لا ينجح الذين اجترموا الكفر في الدنيا يوم القيامة إذا لقوا ربهم، ولا ينالون الفلاح.

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝١٨

يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم من دون الله الذي لا يضرّهم شيئاً ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها.{وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ } يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله، قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{ قُلْ لَهُمْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا في الأرْضِ } يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأرض. وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لايشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما، وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضرّ.{ سُبْحانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } يقول: تنزيها لله وعلوًّا عما يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادة ما لا يضرّ ولا ينفع وافترائهم عليه الكذب.

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَٱخْتَلَفُوا۟ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝١٩

يقول تعالى ذكره: وما كان الناس إلا أهل دين واحد وملة واحدة، فاختلفوا في دينهم، فافترقت بهم السبل في ذلك.{ وَلوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } يقول: ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قوماً إلا بعد انقضاء آجالهم، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } يقول: لقضي بينهم بأن يهلك أهل الباطل منهم وينجي أهل الحقّ.

وقد بيّنا اختلاف المختلفين في معنى ذلك في سورة البقرة، وذلك في قوله: {كانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبَيِّينَ } وبيَّنا الصواب من القول فيه بشواهده فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وَما كانَ النَّاسُ إلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاخْتَلَفُوا } حين قتل أحد ابني آدم أخاه.

حدثني المثنى، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ۝٢٠

يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون: هلا أنزل على محمد آية من ربه يقول: علم ودليل نعلم به أن محمداً محقّ فيما يقول. قال الله له: فقل يا محمد إنما الغيب لله، أي لا يعلم أحد بفعل ذلك إلا هو جلّ ثناؤه، لأنه لا يعلم الغيب وهو السرّ والخفيّ من الأمور إلا الله، فانتظروا أيها القوم قضاء الله بيننا بتعجيل عقوبته للمبطل منا وإظهاره المحقّ عليه، إني معكم ممن ينتظر ذلك. ففعل ذلك جلّ ثناؤه فقضى بينهم وبينه بأن قتلهم يوم بدر بالسيف.

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِىٓ ءَايَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ۝٢١

يقول تعالى ذكره: وإذا رزقنا المشركين بالله فرجا بعد كرب ورخاء بعد شدّة أصابتهم. وقيل: عنى به المطر بعد القحط، والضرّاء: وهي الشدة، والرحمة: هي الفرج. يقول:{ إذَا لَهُمْ مَكْرٌ في إياتِنا} استهزاء وتكذيب. كما:

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ إذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا} قال: استهزاء وتكذيب.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقوله:{ قُلِ اللَّهِ أسْرَعُ مَكْراً} يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين المستهزئين من حججنا وأدلتنا يا محمد: الله أسرع مكراً، أي أسرع مِحَالاً بكم واستدراجاً لكم وعقوبة منكم من المكر في آيات الله. والعرب تكتفي ب «إذا» من «فعلت» و «فعلوا»، فلذلك حذف الفعل معها. وإنما معنى الكلام: وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضرّاء مستهم مكروا في آياتنا، فاكتفى من «مكروا»، ب «إذا لهم مكر». {إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ} يقول: إن حفظتنا الذين نرسلهم إليكم أيها الناس يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا.

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝٢٢

يقول تعالى ذكره: الله الذي يسيركم أيها الناس في البرّ على الظهر وفي البحر في الفلك {حتى إذَا كُنْتُمْ في الفُلْك} وهي السفن،{ وَجَرَيْنَ بِهِمْ } يعني: وجرت الفلك بالناس،{ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } في البحر،{ وَفَرِحُوا بِها } يعني: وفرح ركبان الفلك بالريح الطيبة التي يسيرون بها. والهاء في قوله: «بها» عائدة على الريح الطيبة. جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ يقول: جاءت الفلك ريح عاصف، وهي الشديدة، والعرب تقول: ريح عاصف وعاصفة، وقد أعصفت الريح وعصفت وأعصفت في بني أسد فيما ذكر، قال بعض بني دُبَيْر:

