انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير القرطبيالآيات 1–24

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ ۝١

قوله تعالى: {الۤر} قال النحاس: قرىء على أبي جعفر أحمد بن شعيب بن علي بن الحسين بن حريث قال: أخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن عكرمة حدّثه عن ٱبن عباس: الۤر، وحمۤ، ونون (حروف) الرحمن مفرّقة؛ فحدّثت به الأعمش فقال: عندك أشباه هذا ولا تخبرني به؟. وعن ٱبن عباس أيضاً قال: معنى «الۤر» أنا الله أرى. قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول؛ لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب وأنشد:

بالخير خيراتٍ وإن شَرّاً فَاولا أُريد الشرّ إلا أنْ تَا

وقال الحسن وعكرمة: «الۤر» قَسَم. وقال سعيد عن قتادة: «الۤر» اسم السورة؛ قال: وكذلك كل هجاء في القرآن. وقال مجاهد: هي فواتح السُّوَر. وقال محمد بن يزيد: هي تنبيه، وكذا حروف التهجي. وقرىء «الر» من غير إمالة. وقرىء بالإمالة لئلا تُشبه ما ولا من الحروف.

قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} ابتداء وخبر، أي تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم. قال مجاهد وقتادة: أراد التوراة والإنجيل والكتب المتقدّمة؛ فإن «تلك» إشارة إلى غائب مؤنّث. وقيل: «تلك» بمعنى هذه؛ أي هذه آيات الكتاب الحكيم. ومنه قول الأعشى:

تلك خَيْلِي منه وتلك رِكابيهنّ صُفْرٌ أولادها كالزَّبيب

أي هذه خيلي. والمراد القرآن وهو أولى بالصواب؛ لأنه لم يجر للكتب المتقدّمة ذكر، ولأن «الحكيم» من نعت القرآن. دليله قوله تعالى: { الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ }[هود: 1] وقد تقدّم هذا المعنى في أوّل سورة «البقرة». والحكيم: المُحْكَم بالحلال والحرام والحدود والأحكام؛ قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل: الحكيم بمعنى الحاكم؛ أي إنه حاكم بالحلال والحرام، وحاكم بين الناس بالحق؛ فعِيل بمعنى فاعل. دليله قوله: { وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ }[البقرة: 213]. وقيل: الحكيم بمعنى المحكوم فيه؛ أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر، وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه؛ فهو فعيل بمعنى المفعول؛ قاله الحسن وغيره. وقال مقاتل: الحكيم بمعنى المُحْكَم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف؛ فعيل بمعنى مفعَل، كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها:

وغريبةٍ تأتي الملوكَ حكيمةٍقد قلتها ليقال من ذا قالها

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ مُّبِينٌ ۝٢

قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} استفهام معناه التقرير والتوبيخ. و «عَجَباً» خبر كان، واسمها {أَنْ أَوْحَيْنَآ} وهو في موضع رفع؛ أي كان إيحاؤنا عجباً للناس. وفي قراءة عبد الله «عجب» على أنه ٱسم كان. والخبر «أَنْ أَوْحَيْنَا». {إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} قرىء «رَجْل» بإسكان الجيم. وسبب النزول فيما رُوي عن ابن عباس أن الكفار قالوا لما بُعث محمد: إن الله أعظمُ من أن يكون رسوله بشراً. وقالوا: ما وجد الله من يرسله إلا يتيمَ أبي طالب؛ فنزلت: {أَكَانَ لِلنَّاسِ} يعني أهل مكة «عَجَباً». وقيل: إنما تعجبوا من ذكر البعث.

قوله تعالى: {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} في موضع نصب بإسقاط الخافض؛ أي بأن أنذر الناس، وكذا {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ}. وقد تقدّم معنى النّذارة والبشارة وغير ذلك من ألفاظ الآية. واختلف في معنى «قَدَمَ صِدْقٍ» فقال ٱبن عباس: قدم صدق منزلَ صدق؛ دليله قوله تعالى:

{ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ } [الإسراء: 80]. وعنه أيضاً: أجراً حسناً بما قدّموا من أعمالهم. وعنه أيضاً «قَدَمَ صِدْقٍ» سَبْقَ السعادة في الذكر الأوّل، وقاله مجاهد. الزجاج: درجة عالية. قال ذو الرُّمّة:

لكم قدَمٌ لا ينكر الناس أنهامع الحسب العالي طَمّت على البحر

قتادة: سلف صدق. الربيع: ثواب صدق. عطاء: مقام صدق. يَمَانٍ: إيمان صدق. وقيل: دعوة الملائكة. وقيل: وَلدٌ صالح قدّموه. الماورديّ: أن يوافق صدق الطاعة صدق الجزاء. وقال الحسن وقتادة أيضاً: هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه شفيع مطاع يتقدّمهم؛ كما قال:أنا فَرَطُكم على الحوض. وقد سئل صلى الله عليه وسلم فقال:هي شفاعتي توسّلون بي إلى ربكم. وقال الترمذيّ الحكيم: قدّمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود. وعن الحسن أيضاً: مصيبتهم في النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال عبد العزيز بن يحيى: «قَدَمَ صِدْقٍ» قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. وقال مقاتل: أعمالاً قدّموها؛ واختاره الطبريّ. قال الوضّاح:

