انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير الطبريالآيات 1–16

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يونس

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:32:57

  1. 1 الآيات 1–10في هذه الصفحة 8:36
  2. 2 الآيات 11–25في هذه الصفحة 17:31
  3. 3 الآيات 26–52 23:02
  4. 4 الآيات 53–70 14:12
  5. 5 الآيات 71–89 14:19
  6. 6 الآيات 90–109 15:17

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ ۝١

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: تأويله أنا الله أرى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يحيى بن داود بن ميمون الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله: {الر}: أنا الله أرى.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى عن ابن عباس، قوله:{ الر} قال: أنا الله أرى.

وقال آخرون: هي حروف من اسم الله الذي هو الرحمن. ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: ثنا عليّ بن الحسين، قال: ثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة عن ابن عباس: «الر، وحم، ونون» حروف الرحمن مقطعة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد عن الحسين بن عثمان، قال: ذكر سالم بن عبد الله: «الر، وحم ونون» فقال: اسم الرحمن مقطع. ثم قال: الرحمن.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبي حماد، قال: ثنا مندل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: «الر، وحم، ونون» هو اسم الرحمن.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن عامر أنه سئل عن: «الر، وحم، وص» قال: هي أسماء الله مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسماً من أسماء الله تعالى

وقال آخرون: هي اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {الر} اسم من أسماء القرآن.

وقد ذكرنا اختلاف الناس وما إليه ذهب كلّ قائل في الذي قال فيه، وما الصواب لدينا من القول في ذلك في نظيره، وذلك في أوّل سورة البقرة، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وإنما ذكرنا في هذا الموضع القدر الذي ذكرنا لمخالفة من ذكرنا قوله في هذا قول في الم، فأما الذين وفقوا بين معاني جميع ذلك، فقد ذكرنا قولهم هناك مكتفيا عن الإعادة ههنا.

القول في تأويل قوله تعالى:{ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ}.

واختلف في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تلك آيات التوراة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد:{ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ } قال: التوراة والإنجيل.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة:{ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ } قال: الكتب التي كانت قبل القرآن.

وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آيات القرآن.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوّله: هذه آيات القرآن، ووجه معنى «تلك» إلى معنى «هذه»، وقد بيَّنا وجه توجيه تلك إلى هذا المعنى في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته. والآيات الأعلام، والكتاب اسم من أسماء القرآن، وقد بيَّنا كلّ ذلك فيما مضى قبل.

وإنما قلنا هذا التأويل أولى في ذلك بالصواب، لأنه لم يجيءْ للتوراة والإنجيل قبل ذكر ولا تلاوة بعده فيوجه إليه الخبر، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: والرحمن هذه آيات القرآن الحكيم. ومعنى «الحكيم» في هذا الموضع: «المحكم» صرف مفعل إلى فعيل، كما قيل عذاب أليم، بمعنى مؤلم، وكما قال الشاعر:

أمنْ رَيحانةَ الدَّاعي السَّميعُ

وقد بيَّنا ذلك في غير موضع من الكتاب. فمعناه إذا: تلك آيات الكتاب المحكم الذي أحكمه الله وبيَّنه لعباده، كما قال جلّ ثناؤه: { { الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } }.

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ مُّبِينٌ ۝٢

يقول تعالى ذكره: أكان عجباً للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقاب الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أن الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فتعجبوا من وحينا إليه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس، قال: لما بعث الله محمدا رسولاً أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد فأنزل الله تعالى:{ أكانَ للنَّاسِ عَجَبا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنْهُمْ...} وقال:

{ { وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجالاً } }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: عجبت قريش أن بُعث رجل منهم. قال: ومثل ذلك:

{ { وَإلى عاد أخاهُمْ هُوداً وإلى ثَمُودَ أخاهُمْ صَالِحاً } } قال الله: { { أوَ عَجِبْتُمْ أنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ على رَجُل مِنْكُمْ } }.

القول في تأويل قوله تعالى:{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ}.

يقول جلّ ثناؤه: أكان عجبا للناس أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس، وأن بشر الذين آمنوا بالله ورسوله أن لهم قدم صدق عطف على «أنذر».

واختلف أهل التأويل في معنى قوله:{ قَدَمَ صِدْق } فقال بعضهم: معناه: أن لهم أجراً حسناً بما قدّموا من صالح الأعمال. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك:{ أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال: ثواب صدق.

قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: {أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال: الأعمال الصالحة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } يقول: أجراً حسناً بما قدّموا من أعمالهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن حبان، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث عن مجاهد:{ أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قال: صلاتهم، وصومهم، وصدقتهم، وتسبيحهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ قَدَمَ صِدْقٍ } قال: خير.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ قَدَمَ صِدْقٍ} مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال:{ قَدَمَ صِدْقٍ} ثواب صدق عند ربهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} قال: القدم الصدق: الثواب الصدق بما قدموا من الأعمال.