حتى إذا أعْصَفَتْ رَيْحٌ مُزَعْزِعةٌفِيها قِطارٌ ورَعْدٌ صَوْتُهُ زَجِلُ

{وَجاءَهُمْ المَوْجُ مِنْ كُلّ مَكانٍ } يقول تعالى ذكره: وجاء ركبان السفينة الموج من كلّ مكان. {وَظَنُّوا أنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } يقول: وظنوا أن الهلاك قد أحاط بهم وأحدق.{ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ } يقول: أخلصوا الدعاء لله هنالك دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذ إلى الله دونها. كما:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {دَعَوُا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ} قال: إذا مسَّهم الضرّ في البحر أخلصوا له الدعاء.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، في قوله:{ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ } هياشراهيا، تفسيره: يا حيّ يا قوم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:

{ { وَإذَا أذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنَ بعدضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ } }... إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا كان الضرّ لم يدعو إلا الله، فإذا نجاهم إذا هم يشركون لئن أنجيتنا من هذه الشدّة التي نحن فيها لنكوننّ من الشاكرين لك على نعمك وتخليصك إيانا مما نحن فيه بإخلاصنا العبادة لك وإفراد الطاعة دون الآلهة والأنداد.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ } فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق: {هُوَ الَّذُي يُسَيِّرُكُمْ } من السير بالسين. وقرأ ذلك أبو جعفر القاري: «هُو الَّذِي يَنْشُرُكُمْ» من النشر، وذلك البسط من قول القائل: نشرت الثوب، وذلك بسطه ونشره من طيه. فوجه أبو جعفر معنى ذلك إلى أن الله يبعث عبادهُ، فيبسطهم برًّا وبحراً، وهو قريب المعنى من التسيير. وقال: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } وقال في موضع آخر: {في الفُلْكِ المَشُحُونِ} فوحّد، والفلك: اسم للواحدة والجماع ويذكر ويؤنث. قال:{ وَجَرَيْنَ بِهِمْ } وقد قال: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ } فخاطب ثم عاد إلى الخبر عن الغائب وقد بينت ذلك في غير موضع من الكتاب بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وجواب قوله: {حتى إذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ}: جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ. وأما جواب قوله: {وَظَنُّوا أنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ فدَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٢٣

يقول تعالى ذكره: فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنوا في البحر أنهم أحيط بهم من الجهد الذي كانوا فيه، أخلفوا الله ما وعدوه، وبغوا في الأرض، فتجاوزوا فيها إلى غير ما أذن الله لهم فيه من الكفر به والعمل بمعاصيه على ظهرها. يقول الله: يا أيها الناس إنما اعتداؤكم الذي تعتدونه على أنفسكم وإياها تظلمون، وهذا الذي أنتم فيه {مَتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا } يقول: ذلك بلاغ تبلغون به في عاجل دنياكم. وعلى هذا التأويل، البغي يكون مرفوعا بالعائد من ذكره في قوله: {عَلى أنْفُسِكُمْ } ويكون قوله: «مَتَاعُ الحَياةِ الدُّنْيَا» مرفوعا على معنى: ذلك متاع الحياة الدنيا، كما قال:{ لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ ساعَةً } مِن نَهار بلاغٌ بمعنى: هذا بلاغ، وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك: إنما بغيكم في الحياة الدنيا على أنفسكم، لأنكم بكفركم تكسبونها غضب الله، متاع الحياة الدنيا، كأنه قال: إنما بغيكم متاع الحياة الدنيا، فيكون «البغي» مرفوعا بالمتاع، و «على أنفسكم» من صلة «البغي». وبرفع «المتاع» قرأت القّراء سوى عبد الله بن أبي إسحاق فإنه نصبه بمعنى: إنما بغيكم على أنفسكم متاعاً في الحياة الدنيا، فجعل، «البغي» مرفوعاً بقوله:{ على أنفُسِكُمْ } والمتاع منصوبا على الحال. وقوله:{ ثُمّ إلَيْنا مَرّجِعُكُمْ } يقول: ثم إلينا بعد ذلك معادكم ومصيركم، وذلك بعد الممات. {فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يقول: فنخبركم يوم القيامة بما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله، ونجازيكم على أعمالكم التي سلفت منكم في الدنيا.

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٢٤

يقول تعالى ذكره: إنما مثل ما تباهون في الدنيا وتفاخرون به من زينتها وأموالها مع ما قد وكل بذلك من التكدير والتنغيص وزواله بالفناء والموت، كَمثل {ماءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ } يقول: كمطر أرسلناه من السماء إلى الأرض، {فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ } يقول: فنبت بذلك المطر أنواع من النبات مختلط بعضها ببعض. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخُراساني، عن ابن عباس، قوله: {إنَّمَا مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيَا كمَاء أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ } قال: اختلط فنبت بالماء كل لون {مِمَّا يأْكُلُ النَّاسُ} كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار، وما يأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعي.

