انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير البغويالآيات 1–63

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ ۝١

{الۤر تِلْكَ آيَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ} و«الۤمر» قرأ أهل الحجاز والشام وحفص: بفتح الراء فيهما. وقرأ الآخرون: بالإِمالة.

قال ابن عباس والضحاك: «الۤر» أنا الله وأرى، و {الۤمر} أنا الله أعلم وأرى.

وقال سعيد بن جبير «الۤر» و «حمۤ» و «نۤ» حروف اسم الرحمن، وقد سبق الكلام في حروف التهجي.

{تِلْكَ آيَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ}، أي: هذا وأراد بالكتاب الحكيم القرآن. وقيل: أراد بها الآيات التي أنزلها من قبل ذلك، ولذلك قال: «تلك»، وتلك إشارة إلى غائب مؤنث، والحكيم: المحكم بالحلال والحرام، والحدود والأحكام، فعيل بمعنى مُفْعَل، بدليل قوله:

{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَـٰتُهُ }[هود: 1].

وقيل: هو بمعنى الحاكم، فعيل بمعنى فاعل، دليله قوله عزّ وجلّ:

{ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ }[البقرة: 213].

وقيل: هو بمعنى المحكوم، فعيل بمعنى المفعول. قال الحسن: حكم فيه بالعدل والإِحسان وإيتاء ذي القربى، وبالنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه.

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ مُّبِينٌ ۝٢ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٣

قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} العَجَبُ: حالة تعتري الإِنسان من رؤية شيء على خلاف العادة.

وسبب نزول الآية: أن الله عزّ وجلّ لما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً، قال المشركون: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً. فقال تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ} يعني: أهل مكة، والألِفُ فيه للتوبيخ، {عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ}، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ}، أي: أعلَمْهم مع التخويف، {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ}، واختلفوا فيه: قال ابن عباس: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالهم. قال الضحاك: ثواب صدق. وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وروى علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: هو السعادة في الذكر الأول. وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء: مقام صدق لا زوال له، ولا بؤس فيه. وقيل: منزلة رفيعة.

وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته، كقولهم: مسجد الجامع، وحب الحصيد، وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في الإِسلام، وله عندي قدم صدق وقدم سوء، وهو يؤنث فيقال: قدم حسنة، وقدم صالحة. {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ}. قرأ نافع وأهل البصرة والشام: «لسحر» بغير ألف يعنون القرآن، وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة: «لساحر» بالألف، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ}، يقضيه وحده، {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ}، معناه: أن الشفعاء لا يشفعون إلا بإذنه، وهذا رَدّ على النَّضْر بن الحارث فإنه كان يقول: إذا كان يوم القيامة تشفعني اللات والعزى.

قوله تعالى: {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ}، يعني: الذي فعل هذه الأشياء ربكم لا ربّ لكم غيره، {فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}، تتعظون.

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ۝٤ هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٥

{إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً}، صدقاً لا خلف فيه. نصب على المصدر، أي: وعدكم وعداً حقاً {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}، أي: يُحييهم ابتداء ثم يُميتهم ثم يُحييهم، قراءة العامة: {إنه} بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ أبو جعفر «أنه» بالفتح على معنى بأنه {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ}، بالعدل، {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ}، ماءٌ حارٌّ انتهى حرُّه، {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}.

{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً}، بالنهار، {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} بالليل. وقيل: جعل الشمس ذات ضياء، والقمرَ ذَا نُور، {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} أي: قدَّر له، يعني: هيأ له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها، ولم يقل: قَدَّرهما.

قيل: تقدير المنازل ينصرف إليهما غير أنه اكتفى بذكر أحدهما، كما قال:

{ { وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } } [التوبة: 62].

وقيل: هو ينصرف إلى القمر خاصة لأن بالقمر يُعرف به انقضاء الشهور والسنين، لا بالشمس. ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً، وأسماؤها: الشرطين، والبطين، والثرياء، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنسر، والطوف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإِكليل، والقلب، والشولة، والنعايم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو المؤخر، وبطن الحوت.

وهذه المنازل مقسومة على البروج، وهي اثنا عشر برجاً: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت.

ولكل برج منزلان وثلث منزل، فينزل القمر كل ليلة منزلاً منها، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان تسعاً وعشرين فليلة واحدة، فيكون تلك المنازل ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوماً، فيكون انقضاء السنة من انقضائها.

قوله تعالى: {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ}، أي: قدر المنازل. «لتعلموا عددَ السنينَ» دخولها وانقضاءها، {وَٱلْحِسَابَ}، يعني: حساب الشهور والأيام والساعات. {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ} ردّه إلى الخلق والتقدير، ولولا ردَّه إلى الأعيان المذكورة لقال: تلك. {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}، أي: لم يخلقه باطلاً بل إظهاراً لصنعه ودلالةً على قدرته. {يُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص ويعقوب: «يفصل» بالياء، لقوله: «ما خلق»، وقرأ الباقون: «نفصل» بالنون على التعظيم.