وقال آخرون: معناه: أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأوّل.

وقال آخرون: معنى ذلك أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم شفيع لهم، قَدَمَ صدق. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة أو الحسن:{ أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال: محمد شفيع لهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ}: أي سلف صدق عند ربهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله:{ أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معناه أن لهم أعمالاً صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثواب وذلك أنه محكيّ عن العرب: هؤلاء أهل القدم في الإسلام أي هؤلاء الذين قدموا فيه خيراً، فكان لهم فيه تقديم، ويقال: له عندي قدم صدق وقدم سوء، وذلك ما قدم إليه من خير أو شرّ، ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنالأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ

وقول ذي الرمَّة:

لَكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أنَّهامَعَ الحَسَبِ العادِيّ طَمَّتْ على البَحْرِ

فتأويل الكلام إذا: وبشر الذين آمنوا أن لهم تقدمة خير من الأعمال الصالحة عند ربهم.

القول في تأويل قوله تعالى:{ قال الكافِرُونَ إنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ}.

اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والبصرة:{إنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} بمعنى: إن هذا الذي جئتنا به، يعنون القرآن «لَسِحْرٌ مُبِينٌ». وقرأ ذلك مسروق وسعيد بن جبير وجماعة من قرّاء الكوفيين:{ إنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ } وقد بينت فيما مضى من نظائر ذلك أن كل موصوف بصفة نزل الموصوف على صفته، وصفته عليه، فالقارىء مخير في القراءة في ذلك وذلك نظير هذا الحرف:« قال الكافِرُونَ إنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ» و{لساحر مبين } وذلك أنهم إنما وصفوه بأنه ساحر، ووصفهم ما جاءهم به أنه سحر يدلّ على أنهم قد وصفوه بالسحر. وإذا كان ذلك كذلك فسواء بأيّ ذلك قرأ القارىء لاتفاق معنى القراءتين. وفي الكلام محذوف استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره وهو: فلما بشرهم وأنذرهم وتلا عليهم الوحي، قال الكافرون إن هذا الذي جاءنا به لسحر مبين.

فتأويل الكلام إذا: أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم، أن أنذر الناس، وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم، فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون توحيد الله ورسالة رسوله: إن هذا الذي جاءنا به محمد لسحر مبين أي يبين لكم عنه أنه مبطل فيما يدعيه.

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٣

يقول تعالى ذكره: إن ربكم الذي له عبادة كلّ شيء، ولا تنبغي العبادة إلا له، هو الذي خلق السموات السبع والأرضين السبع في ستة أيام، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهير، ثم استوى على عرشه مدبرا للأمور وقاضياً في خلقه ما أحبّ، لا يضادّه في قضائه أحد ولا يتعقب تدبيره متعقب ولا يدخل أموره خلل. {ما مِنْ شَفِيعٍ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ} يقول: لا يشفع عنده شافع يوم القيامة في أحد إلا من بعد أن يأذن في الشفاعة.{ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ } يقول جلّ جلاله: هذا الذي هذه صفته سيدكم ومولاكم لا من لا يسمع، ولا يبصر، ولا يدبر، ولا يقضي من الآلهة والأوثان. {فاعْبُدُوهُ} يقول: فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته، وأخلصوا له العبادة، وأفردوا له الألوهة والربوبية بالذلة منكم له دون أوثانكم وسائر ما تشركون معه في العبادة. {أفَلا تَذَكَّرُونَ} يقول: أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الآيات والحجج، فتنيبون إلى الإذعان بتوحيد ربكم وإفراده بالعبادة، وتجمعون الأنداد وتبرءون منها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ يُدَبِّرُ الأمْرَ } قال: يقضيه وحده.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الأعلى، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد:{ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ } قال: يقضيه وحده.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يُدَبِّرُ الأمْرَ } قال: يقضيه وحده.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ۝٤

يقول تعالى ذكره: إلى ربكم الذي صفته ما وصف جلّ ثناؤه في الآية قبل هذه معادكم أيها الناس يوم القيامة جميعاً. {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا } فأخرج «وعد الله» مصدرا من قوله:{ إلَيْهِ مَرْجَعُكُمْ }لأن فيه معنى الوعد، ومعناه: يعدكم الله أن يحييكم بعد مماتكم وعداً حقًّا، فلذلك نصب {وَعْدَ الله حَقًّا}.{ إِنَّهُ يَبْدَؤُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } يقول تعالى ذكره: إن ربكم يبدأ إنشاء الخلق وإحداثه وإيجاده ثم يعيده، فيوجده حيًّا كهيئته يوم ابتدأه بعد فنائه وبلائه. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} قال: يحييه ثم يميته.