صلِّ لذي العرش وٱتَّخذ قَدَماًتُنْجيك يوم العِثار والزّلل

وقيل: هو تقديم الله هذه الأُمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة. كما قال:نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضيّ لهم قبل الخلائق. وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح؛ فكنّى عنه بالقَدَم كما يُكنَى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان. وأنشد حسان:

لنا القَدم العليا إليك وخَلْفُنالأوّلنا في طاعة الله تابع

يريد السابقة بإخلاص الطاعة، والله أعلم. وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قَدَم؛ يقال: لفلان قَدَم في الإسلام، له عندي قَدَم صدقٍ وقَدَم شر وقَدَم خير. وهو مؤنث وقد يذكر؛ يقال: قَدَم حَسَن وقدم صالحة. وقال ابن الأعرابي: القدم التقدّم في الشرف؛ قال العَجّاج:

زلّ بنو العَوّام عن آل الحَكَمْوتركوا المُلْك لملْك ذي قَدَم

وفي الصحاح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:لي خمسة أسماء. أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يُحشر الناسُ على قدمي وأنا العاقب يريد آخر الأنبياء؛ كما قال تعالى: { وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ }[الأحزاب: 40].

قوله تعالى: {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} قرأ ٱبن مُحَيْصِن وٱبن كثير والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش «لساحِر» نعتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ الباقون «لِسَحْرٌ» نعتاً للقرآن وقد تقدّم معنى السحر في «البقرة».

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٣

قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تقدّم في الأعراف. {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} قال مجاهد: يقضيه ويقدّره وحْدَه. ابن عباس: لا يَشركه في تدبير خلقه أحد. وقيل: يبعث بالأمر. وقيل: ينزل به. وقيل: يأمر به ويمضيه؛ والمعنى متقارب. فجبريل للوحي، وميكائيل للقَطْر، وإسرافيل للصُّور، وعزرائيل للقبض. وحقيقته تنزيل الأُمور في مراتبها على أحكام عواقبها، واشتقاقه من الدُّبْر. والأمر اسم لجنس الأُمور. {مَا مِن شَفِيعٍ} في موضع رفع، والمعنى ما شفيع {إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} وقد تقدم في «البقرة» معنى الشفاعة. فلا يشفع أحدٌ نبيٌّ ولا غيره إلا بإذنه سبحانه، وهذا ردّ على الكفار في قولهم فيما عبدوه من دون الله:

{ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }[يونس: 18] فأعلمهم الله أن أحداً لا يشفع لأحد إلا بإذنه، فكيف بشفاعة أصنام لا تعقل.

قوله تعالى: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} أي ذلكم الذي فعل هذه الأشياء من خلق السموات والأرض هو ربكم لا رب لكم غيره. {فَٱعْبُدُوهُ} أي وحدوه وأخلصوا له العبادة. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أنها مخلوقاته فتستدلوا بها عليه.

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ۝٤

قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} رفع بالابتداء. {جَمِيعاً} نصب على الحال. ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى جزائه. {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} مصدران؛ أي وعد الله ذلك وعداً وحققه «حقاً» صدقاً لا خلف فيه. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَة «وَعْدُ اللَّه حَقّ» على الاستئناف.

قوله تعالى: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} أي من التراب. {ثُمَّ يُعِيدُهُ} إليه. مجاهد: ينشئه ثم يميته ثم يحييه للبعث؛ أو ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال. وقرأ يزيد بن القَعْقَاع «أَنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ» تكون «أن» في موضع نصب؛ أي وعدكم أنه يبدأ الخلق. ويجوز أن يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق؛ كما يقال: لَبَّيْكَ أنّ الحمد والنعمة لك؛ والكسر أجود. وأجاز الفرّاء أن تكون «أن» في موضع رفع فتكون ٱسماً. قال أحمد بن يحيى: يكون التقدير حقاً إبداؤه الخلق.

قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} أي ماء حار قد انتهى حرّه، والحمِيمة مثله. يقال: حَمَمْت الماء أحُمّه فهو حميم، أي محموم؛ فعيل بمعنى مفعول. وكلُّ مُسَخَّن عند العرب فهو حميم. {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجِع، يخلص وجعه إلى قلوبهم. {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي بكفرهم، وكان معظم قريش يعترفون بأن الله خالقهم؛ فاحتج عليهم بهذا فقال: من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء أو بعد تفريق الأجزاء.

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٥

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} مفعولان، أي مضيئة، ولم يؤنّث لأنه مصدر؛ أو ذات ضياء {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} عطف، أي منيراً، أو ذا نور، فالضياء ما يضيء الأشياء، والنور ما يبين فيخفى، لأنه من النار من أصل واحد. والضياء جمع ضوء؛ كالسياط والحياض جمع سَوط وحَوض. وقرأ قُنْبُل عن ابن كثير «ضئَاءً» بهمز الياء ولا وجه له؛ لأن ياءه كانت واواً مفتوحة وهي عين الفعل، أصلها ضواء فقلبت وجعلت ياء كما جعلت في الصيام والقيام. قال المهدويّ: ومن قرأ ضئاء بالهمز فهو مقلوب، قدّمت الهمزة التي بعد الألف فصارت قبل الألف فصار ضئايا، ثم قلبت الياء همزة لوقوعها بعد ألف زائدة. وكذلك إن قدّرت أن الياء حين تأخرت رجعت إلى الواو التي انقلبت عنها فإنها تقلب همزة أيضاً فوزنه فلاع مقلوب من فعال. ويقال: إن الشمس والقمر تضيء وجوههما لأهل السموات السبع وظهورهما لأهل الأرضين السبع.