وقوله:{ حتى إذَا أخَذَت الأرْضُ زُخْرُفَها} يعني: ظهر حسنها وبهاؤها. {وَازَّيَّنَتْ } يقول: وتزينت.{ وَظَنَّ أهْلُها } يعني: أهل الأرض،{ أنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} يعني: على ما أنبتت. وخرج الخبر عن الأرض، والمعنى للنبات، إذا كان مفهوماً بالخطاب ما عنى به. وقوله:{ أتاها أمْرُنا لَيْلاً أوْ نَهاراً} يقول: جاء الأرض أمرنا يعني قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات إما ليلاً وإما نهاراً. فَجَعَلْناها يقول: فجعلنا ما عليها، {حَصِيداً} يعني مقطوعة مقلوعة من أصولها، وإنما هي محصودة صرفت إلى حصيد، {كأنْ لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ } يقول: كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على ظهر الأرض نابته قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس، وأصله: من غني فلان بمكان كذا، يَغْنَى به: إذا أقام به، كما قال النابغة الذبياني:

غَنِيَتْ بذلكَ إذْ هُمُ لي جِيرَةمِنْها بعَطْف رِسالَةٍ وَتَوَدُّدِ

يقول: فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم وزخارفها، فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها حتى صارت {كأنْ لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ} كأن لم تكن قبل ذلك نباتا على ظهرها. يقول الله جلّ ثناؤها: {كَذلكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } يقول: كما بينا لكم أيها الناس مثل الدنيا وعرّفناكم حكمها وأمرها، كذلك نبين حججنا وأدلتنا لمن تفكر واعتبر ونظر. وخصّ به أهل الفكر، لأنهم أهل التمييز بين الأمور والفحص عن حقائق ما يعرض من الشبه في الصدور.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {حتى إذَا أخَذَتِ الأرْضُ زُخُرُفَها...} الآية: أي والله لئن تشبث بالدنيا وحدب عليها لتوشكن الدنيا أن تلفظه وتقضى منه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَازَّيَّنَتْ} قال: أنبتت وحسنت.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن ابن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، قال: سمعت مروان يقرأ على المنبر هذه الآية: {حتى إذَا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرَفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أهْلُها أنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها} وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها. قال: قد قرأتها، وليست في المصحف، فقال عباس بن عبد الله بن العباس: هكذا يقرؤها ابن عباس. فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أُبيّ بن كعب.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ كأنْ لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ } يقول: كأن لم تَعِشْ، كأن لم تنعم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أبو أسامة، عن إسماعيل، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: في قراءة أبيّ: {كأنْ لَمْ تَغْنَ بالأَمْسِ} وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها. {كذلكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ وَازَّيَّنَتْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والعراق:{ وَازَّيَّنَتْ} بمعنى: وتزينت، ولكنهم أدغموا التاء في الزاي لتقارب مخرجيهما، وأدخلوا ألفا ليوصل إلى قراءته، إذا كانت التاء قد سكنت والساكن لا يبتدأ به. وحُكى عن أبي العالية وأبي رجاء والأعرج وجماعة أخر غيرهم أنهم قرءوا ذلك: «وأزْيَنَتْ» على مثال أفْعَلَتْ.

والصواب من القراءة في ذلك:{ وَازَّيَنَتْ }لإجماع الحجة من القرّاء عليها.

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٢٥

يقول تعالى ذكره لعباده: أيها الناس لا تطلبوا الدنيا وزينتها، فإن مصيرها إلى فناء وزوال كما مصير النبات الذي ضربه الله لها مثلاً إلى هلاك وبوار، ولكن اطلبوا الآخرة الباقية، ولها فاعملوا، وما عند الله فالتمسوا بطاعته، فإن الله يدعوكم إلى داره، وهي جنَّاته التي أعدّها لأوليائه، تسلموا من الهموم والأحزان فيها وتأمنوا من فناء ما فيها من النعيم والكرامة التي أعدّها لمن دخلها، وهو يَهْدى من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جلّ ثناؤه سبباً للوصول إلى رضاه وطريقاً لمن ركبه وسلك فيه إلى جنانه وكرامته. كما:

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: الله السلام، وداره الجنة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:{ وَاللَّهُ يَدْعُو إلى دَارِ السَّلامِ } قال: الله هو السلام، وداره الجنة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

قيلَ لي: لِتَنمْ عَيْنُكَ، وَلْيَعْقَلْ قَلْبُكَ، وَلْتَسْمَعْ أذُنُكَ فَنامَتْ عَيْنِي، وَعَقَلَ قَلْبِي، وَسَمَعَتْ أُذُنِي. ثُمَّ قِيلَ: سَيِّدٌ بَنِي دَاراً، ثمَّ صَنَعَ مَأْدُبَةً، ثُمَّ أرْسَلَ دَاعياً، فَمَنْ أجابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وأكَلَ مِنَ المَأدُبَة وَرَضيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ ولَمْ يَأْكُلْ مِنَ المَأْدُبَةِ ولَمْ يَرْضَ عَنْهُ السَّيِّدُ، فالله السَّيِّدُ، والدَّارُ الإسلامُ والمَأدُبَةُ الجَنَّةُ، والدَّاعِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ واللَّهُ يَدْعُو إلى دَارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَنْ يشَاءُ إلى صِراط مُسْتَقِيم} ذُكر لنا أن في التوراة مكتوبا: يا باغي الخير هلمّ ويا باغي الشرّ انته

حدثني الحسين بن سلمة بن أبي كبشة، قال: ثنا عبد الملك بن عمرو، قال: ثنا عباد بن راشد، عن قتادة، قال: ثني خليد العصري، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فيهِ شَمْسُهُ إلاَّ وبِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ، يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كَلُّهُمْ إلاَّ الثَّقَلَيْنِ: يا أيها النَّاسُ هَلُمُّوا إلى رَبِّكُمْ، إنَّ ما قَلَّ وكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وألْهَى ». قال: وأنزل ذلك في القرآن في قوله:{ واللَّهُ يَدْعُو إلى دَارِ السَّلامِ ويَهْدي مَنْ يَشاءُ إلى صِراط مُسْتَقِيم}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال:

إنّي رأيْتُ فِي المنَامِ كأنَّ جِبْرَائِيلَ عِنْدَ رأسِي وَمِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، يَقُولُ أحَدُهُما لِصَاحِبِه: اضْرِبْ لَهُ مَثَلاً فقال: اسْمَعْ سَمِعَتُ أُذُنُكَ، وَاعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دَاراً ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتاً ثُمَّ جَعَلَ فِيها مَأْدُبَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولاً يَدْعُو النَّاسَ إلى طَعامِهِ، فَمِنُهُمْ مَنْ أجابَ الرَّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ فاللَّهُ المَلِكُ، والدَّارُ الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنتَ يا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ مِنْ أجابَكَ دَخَلَ الإسْلامَ، وَمَنْ دَخَلَ الإسْلاَمَ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِنْهَا ».

لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٦

يقول تعالى ذكره: للذين أحسنوا عبادة الله في الدنيا من خلقه فأطاعوه فيما أمر ونَهَى الحُسْنَى.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى الحسنى والزيادة اللتين وعدهما المحسنين من خلقه، فقال بعضهم: الحسنى: هي الجنة، جعلها الله للمحسنين من خلقه جزاء، والزيادة عليها النظر إلى الله تعالى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن أبي بكر الصدّيق:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: النظر إلى وجه ربهم.

حدثنا سفيان، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن عامر ابن سعد، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: النظر إلى وجه الله تعالى

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: النظر إلى وجه ربهم.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، قال: في هذه الآية:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن نذير، عن حذيفة:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: النظر إلى وجه ربهم.

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا شريك، قال: سمعت أبا إسحاق يقول في قول الله: {وَزِيادة } قال: النظر إلى وجه الرحمن.

