وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ٩٥
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تكوننّ يا محمد من الذين كذّبوا بحجج الله وأدلته، فتكون ممن غبن حظه وباع رحمة الله ورضاه بسخطه وعقابه.
تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير الطبري.
الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:32:57
وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ٩٥
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تكوننّ يا محمد من الذين كذّبوا بحجج الله وأدلته، فتكون ممن غبن حظه وباع رحمة الله ورضاه بسخطه وعقابه.
إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ٩٦ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ٩٧
يقول تعالى ذكره: إن الذين وجبت عليهم يا محمد كلمة ربك، وهي لعنته إياهم بقوله:
{ { ألا لَعْنَةُ اللَّهِ على الظَّالِمِينَ } } فثبتت عليهم، يقال منه: حقّ على فلان كذا يحقّ عليه: إذا ثبت ذلك عليه ووجب.وقوله: {لا يؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمُ كُلُّ آيَةٍ} لا يصدقون بحجج الله، ولا يقرّون بوحدانية ربهم ولا بأنك لله رسول، ولو جاءتهم كل آية وموعظة وعبرة فعاينوها حتى يعاينوا العذاب الأليم، كما لم يؤمن فرعون وملؤه، إذا حقَّت عليهم كلمة ربك حتى عاينوا العذاب الأليم، فحينئذ قال:
{ { آمَنْتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ } } حين لم ينفعه قيله، فكذلك هؤلاء الذين حقت عليهم كلمة ربك من قومك، من عبدة الأوثان وغيرهم، لا يؤمنون بك فيتبعونك إلا في الحين الذي لا ينفعهم إيمانهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {أنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ} قال: حقّ عليهم سخط الله بما عصوه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يؤْمِنُونَ} حقّ عليهم سخط الله بما عصوه.
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ٩٨
يقول تعالى ذكره: فهلا كانت قرية آمنت وهي كذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ.
ومعنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب ونزول سخط الله بها بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيِّه واستحقاقه سخط الله بمعصيته. {إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نزول العقوبة وحلول السخط بهم. فاستثنى الله قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بساحتهم، وأخرجهم منهم، وأخبر خلقه أنه نفعهم إيمانهم خاصة من بين سائر الأمم غيرهم.
فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله: {فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها} بمعنى: فما كانت قرية آمنت بمعنى الجحود، فكيف نصب «قوم» وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحداً كان ما بعده مرفوعاً، وأن الصحيح من كلام العرب: ما قام أحد إلا أخوك، وما خرج أحد إلا أبوك؟ قيل: إن ذلك إنما يكون كذلك إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس ما قبله وذلك أن الأخ من جنس أحد، وكذلك الأب. ولكن لو اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله كان الفصيح من كلامهم النصب، وذلك لو قلت: ما بقي في الدار أحد إلا الوتد، وما عندنا أحد إلا كلباً أو حماراً لأن الكلب والوتد والحمار من غير جنس أحد، ومنه قول النابغة الذبياني:
............ أعْيَتْ جوَاباً ومَا بالرَّبعْ مِنْ أحَدِ
ثم قال:إلاَّ أوارِيَّ لأَيا ما أُبَيِّنُهاوالنّؤْىُ كالحَوْضِ بالمظلومة الجَلَدِ
فنصب «الأواريّ» إذ كان مستثنى من غير جنسه، فكذلك نصب قوم يونس لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم من غير جنسهم وشكلهم وإن كانوا من بني آدم، وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية الاستثناء المنقطع. ولو كان قوم يونس بعض الأمة الذين استثنوا منهم كان الكلام رفعاً، ولكنهم كما وصفت.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها} يقول: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نزل بها بأس الله، إلا قرية يونس.