إِنَّ فِى ٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ۝٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ۝٧ أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٨ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٩

{إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} يؤمنون.

{إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}، أي: لا يخافون عقابنا ولا يرجون ثوابنا. والرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع، {بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}، فاختارها وعملوا لها، {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا}: وسكنوا إليها. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ}، أي: عن أدلتنا غافلون لا يعتبرون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عن آياتنا عن محمدٍ صلى الله عليه وسلم والقرآنِ غافلون معرضون.

{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، من الكفر والتكذيب.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}، فيه إضمار، أي: يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى جنة، {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ}. وقال مجاهد: يهديهم على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نوراً يمشون به.

وقيل: "يهديهم" معناه يثيبهم ويجزيهم.

وقيل: معناه بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه، أي: بتصديقهم هداهم "تجري من تحتهم الأنهار" أي: بين أيديهم، كقوله عزّ وجلّ:

{ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً }[مريم: 24]، لم يُرِدْ به أنه تحتها وهي قاعدة عليه، بل أراد بين يديها.

وقيل: تجري من تحتهم أي: بأمرهم، {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ}.

دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝١١

{دَعْوَٰهُمْ }، أي: قولهم وكلامهم. وقيل: دعاؤهم. {فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ}، وهي كلمة تنزيه، تنزه الله من كل سوء.وروينا:

أن أهل الجنةُ يلهمون الحمدَ والتسبيح، كما يُلهمون النَّفَسَ».

قال أهل التفسير: هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام، فإذا أرادوا الطعام قالوا: سُبْحَانَك اللّهمّ، فأتُوهم في الوقت بما يشتهون على الموائد، كل مائدة مِيلٌ في مِيل، على كل مائدة سبعون ألف صَحْفَة، وفي كل صَحْفة لون من الطعام لا يشبه بعضُها بعضاً، فإذا فرغوا من الطعام حمدوا الله، فذلك قولُه تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.

قوله تعالى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي: يحيّ بعضهم بعضاً بالسلام. وقيل: تحية الملائكة لهم بالسلام.

وقيل: تأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام.

{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، يريد: يفتتحون كلامهم بالتسبيح، ويختمونه بالتحميد.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ}، قال ابن عباس: هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده: لعنكم الله، ولا بارك الله فيكم. قال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب. معناه: لو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر والمكروه استعجالهم بالخير، أي: كما يحبون استعجالهم بالخير، {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}، قرأ ابن عامر ويعقوب: «لقَضَى» بفتح القاف والضاد، {أجلَهم} نصب، أي: لأهلَك من دعى عليه وأماته. وقال الآخرون: «لقُضي» بضم القاف وكسر الضاد «أجلُهم» رفع، أي: لفرغ من هلاكهم ومَاتوا جميعاً.

وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث حين قال:

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }الآية [الأنفال: 32] يدل عليه قوله عزّ وجلّ: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}، لا يخافون البعث والحساب، {فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}.

أخبرنا أحمد ابن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبدالله بن بشران، حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنبأنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا عبدالرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبَّه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اللّهم إنّي اتخذتُ عندك عهداً لن تُخْلِفَنِيْه، فإنّما أنا بشر فيصدر مني ما يصدر من البشر، فأيّ المؤمنين آذيتُه، أو شتمته، أو جلدتُه، أو لعنته فاجعلها له صلاةً وزكاةً وقربةً، تقرّبه بها إليك يوم القيامة».

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٢ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝١٣

قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ}، الجَهْد والشدة، {دَعَانَا لِجَنبِهِ}، أي: على جنبه مضطجعاً، {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا}، يريد في جميع حالاته، لأن الإِنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات. {فَلَمَّا كَشَفْنَا}، دفعنا {عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ}، أي: استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الجهد البلاء، كأنه لم يدعنا إلى ضُرٍّ مسّه أي: لم يطلب منا كشف ضُرٍّ مَّسَّه. {كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} المجاوزين الحدَّ في الكفرِ والمعصية، {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، من العصيان. قال ابن جريج: كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الدعاء عند البلاء وترك الشكر عند الرخاء. وقيل: معناه كما زَيّن لكم أعمالكم كذلك زيّن للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} أشركوا، {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَٰلِكَ}، أي: كما أهلكناهم بكفرهم، {نَجْزِي}، نعاقب ونهلك، {ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ}، الكافرين بتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، يخُوّف كفار مكة بعذابِ الأمم الخالية المكذبة.