قوله تعالى: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} أي ذا منازل، أو قدر له منازل. ثم قيل: المعنى وقدّرهما، فوحّد إيجازاً واختصاراً؛ كما قال:

{ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا }[الجمعة: 11]. وكما قال:

نحن بما عندنا وأنت بماعندك راضٍ والرأي مختلِفُ

وقيل: إن الإخبار عن القمر وحده؛ إذ به تحصى الشهور التي عليها العمل في المعاملات ونحوها، كما تقدّم في «البقرة». وفي سورة يسۤ. { وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ } [يسۤ: 39] أي على عدد الشهر، وهو ثمانية وعشرون منزلاً. ويومان للنقصان والمحاق، وهناك يأتي بيانه.

قوله تعالى: {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} قال ٱبن عباس: لو جعل شمسين، شمساً بالنهار وشمساً بالليل ليس فيهما ظلمة ولا ليل، لم يُعلم عدد السنين وحسابُ الشهور. وواحد «السِّنين» سنة، ومن العرب من يقول: سنوات في الجمع. ومنهم من يقول: سنهات. والتصغير سُنَيّة وسُنَيْهة.

قوله تعالى: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي ما أراد الله عز وجل بخلق ذلك إلا الحكمةَ والصواب، وإظهاراً لصنعته وحكمته، ودلالةً على قدرته وعلمه، ولتجزى كل نفس بما كسبت؛ فهذا هو الحق.

قوله تعالى: {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} تفصيل الآيات تبيينها ليُستدلّ بها على قدرته تعالى، لاختصاص الليل بظلامه والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما ولا إيجاب؛ فيكون هذا لهم دليلاً على أن ذلك بإرادة مريد. وقرأ ٱبن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب «يفصل» بالياء، وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله من قبله: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} وبعده «وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» فيكون متبعاً له. وقرأ ٱبن السَّمَيْقع «تفصل» بضم التاء وفتح الصاد على الفعل المجهول، و «الآيات» رفعاً. الباقون «نفصل» بالنون على التعظيم.

إِنَّ فِى ٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ۝٦

تقدّم في «البقرة» وغيرها معناه، والحمد لله. وقد قيل: إن سبب نزولها أن أهل مكة سألوا آية فردّهم إلى تأمل مصنوعاته والنظر فيها؛ قاله ٱبن عباس. {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} أي الشرك؛ فأما من أشرك ولم يستدل فليست الآية له آية.

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ۝٧ أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٨

قوله تعالىٰ: {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} «يرجون» يخافون؛ ومنه قول الشاعر:

إذا لسعتْه النحل لم يَرْجُ لَسْعَهاوخالفها في بَيْت نُوبٍ عواسل

وقيل يرجون يطمعون؛ ومنه قول الآخر:

أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتيوقومي تميمٌ والفلاةُ ورائيا

فالرجاء يكون بمعنىٰ الخوف والطمع؛ أي لا يخافون عقاباً ولا يرجون ثواباً. وجعل لقاء العذاب والثواب لقاء لله تفخيماً لهما. وقيل: يجري اللقاء على ظاهره، وهو الرؤية؛ أي لا يطمعون في رؤيتنا. وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجَحْد؛ كقوله تعالىٰ: { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً }[نوح: 13]. وقال بعضهم: بل يقع بمعناه في كل موضع دلّ عليه المعنىٰ.

قوله تعالىٰ: {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} أي رَضُوا بها عوضاً من الآخرة فعملوا لها. {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} أي فرحوا بها وسكنوا إليها، وأصل ٱطمأن طأمن طُمأنينة، فقدّمت ميمه وزيدت نون وألف وصل، ذكره الغَزْنوِيّ. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا} أي عن أدلتنا {غَافِلُونَ} لا يعتبرون ولا يتفكرون. {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ} أي مثواهم ومقامهم. {ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي من الكفر والتكذيب.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٩

قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدّقوا. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي يزيدهم هداية؛ كقوله:

{ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } [محمد: 17]. وقيل: «يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإيمانِهِمْ» إلى مكان تجري من تحتهم الأنهار. وقال أبو رَوْق: يهديهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة. وقال عطية: «يَهْدِيهِمْ» يثيبهم ويجزيهم. وقال مجاهد: «يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ» بالنور على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نوراً يمشون به. ويُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يقوّي هذا أنه قال:يتلقى المؤمن عملهُ في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه ويتلقَّىٰ الكافر عملهُ في أقبح صورة فيوحشه ويضله. هذا معنىٰ الحديث. وقال ٱبن جريج: يجعل عملهم هادياً لهم. الحسن: «يهديهم» يرحمهم.

قوله تعالىٰ: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} قيل: في الكلام واو محذوفة، أي وتجري من تحتهم، أي من تحت بساتينهم. وقيل: من تحت أسِرتهم؛ وهذا أحسن في النزهة والفرجة.

دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠

قوله تعالىٰ: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ} دعواهم: أي دعاؤهم؛ والدعوىٰ مصدر دعا يدعو، كالشكوىٰ مصدر شكا يشكو؛ أي دعاؤهم في الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم وقيل: إذا أرادوا أن يسألوا شيئاً أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح ويختمون بالحمد. وقيل: نداؤهم الخدم ليأتوهم بما شاؤوا ثم سبحوا. وقيل: إن الدعاء هنا بمعنىٰ التمني قال الله تعالىٰ:

{ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ }[فصلت: 31] أي ما تتمنون. والله أعلم.

قوله تعالىٰ: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي تحية الله لهم أو تحية الملك أو تحية بعضهم لبعض: سلام. وقد مضىٰ في «النساء» معنىٰ التحية مستوفى. والحمد لله.

قوله تعالىٰ: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} فيه أربع مسائل:

الأولىٰ ـ قيل: إن أهل الجنة إذا مرّ بهم الطير وٱشتهوه قالوا: سبحانك اللهم. فيأتيهم الملك بما اشتهوا، فإذا أكلوا حمدوا الله فسؤالهم بلفظ التسبيح والختم بلفظ الحمد. ولم يحكِ أبو عبيد إلا تخفيف «أن» ورفع ما بعدها؛ قال: وإنما نراهم ٱختاروا هذا وفرقوا بينها وبين قوله عز وجل: «أن لعنة الله» و«أنّ غضب الله» لأنهم أرادوا الحكاية حين يقال الحمد لله. قال النحاس: مذهب الخليل وسيبويه أن «أنْ» هذه مخففة من الثقيلة، والمعنى أنه الحمد لله. قال محمد بن يزيد: ويجوز «أن الحمد لله» يعملها خفيفة عملها ثقيلة؛ والرفع أقيس. قال النحاس: وحكى أبو حاتم أن بلال بن أبي بردة قرأ «وآخر دعواهم أنّ الحمد لله رب العالمين».

قلت: وهي قراءة ابن مُحَيْصن، حكاها الغَزْنَويّ لأنه يحكي عنه.

الثانية ـ التسبيح والحمد والتهليل قد يُسمَّىٰ دعاء؛ روىٰ مسلم والبخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب:

لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا اللَّهُ ربُّ العرش العظيم. لا إله إلا الله ربّ السموات وربُّ الأرض وربّ العرش الكريم. قال الطبريّ: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمُّونه دعاء الكرب. وقال ابن عيينة وقد سئل عن هذا فقال: أما علمت أن الله تعالى يقولإذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. والذي يقطع النزاع وأن هذا يسمَّىٰ دعاء وإن لم يكن فيه من معنىٰ الدعاء شيء وإنما هو تعظيم لله تعالىٰ وثناءٌ عليه ما رواه النّسائي عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوة ذي النُّون إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا ٱستجيب له».

الثالثة ـ من السُّنَّة لمن بدأ بالأكل أن يسمّي الله عند أكله وشربه ويحمده عند فراغه اقتداء بأهل الجنة؛ وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله ليرضىٰ عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشَّربة فيحمَده عليها».

الرابعة ـ يستحبّ للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنة: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين؛ وحَسُن أن يقرأ آخر «والصافات» فإنها جمعت تنزيه البارىء تعالىٰ عما نسب إليه، والتسليم على المرسلين، والختم بالحمد لله رب العالمين.

وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝١١

قوله تعالىٰ: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}.

فيه ثلاث مسائل:

الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ} قيل: معناه ولو عجل الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير لماتوا، لأنهم خلقوا في الدنيا خلقاً ضعيفاً، وليس هم كذا يوم القيامة؛ لأنهم يوم القيامة يخلقون للبقاء. وقيل: المعنىٰ لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم؛ وهو معنىٰ «لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ». وقيل: إنه خاص بالكافر؛ أي ولو يعجل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجّل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة؛ قاله ابن إسحاق. مقاتل: هو قول النضّر بن الحارث: اللَّهُمَّ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء؛ فلو عجل لهم هذا لهلكوا. وقال مجاهد: نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب: اللهم أهلكه، اللهم لا تبارك له فيه والعنه، أو نحو هذا؛ فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم. فالآية نزلت ذامّة لخُلق ذميم هو في بعض الناس يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة ثم يحملهم أحياناً سوء الخلق على الدعاء في الشر؛ فلو عجّل لهم لهلكوا.

الثانية ـ وٱختلف في إجابة هذا الدعاء؛ فروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

إني سألت الله عز وجل ألا يستجب دعاء حبيب على حبيبه. وقال شَهْرُ ابن حَوْشَب: قرأت في بعض الكتب أن الله تعالىٰ يقول للملائكة الموكَّلين بالعبد: لا تكتبوا على عبدي في حال ضجره شيئاً؛ لطفاً من الله تعالىٰ عليه. قال بعضهم: وقد يستجاب ذلك الدعاء؛ واحتج بحديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه آخر الكتاب، قال جابر: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ بَطْنِ بُواطٍ وهو يطلب المجدِي بن عمرو الجُهَنيّ وكان الناضح يَعْتَقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عُقبة رجلٍ من الأنصار على ناضح له فأناخه فركب، ثم بعثه فتلدّن عليه بعض التلدن؛ فقال له: شَأ؛ لعنك اللهٰ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن هذا اللاعنُ بعيره»؟ قال: أنا يا رسول الله؛ قال: «ٱنزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءٌ فيستجيب لكم»