قال ابن جريج: قال مجاهد: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعها إيمانْها إلاَّ قَوْمَ يُونسَ لمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحيَاةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إلى حِينٍ} يقول: لم يكن هذا في الأمم قبلهم لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت، إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح وألهوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجّوا إلى الله أربعين ليلة. فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم. قال: وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى أرض الموصل.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} قال: بلغنا أنهم خرجوا فنزلوا على تلّ وفرّقوا بين كل بهيمة وولدها يدعون الله أربعين ليلة، حتى تاب عليهم.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الحميد الحماني، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب القبر.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس: إن العذاب كان هبط على قوم يونس، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وإسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمانُها إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا} قال: كما نفع قوم يونس. زاد أبو حذيفة في حديثه قال: لم تكن قرية آمنت حين رأت العذاب فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس متعناهم.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره في إمارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فحدث عن قوم يونس حين أنذر قومه فكذّبوه، فأخبرهم أن العذاب يصيبهم ففارقهم، فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب لكنَّهم، خرجوا من مساكنهم وصعدوا في مكان رفيع، وأنهم جأروا إلى ربهم ودعوه مخلصين له الدين أن يكشف عنهم العذاب وأن يُرجع إليهم رسولهم. قال: ففي ذلك أنزل: {فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمانُها إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْي فِي الحياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إلى حينً} فلم تكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها إلا قوم يونس خاصة فلما رأى ذلك يونس، لكنه ذهب عاتباً على ربه وانطلق مغاضباً وظنّ أن لن نقدر عليه، حتى ركب في سفينة فأصاب أهلها عاصف الريح. فذكر قصة يونس وخبره.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال: لما رأوا العذاب ينزل فرّقوا بين كل أنثى وولدها من الناس والأنعام، ثم قاموا جميعاً فدعوا الله وأخلصوا إيمانهم، فرأوا العذاب يكشف عنهم. قال يونس حين كشف عنهم العذاب: أرجع إليهم وقد كذَبتهم؟ وكان يونس قد وعدهم العذاب بصبح ثالثة، فعند ذلك خرج مغضبا وساء ظنه.
حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: لما أرسل يونس إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه، قال: فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبِّحهم فقالوا: إنا لم نجرّب عليه كذبا فانظروا، فإن بات فيكم فليس بشيء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم. فلما كان في جوف الليل أخذ مخلاته فتزوّد فيها شيئاً، ثم خرج. فلما أصبحوا تغشاهم العذاب كما يتغشى الإنسان الثوب في القبر، ففرّقوا بين الإنسان وولده وبين البهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله، فقالوا: آمنا بما جاء به يونس وصدّقنا فكشف الله عنهم العذاب، فخرج يونس ينظر العذاب فلم ير شيئاً، قال: جرّبوا عليّ كذبا. فذهب مغاضباً لربه حتى أتى البحر.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: ثنا ابن مسعود في بيت المال، قال: إن يونس عليه السلام كان قد وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرّقوا بين كلّ والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه فكفّ عنهم العذاب، وغدا يونس ينظر العذاب فلم ير شيئاً، وكان من كذّب ولم تكن له بينة قُتل. فانطلق مغاضباً.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا صالح المرى، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد جيلان قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا له: إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال: قولوا يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ محي الموتى، ويا حيّ لا إله إلا أنت فكشف عنهم العذاب ومتِّعوا إلى حين.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: بلغني في حرف ابن مسعود: «فلولا يقول فهلاّ».
وقوله: {لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحيَاةِ الدُّنْيا} يقول: لما صدقوا رسولهم وأقرّوا بما جاءهم به بعد ماأظلهم العذاب وغشيهم أمر الله ونزل بهم البلاء، كشفنا عنهم عذاب الهوان والذلّ في حياتهم الدنيا. { وَمَتَّعْناهُمْ إلى حينٍ} يقول: وأخرنا في آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبة، وتركناهم في الدنيا يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم ووقت فناء أعمارهم التي قضيت فناءها.