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ۝١٤ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝١٥ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٦

{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ}، أي: خلفاء، {فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم}، أي: من بعد القرون التي أهلكناهم، {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}، وهو أعلم بهم. وروينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

ألا إنّ هذه الدنيا حُلوةٌ خَضِرةٌ وإنّ اللّهَ مستخلفُكم فيها، فناظرٌ كيفَ تعملون».

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَـٰتُنَا بَيِّنَاتٍ}، قال قتادة: يعني مشركي مكة. وقال مقاتل: هم خمسة نفر: عبدالله بن أمية المخزومي، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبدالله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر بن هشام. {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}، هم السابقون ذكرهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن بك {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ}، ليس فيه ترك عبادة اللاّتِ والعُزّى ومنَاة، وليس فيه عيبها، وإن لم ينزلها الله فقلْ أنت من عندك نفسك، {أَوْ بَدِّلْهُ}، فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، أو مكان حراماً حلالاً، أو مكان حلالٍ حراماً، {قُلْ} لهم يا محمد: {مَا يَكُونُ لِىۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِىۤ}، من قِبَلِ نفسي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَىَّ}، أي: ما أتبع إلاّ ما يُوحى إليّ فيما آمركم به وأنهاكم عنه، {إِنِّىۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

{قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ}، يعني: لو شاء الله ما أنزل القرآن عليّ، {وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ}، أي: ولا أعلمكم الله. وقرأ البزي عن ابن كثير: «ولأدراكم به» بالقصر به على الإِيجاب، يريد: ولا علّمكم به من غير قراءتي عليكم. وقرأ ابن عباس: «ولا أنذرتُكم بهِ» من الانذار. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً}، حيناً وهو أربعون سنة، {مِّن قَبْلِهِ}، من قبل نزول القرآن ولم آتكم بشيء، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، أنه ليس من قِبَلي، ولبث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم قبل الوحي أربعين سنة ثم أوحى الله إليه فأقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.

ورَوى أنسٌ: أنه أقام بمكة بعد الوحي عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ستين سنة، والأول أشهر وأظهر.

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝١٧ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝١٨ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَٱخْتَلَفُوا۟ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝١٩

قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا}، فزعم أن له شريكاً أو ولداً {أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ}، بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ}، لا ينجو المشركون.

{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ} إن عصوه وتركوا عبادته، {وَلاَ يَنفَعُهُمْ}، إن عبدوه، يعني: الأصنام، {وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ}، أتخبرون الله، {بِمَا لاَ يَعْلَمُ}، اللْهُ صحتَه، ومعنى الآية: أتُخْبِرُونَ الله أن له شريكاً، أو عنده شفيعاً بغير إذنه، ولا يعلم الله لنفسه شريكا؟! {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، قرأ حمزة والكسائي: «تشركون» بالتاء، هاهنا وفي سورة النحل موضعين، وفي سورة الروم، وقرأ الآخرون كلها بالياء.

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً}، أي: على الإِسلام. وقد ذكرنا الاختلاف في سورة البقرة. {فَٱخْتَلَفُواْ}، وتفرقوا إلى مؤمن كافر، {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ}، بأن جعل لكل أمّة أجلاً. وقال الكلبي: هي إمهال هذه الأمة وأنه لا يهلكهم بالعذاب في الدنيا، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}، بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمكذبين، وكان ذلك فصلاً بينهم، {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، وقال الحسن: ولولا كلمة سبقت من ربك، مضت في حكمه أنه: يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون يوم القيامة، لقضي بينهم في الدنيا فأدخل المؤمن الجنة والكافر النار، ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة.

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ۝٢٠ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِىٓ ءَايَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ۝٢١ هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝٢٢

{وَيَقُولُونَ}، يعني: أهل مكة، {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ}، أي: على محمد صلى الله عليه وسلم {آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}، على ما نقترحه، {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ}، يعني: قل إنما سألتموني الغيب وإنما الغيب لله، لا يعلم أحد لِمَ لمْ يفعلْ ذلك ولا يعلمه إلا هو. وقيل: الغيب نزول الآية لا يعلم متى ينزل أحدٌ غيره، {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} نزولها {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ}، وقيل: فانتظروا قضاء الله بيننا بالحق بإظهار المحق على المبطل.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ}، يعني: الكفار، {رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ}، أي: راحة ورخاء من بعد شدة وبلاء. وقيل: القطر بعد القط، {مَسَّتْهُمْ}، أي: أصابتهم، {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا}، قال مجاهد: تكذيب واستهزاء. وقال مقاتل بن حيان: لا يقولون: هذا رزقُ الله، إنما يقولون: سُقِبنَا بِنَوْءِ كذا، وهو قوله:

{ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ }[الواقعة: 82].

{قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً}، أي: أعجل عقوبة وأشد أخذاً وأقدر على الجزاء، يريد عذابه في إهلاككم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق، {إِنَّ رُسُلَنَا}، حفظتنا، {يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}، وقرأ يعقوب: «يمكرون» بالياء.

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ}، يجريكم ويحملكم، وقرأ أبو جعفر وابن عامر: «ينشركم» بالنون والشين من النشر وهو البسط والبث، {فِى ٱلْبَرِّ}، على ظهور الدواب، {و} في {البحر}، على الفلك، {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ}، أي: في السفن، تكون واحداً وجمعاً {وَجَرَيْنَ بِهِم}، يعني: جرت السفن بالناس، رجع من الخطاب إلى الخبر، {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} ليّنة، {وَفَرِحُواْ بِهَا}، أي: بالريح، {جَآءَتْهَا رِيحٌ}، أي: جاءت الفلك ريح، {عَاصِفٌ}، شديدة الهبوب، ولم يقل ريح عاصفة، لاختصاص الريح بالعصوف. وقيل: الريح تُذكّر وتؤنث. {وَجَآءَهُمُ}، يعني: ركبان السفينة، {ٱلْمَوْجُ}، وهو حركة الماء واختلاطه، {مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ}، أيقنوا {أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ}، دَنَوا من الهلكة، أي: أحاط بهم الهلاك، {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}، أي: أخلصوا في الدعاء لله ولم يدعوا أحداً سوى الله، وقالوا: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا}، يا ربنا، {مِنْ هَـٰذِهِ}، الريح العاصف، {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ}، لك بالإِيمان والطاعة.

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٢٣ إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٢٤

{فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ}، يظلمون ويتجاوزون إلى غير أمر الله عزّ وجلّ في الأرض، {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}، أي: بالفساد. {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}، لأن وباله راجع عليها، ثم ابتدأ فقال: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، أي: هذا متاع الحياة الدنيا، خبرُ ابتداءٍ مضمر، كقوله:

{ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ }[الأحقاف: 35]، أي: هذا بلاغ. وقيل: هو كلام متصل، والبغي: ابتداء، ومتاعٌ: خبره.

ومعناه: إنما بغيكم متاع الحياة الدنيا، لا يصلح زاداً لمعادٍ لأنكم تستوجبون به غضب الله.

وقرأ حفص "متاع" بالنصب، أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا، {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قوله عزّ وجلّ: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، في فنائها وزوالها، {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ}، أي: بالمطر، {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ}، قال ابن عباس: نبت بالماء من كل لون، {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ}، من الحبوب والثمار، {وَٱلأَنْعَامُ}، من الحشيش، {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا}، حسنَها وبهجتَها وظهر الزهرُ أخضرٌ وأحمر وأصفر وأبيض {وَٱزَّيَّنَتْ}، أي: تزينت، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود: «تزينت». {وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ}، على جذاذِها وقطافِها وحصادِها، ردّ الكنايةَ إلى الأرض. والمراد: النبات إذ كان مفهوماً، وقيل: ردّها إلى الغلّة. وقيل: إلى الزينة. {أَتَاهَآ أَمْرُنَا}، قضاؤنا، بإهلاكها، {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً}، أي: محصودة مقطوعة، {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ}، كأن لم تكن بالأمس، وأصله من غني بالمكان إذا أقام به. وقال قتادة: معناه إن المتشبّث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه أغفل ما يكون، {كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٢٥ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٦

قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ}، قال قتادة: السلام هو الله، وداره: الجنة. وقيل: السلام بمعنى السلامة، سُميت الجنة دارَ السلام لأنّ من دخلها سَلِمَ من الآفات. وقيل: المراد بالسلام التحية سُميت الجنة دار السلام، لأنّ أهلها يحيِّي بعضُهم بعضاً بالسلام والملائكة تسلم عليهم. قال الله تعالى:

{ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم }[الرعد: 23].

وروينا عن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضُهم: إنه نائم، وقال بعضُهم أنّ العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً. قال: فاضربوا له مثلاً. فقال بعضهم: مثله كمثل رجل بنَى داراً، وجعل فيها مأدُبةً، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي: دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومنْ لمْ يُجبِ الداعي، لم يدخل الدار ولم يأكلْ من المأدبة، فقالوا أوّلُوهَا له يَفْقَهْهَا، قال بعضُهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العينَ نائمةٌ والقلب يقظان، فقالوا: فالدارُ الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد فرّقَ بين الناس». {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، فالصراط المستقيم هو الإِسلام عمَّ بالدعوة لإِظهار الحجة، وخُصّ بالهداية استغناءً عن الخلق.

قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}، أي: للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنَى، وهي الجنة، وزيادة: وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا قول جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، وهو قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والضحاك، والسدي.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحُمَيْدِيُّ، أنبأنا أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ، أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب إملاءً، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصَّغاني، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت ــ يعني البناني ــ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهيب رضي الله عنه قال:

قرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}، قال: إذا دخلَ أهلُ الجنّةِ الجنّةَ وأهلُ النّارِ النّارَ نادَى منادٍ: يا أهلَ الجنةِ إنّ لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزَكُمُوه، قالوا: ما هذا الموعد؟ ألمْ يثقِّلْ موازيننا، ويبيّضْ وجوهَنا، ويدخلْنَا الجنةَ، ويُجِرْنَا من النار؟ قال: فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله عزّ وجلّ. قال: فما أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إليه".

ورُوي عن ابن عباس: أنّ الحُسنَى هي: أنّ الحسنة بمثلها والزيادة هي التضعيف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وقال مجاهد: الحُسنَى: حسنة مثل حسنة، والزيادة المغفرة والرضوان.

{وَلاَ يَرْهَقُ}، لا يغشى {وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ}، غبار، جمع قترة. وقال ابن عباس وقتادة: سواد الوجه، {وَلاَ ذِلَّةٌ}، هَوَانٌ قال قتادة: كآبة. قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٧ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ۝٢٨ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ ۝٢٩ هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٣٠

{وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}، أي: لهم مثها، كما قال:

{ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا }[الأنعام: 160]. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ}، و«من» صلة، أي: ما لهم من الله عاصم، {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ}، ألبست، {وُجُوهُهُمْ قِطَعاً}، جمع قطعة، {مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً}، نصبت على الحال دون النعت، ولذلك لم يقل: مظلمة، تقديره: قِطَعاً من الليل في حال ظلمته، أو قطعاً من الليل المظلم. وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب: «قِطْعاً» ساكنة الطاء، أي بعضاً، كقوله: { بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ }[هود: 81]. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ}، [أي: الزمُوا مكانَكم]، {أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ}، يعني: الأوثان، معناه: ثم نقول للذين أشركوا: الزمُوا أنتم وشركاؤكم مكانَكم، ولا تبرحوا.

{فَزَيَّلْنَا} ميّزنا وفرّقنا {بَيْنَهُمْ}، أي: بين المشركين وشركائهم، وقَطَعْنَا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، وذلك حين يتبرأ كل معبودٍ من دون الله ممن عبده، {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ}، يعني: الأصنام، {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}، بطلبتنا فيقولون: بلى، كنا نعبدكم، فتقول الأصنام:

{فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}، أي: ما كنا عن عبادتكم إيّانا إلا غافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل.

قال الله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ}، أي: تُختبر. وقيل: ومعناه تعلم وتقف عليه، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: «تتلو» بتاءين، أي: تقرأ، {كُلُّ نَفْسٍ}، صحيفتَها. وقيل: معناه تتبع كل نفس، {مَّآ أَسْلَفَتْ}، ما قدّمتْ من خير أو شر. وقيل: معناه تعاين، {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ}، إلى حكمه فيتفرد فيهم بالحكم، {مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ}، الذي يتولى ويملك أمورهم: فإن قيل: أليس قد قال:

{ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } [محمد: 11]؟ قيل: المولى هناك بمعنى الناصر، وهاهنا بمعنى المالك، {وَضَلَّ عَنْهُمْ}، زال عنهم وبطل، {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}، في الدنيا من التكذيب.

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٣١ فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ۝٣٢ كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٣٣ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٣٤

قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}، أي: من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ}، أي: من إعطائكم السمع والأبصار، {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} يخرج الحي من النطفة والنطفة من الحي، {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ}؟ أي: يقضي الأمر، {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ}، هو الذي يفعل هذه الأشياء، {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}؟ أفلا تخافون عقابه في شرككم؟ وقيل: أفلا تتقون الشرك مع هذا الإِقرار؟.

{فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ}، الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم، {ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}؟ أي: فأين تصرفون عن عبادته وأنتم مقرون به؟.

{كَذَلِكَ}. قال الكلبي: هكذا، {حَقَّتْ}، وجبتْ، {كَلِمَةُ رَبِّكَ}، حكمه السابق، {عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ}، كفروا، {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر: «كلماتُ ربَّك» بالجمع هاهنا موضعين، وفي المؤمن، والآخرون على التوحيد.

قوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ}، أوثانكم {مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ}، ينشىء الخلق من غير أصل ولا مثال، {ثُمَّ يُعِيدُهُ}، ثم يحييه من بعد الموت كهيئته، فإن أجابوك وإلا فـ {قُلْ} أنتَ: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}؟ أي: تصرفون عن قصد السبيل.