قال أبو جعفر: وأحسبه أنه قال: «ثم يحييه».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد:{يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } قال: يحييه ثم يميته ثم يحييه.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}: يحييه ثم يميته، ثم يبدؤه ثم يحييه.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.

وقرأت قرّاء الإمصار ذلك:{ إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ } بكسر الألف من إنه على الاستئناف. وذُكر عن أبي جعفر الرازي أنه قرأه أنه بفتح الألف من «أنه» كأنه أراد: حقًّا أن يبدأ الخلق ثم يعيده، ف «أنّ» حينئذ تكون رفعاً، كما قال الشاعر:

أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ زَائراًأبا حَبَّةٍ إلاَّ عليّ رَقِيبُ

وقوله:{ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ بالقِسْطِ } يقول: ثم يعيده من بعد مماته كهيئته قبل مماته عند بعثه من قبره، {لَيْجِزيَ الَّذِينَ آمَنُوا} يقول: ليثيب من صدق الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به من الأعمال واجتنبوا ما نهاهم عنه على أعمالهم الحسنة{ بالقِسْطِ } يقول: ليجزيهم على الحسن من أعمالهم التي عملوها في الدنيا الحسن من الثواب والصالح من الجزاء في الآخرة، وذلك هو القسط. والقسط العدل والإنصاف كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ بالقِسْطِ } بالعدل.

وقوله:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} فإنه جلّ ثناؤه ابتدأ الخبر عما أعدّ الله للذين كفروا من العذاب. وفيه معنى العطف على الأوّل، لأنه تعالى ذكره عمّ بالخبر عن معاد جميعهم كفارهم ومؤمنيهم إليه، ثم أخبر أن إعادتهم ليجزي كلّ فريق بما عمل، المحسن منهم بالإحسان والمسيء بالإساءة. ولكن لما كان قد تقدم الخبر المستأنف عما أعدّ للذين كفروا من العذاب ما يدلّ سامع ذلك على المراد ابتدأ الخبر والمعني العطف، فقال: والذين جحدوا الله ورسوله وكذبوا بآيات الله، لهم شراب في جهنم من حميم، وذلك شراب قد أغلي واشتدّ حرّه حتى أنه فيما ذكر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ليتساقط من أحدهم حين يدنيه منه فروة رأسه، وكما وصفه جلّ ثناؤه:{ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ}. وأصله مفعول صرف إلى فعيل، وإنما هو «محموم»: أي مسخن، وكلّ مسخن عند العرب فهو حميم، ومنه قول المرقش:

فِي كُلّ يَوْمٍ لَهَا مِقْطَرَةٌفِيها كِباءٌ مُعَدٌّ وحَمِيمْ

يعني بالحميم: الماء المسخن. وقوله: {عَذَابٌ ألِيمٌ } يقول: ولهم مع ذلك عذاب موجع سوى الشراب من الحميم {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} بالله ورسوله.

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٥

يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً }بالنهار {والقَمَرَ نُوراً} بالليل، ومعنى ذلك: هو الذي أضاء الشمس وأنار القمر، {وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ } يقول: قضاه فسوّاه منازل لا يجاوزها، ولا يقصر دونها على حال واحدة أبدا. وقال: {وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ } فوحده، وقد ذكر الشمس والقمر، فإن في ذلك وجهين: أحدهما أن تكون الهاء في قوله: {وَقَدَّرَهُ } للقمر خاصة، لأن بالأهلّة يعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس. والآخر: أن يكون اكتفي بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال في موضع آخر:

{ { وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ } } وكما قال الشاعر:

رَمانِي بأمْر كُنْتُ مِنْهُ وَوَالدِيبَرِيًّا وَمِنْ جُولِ الطَّوِيِّ رَمانِي

وقوله:{ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحسابَ } يقول: وقدّر ذلك منازل لتعلموا أنتم أيها الناس عدد السنين: دخول ما يدخل منها، وانقضاء ما يستقبل منها وحسابها، يقول: وحساب أوقات السنين وعدد أيامها وحساب ساعات أيامها. {ما خَلَقَ اللَّهُ ذلكَ إلا بالحَقّ } يقول جلّ ثناؤه: لم يخلق الله الشمس والقمر ومنازلهما إلا بالحقّ، يقول الحقّ تعالى ذكره: خلقت ذلك كله بحقّ وحدي بغير عون ولا شريك. {يُفَصّلُ الآياتِ } يقول: يبين الحجج والأدلة{ لِقَوْم يَعْلَمُونَ } إذا تدبروها، حقيقة وحدانية الله، وصحة ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم من خلع الأنداد والبراءة من الأوثان.