في غير كتاب مسلم أن

النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلعن رجل ناقته فقال: «أين الذي لعن ناقته»؟ فقال الرجل: أنا هذا يا رسول الله؛ فقال: «أخرها عنك فقد أُجِبت فيها» ذكره الحُليميّ في منهاج الدين. «شأ» يروىٰ بالسين والشين، وهو زجر للبعير بمعنىٰ سِر.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ} قال العلماء: التعجيل من الله، والاستعجال من العبد. وقال أبو عليّ: هما من الله؛ وفي الكلام حذف؛ أي ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير، ثم حذف تعجيلاً وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه؛ هذا مذهب الخليل وسيبويه. وعلى قول الأخفش والفراء كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب. قال الفراء: كما تقول ضربت زيداً ضربك، أي كضربك. وقرأ ابن عامر «لقضى إليهم أجلهم». وهي قراءة حسنة؛ لأنه متصل بقوله {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ}.

قوله تعالىٰ: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي لا يعجل لهم الشر فربما يتوب منهم تائب، أو يخرج من أصلابهم مؤمن. {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي يتحيرون. والطغيان: العلوّ والارتفاع؛ وقد تقدّم في «البقرة». وقد قيل: إن المراد بهذه الآية أهل مكة، وإنها نزلت حين قالوا:

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ }[الأنفال: 32] الآية، على ما تقدّم والله أعلم.

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٢

قوله تعالىٰ: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ} قيل: المراد بالإنسان هنا الكافر، قيل: هو أبو حذيفة ابن المغيرة المشرك، تصيبه البأساء والشدّة والجهد. {دَعَانَا لِجَنبِهِ} أي على جنبه مضطجعاً. {أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} وإنما أراد جميع حالاته؛ لأن الإنسان لا يعدو إحدىٰ هذه الحالات الثلاثة. قال بعضهم: إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشدّ في غالب الأمر، فهو يدعو أكثر، واجتهاده أشدّ، ثم القاعد ثم القائم. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ} أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتّعظ.

قلت: وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين، إذا أصابته العافية مرّ على ما كان عليه من المعاصي؛ فالآية تعمّ الكافر وغيره. {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ} قال الأخفش: هي «كأنّ» الثقيلة خُفّفت، والمعنى كأنه؛ وأنشد:

وَيْ كأنْ من يكن له نَشَبٌ يُحْــبَبْ ومن يفتقر يَعشْ عيش ضُرّ

{كَذٰلِكَ زُيِّنَ} أي كما زين لهذا الدعاءُ عند البلاء والإعراض عند الرخاء. {زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي. وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله، ويجوز أن يكون من الشيطان، وإضلاله دعاؤه إلى الكفر.

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝١٣

قوله تعالىٰ: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} يعني الأمم الماضية من قبل أهل مكة أهلكناهم. {لَمَّا ظَلَمُواْ} أي كفروا وأشركوا. {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات الواضحات والبراهين النيرات. {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي أهلكناهم لعلمنا أنهم لا يؤمنون. يخوف كفار مكة عذاب الأمم الماضية؛ أي نحن قادرون على إهلاك هؤلاء بتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، ولكن نمهلهم لعلمنا بأن فيهم من يؤمن، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن. وهذه الآية تردّ على أهل الضلال القائلين بخلق الهُدىٰ والإيمان. وقيل: معنىٰ «ما كانوا ليؤمنوا» أي جازاهم على كفرهم بأن طبع على قلوبهم؛ ويدلّ على هذا أنه قال: {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ}.

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ۝١٤

قوله تعالىٰ: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ} مفعولان. والخلائف جمع خليفة، وقد تقدّم آخر «الأنعام» أي جعلناكم سكاناً في الأرض. {مِن بَعْدِهِم} أي من بعد القرون المهلكة. «لِنَنْظُر» نصب بلام كي، وقد تقدّم نظائره وأمثاله؛ أي ليقع منكم ما تستحقون به الثواب والعقاب، ولم يزل يعلمه غيباً. وقيل: يعاملكم معاملة المختبر إظهاراً للعدل. وقيل: النظر راجع إلى الرسل؛ أي لينظر رسلنا وأولياؤنا كيف أعمالكم. و «كيف» نصب بقوله: تعملون: لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝١٥

فيه ثلاث مسائل:

الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} «تتلىٰ» تقرأ، و {بَيِّنَاتٍ} نصب على الحال؛ أي واضحات لا لبس فيها ولا إشكال. {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} يعني لا يخافون يوم البعث والحساب ولا يرجون الثواب. قال قتادة: يعني مشركي أهل مكة. {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أنّ تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه؛ وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه:

أحدها ـ أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيداً والوعيد وعداً، والحلال حراماً والحرام حلالاً؛ قاله ٱبن جرير الطبريّ.

الثاني ـ سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم؛ قاله ٱبن عيسىٰ.

الثالث ـ أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور؛ قاله الزجاج.