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ۝٣٥ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ۝٣٦

{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ}، يرشد، {إِلَى ٱلْحَقِّ}، فإذا قالوا لا ــ ولا بدّ لهم من ذلك ــ {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ}، أي: إلى الحق.

{أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ}، قرأ حمزة والكسائي: ساكنة الهاء، خفيفة الدال، وقرأ الآخرون: بتشديد الدال، ثم قرأ أبو جعفر، وقالون: بسكون الهاء، وأبو عمرو بِرَوْمِ الهاء بين الفتح والسكون، وقرأ حفص: بفتح الياء وكسر الهاء، وأبو بكر بكسرهما، والباقون بفتحهما، ومعناه: يهتدي ــ في جميعها ــ فمن خفَّف الدال، قال: يقال: هديته فهدي، أي: اهتدى، ومن شدّد الدالُ أدغم التاء في الدال، ثم أبو عمرو يروم على مذهبه في إيثار التخفيف، ومن سكَّن الهاء تركها على حالتها كما فعل في «تعدوا» و «يخصمون»، ومن فتح الهاء نقل فتحة التاء المدغمة إلى الهاء، ومن كسر الهاء فلالتقاء الساكنين، وقال الجزم يُحرّكُ إلى الكسر، ومن كسر الياء مع الهاء أتبع الكسرةَ الكسرة.

قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ}، معنى الآية: الله الذي يهدي إلى الحق أحقُّ بالاتباع أمِ الصنم الذي لا يهتدي إلا أن يُهدَى؟.

فإن قيل: كيف قال: {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ}، والصنم لا يتصور أن يهتدي ولا أن يُهدَى؟.

قيل: معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال، أي: أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان إلا أن تُحمل وتُنقل، يَتَبَيَّنُ به عجز الأصنام.

وجواب آخر وهو: أن ذكر الهداية على وجه المجاز، وذلك أن المشركين لمّا اتخذوا الأصنام آلهةً وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل عبّر عنها بما يُعبّر عمن يعلم ويعقل، ووُصِفَتْ بصفة من يعقل.

{فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}، كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكاً.

قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا}، منهم يقولون: إن الأصنام آلهة، وإنها تشفع لهم في الآخرة ظناً منهم، لم يَرِدْ بهِ كتابٌ ولا رسول، وأراد بالأكثر: جميع من يقول ذلك، {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}، أي: لا يدفع عنهم من عذاب الله شيئاً. وقيل: لايقوم مقام العلم، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}.

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٣٧ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٣٨ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٣٩ وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ۝٤٠ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ۝٤١

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، قال الفرَّاء: معناه: وما ينبغي لمثل هذا القرآن أنْ يُفتَرى من دون الله، كقوله تعالى:

{ وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ }[آل عمران: 161] وقيل: «أنْ» بمعنى اللام، أي: وما كان هذا القرآنُ لِيُفترَى من دُونِ اللّهِ.

قوله: {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ}، أي: بين يدي القرآن من التوراة والإِنجيل. وقيل: تصديق الذي بين يدي القرآن من القيامة والبعث، {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ}، تبيين ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والأحكام، {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.

{أَمْ يَقُولُونَ}، وقال أبو عبيدة: «أم» بمعنى الواو، أي: ويقولون، {ٱفْتَرَاهُ}، اختلق محمد القرآن من قِبَلِ نفسه، {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}، شبه القرآن {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ}، ممن تعبدون، {مِن دُونِ ٱللَّهِ} لِيُعِينُوكم على ذلك، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، أن محمداً افتراه، ثم قال:

{بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ}، يعني: القرآن، كذبوا به ولم يحيطوا بعلمه، {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}، أي: عاقبة ما وعد اللّهُ في القرآن، أنه يؤول إليه أمرهم من العقوبة، يريد: أنهم لم يعلموا ما يؤول إليه عاقبة أمرهم. {كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، أي: كما كذب هؤلاء الكفار بالقرآن كذلك كذَّب الذين من قبلهم من كفار الأمم الخالية، {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ}، آخر أمر المشركين بالهلاك.

{وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ}، أي: من قومك من يؤمن بالقرآن، {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ}، لعلم الله السابق فيهم، {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ}، الذين لا يُؤمنُون.

{وَإِن كَذَّبُوكَ}، يا محمد، {فَقُل لِّي عَمَلِى}، وجزاؤه، {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ}، وجزاؤه، {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}، هذا كقوله تعالى:

{ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ }[القصص: 55] { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }[الكافرون: 6].

قال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد.

ثم أخبر أن التوفيق للإِيمان به لا بغيره.