حدثني عليّ بن عيسى، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا أبو بكر الهذليّ، قال: سمعت أبا تميمة الهجيمي يحدّث عن أبي موسى الأشعري، قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله إلى أهل الجنة مناديا ينادي: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينطرون إلى ما أعدّ الله لهم من الكرامة، فيقول: نعم، فيقول:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } النظر إلى وجه الرحمن.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، قال: أخبرنا أبو تميمة الهجيمي، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: إن الله يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة، فيقول: يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون إلى ما أعدّ الله لهم من الكرامة، فيرون الحليّ والحلل والثمار والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، قد أنجزنا الله ما وعدنا. ثم يقول الملك: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ ثلاث مرّات، فلا يفقدون شيئاً مما وعدوا، فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي لكم شيء، إن الله يقول:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي: أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ الله يَبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُنادِيا يُنادِي أهْلَ الجَنَّة بصَوْتٍ يُسْمِعُ أوَّلَهُمْ وآخِرَهُمْ: إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمُ الحُسْنَى وَزِيادَةٌ، فالحُسْنَى الجَنَّةُ، والزّيادَةُ النَّظَرُ إلى وَجْهِ الرَّحْمَنِ ».

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: النظر إلى وجه ربهم. وقرأ:{ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ } قال: بعد النظر إلى وجه ربهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان بن المُغيرة، قال: أخبرنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قوله:{ وَزِيادَةٌ } قال: قيل له: أرأيت قوله:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ}؟ قال: إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فأعطوا فيها ما أعطوا من الكرامة والنعيم قال: نودوا يا أهل الجنة إن الله قد وعدكم الزيادة، فيتجلى لهم. قال ابن أبي ليلى: فما ظنك بهم حين ثقلت موازينهم، وحين صارت الصحف في أيمانهم، وحين جاوزوا جسر جهنم ودخلوا الجنة، وأعطوا فيها ما أعطوا من الكرامة والنعيم؟ كل ذلك لم يكن شيئا فيما رأوا.

قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر وسليمان بن المُغيرة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: النظر إلى وجه ربهم.

قال: ثنا الحجاج ومعلى بن أسد، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال لهم: إنه قد بقي من حقكم شيء لم تُعْطَوْه. قال: فيتجلَّى لهم تبارك وتعالى. قال: فيصغر عندهم كلّ شيء أُعْطُوه. قال: ثم قال:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: الحسنى: الجنة، والزيادة،: النظر إلى وجه ربهم، ولا يَرهَق وجوههم قَتر ولا ذلة بعد ذلك.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } النظر إلى وجه الله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } النظر إلى الربّ.

حدثنا عمرو بن عليّ ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن النبيّ صلى الله عليه وسلمفي هذه الآية للذين احسنوا الحسنى وزيادة قال:

إذَا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النَّارِ النَّارَ، نُودُوا: يا أهْلَ الجَنَّةِ، إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِداً قالُوا: ما هُوَ؟ ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا، وَتُثَقِّلْ مَوَازِينَنا، وَتُدْخِلُنا الجَنَّةَ، وَتُنَجِّنا مِنَ النَّارِ؟ فَيُكْشَفُ الحِجَابُ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ فوَاللَّهِ ما أعْطاهُمْ شَيْئاً أحَبّ إلَيْهِمْ منَ النَّظَرِ إلَيْهِولفظ الحديث لعمرو.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قالَ:

إذَا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النَّارِ النَّارَ، نادَى مُنادِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِداً يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُموهُ فَيَقُولُونَ: ومَا هُوَ؟ ألَمْ يُثَقِّلِ اللَّهُ مَوَازِينَنا، وَيُبَيِّضْ وُجوهَنا؟ثم ذكر سائر الحديث نحو حديث عمرو بن عليّ وابن بشار، عن عبد الرحمن.

قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ قال: النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.

قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } بلغنا أن المؤمنين لما دخلوا الجنة ناداهم مناد: إن الله وعدكم الحسنى وهي الجنة وأما الزيادة: فالنظر إلى وجه الرحمن.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عجرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: تعالى:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال:

الزّيَادَةُ: النَّظَرُ إلى وَجْهِ الرحمن تَبَارك وتَعَالَى ».

قال: ثنا جرير، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: الحسنى: النضرة، والزيادة: النظر إلى وجه الله تعالى

حدثنا ابن البرقى، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت زهيراً عمن سمع أبا العالية، قال: ثنا أبيّ بن كعب: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال:

الحُسْنَى: الجَنَّةُ والزَّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وَجْهِ الله ».

وقال آخرون في الزيادة بما:

حدثنا به يحيى بن طلحة، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن الحكم، عن عليّ رضي الله عنه:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ} قال: الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن الحكم، عن علي رضي الله عنه، نحوه، إلا أنه قال: فيها أربعة أبواب.

قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم بن عتيبة، عن عليّ رضي الله عنه، مثل حديث يحيى بن طلحة، عن فضيل سواء.

وقال آخرون: الحسنى واحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة: التضعيف إلى تمام العشر. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: هو مثل قوله:

{ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ }يقول: يجزيهم بعملهم ويزيدهم من فضله. وقال: { مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالهَا وَمَنْ جاءَ بالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُون }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن علقمة بن قيس:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: قلت: هذه الحسنى، فما الزيادة؟ قال: ألم تر أن الله يقول:{ مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِهَا }

حدثنا بشر، قال: يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في هذه الآية:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: الزيادة: بالحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف.

وقال آخرون: الحسنى: حسنة مثل حسنة، والزيادة: زيادة مغفرة من الله ورضوان. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى} مثلها حسنى وزيادة مغفرة ورضوان.

وقال آخرون: الزيادة ما أعطوا في الدنيا. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } قال: الحسنى: الجنة، وزيادة: ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به يوم القيامة. وقرأ وآتَيْنَاهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا قال: ما آتاه مما يحبّ في الدنيا عجَّل له أجره فيها.

وكان ابن عباس يقول في قوله:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى } بما:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى } يقول: للذين شهدوا أن لا إله إلا الله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إياه الجنة وأن تبيض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها، ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غرفاً من لآلىء، وأن يزيدهم غفراناً ورضواناً كلّ ذلك من زيادات عطاء الله إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعمّ ربنا جلّ ثناؤه بقوله:{ وَزِيادَةٌ } الزيادات على الحسنى، فلم يخصص منها شيئاً دون شيء، وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم إن شاء الله. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يعمّ كما عمه عزّ ذكره.

القول في تأويل قوله تعالى:{ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئكَ أصحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيها خالدُونَ}.

يعني جلّ ثناؤه بقوله:{ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ} لا يغشى وجوههم كآبة ولا كسوف حتى تصير من الحزن كأنما علاها قتر. والقتر: الغبار وهو جمع قترة، ومنه قول الشاعر:

مُتَوَّجٌ برداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُمَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرَّاياتِ والقَتْرَا

يعني بالقتر: الغبار. {وَلا ذِلَّةٌ}. ولا هوان.{ أولَئِكَ أصْحَابُ الجَنَّةِ } يقول هؤلاء الذين وصفت صفتهم هم أهل الجنة وسكانها ومن هُمْ فيها خَالِدُون يقول هم فيها ماكثون أبداً لا تبيد فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغص عليهم لذتهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

وكان ابن أبي ليلى يقول في قوله:{ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ } ما:

حدثنا محمد بن منصور الطوسى، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:{ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ } قال: بعد نظرهم إلى ربهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج ومعلى بن أسد، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بنحوه.

حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله:{ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ } قال: سواد الوجوه.

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٧

يقول تعالى ذكره: والذين عملوا السيئات في الدنيا، فعصوا الله فيها، وكفروا به وبرسوله، جزاء سيئة من عمله السيء الذي عمله في الدنيا بمثلها من عقاب الله في الآخرة.{ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } يقول: وتغشاهم ذلة وهوان بعقاب الله إياهم. {ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ } يقول: ما لهم من الله من مانع يمنعهم إذا عاقبهم يحول بينه وبينهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } قال: تغشاهم ذلة وشدّة.

واختلف أهل العربية في الرافع للجزاء، فقال بعض نحويي الكوفة: رفع بإضمار «لهم»، كأنه قيل: ولهم جزاء السيئة بمثلها، كما قال:

{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ }فِي الحَجّ والمعنى: فعليه صيام ثلاثة أيام. قال: وإن شئت رفعت الجزاء بالباء في قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ بمِثْلِها}. وقال بعض نحويي البصرة: الجزاء مرفوع بالابتداء: وخبره بمثلها. قال: ومعنى الكلام: جزاء سيئة مثلها، وزيدت الياء كما زيدت في قوله: بحسبك قول السوء. وقد أنكر ذلك من قول بعضهم فقال: يجوز أن تكون الباء في «حسب» (زائدة)، لأن التأويل: إن قلت السوء فهو حسبك، فلما لم تدخل في الجزاء أدخلت في حسب بحسبك أن تقوم إن قمت فهو حسبك، فإن مدح ما بعد حسب أدخلت الباء فيما بعدها كقولك: حسبك بزيد، ولا يجوز: بحسبك زيد، لأن زيداً الممدوح فليس بتأويل جزاء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون الجزاء مرفوعاً بإضمار بمعنى: فلهم جزاء سيئة بمثلها لأن الله قال في الآية التي قبلها:{ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } فوصف ما أعدّ لأوليائه، ثم عقب ذلك بالخبر عما أعدّ الله لأعدائه، فأشبه بالكلام أن يقال: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة. وإذا وجه ذلك إلى هذا المعنى كانت الياء للجزاء.

