انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير الطبريالآيات 31–62

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يونس

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:32:57

  1. 1 الآيات 26–52في هذه الصفحة 23:02
  2. 2 الآيات 53–70في هذه الصفحة 14:12

التفسير الصوتي لسورة يونس كاملًا (6 مقاطع)

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٣١

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{ قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الأوثان والأصنام {مَنْ يَرْزُقَكُمْ مِنَ السَّماءِ} الغيث والقطر ويطلع لكم شمسها ويغطش ليلها ويخرج ضحاها.{ وَ } من الأرْضِ أقواتكم وغذاءكم الذي ينبته لكم وثمار أشجارها. {أمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصَارَ } يقول: أم من ذا الذي يملك أسماعكم وأبصاركم التي تسمعون بها أن يزيد في قواها أو يسلبكموها فيجعلكم صُمًّا، وأبصاركم التي تبصرون بها أن يضيئها لكم وينيرها، أو يذهب بنورها فيجعلكم عمياً لا تبصرون. {وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ } يقول: ومن يخرج الشيء الحيّ من الميت، {ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيّ} يقول: ويخرج الشيء الميت من الحيّ.

وقد ذكرنا اختلاف المختلفين من أهل التأويل والصواب من القول عندنا في ذلك بالأدلة الدالة على صحته في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

{وَمَنْ يُدَبِّرِ الأمْرَ } وقل لهم: من يدبر أمر السماء والأرض وما فيهنّ وأمركم وأمر الخلق. {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ } يقول جلّ ثناؤه: فسوف يجيبونك بأن يقولوا الذي يفعل ذلك كله الله. {فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ } يقول: أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وادّعائكم ربًّا غير من هذه الصفة صفته، وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئاً ولا يملك لكم ضرًّا ولا نفعاًولا يفعل فعلاً.

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ۝٣٢

يقول تعالى ذكره لخلقه: أيها الناس، فهذا الذي يفعل هذه الأفعال، فيرزقكم من السماء والأرض ويملك السمع والأبصار، ويخرج الحيّ من الميت والميت من الحيّ، ويدبِّر الأمر{ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ} لا شكّ فيه.{ فَمَاذا بَعْدَ الحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ } يقول: فأيّ شيء سوى الحقّ إلا الضلال وهو الجور عن قصد السبيل. يقول: فإذا كان الحقّ هو ذا، فادّعاؤكم غيره إلهاً ورَبًّا هو الضلال والذهاب عن الحقّ لا شكّ فيه. {فَأنَّىٰ تُصْرَفُونَ} يقول: فأيّ وجه عن الهدى والحقّ تصرفون وسواهما تسلكون وأنتم مقرّون بأن الذي تصرفون عنه هو الحقّ.

كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٣٣

يقول تعالى ذكره: كما قد صرف هؤلاء المشركون عن الحقّ إلى الضلال،{ كَذلكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ } يقول: وجب عليهم قضاؤه وحكمه في السابق من علمه، {على الَّذِينَ فَسَقُوا } فخرجوا من طاعة ربهم إلى معصيته وكفروا به {أنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } يقول: لا يصدقون بوحدانية الله ولا بنبوّة نبيه صلى الله عليه وسلم.

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٣٤

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{ قُلْ} يا محمد {هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ } يعني من الآلهة والأوثان {مَنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}؟ يقول: من ينشىء خلق شيء من غير أصل، فيحدث خلقه ابتداء ثم يعيده، يقول: ثم يفنيه بعد إنشائه، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيه؟ فإنهم لا يقدرون على دعوى ذلك لها. وفي ذلك الحجة القاطعة والدلالة الواضحة على أنهم في دعواهم أنها أرباب وهي لله في العبادة شركاء كاذبون مفترون.{ فقُلِ } لهم حينئذ يا محمد:{ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ } فينشئه من غير شيء ويحدثه من غير أصل ثم يفنيه إذا شاء،{ ثُمَّ يُعِيدُهُ } إذا أراد كهيئته قبل الفناء. فَأَنَّي تُؤْفَكُونَ يقول: فأيّ وجه عن قصد السبيل وطريق الرشد تصرفون وتقلبون. كما:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {فَأنَّىٰ تُؤْفَكونَ } قال: أنىٰ تصرفون.