إِنَّ فِى ٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ۝٦

يقول تعالى ذكره منبها عباده على موضع الدلالة على ربوبيته وأنه خالق كلّ ما دونه. إن في اعتقاب الليل والنهار واعتقاب النهار الليل. إذا ذهب هذا جاء هذا وإذا جاء هذا ذهب هذا، وفيما خلق الله في السماوات من الشمس والقمر والنجوم وفي الأرض من عجائب الخلق الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء،{ لآيَاتٍ } يقول لأدلة وحججاً وأعلاماً واضحة لقوم يتقون الله، فيخافون وعيده ويخشون عقابه على إخلاص العبادة لربهم.

فإن قال قائل: أو لا دلالة فيما خلق الله فِي السماوات والأرض على صانعه إلا لمن اتقى الله؟ قيل: في ذلك الدلالة الواضحة على صانعه لكلّ من صحت فطرته، وبريء من العاهات قلبه، ولم يقصد بذلك الخبر عن أن فيه الدلالة لمن كان قد أشعر نفسه تقوى الله، وإنما معناه: إن في ذلك لآيات لمن اتقى عقاب الله فلم يحمله هواه على خلاف ما وضح له من الحقّ، لأن ذلك يدلّ كلّ ذي فطرة صحيحة على أن له مدبرا يستحقّ عليه الإذعان له بالعبودة دون ما سواه من الآلهة والأنداد.

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ۝٧ أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٨

يقول تعالى ذكره: إن الذين لا يخافون لقاءنا يوم القيامة، فهم لذلك مكذّبون بالثواب والعقاب، متنافسون في زين الدنيا وزخارفها، راضون بها عوضاً من الآخرة، مطمئنين إليها ساكنين. {وَالَّذِينَ هم } عن آيات الله، وهي أدلته على وحدانيته، وحججه على عباده في إخلاص العبادة له {غَافِلُونَ } معرضون عنها لاهون، لا يتأملونها تأمل ناصح لنفسه، فيعلموا بها حقيقة ما دلتهم عليه، ويعرفوا بها بطول ما هم عليه مقيمون.{ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ } يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم مأواهم مصيرها إلى النار نار جهنم في الآخرة. {بِمَا كَانُوا يَكْسِبونَ } في الدنيا من الآثام والأجرام ويجترحون من السيئات. والعرب تقول: «فلان لا يرجو فلاناً»: إذا كان لا يخافه. ومنه قول الله جلّ ثناؤه:

{ { ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً } }. ومنه قول أبي ذؤيب:

إذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهاوخالَفَها فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلِ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {واطْمَأنُّوا بِها} قال: هو مثل قوله:

{ { مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها } }.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بالحَياةِ الدُّنْيا واطْمأَنُّوا بِها} قال: هو مثل قوله:

{ مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفُّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها }

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بالحَياةِ الدُّنْيا واطْمأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ } قال: إذا شئت رأيت صاحب دنيا لها يفرح، ولها يحزن، ولها يسخط، ولها يرضى.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بالحَياةِ الدُّنْيا واطْمأَنُّوا بِها...} الآية كلها، قال: هؤلاء أهل الكفر. ثم قال:{ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كانُوا يَكْسِبُوَنَ}.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٩ دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠

يقول تعالى ذكره:{ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } إن الذين صدّقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره. {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإيمانِهِمْ} يقول: يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } بلغنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ المُؤْمِنَ إذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ صُوّرَ لَهُ عَمَلُهُ فِي صُورَة حَسَنَة، فَيُقُولُ لَهُ: ما أنْتَ، فوَاللَّهِ إنّي لأرَاكَ امْرأ صِدْقٍ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ، فَيَكُون لَهُ نُوراً وَقائِداً إلى الجَنَّةِ. وأمَّا الكافِرُ إذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ صُوّرَ لَهُ عَمَلُهُ فِي صُورَةٍ سَيِّئَةٍ وَبِشارَةٍ سَيِّئَةٍ، فَيَقُولُ: ما أنْتَ فَواللَّهِ إنّي لأَرَاكَ أمْرأَ سَوْءٍ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ. فَيَنْطَلِقُ بِهِ حتى يُدْخِلَهُ النّارُ ».

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإيمانِهِمْ } قال: يكون لهم نورا يمشون به.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقال ابن جريج: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإيمانِهِمْ } قال: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، يعارض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك فيجعل له نوراً من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإيمانِهِمْ}. والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويُلادّه حتى يقذفه في النار.