الثانية ـ قوله تعالىٰ: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ} أي قل يا محمد ما كان لي. {أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} ومن عندي، كما ليس لي أن ألقاه بالردّ والتكذيب. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} أي لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم من وعد ووعيد، وتحريم وتحليل، وأمر ونهي. وقد يستدل بهذا من يمنع نسخ الكتاب بالسنة؛ لأنه تعالىٰ قال: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} وهذا فيه بعد؛ فإن الآية وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظماً، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قادراً على ذلك، ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ؛ ولأن الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان وحياً لم يكن من تلقاء نفسه، بل كان من عند الله تعالىٰ.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} أي إن خالفت في تبديله وتغييره أو في ترك العمل به. {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني يوم القيامة.

قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٦

قوله تعالىٰ: {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} أي لو شاء الله ما أرسلني إليكم فتلوت عليكم القرآن، ولا أعلمكم الله ولا أخبركم به؛ يقال: دَرَيْتُ الشيء وأدراني الله به، ودرَيته ودريت به. وفي الدارية معنىٰ الختل؛ ومنه دريت الرجل أي ختلته، ولهذا لا يطلق الداري في حق الله تعالىٰ وأيضاً عدم فيه التوقيف. وقرأ ٱبن كثير: «ولأدراكم به» بغير ألف بين اللام والهمزة؛ والمعنىٰ: لو شاء لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم؛ فهي لام التأكيد دخلت على ألف أفعل. وقرأ ٱبن عباس والحسن «ولا أدراتكم به» بتحويل الياء ألفاً، على لغة بني عقيل؛ قال الشاعر:

لعمرك ما أخشىٰ التصَّعلك ما بقيَعلى الأرض قَيْسِيّ يسوق الأباعرا

وقال آخر:

ألا آذنتْ أهلَ اليمامة طيءٌبحرب كناصات الأغرّ المشهر

قال أبو حاتم: سمعت الأصمعيّ يقول سألت أبا عمرو بن العلاء: هل لقراءة الحسن «ولا أدراتكم به» وجه؟ فقال لا. وقال أبو عبيد: لا وجه لقراءة الحسن «ولا أدراتكم به» إلا الغلط. قال النحاس: معنىٰ قول أبي عبيد: لا وجه، إن شاء الله على الغلط؛ لأنه يقال: دريت أي علمت، وأدريت غيري، ويقال: درأت أي دفعت؛ فيقع الغلط بين دريت ودرأت. قال أبو حاتم: يريد الحسن فيما أحسِب «ولا أدريتكم به» فأبدل من الياء ألفاً على لغة بني الحارث بن كعب، يبدلون من الياء ألفاً إذا انفتح ما قبلها؛ مثل، { إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ }[طه: 63]. قال المهدويّ: ومن قرأ «أدرأتكم» فوجهه أن أصل الهمزة ياء، فأصله «أدريتكم» فقلبت الياء ألفاً وإن كانت ساكنة؛ كما قال: يايس في ييّس وطايىء في طيء، ثم قلبت الألف همزة على لغة من قال في العالم العألم وفي الخاتم الخأتم. قال النحاس: وهذا غلط، والرواية عن الحسن «ولا أدرأتكم» بالهمزة، وأبو حاتم وغيره تكلم أنه بغير همز، ويجوز أن يكون من درأت أي دفعت؛ أي ولا أمرتكم أن تدفعوا فتتركوا الكفر بالقرآن.

قوله تعالى: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً} ظرف، أي مقداراً من الزمان وهو أربعون سنة. {مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل القرآن، تعرفونني بالصدق والأمانة، لا أقرأ ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أن هذا لا يكون إلا من عند الله لا من قِبلي. وقيل: معنى «لَبِثْت فِيكُمْ عُمُراً» أي لبثت فيكم مدّة شبابي لم أعص الله، أفتريدون مني الآن وقد بلغت أربعين سنة أن أُخالف أمر الله، وأُغيّر ما ينزله عليّ. قال قتادة: لبث فيهم أربعين سنة، وأقام سنتين يرى رؤيا الأنبياء، وتُوفّيَ صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة.

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝١٧

هذا استفهام بمعنى الجَحْد؛ أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، وبدّل كلامه وأضاف شيئاً إليه مما لم ينزله. وكذلك لا أحد أظلمُ منكم إذا أنكرتم القرآن وٱفتريتم على الله الكذب، وقلتم ليس هذا كلامه. وهذا مما أمِر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم. وقيل: هو من قول الله ابتداء. وقيل: المُفْتَرِي المشركُ، والمكذِّب بالآيات أهلُ الكتاب. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ}.

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝١٨

قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} يريد الأصنام. {وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} وهذه غاية الجهالة منهم؛ حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال. وقيل: «شُفَعَاؤُنَا» أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا. {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} قراءة العامة «تنبئون» بالتشديد. وقرأ أبو السَّمَّال العَدَوِيّ «أتنبِئون الله» مخففاً، من أنبأ ينبىء. وقراءة العامة من نبّأ ينبىء تنبئة؛ وهما بمعنًى واحد، جمَعهما قوله تعالى:

{ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ } [التحريم: 3] أي أتخبرون الله أن له شريكاً في ملكه أو شفيعاً بغير إذنه، والله لا يعلم لنفسه شريكاً في السموات ولا في الأرض؛ لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه. نظيره قوله: { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ } [الرعد: 33] ثم نزّه نفسه وقدّسها عن الشرك فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي هو أعظم من أن يكون له شريك. وقيل: المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يمَيِّز «وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ» فيكذبون؛ وهل يتهيأ لكم أن تنبئوه بما لا يعلم، سبحانه وتعالى عما يشركون!. وقرأ حمزة والكسائي «تشركون» بالتاء، وهو اختيار أبي عبيد. الباقون بالياء.