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ٩٩
يقول تعالى ذكر لنبيه: {وَلَوْ شاءَ} يا محمد {رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} بك، فصدّقوك أنك لي رسول وأن ما جئتهم به وما تدعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبودة له حقّ، ولكن لا يشاء ذلك لأنه قد سبق من قضاء الله قبل أن يبعثك رسولاً أنه لا يؤمن بك ولا يتبعك فيصدّقوك بما بعثك الله به من الهدى والنور إلا من سبقت له السعادة في الكتاب الأوّل قبل أن يخلق السماوات والأرض وما فيهنّ، وهؤلاء الذين عجبوا من صدق إيحائنا إليك هذا القرآن لتنذر به من أمرتك بإنذاره ممن قد سبق له عندي أنهم لا يؤمنون بك في الكتاب السابق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعا}
{ { وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلاَّ بإذْنِ اللَّهِ } } ونحو هذا في القرآن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن من قومه إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأوّل، ولا يضلّ إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأوّل.فإن قال قائل: فما وجه قوله: {لآمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً}؟ فالكلّ يدل على الجميع، والجميع على الكلّ، فما وجه تكرار ذلك وكلّ واحدة منهما تغنى عن الأخرى؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي أهل البصرة: جاء بقوله «جميعاً» في هذا الموضع توكيدا كما قال:
{ { لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ } } ففي قوله: «إلهين» دليل على الاثنين. وقال غيره: جاء بقوله «جميعا» بعد «كلهم»، لأن «جميعاً» لا تقع إلا توكيداً، و «كلهم» يقع توكيداً واسماً فلذلك جاء ب «جميعاً» بعد «كلهم». قال: ولو قيل إنه جمع بينهما ليعلم أن معناهما واحد لجاز ههنا. قال: وكذلك: { { إلَهيْنِ اثْنَيْنِ } } العدد كله يفسر به، فيقال: رأيت قوما أربعة، فما جاء باثنين وقد اكتفى بالعدد منه لأنهم يقولون: عندي درهم ودرهمان، فيكفي من قولهم: عندي درهم واحد ودرهمان اثنان، فإذا قالوا دراهم قالوا ثلاثة، لأن الجمع يلتبس والواحد والاثنان لا يلتبسان، لم يثن الواحد والتثنية على تنافي في الجمع، لأنه ينبغي أن يكون مع كلّ واحد واحد، لأن درهما يدلّ على الجنس الذي هو منه، وواحد يدلّ على كلّ الأجناس، وكذلك اثنان يدلان على كل الأجناس، ودرهمان يدلان على أنفسهما، فلذلك جاء بالأعداد لأنه الأصل.وقوله: {أفأنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنه لن يصدقك يا محمد ولن يتبعك ويقرّ بما جئت به إلا من شاء ربك أن يصدقك، لا بإكراهك إياه ولا بحرصك على ذلك، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين لك مصدّقين على ما جئتهم به من عند ربك؟ يقول له جلّ ثناؤه:
{ { فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ الَّذِيَن حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أنّهم لا يُؤْمِنُونَ } }.وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ١٠٠
يقول تعالى ذكره لنبيه: وما كان لنفس خلقتها من سبيل إلى تصديقك يا محمد إلا بإن آذن لها في ذلك، فلا تجهدنّ نفسك في طلب هداها، وبلغها وعيد الله وعرفها ما أمرك ربك بتعريفها، ثم خلِّها، فإن هداها بيد خالقها.
وكان الثوري يقول في تأويل قوله: {إلاَّ بأذْنِ اللَّهِ} ما:
حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، في قوله: {وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تؤمِنَ إلاَّ بإذْنِ اللَّهِ} قال: بقضاء الله.
وأما قوله: {وَيجْعَلُ الرَّجْسَ على الَّذِينَ لا يَعْقَلُونَ} فإنه يقول تعالى ذكره: إن الله يهدي من يشاء من خلقه للإيمان بك يا محمد، ويأذن له في تصديقك فيصدّقك ويتبعك، ويقرّ بما جئت به من عند ربك، ويجعل الرجس، وهو العذاب، وغضب الله على الذين لا يعقلون يعني الذين لا يعقلون عن الله حججه ومواعظه وآياته التي دلّ بها جلّ ثناؤه على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وحقيقة ما دعاهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان.
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَيجْعَلُ الرّجْسَ} قال: السخط.
قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ١٠١
يقول تعالى ذكره: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، السائليك الآيات على صحة ما تدعوهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان: {انْظُرُوا} أيها القوم {ماذَا في السَّمَوَاتِ} من الآيات الدالة على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله من شمسها وقمرها، واختلاف ليلها ونهارها، ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها، {و} في {الأرْضِ} من جبالها وتصدّعها بنباتها، وأقوات أهلها، وسائر صنوف عجائبها فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم موعظة ومعتبراً، ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك ولا له على تدبيره وحفظه ظهير يغنيكم عما سواه من الآيات. يقول الله جلّ ثناؤه: {وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} يقول جلّ ثناؤه: وما تغنى الحجج والعبر والرسل المنذرة عباد الله عقابه عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء وقضى لهم في أمّ الكتاب أنهم من أهل النار لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا يصدّقون به.
{ { وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمِ } }.فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ١٠٢
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم محذّراً مشركي قومه من حلول عاجل نقمة بساحتهم نحو الذي حلّ بنظرائهم من قبلهم من سائر الأمم الخالية من قبلهم السالكة في تكذيب رسل الله وجحود توحيد ربهم سبيلهم: فهل ينتظر يا محمد هؤلاء المشركون من قومك المكذّبون بما جئتهم به من عند الله، إلا يوماً يعاينون فيه من عذاب الله مثل أيام أسلافهم الذي كانوا على مثل الذي هم عليه من الشرك والتكذيب الذين مضوا قبلهم فخلَوْا من قوم نوح وعاد وثمود، قل لهم يا محمد: إن كانوا ذلك ينتظرون، فانتظروا عقاب الله إياكم ونزول سخطه بكم، إني من المنتظرين هلاككم وبواركم بالعقوبة التي تحل بكم من الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلاَّ مِثْلَ أيامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} يقول: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلاَّ مِثْلَ أيامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إني مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرينَ} قال: خوّفهم عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر أنجى الله رسله والذين آمنوا معه، فقال الله:
{ { ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كذلكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنينَ } }.ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٠٣
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك انتظروا مثل أيام الذين خلوا من قبلكم من الأمم السالفة الذين هلكوا بعذاب الله، فإن ذلك إذا جاء لم يهلك به سواهم، ومن كان على مثل الذي هم عليه من تكذيبك، ثم ننجي هناك رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم ومن آمن به وصدقه واتبعه على دينه، كما فعلنا قبل ذلك برسلنا الذين أهلكنا أممهم فأنجيناهم ومن آمن به معهم من عذابنا حين حق على أممهم. {كذلكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجي المُؤْمِنِينَ} يقول: كما فعلنا بالماضين من رسلنا فأنجيناها والمؤمنين معها وأهلكنا أممها، كذلك نفعل بك يا محمد وبالمؤمنين فننجيك وننجي المؤمنين بك حقًّا علينا غير شكّ.
قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٠٤
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين عجبوا أن أوحيت إليك إن كنتم في شكّ أيها الناس من ديني الذي أدعوكم إليه فلم تعلموا أنه حقّ من عند الله: فإني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عني شيئاً، فتشكوا في صحته. وهذا تعريض ولحن من الكلام لطيف. وإنما معنى الكلام: إن كنتم في شكّ من ديني، لا ينبغي لكم أن تشكوا فيه، وإنما ينبغي لكم أن تشكوا في الذي أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا تعقل شيئاً ولا تضرّ ولا تنفع، فأما ديني فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه، لأني أعبد الله الذي يقبض الخلق فيميتهم إذ شاء وينفعهم ويضرّ من يشاء وذلك أن عبادة من كان كذلك لا يستنكرها ذو فطرة صحيحة، وأما عبادة الأوثان فينكرها كل ذي لبّ وعقل صحيح.
وقوله: {وَلكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} يقول: ولكن أعبد الله الذي يقبض أرواحكم فيميتكم عند آجالكم. {وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المؤْمِنِينِ} يقول: وهو الذي أمرني أن أكون من المصدّقين بما جاءني من عنده.