وقال آخرون: معنى ذلك: بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه، يقول: بتصديقهم هداهم. ذكر من قال ذلك:

وقوله:{ تَجْرِي مِنْ تَحْتَهِمُ الأنهارُ} يقول: تجري من تحت هؤلاء المؤمنين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم أنهار الجنة. {في جَنَّاتِ النَّعِيمِ } يقول: في بساتين النعيم الذي نعمَّ الله به أهل طاعته والإيمان به.

فإن قال قائل: وكيف قيل تجري من تحتهم الأنهار، وإنما وصف جلّ ثناؤه أنهار الجنة في سائر القرآن أنها تجري تحت الجنات؟ وكيف يمكن الأنهار أن تجري من تحتهم إلا أن يكونوا فوق أرضها والأنهار تجري من تحت أرضها، وليس ذلك من صفة أنهار الجنة، لأن صفتها أنها تجري على وجه الأرض في غير أخاديد؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: تجري من دونهم الأنهار إلى ما بين أيديهم في بساتين النعيم، وذلك نظير قول الله:{ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا } ومعلوم أنه لم يجعل السريّ تحتها وهي عليه قاعدة، إذ كان السريّ هو الجدول، وإنما عني به جعل دونها: بين يديها، وكما قال جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل فرعون:{ ألَيْسَ لي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } بمعنى: من دوني بين يدي.

وأما قوله:{ دَعْوَاهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمْ } فإن معناه: دعاؤهم فيها سبحانك اللهمّ. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن قوله:{ دعْوَاهُمْ فِيها سُبْحانَك اللَّهُمَّ } قال: إذا مرّ بهم الطير فيشتهونه، قالوا: سبحانك اللهمّ وذلك دعواهم، فيأتيهم الملك بما اشتهوا، فيسلم عليهم، فيردّون عليه، فذلك قوله: {وتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ}. قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك قوله: {وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {دعْوَاهُمْ فِيها سُبْحانَك اللَّهُمَّ } يقول: ذلك قولهم فيها {وتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيد الله الأشجعي، قال: سمعت سفيان يقول: {دعْوَاهُمْ فِيها سُبْحانَك اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ } قال: إذا أرادوا الشيء قالوا: اللهمّ فيأتيهم ما دعوا به.

وأما قوله: {سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ } فإن معناه: تنزيها لك يا ربّ مما أضاف إليك أهل الشرك بك من الكذب عليك والفرية.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن غير واحد عطية فيهم: سبحان الله تنزيه لله.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت موسى بن طلحة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبحان الله، قال:

إبْرَاءُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ ».

حدثنا أبو كريب وأبو السائب وخلاد بن أسلم، قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا قابوس، عن أبيه: أن ابن الكوّاء سأل عليًّا رضي الله عنه عن «سبحان الله» قال: كلمة رضيها الله لنفسه.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان بن سعيد الثوري عن عثمان بن عبد الله بن موهب الطلحي، عن موسى بن طلحة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن سبحان الله، فقال:

تَنْزِيهاً لِلَّهِ عَنِ السُّوءِ ».

حدثني عليّ بن عيسى البزار، قال: ثنا عبيد الله بن محمد، قال: ثنا عبد الرحمن بن حماد، قال: ثني حفص بن سليمان، قال: ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله، فقال:

هُوَ تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنْ كُلّ سُوءٍ ».

حدثني محمد بن عمرو بن تمام الكلبي، قال: ثنا سليمان بن أيوب، قال: ثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله قول سبحان الله؟ قال:

تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ ».

{وتَحِيَّتُهُمْ} يقول: وتحية بعضهم بعضاً{ فِيها سَلامٌ}: أي سلمت وأمنت مما ابتلي به أهل النار. والعرب تسمى الملك التحية ومنه قول عمرو بن معديكرّب:

أزُورُ بها أبا قابُوسَ حتىأنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي

ومنه قول زهير بن جناب الكلبي:

مِنْ كُلّ ما نالَ الفَتَىقَدْ نِلْتُهُ إلاَّ التَّحِيَّهْ

وقوله:{ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ } يقول: وآخر دعائهم {أن الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ } يقول: وآخر دعائهم أن يقولوا: الحمد لله ربّ العالمين ولذلك خففت «أن» ولم تشدّد، لأنه أريد بها الحكاية.

وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝١١

يقول تعالى ذكره:{ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ} أجابة دعائهم في{ الشَّرّ}، وذلك فيما عليهم مضرّة في نفس أو مال {اسْتِعْجالَهُمْ بالخَيْرِ} يقول: كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه به. {لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ } يقول: لهلكوا وعجل لهم الموت، وهو الأجل. وعني بقوله:{ لَقُضِيَ} لفرغ إليهم من أجلهم وتبدّى لهم، كما قال أبو ذؤيب:

وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضَاهمادَاودُ أوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ

{ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا } يقول: فندع الذين لا يخافون عقابنا ولا يوقنون بالبعث ولا بالنشور،{ فِي طُغْيانِهِمْ} يقول: في تمرّدهم وعتوّهم،{ يَعْمَهُونَ } يعني يتردّدون. وإنما أخبر جلّ ثناؤه عن هؤلاء الكفرة بالبعث بما أخبر به عنهم من طغيانهم وترددهم فيه عند تعجيله إجابة دعائهم في الشرّ لو استجاب لهم أن ذلك كان يدعوهم إلى التقرّب إلى الوثن الذي يشرك به أحدهم، أو يضيف ذلك إلى أنه من فعله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ الشَّرّ اسْتِعْجَالهُمْ بالخَيْرِ } قال: قول الإنسان إذا غضب لولده وماله: لا بارك الله فيه ولعنه

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ الشَّرّ اسْتِعْجَالهُمْ بالخَيْرِ } قال: قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهمّ لا تبارك فيه والعنه فلو يعجل الله الاستجابة لهم في ذلك كما يستجاب في الخير لأهلكهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ الشَّرّ اسْتِعْجَالهُمْ بالخَيْرِ } قال: قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهمّ لا تبارك فيه والعنه: {لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ } قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله:{ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ الشَّرّ اسْتِعْجَالهُمْ بالخَيْرِ} قال: قول الرجل لولده إذا غضب عليه أو ماله: اللهمّ لا تبارك فيه والعنه قال الله:{ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ } قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته. قال:{ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا } قال: يقول: لا نهلك أهل الشرك، ولكن نذرهم في طغيانهم يعمهون.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله:{ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ الشَّرّ اسْتِعْجَالهُمْ بالخَيْرِ } قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ } قال: لأهلكناهم، وقرأ:

{ ما تَرَكَ على ظَهْرِها مِنْ دَابَّةِ }قال: يهلكهم كلهم.

ونصب قوله{ اسْتِعْجالَهُمْ } بوقوع يعجل عليه، كقول القائل: قمت اليوم قيامك، بمعنى قمت كقيامك، وليس بمصدر من يعجل، لأنه لو كان مصدرا لم يحسن دخول الكاف، أعني كاف التشبيه فيه.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ } فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الحجاز والعراق:{ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ } على وجه ما لم يسمّ فاعله بضم القاف من «قُضي» ورفع «الأجل». وقرأ عامة أهل الشأم: «لَقَضَي إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ» بمعنى: لقضى الله إليهم أجلهم. وهما قراءتان متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، غير أن أقرؤه على وجه ما لم يسمّ فاعله، لأن عليه أكثر القرّاء.

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٢

يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الإنسان الشدّة والجهد {دَعانا لِجَنْبِهِ } يقول: استغاث بنا في كشف ذلك عنه، لجنبه: يعني مضطجعاً لجنبه. {أوْ قاعِداً أوْ قائماً} الحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضرّ به.{ فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْه ضُرَّهُ } يقول: فلما فرّجنا عنه الجهد الذي أصابه، {مرَّ كأنْ لَمْ يَدعُنَا إلى ضُرّ مَسَّهُ } يقول: استمرّ على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضرّ، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، أو تناساه، وترك الشكر لربه الذي فرّج عنه ما كان قد نزل به من البلاء حين استعاذ به، وعاد للشرك ودعوى الآلهة والأوثان أربابا معه. يقول تعالى ذكره: {كذلكَ زُيِّنَ للْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ } يقول: كما زين لهذا الإنسان الذي وصفنا صفته استمراره على كفره بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضرّ، كذلك زين للذين أسرفوا في الكذب على الله وعلى أنبيائه، فتجاوزوا في القول فيهم إلى غير ما أذن الله لهم به، ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:{ دَعانا لِجَنْبهِ } قال: مضطجعاً.

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝١٣

يقول تعالى ذكره: ولقد أهلكنا الأمم التي كذّبت رسل الله من قبلكم أيها المشركون بربهم{ لما ظَلَمُوا } يقول: لما أشركوا وخالفوا أمر الله ونهيه. {وجاءَتْهُمْ رُسُلُهمْ } من عند الله،{ بالبَيِّناتِ } وهي الآيات والحجج التي تبين عن صدق من جاء بها. ومعنى الكلام: وجاءتهم رسلهم بالآيات البينات أنها حقّ. {وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا } يقول: فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدّقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له. {كذلكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ } يقول تعالى ذكره: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم أيها المشركون بظلمهم أنفسهم وتكذيبهم رسلهم وردّهم نصيحتهم، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم محمدا صلى الله عليه وسلم، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم، إن أنتم لم تنيبوا وتتوبوا إلى الله من شرككم، فإن من ثواب الكافر بي على كفره عندي أن أهلكه بسخطي في الدنيا وأورده النار في الآخرة.