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَٱخْتَلَفُوا۟ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝١٩

تقدّم في «البقرة» معناه فلا معنى للإعادة. وقال الزجاج: هم العرب كانوا على الشرك. وقيل: كل مولود يولد على الفطرة، فٱختلفوا عند البلوغ. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} إشارة إلى القضاء والقدر؛ أي لولا ما سبق في حكمه أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضى بينهم في الدنيا، فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفرهم، ولكنه سبق من الله الأجل مع علمه بصنيعهم فجعل موعدهم القيامة؛ قاله الحسن. وقال أبو رَوْق: «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» لأقام عليهم الساعة. وقيل: لفرغ من هلاكهم. وقال الكلبي: «الكلمة» أن الله أخّر هذه الأُمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة، فلولا هذا التأخير لقضى بينهم بنزول العذاب أو بإقامة الساعة. والآية تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم في تأخير العذاب عمن كفر به. وقيل: الكلمة السابقة أنه لا يأخذ أحداً إلا بحجة وهو إرسال الرسل؛ كما قال:

{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }[الإسراء: 15] وقيل: الكلمة قوله:سبقت رحمتي غضبي ولولا ذلك لما أخر العصاة إلى التوبة. وقرأ عيسى «لقضى» بالفتح.

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ۝٢٠

يريد أهل مكة؛ أي هلاّ أنزل عليه آية، أي معجزة غير هذه المعجزة، فيجعل لنا الجبال ذهباً ويكون له بيت من زُخْرف، ويُحيي لنا من مات من آبائنا. وقال الضحاك: عصا كعصا موسى. {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} أي قل يا محمد إن نزول الآية غيب. {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} أي تربصوا. {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} لنزولها. وقيل: انتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المحق على المبطل.

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِىٓ ءَايَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ۝٢١

يريد كفار مكة. {رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} قيل: رخاء بعد شدّة، وخِصب بعد جَدْب. {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} أي استهزاء وتكذيب. وجواب قوله: «وَإذَا أَذَقْنَا»: «إذَا لَهُمْ» على قول الخليل وسيبويه. {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ} ابتداء وخبر. {مَكْراً} على البيان، أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم، أي أن ما يأتيهم من العذاب أسرع في إهلاكهم مما أتوه من المكر. {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} يعني بالرسل الحفظة. وقراءة العامة «تمكرون» بالتاء خطاباً. وقرأ يعقوب في رواية رُوَيْس وأبو عمرو في رواية هارون العَتَكي «يمكرون» بالياء؛ لقوله: {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} قيل: قال أبو سفيان قُحِطنا بدعائك فإن سقيتنا صدقناك؛ فسُقُوا باستسقائه صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا، فهذا مكرهم.

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝٢٢ فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٢٣

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} أي يحملكم في البر على الدواب وفي البحر على الفُلْك. وقال الكلبي: يحفظكم في السير. والآية تتضمن تعديد النّعم فيما هي الحال بسبيله من ركوب الناس الدوابَ والبحر. وقد مضى الكلام في ركوب البحر في «البقرة». وَ {يُسَيِّرُكُمْ} قراءة العامة. ٱبن عامر «ينشركم» بالنون والشين، أي يبثّكم ويفرّقكم. والفُلْك يقع على الواحد والجمع، ويذكر ويؤنث، وقد تقدّم القول فيه. وقوله: {وَجَرَيْنَ بِهِم} خروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو في القرآن وأشعار العرب كثير؛ قال النابغة:

يا دار ميّة بالعَلْياء فالسَّندأقْوَت وطال عليها سالف الأمَد

قال ابن الأنباري: وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب؛ قال الله تعالى: { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } [الإنسان: 22] فأبدل الكاف من الهاء.

قوله تعالى: {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا} تقدّم الكلام فيها في البقرة. {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} الضمير في «جاءتها» للسفينة. وقيل للريح الطيبة. والعاصف الشديدة؛ يقال: عصفت الريح وأعصفت، فهي عاصف ومُعْصِف ومُعْصِفة أي شديدة، قال الشاعر:

حتى إذا أعصفت ريح مُزَعزِعةفيها قطار ورعد صوته زَجل

وقال «عاصف» بالتذكير لأن لفظ الريح مذكر، وهي القاصف أيضاً. والطيبة غير عاصف ولا بطيئة. {وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} والموج ما ارتفع من الماء {وَظَنُّوۤاْ} أي أيقنوا {أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي أحاط بهم البلاء؛ يقال لمن وقع في بلِية: قد أحيط به، كأن البلاء قد أحاط به؛ وأصل هذا أن العدوّ إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله. {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون. وفي هذا دليل على أن الخلق جُبِلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافراً؛ لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب؛ على ما يأتي بيانه في «النمل» إن شاء الله تعالى. وقال بعض المفسرين: إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهياً؛ أي يا حي يا قيوم. وهي لغة العجم.

مسألة ـ هذه الآية تدلّ على ركوب البحر مطلقاً، ومن السّنة حديثُ أبي هريرة وفيه: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء... الحديث. وحديث أنس في قصة أُمّ حرام يدلّ على جواز ركوبه في الغَزوِ، وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مستوفى والحمد لله. وقد تقدّم في آخر «الأعراف» حكم راكب البحر في حال ارتجاجه وغليانه، هل حكمه حكم الصحيح أو المريض المحجور عليه؛ فتأمله هناك.