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٠٥
يقول تعالى ذكره: وأمرت أن أكون من المؤمنين، وأن أقم. و«أن» الثانية عطف على «أن» الأولى. ويعني بقوله: {أقِمْ وَجْهَكَ للدّينِ} أقم نفسك على دين الإسلام حنيفاً مستقيماً عليه، غير معوجّ عنه إلى يهودية ولا نصرانية ولا عبادة وثن. {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ} يقول: ولا تكوننّ ممن يشرك في عبادة ربه الآلهة والأنداد فتكون من الهالكين.
وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٦
يقول تعالى ذكره: ولا تدع يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئاً لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة ولا يضرّك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام، يقول: لا تعبدها راجياً نفعها أو خائفاً ضرّها، فأنها لا تنفع ولا تضرّ، فإن فعلت ذلك فدعوتها من دون الله {فإنَّكَ إذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} يقول: من المشركين بالله، الظالم لنفسه.
وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٧
يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يصبك الله يا محمد بشدّة أو بلاء فلا كاشف لذلك إلا ربك الذي أصابك به دون ما يعبده هؤلاء المشركون من الآلهة والأنداد. {وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} يقول: وإن يردك ربك برخاء أو نعمة وعافية وسرور، {فَلا رادّ لِفَضْلِهِ} يقول: فلا يقدر أحد أن يحول بينك وبين ذلك ولا يردّك عنه ولا يحرمكه لأنه الذي بيده السرّاء والضرّاء دون الآلهة والأوثان ودون ما سواه. {يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ} يقول: يصيب ربك يا محمد بالرخاء والبلاء والسرّاء والضرّاء من يشاء ويريد من عباده، وهو الغفور لذنوب من تاب وأناب من عباده من كفره وشركه إلى الإيمان به وطاعته، الرحيم بمن آمن به منهم وأطاعه أن يعذّبه بعد التوبة والإنابة.
قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ١٠٨
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد للناس {يا أيُّها النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني: كتاب الله، فيه بيان كلّ ما بالناس إليه حاجة من أمر دينهم، {فَمَنِ اهْتَدَى} يقول: فمن استقام فسلك سبيل الحقّ، وصدّق بما جاء من عند الله من البيان. {فإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} يقول: فإنما يستقيم على الهدى، ويسلك قصد السبيل لنفسه، فإياها يبغي الخير بفعله ذلك لا غيرها. {وَمَنْ ضَلَّ} يقول: ومن اعوجّ عن الحقّ الذي أتاه من عند الله، وخالف دينه، وما بعث به محمداً والكتاب الذي أنزله عليه. {فإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها} يقول: فإن ضلاله ذلك إنما يجني به على نفسه لا على غيرها لأنه لا يؤخذ بذلك غيرها ولا يورد بضلاله ذلك المهالك سوىٰ نفسه.
{ { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } }. {وَما أنا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} يقول: وما أنا عليكم بمسلط على تقويمكم، إنما أمركم إلى الله، وهو الذي يقوّم من شاء منكم، وإنما أنا رسول مبلغ أبلغكم ما أرسلت به إليكم.وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ١٠٩
يقول تعالى ذكره: واتبع يا محمد وحي الله الذي يوحيه إليك وتنزيله الذي ينزله عليك، فاعمل به واصبر على ما أصابك في الله من مشركي قومك من الأذى والمكاره وعلى ما نالك منهم حتى يقضي الله فيهم وفيك أمره بفعل فاصل. {وَهُوَ خَيرُ الحاكمينَ} يقول: وهو خير القاضين وأعدل الفاصلين. فحكم جلّ ثناؤه بينه وبينهم يوم بدر، وقتلهم بالسيف، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم فيمن بقي منهم أن يسلك بهم سبيل من أهلك منهم أو يتوبوا وينيبوا إلى طاعته. كما:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:
{ { وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وَاصْبِرْ حتى يَحْكُمَ اللَّهَ وَهُوَ خَيْرُ الحاكمِينَ } } قال: هذا منسوخ حتى يحكم الله، حكم الله بجهادهم وأمره بالغلظة عليهم.والله الموفق للصواب، والحمد لله وحده، والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.