القول في تأويل قوله تعالى:{ كأنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أصَحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ}.

يقول تعالى ذكره: كأنما ألبست وجوه هؤلاء الذين كسبوا السيئات قطعاً من الليل، وهي جمع قطعة. وكان قتادة يقول في تأويل ذلك، ما:

حدثنا به محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر عن قتادة: {كأنما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً} قال: ظلمة من الليل.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله تعالى:{ قِطَعاً} فقرأته عامة قرّاء الأمصار:{ قِطَعاً} بفتح الطاء على معنى جمع قطعة، وعلى معنى أن تأويل ذلك: كأنما أغشيت وجه كلّ إنسان منهم قطعة من سواد الليل، ثم جمع ذلك فقيل: كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من سواد، إذ جمع «الوجه». وقرأه بعض متأخري القرّاء: «قِطْعاً» بسكون الطاء، بمعنى: كأنما أغشيت وجوههم سواداً من الليل، وبقية من الليل، ساعة منه، كما قال:{ فَأَسْرِ بأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } أي ببقية قد بقيت منه، ويعتلّ لتصحيح قراءته ذلك كذلك أنه في مصحف أبيّ: «ويغشى وجوههم قطع من الليل مظلم».

والقراءة التي لا يجوز خلافها عندي قراءة ذلك بفتح الطاء، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار على تصويبها وشذوذ ما عداها. وحسب الأخرى دلالة على فسادها، خروج قارئها عما عليه قرّاء أهل الأمصار والإسلام.

فإن قال لنا قائل: فإن كان الصواب في قراءة ذلك ما قلت، فما وجه تذكير المظلم وتوحيده، وهو من نعت القِطَع والقِطْع جمع لمؤنث؟ قيل في تذكيره ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون قطعاً من الليل، وإن يكون من نعت الليل، فلما كان نكرة والليل معرفة نصب على القطع. فيكون معنى الكلام حينئذ: كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل المظلم، ثم حذفت الألف واللام من «المظلم»، فلما صار نكرة وهو من نعت الليل نصب على القطع وتسمي أهل البصرة ما كان كذلك حالاً، والكوفيُّون قطعاً. والوجه الآخر على نحو قول الشاعر:

لو أنَّ مِدْحَةَ حَيّ مُنْشِرٌ أحَداً

والوجه الأول أحسن وجهيه.

وقوله:{ أُولَئِكَ أصَحابُ النَّارِ} يقول: هؤلاء الذين وصفت لك صفتهم أهل النار الذين هم أهلها، {هُمْ فِيها خالِدُونَ } يقول: هم فيها ماكثون.

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ۝٢٨

يقول تعالى ذكره: ويوم نجمع الخلق لموقف الحساب جميعاً، ثم نقول حينئذ للذين أشركوا بالله الآلهة والأنداد: مكانكم أي امكثوا مكانكم، وقفوا في موضعكم أنتم أيها المشركون، وشركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأوثان. {فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ } يقول: ففرّقنا بين المشركين بالله وما أشركوه به وبين غيره وأبنته منه. وقال: «فزيلنا» إرادة تكثير الفعل وتكريره. ولم يقل: «فزلنا بينهم». وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: «فزايلنا بينهم»، كما قيل: { وَلا تُصعِّرْ خَدَّكَ }و«لا تصاعر خدّك»، والعرب تفعل ذلك كثيراً في فعلت، يلحقون فيها أحياناً ألفاً مكان التشديد، فيقولون: فاعلت إذا كان الفعل لواحد. وأما إذا كان لاثنين فلا تكاد تقول إلا فاعلت. {وقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ أيَّانا تَعْبُدُونَ } وذلك حين { { تَبرَّأ الَّذِينِ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسبابُ } } لما قيل للمشركين اتبعوا ما كنتم تعبدون من دون الله، ونصبت لهم آلهتهم، قالوا: كنا نعبد هؤلاء، فقالت الآلهة لهم: ما كنتم إيانا تعبدون. كما:

حُدثت عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: يكون يوم القيامة ساعة فيها شدّة تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون، فيقال: هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله، فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا فيقولون: والله لإياكم كنا نعبد فتقول لهم الآلهة:

{ { فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } }.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ للَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ أنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُم فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ } } قال: فرّقنا بينهم. وَقالَ شُركاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إيَّانا تَعْبُدُونَ قالوا: بلى قد كنا نعبدكم، (ف) قالوا { { كَفَى باللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ إنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ } } ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نتكلم. فقال الله: { { هُنالك تَبْلُو كُلّ نَفْس ما أسْلَفَتْ } } ... الآية.

ورُوي عن مجاهد، أنه كان يتأوّل الحشر في هذا الموضع: الموت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: سمعتهم يذكرون عن مجاهد، في قوله:{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} قال: الحشر: الموت.

والذي قلنا في ذلك أولى بتأويله لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه يقول يومئذ للذين أشركوا ما ذكر أنه يقول لهم، ومعلوم أن ذلك غير كائن في القبر، وأنه إنما هو خبر عما يقال لهم ويقولون في الموقف بعد البعث.

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ ۝٢٩

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل شركاء المشركين من الآلهة والأوثان لهم يوم القيامة، إذ قال المشركون بالله لها: إياكم كنا نعبد، كفى بالله شهيداً بيننا وبينكم أي إنها تقول: حسبنا الله شاهداً بيننا وبينكم أيها المشركون، فإنه قد علم أنا ما علمنا ما تقولون. {إنّا كُنّا عَنْ عَبادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } يقول: ما كنا عن عبادتكم إيانا دون الله إلا غافلين، لا نشعر به ولا نعلم. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ إنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ } قال: ذلك كلّ شيء يُعبد من دون الله.

حدثني المثنى، قال: ثني إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد:{ إنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ } قال: يقول ذلك كلّ شيء كان يعبد من دون الله.

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٣٠

اختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْس} بالباء، بمعنى: عند ذلك تختبر كلّ نفس بما قدّمت من خير أو شرّ. وكان ممن يقرؤه ويتأوّله كذلك مجاهد.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: هُنالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ قال: تختبر.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة وبعض أهل الحجاز: «تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ» بالتاء.

واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معناه وتأويله: هنالك تتبع كلّ نفس ما قدمت في الدنيا لذلك اليوم. ورُوي بنحو ذلك خبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجه وسند غير مرتضى أنه قال:

يُمَثَّلُ لِكُلّ قَوْمٍ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَتَّبِعُونَهُمْ حتى يُورِدُوهُمُ النَّارَقال: ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:هُنالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ». وقال بعضهم: بل معناه: تتلو كتاب حسناته وسيئاته، يعني تقرأ، كما قال جلّ ثناؤه: { ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً }

وقال آخرون: تبلو: تعاين. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ هُنالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ } قال: ما عملت. تبلو: تعاينه.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، وهما متقاربتا المعنى وذلك أن من تبع في الآخرة ما أسلف من العمل في الدنيا، هجم به على مورده، فيخبر هنالك ما أسلف من صالح أو سيىء في الدنيا، وإن من خير من أسلف في الدنيا من أعماله في الآخرة، فإنما يخبر بعد مصيره إلى حيث أحله ما قدم في الدنيا من علمه، فهو في كلتا الحالتين متبع ما أسلف من عمله مختبر له، فبأيتهما قرأ القارىء كما وصفنا فمصيب الصواب في ذلك.

أما قوله:{ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ } فإنه يقول: ورجع هؤلاء المشركون يومئذ إلى الله الذي هو ربهم ومالكهم الحقّ لا شكّ فيه دون ما كانوا يزعمون أنهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد. {وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ } يقول: وبطل عنهم ما كانوا يتخرّصون من الفرية والكذب على الله بدعواهم أوثانهم أنها لله شركاء، وأنها تقرّبهم منه زلفى. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ } قال: ما كانوا يدعون معه من الأنداد والآلهة، ما كانوا يفترون الآلهة، وذلك أنهم جعلوها أنداداً وآلهة مع الله افتراء وكذباً.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