قوله تعالى: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ} أي من هذه الشدائد والأهوال. وقال الكلبي: من هذه الريح. {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي من العاملين بطاعتك على نعمة الخلاص. {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ} أي خلّصهم وأنقذهم. {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي. والبغي: الفساد والشرك؛ من بَغَى الجرحُ إذا فسد؛ وأصله الطلب، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد. «بِغَيْرِ الْحَقِّ» أي بالتكذيب؛ ومنه بَغَت المرأةُ طلبت غير زوجِها.

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي وَبَالهُ عائد عليكم؛ وتمّ الكلام، ثم ابتدأ فقال: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي هو متاع الحياة الدنيا؛ ولا بقاء له. قال النحاس: «بَغْيُكُمْ» رفع بالابتداء وخبره «مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا». و «على أنفسِكم» مفعول معنى فعل البَغْي. ويجوز أن يكون خبره «عَلَى أَنْفُسِكُمْ» وتضمر مبتدأ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا؛ وبين المعنيين حرف لطيف، إذا رفعت متاعاً على أنه خبر «بغيكم» فالمعنى إنما بغى بعضكم على بعض؛ مثل: «فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» وكذا «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ». وإذا كان الخبر «عَلَى أَنْفُسِكُم» فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم؛ مثل «وَإنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا». وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال: أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا؛ كما يقال: البَغْيُ مَصْرعةٌ. وقرأ ابن أبي إسحاق «مَتَاعَ» بالنصب على أنه مصدر؛ أي تتمتعون متاعَ الحياة الدنيا. أو بنزع الخافض، أي لمتاع، أو مصدر، بمعنى المفعول على الحال، أي متمتعين. أو هو نصب على الظرف، أي في متاع الحياة الدنيا، ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي. و «عَلَى أَنْفُسِكُمْ» مفعول ذلك المعنى.

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٢٤

قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} معنى الآية التشبيه والتمثيل، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء؛ أي مثل ماء، فالكاف في موضع رفع. وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في «الكهف» إن شاء الله تعالى. «أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ» نعت لـ «ماء». {فَٱخْتَلَطَ} روي عن نافع أنه وقف على «فَٱخْتَلَطَ» أي فاختلط الماء بالأرض، ثم ابتدأ «بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ» أي بالماء نبات الأرض؛ فأخرجت ألواناً من النبات، فنبات على هذا ابتداء، وعلى مذهب من لم يقف على «فَاخْتَلَطَ» مرفوع باختلط؛ أي ٱختلط النبات بالمطر، أي شرب منه فتندّى وحَسُن وٱخضرّ. والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض.

قوله تعالى: {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ} من الحبوب والثمار والبقول. {وَٱلأَنْعَامُ} من الكلإ والتبن والشعير. {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} أي حسنها وزينتها. والزخرف كمال حسن الشيء؛ ومنه قيل للذهب: زخرف. {وَٱزَّيَّنَتْ} أي بالحبوب والثمار والأزهار؛ والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأوّل منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به. وقرأ ٱبن مسعود وأُبيّ بن كعب «وتزينت» على الأصل. وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية «وأَزْيَنَت» أي أتت بالزينة عليها، أي الغَلّة والزرع؛ وجاء بالفعل على أصله ولو أعلّه لقال وٱزّانت. وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي: قرأ أشياخنا «وٱزْيانّت» وزنه ٱسوادّت. وفي رواية المُقَدّمي «وٱزّاينت» والأصل فيه تزاينت، وزنه تقاعست ثم أدغم. وقرأ الشعبيّ وقتادة «وأزْينت» مثل أفعلت. وقرأ أبو عثمان النَّهدِيّ «وٱزْيَنَتْ» مثل ٱفعلت، وعنه أيضاً «وٱزيانت» مثل ٱفعالت، وروي عنه «ٱزيأنت» بالهمزة؛ ثلاث قراءات.

قوله تعالى: {وَظَنَّ أَهْلُهَآ} أي أيقن. {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} أي على حصادها والانتفاع بها؛ أخبر عن الأرض والمعنِيّ النبات إذا كان مفهوماً وهو منها. وقيل: ردّ إلى الغلة، وقيل: إلى الزينة. {أَتَاهَآ أَمْرُنَا} أي عذابنا، أو أمرنا بهلاكها. {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} ظرفان. {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} مفعولان، أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها. وقال «حَصيداً» ولم يؤنّث لأنه فعيل بمعنى مفعول. قال أبو عبيد: الحصيد المستأصَل. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} أي لم تكن عامرة؛ من غَنِي إذا أقام فيهِ وعمرَه. والمغاني في اللغة: المنازل التي يعمرها الناس. وقال قتادة: كأن لم تنعم. قال لبِيد:

وغَنِيتُ سَبْتاً قبل مَجْرَى داحسٍلو كان للنفس اللَّجُوج خلودُ

وقراءة العامة «تَغْنَ» بالتاء لتأنيث الأرض. وقرأ قتادة «يغن» بالياء، يذهب به إلى الزخرف؛ يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا. {نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي نبيّنُها. {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في آيات الله.
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