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ ۝٤٢ وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ ۝٤٣ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٤٤ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ۝٤٥

فقال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} بأسماعِهم الظاهرة فلا ينفعهم، {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ}، يريد: سَمَعَ القلبِ، {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ}.

{وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ}، بأبصارهم الظاهرة، {أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ}، يريد عمي القلوب، {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ}، وهذا تسلية من الله عزّ وجلّ لنبيه صلى الله عليه وسلم، يقول: إنك لا تقدر أن تُسمعَ من سلبتُه السمعَ، ولا أن تهديَ من سلبتُه البصرَ، ولا أن تُوفق للإِيمان من حكمتُ عليه أن لا يُؤمن.

{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً}، لأنه في جميع أفعاله مُتفضّل وعادل، {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، بالكفر والمعصية.

قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ}، قرأ حفص بالياء، والآخرون بالنون، {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ}، قال الضحاك: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار. وقال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلاَّ قدر ساعة من النهار، {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ}، يعرف بعضُهم بعضاً حين بعثوا من القبور كمعرفتهم في الدنيا، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة. وفي بعض الآثار: أن الإِنسان يعرف يوم القيامة مَنْ بجنبه ولا يُكلمه هيبةً وخشية.

{قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}، والمراد من الخسران: خسران النفس، ولا شيء أعظم منه.

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ۝٤٦ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٤٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤٨ قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ۝٤٩ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٥٠

قوله تعالى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} يامحمد، {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} في حياتك مِنَ العذاب، {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ}، قبل تعذيبهم، {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} في الآخرة، {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ}، فيجزيهم به، «ثم» بمعنى الواو، تقديره: والله شهيدٌ. قال مجاهد: فكان البعض الذي أراه قتلهم ببدر، وسائر أنواع العذاب بعد موتهم.

قوله عزّ وجلّ: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ}، وكذبوه، {قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ}، أي: عُذِّبُوا في الدنيا وأُهلكوا بالعذاب، يعني: قبل مجيء الرسول، لا ثواب ولا عقاب. وقال مجاهد ومقاتل: فإذا جاء رسولهم الذي أُرسل إليهم يوم القيامة قُضِيَ بينه وبينهم بالقسط، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}، لا يعذبون بغير ذنب ولا يُؤاخذون بغير حجة ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم.

{وَيَقُولُونَ}، أي: ويقول المشركون، {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} الذي تعدنا يامحمد من العذاب. وقيل: قيام الساعة، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، أنتَ يامحمدُ وأتباعُك.

{قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى}، لا أقدر لها على شيء، {ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً}، أي: دفع ضر ولا جلب نفع، {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}، أن أملكه، {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ}، مدة مضروبة، {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ}، وقت فناء أعمارهم، {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}، أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون.

قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً}، ليلاً، {أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ}، أي: ماذا يستعجل من الله المشركون. وقيل: ماذا يستعجل من العذاب المجرمون، وقد وقعوا فيه. وحقيقة المعنى: أنهم كانوا يستعجلون العذاب، فيقولون:

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }[الأنفال: 32]. فيقول الله تعالى: {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ} يعني: أيش يعلم المجرمون ماذا يستعجلون ويطلبون، كالرجل يقول لغيره وقد فعل قبيحاً ماذا جنيت على نفسك.

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ۝٥١ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ۝٥٢ وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ۝٥٣ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٥٤ أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٥ هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٥٦

{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ}، قيل: معناه أهنالك؟ وحينئذ، وليس بحرف عطف، «إذا ما وقع» نزل العذاب، {آمَنْتُمْ بِهِ}، أي بالله في وقت اليأس. وقيل: آمنتم به أي صدقتم بالعذاب وقت نزوله، {الآنَ}، فيه إضمار، أي: يقال لكم: آلآن تُؤمنون حين وقع العذاب؟ {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}، تكذيباً واستهزاءً.

{ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، أشركوا، {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}، في الدنيا.

{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ}، أي: يستخبرونك يامحمد، {أَحَقٌّ هُوَ}، أي: ما تعدنا من العذاب وقيام الساعة، {قُلْ إِي وَرَبِّيۤ}، أي: نعم وربِّي، {إِنَّهُ لَحَقٌّ}، لا شك فيه، {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ}، أي: بفائتين من العذاب، لأن من عجز عن شيء فقدْ فاته.

{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ}، أي: أشركت، {مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ}، يوم القيامة، والافتداء هاهنا: بذل ما ينجو به من العذاب. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ}، قال أبو عبيدة: معناه: أظهرُوا الندامة، لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبّر وتصنّع. وقيل: معناه أخفوا أي أخفي الرؤساء الندامةَ من الضعفاءِ، خوفاً من ملامتهم وتعييرهم، {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ}، فرغ من عذابهم، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.

{أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.

{هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۝٥٧ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ۝٥٨ قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَٰلًا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ۝٥٩

قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ}، تذكرة، {مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ}، أي: دواء للجهل، لما في الصدور. أي: شفاء لعَمَى القلوب، والصدر: موضع القلب، وهو أعز موضع في الإِنسان لجوار القلب، {وَهُدًى}، من الضلالة، {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}، والرحمة هي النعمة على المحتاج، فإنه لو أهدى ملك إلى ملك شيئاً لا يقال قد رحمه، وإن كان ذلك نعمة فإنه لم يضعها في محتاج.

قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ}، قال مجاهد وقتادة: فضل الله: الإِيمان، ورحمته: القرآن.

وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله.

وقال ابن عمر: فضل الله: الإِسلام، رحمته: تزيينه في القلب.

وقال خالد بن معدان: فضل الله: الإِسلام، ورحمته: السُّنَن

وقيل: فضل الله: الإِيمان، ورحته: الجنة.

{فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}، أي: ليفرح المؤمنون أن جعلهم الله من أهله، {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}، أي: خير مما يجمعه الكفار من الأموال. وقيل: كلاهما خبر عن الكفار.

وقرأ أبو جعفر وابن عامر: «فليفرحُوا» بالياء و «تجمعون» بالتاء، وقرأ يعقوب كلاهما بالتاء مختلف عنه خطاباً للمؤمنين.

{قُلْ} يامحمد لكفار مكة، {أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ}، عبّر عن الخَلْقِ بالإِنزال، لأن ما في الأرض من خير، فمما أُنزل الله من رزق، من زرع وضرع، {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً}، هو ما حرموا من الحرث ومن الأنعام كالبحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامِ. قال الضحاك: هو قوله تعالى:

{ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً }[الأنعام: 136]. {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ}، في هذا التحريم والتحليل، {أَمْ} بل، {عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ}، وهو قولهم: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}.

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ۝٦٠ وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٦١ أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ۝٦٣

{وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}، أيحسبون أنّ الله لا يؤاخذهم به ولا يعاقبهم عليه، {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا تَكُونُ}. يامحمد، {فِي شَأْنٍ}، عمل من الأعمال، وجمعه شُؤون، {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ}، من الله، {مِن قُرْآنٍ}، نازلٍ، وقيل: منه أي من الشأن من قرآن، نزل فيه ثم خاطبه وأمته فقال: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ}، أي: تدخلون وتخوضون فيه، الهاء عائدة إلى العمل، والإِفاضة: الدخول في العمل. وقال ابن الأنباري: تندفعون فيه. وقيل: تُكْثِرون فيه. والإِفاضة: الدفع بكثرة.

{وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ}، يغيب عن ربك، وقرأ الكسائي «يَعْزِب» بكسر الزاي، وقرأ الآخرون بضمها، وهما لغتان. {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ}، أي: مثقال ذرة، و «من» صلة والذرة هي: النملة الحميراء الصغيرة. {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ}، أي: من الذرة، {وَلاۤ أَكْبَرَ}، قرأ حمزة ويعقوب: برفع الراء فيهما عطفاً على موضع المثقال قبل دخول «من»، وقرأ الآخرون بنصبهما، إرادة للكسرة عطفاً على الذرة في الكسر، {إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ}، وهو اللوح المحفوظ.

قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} واختلفوا فيمن يستحق هذا الاسم. قال بعضهم: هم الذين ذكرهم الله تعالى فقال:

{ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}، وقال قوم: هم المتحابّون في الله عزّ وجلّ.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفَّار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن [ابن] أبي حسين عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

«إنّ للّهِ عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيّون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة»، قال: وفي ناحية القوم أعرابي فجثا على ركبتيه ورمى بيديه ثم قال: حدَّثْنَا يارسول الله عنهم من هم؟ قال: فرأيتُ في وجه النبي صلى الله عليه وسلم البِشْرَ، فقال: «هُمْ عبادٌ مِن عبادِ اللّهِ من بلدانٍ شتّى وقبائل، لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ولا دنيا يتباذلون بها، يتحابون بروح الله، يجعل الله وجوههم نوراً، ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون».

ورواه عبدالله بن المبارك عن عبدالحميد بن بهرام قال: حدثنا شهر بن حوشب، حدثني عبدالرحمن بن غنم عن أبي مالك عن أبي مالك الأشعري،

عن النبي صلى الله عليه وسلم سئل! مَنْ أولياءُ الله؟ قال: الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله».

ويُروَى عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى:

إن أوليائي من عبادي الذين يُذْكَرُون بذكري وأُذْكَرُ بذكرِهم».
الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