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ۝١٤

يقول تعالى ذكره:{ ثُمَّ جَعَلْناكُمْ } أيها الناس خَلائِفَ من بعد هؤلاء القرون الذين أهلكناهم لما ظلموا تخلفونهم{ فِي الأرْضِ } وتكونون فيها بعدهم. {لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلونَ } يقول: لينظر ربكم أين عملكم من عمل من هلك من قبلكم من الأمم بذنوبهم وكفرهم بربهم، تحذون مثالهم فيه، فتستحقون من العقاب ما استحقوا، أم تخالفون سبيلهم، فتؤمنون بالله ورسوله، وتقرّون بالبعث بعد الممات، فتستحقون من ربكم الثواب الجزيل. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلونَ} ذكر لنا أن عُمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: صدق ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر كيف أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرا، بالليل والنهار والسرّ والعلانية.

حدثني المثنى، قال: ثنا يزيد بن عوف أبو ربيعة بهذا، قال: ثنا حماد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن عوف بن مالك رضي الله عنه قال لأبي بكر رضي الله عنه: رأيت فيما يرى النائم كأن سبباً دُلي من السماء فانتشط رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دلي فانتشط أبو بكر، ثم ذرع الناس حول المنبر، ففضل عمر رضي الله عنه بثلاث أذرع إلى المنبر فقال عمر: دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها فلما استخلف عمر قال: يا عوف رؤياك؟ قال: وهل لك في رؤياي من حاجة، أو لم تنتهرني؟ قال: ويحك إني كرهت أن تنعي لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه فقصّ عليه الرؤيا، حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع، قال: أما إحداهنّ فإنه كائن خليفة، وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنه شهيد. قال: فقال يقول الله: {ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلونَ } فقد استخلفت يا ابن أم عمر، فانظر كيف تعمل وأما قوله:

فإنّي لا أخافُ في الله لَوْمَة لائمٍفما شاء الله، وأما قوله:فانّي شَهِيدٌفأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به ثم قالإنَّ اللَّهَ على ما يَشاءُ قَدِيرٌ ».

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝١٥

يقول تعالى ذكره: وإذا قرىء على هؤلاء المشركين آيات كتاب الله الذي أنزلناه إليك يا محمد بينات واضحات على الحقّ دالات. {قالَ الَّذِينَ لا يَرْجَوْنَ لِقاءَنَا } يقول: قال الذين لا يخافون عقابنا ولا يوقنون بالمعاد إلينا ولا يصدّقون بالبعث لك: {ائْتِ بقُرآنٍ غيرِ هَذَا أوْ بَدّلْهُ } يقول: أو غيره. قُلْ لهم يا محمد: {ما يَكُونُ لي أنْ أُبَدّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي } أي من عندي.

والتبديل الذي سألوه فيما ذُكر، أن يحوّل آية الوعيد آية وعد وآية الوعد وعيدا والحرام حلالاً والحلال حراماً، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يردّ حكمه ولا يتعقب قضاؤه، وإنما هو رسول مبلغ ومأمور متبع.

وقوله:{ إنْ أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحَى إليَّ } يقول: قل لهم: ما أتبع في كلّ ما آمركم به أيها القوم وأنهاكم عنه إلا ما ينزله إليّ ربي ويأمرني به.{ إنّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبي عَذَابَ يَوْمِ عَظِيم} يقول إني أخشى من الله إن خالفت أمره وغيرت أحكام كتابه وبدّلت وحيه فعصيته بذلك،{ عذابَ يومٍ عظيمٍ} هَوْلُهُ، وذلك

{ يَوْمَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة عَمَّا أرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَملْ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى ومَا هُمْ بِسُكارَى }}.p>>

قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٦

يقول تعالى ذكره لنبيه معرّفه الحجة على هؤلاء المشركين الذين قالوا له ائت بقرآن غير هذا أو بدّله: قل لهم يا محمد {لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ } أي ما تلوت هذا القرآن عليكم أيها الناس بأن كان لا ينزل عليّ فيأمرني بتلاوته عليكم،{ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ } يقول: ولا أعلمكم به،{ فَقَدْ لَبِثْتُ فيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ } يقول: فقد مكثت فيكم أربعين سنة من قبل أن أتلوه عليكم ومن قبل أن يوحيه إليَّ ربي،{ أفَلا تَعْقِلُونَ} أني لو كنت منتحلاً ما ليس لي من القول كنت قد انتحلته في أيام شبابي وحداثتي وقبل الوقت الذي تلوته عليكم؟ فقد كان لي اليوم لو لم يوح إليّ وأومر بتلاوته عليكم مندوحة عن معاداتكم ومتسع في الحال التي كنت بها منكم قبل أن يوحى إليَّ وأومر بتلاوته عليكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ وَلا أدرَاكُمْ بِهِ}: ولا أعلمكم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ } يقول: لو شاء الله لم يعلمكموه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس:{ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ } يقول: ما حذّرتكم به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:

{ { إذَا تُتْلَى عَليْهِم آياتُنا بَيِّناتِ قالَ الَّذِين لا يَرْجُونَ لِقَاءَنا ائْتِ بقُرآنٍ غيرِ هَذَا أوْ بَدّلْه } }، وهو قول مشركي أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ } لبث أربعين سنة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:{ قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ } ولا أعلمكم به.

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن، أنه كان يقرأ: «وَلا أدْرَأتُكُمْ بِهِ» يقول: ما أعلمتكم به.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ } يقول: ولا أشعركم الله به.

وهذه القراءة التي حكيت عن الحسن عند أهل العربية غلط، وكان الفراء يقول في ذلك قد ذكر عن الحسن أنه قال: «ولا أدْرأتكم به»، قال: فإن يكن فيها لغة سوى «دريت» و «أدريت»، فلعلّ الحسن ذهب إليها، وأما أن يصلح من «دريت» أو «أدريت» فلا، لأن الياء والوا إذا انفتح ما قبلهما وسكنتا صحتا ولم تنقلبا إلى ألف مثل قضيت ودعوت، ولعلّ الحسن ذهب إلى طبيعته وفصاحته فهمزها، لأنها تضارع «درأت الحدّ» وشبهه. وربما غلطت العرب في الحرف إذا ضارعه آخر من الهمز، فيهمزون غير المهموز. وسمعت امرأة من طيّ تقول: رثأت زوجي بأبيات، ويقولون: لبأت بالحجّ وحلأت السويق يتغلطون، لأن «حلأت» قد يقال في دفع العطاش من الإبل، و «لبأت»: ذهبت به إلى اللبأ، لبأ الشاة، و«رثأت زوجي»: ذهبت به إلى رثأت اللبن إذا أنت حلبت الحليب على الرائب، فتلك الرثيئة. وكان بعض البصريين يقول: لا وجه لقراءة الحسن هذه لأنها من «أدريت» مثل «أعطيت»، إلا أن لغة بني عقيل «أعطأت» يريدون «أعطيت»، تحوّل الياء ألفا، قال الشاعر:

لَقَدْ آذَنَتْ أهْلَ اليَمامَةِ طَيىِّءٌبحَرْبٍ كنَاصَاةَ الأغَرِّ المُشَهَّرِ

يريد كناصية حكي ذلك عن المفضل. وقال زيد الخيل:

لَعْمُركَ ما أخْشَى التَّصَعْلُكَ ما بَقَاعلى الأرْضِ قَيْسيٌّ يَسُوقُ الأباعِرا

فقال «بقا». وقال الشاعر:

زَجَرْتُ فقلناً لا نرِيعُ لِزَاجِرٍإنَّ الغَوِيَّ إذا نُهَا لَمْ يُعْتِب

يريد «نُهِي». قال: وهذا كله على قراءة الحسن، وهي مرغوب عنها، قال: وطيّىء تصير كل ياء انكسر ما قبلها ألفاً، يقولون: هذه جاراة، وفي الترقوة: ترقاة، والعرقوة: عرقاة، قال: وقال بعض طيىء: قد لقت فزارة، حذف الياء من لقيت لما لم يمكنه أن يحوّلها ألفا لسكون التاء فيلتقي ساكنان. وقال: زعم يونس أن نسا ورضا لغة معروفة، قال الشاعر:

وأبْنَيْتُ بالأَعْراضِ ذا البَطْنِ خالِداًنَسا أوْ تَناسَى أن يَعُدَّ المَوَاليا

ورُوى عن ابن عباس في قراءة ذلك أيضاً رواية أخرى، وهي ما:

حدثنا به المثنى، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا خالد بن حنظلة، عن شهر بن حوشب، عن ان عباس أنه كان يقرأ: «قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أنْذَرْتُكُمْ بِهِ».

والقراءة التي لا أستجيز أن تعدوها هي القراءة التي عليها قرّاء الأمصار:{ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ } بمعنى: ولا أعلمكم به، ولا أشعركم به.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