وقد بيَّنا اختلاف المختلفين في تأويل قوله:{ أنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} والصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده في سورة الأنعام.

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ۝٣٥

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{ قُلْ } يا محمد لهؤلاء المشركين {هَلْ مِنْ شُركائِكم} الذين تدعون من دون الله، وذلك آلهتهم وأوثانهم، {مَنْ يَهْدِي إلى الحَقّ } يقول: من يرشد ضالاًّ من ضلالته إلى قصد السبيل، ويسدّد جائزاً عن الهدى إلى واضح الطريق المستقيم فإنهم لا يقدرون أن يدّعوا أن آلهتهم وأوثانهم ترشد ضالاًّ أو تهدي حائراً. وذلك أنهم إن ادّعوا ذلك لها أكذبتهم المشاهدة وأبان عجزها عن ذلك الاختبار بالمعاينة، فإذا قالوا لا وأقرّوا بذلك، فقل لهم. فالله يهدي الضالّ عن الهدى إلى الحقّ.{ أفَمَنْ يَهْدِي} أيها القوم ضالاًّ {إلى الحَقّ } وجائراً عن الرشد إلى الرشد،{ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ} إلى ما يدعو إليه{ أمْ مَنْ لا يَهْدِي إلاَّ أنْ يُهْدَىٰ}؟

واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة: «أمْ مَنْ لا يَهْدّي» بتسكين الهاء وتشديد الدال، فجمعوا بين ساكنين. وكأن الذي دعاهم إلى ذلك أنهم وجهوا أصل الكلمة إلى أنه: أم مَن لا يهتدي، ووجدوه في خطّ المصحف بغير ما قرروا وأن التاء حذفت لما أدغمت في الدال، فأقرّوا الهاء ساكنة على أصلها الذي كانت عليه، وشدّدوا الدال طلبا لإدغام التاء فيها، فاجتمع بذلك سكون الهاء والدال. وكذلك فعلوا في قوله: «وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُّوا في السَّبْتِ» وفي قوله:{ يخَصّمونَ}. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة والشام والبصرة: «يَهَدّي» بفتح الهاء وتشديد الدال. وأمُّوا ما أمَّه المدنيون من الكلمة، غير أنهم نقلوا حركة التاء من «يهتدي» إلى الهاء الساكنة، فحرّكوا بحركتها وأدغموا التاء في الدال فشدّدوها. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة: يَهِدّي بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، بنحو ما قصده قرّاء أهل المدينة غير أنه كسر الهاء لكسرة الدال من «يهتدي» استثقالاً للفتحة بعدها كسرة في حرف واحد. وقرأ ذلك بعض عامة قرّاء الكوفيين: «أمْ مَنْ لا يَهْدِي» بتسكين الهاء وتخفيف الدال، وقالوا: إن العرب تقول: هديت بمعنى اهتديت، قالوا: فمعنى قوله: {أم مَنْ لا يَهْدِي}: أم من لا يهتدي {إلاَّ أنْ يُهْدَى}.

وأولى القراءة في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: «أمْ مَنْ لا يَهَدّي» بفتح الهاء وتشديد الدال، لما وصفنا من العلة لقارىء ذلك كذلك، وأن ذلك لا يدفع صحته ذو علم بكلام العرب وفيهم المنكر غيره، وأحقّ الكلام أن يقرأ بأفصح اللغات التي نزل بها كلام الله تبارك وتعالى.

فتأويل الكلام إذا: أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتبع، أم من لا يهتدي إلى شيء إلا أن يُهْدَى.

وكان بعض أهل التأويل يزعم أن معنى ذلك: أم من لا يقدر أن ينتقل عن مكانه إلا أن ينقل.

وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «أفمَنْ يَهْدِي إلى الحَقّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمْ مَنْ لا يَهِدّي إلاَّ أنْ يُهْدَىٰ» قال: الأوثان، الله يهدي منها ومن غيرها من شاء لما شاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: «أمَّنْ لا يهَدّي إلاَّ أنْ يُهْدَىٰ» قال: قال: الوثن.

وقوله:{ فمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ألا تعلمون أن من يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتبع من الذي لا يهتدي إلى شيء إلا أن يهديه إليه هاد غيره، فتتركوا اتباع من لا يهتدي إلى شيء وعبادته وتتبعوا من يهديكم في ظلمات البرّ والبحر وتخلصوا له العبادة فتفردوه بها وحده دون ما تشركونه فيها من آلهتكم وأوثانكم؟

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ۝٣٦

يقول تعالى ذكره: وما يتبع أكثر هؤلاء المشركين إلا ظنًّا، يقول: إلا ما لا علم لهم بحقيقته وصحته، بل هم منه في شكّ وريبة.{ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقّ شَيْئاً} يقول: إن الشكّ لا يغني من اليقين شيئاً، ولا يقوم في شيء مقامه، ولا ينتفع به حيث يحتاج إلى اليقين.{ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بما يفعل هؤلاء المشركون من اتباعهم الظنّ وتكذيبهم الحقّ اليقين، وهو لهم بالمرصاد، حيث لا يغني عنهم ظنهم من الله شيئاً.

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٣٧

يقول تعالى ذكره: ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى من دون الله، يقول: ما ينبغي له أن يتخرّصه أحد من عند غير الله، وذلك نظير قوله: «وَما كانَ لِنَبِيَ أنْ يُغَلَّ» بمعنى: ما ينبغي لنبيّ أن يغله أصحابه. وإنما هذا خبر من الله جلّ ثناؤه أن هذا القرآن من عنده أنزله إلى محمد عبده، وتكذيب منه للمشركين الذين قالوا: هو شعر وكهانة، والذين قالوا: إنما يتعلمه محمد من يعيش الروميّ. يقول لهم جلّ ثناؤه: ما كان هذا القرآن ليختلقه أحد من عند غير الله، لأن ذلك لا يقدر عليه أحد من الخلق. {وَلَكِنْ تَصْديقَ الَّذِي بينَ يَدَيْهِ } يقول تعالى ذكره: ولكنه من عند الله أنزله مصدّقاً لما بين يديه أي لما قبله من الكتب التي أنزلت على أنبياء الله كالتوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه. {وَتَفْصِيل الكِتابِ } يقول: وتبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفرائضه التي فرضها عليهم في السابق من علمه. {لا رَيْبَ فِيهِ } يقول: لا شكّ فيه أنه تصديق الذي بين يديه من الكتاب وتفصيل الكتاب من عند ربّ العالمين، لا افتراء من عند غيره ولا اختلاق.

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٣٨

يقول تعالى ذكره: أم يقول هؤلاء المشركون: افترى محمد هذا القرآن من نفسه، فاختلقه وافتعله. قل يا محمد لهم: إن كان كما تقولون إني اختلقته وافتريته، فإنكم مثلي من العرب، ولساني وكلامي مثل لسانكم، فجيئوا بسورة مثل هذا القرآن. والهاء في قوله «مثله» كناية عن القرآن. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: معنى ذلك: قل فأتوا بسورة مثل سورته، ثم ألقيت «سورة» وأضيف المثل إلى ما كان مضافاً إليه السورة، كما قيل:{ وَاسْئَلِ القَرْيَةَ} يراد به: واسأل أهل القرية. وكان بعضهم ينكر ذلك من قوله ويزعم أن معناه: فأتوا بقرآن مثل هذا القرآن.

والصواب من القول في ذلك عندي أن السورة إنما هي سورة من القرآن، وهي قرآن، وإن لم تكن جميع القرآن، فقيل لهم:{ فأْتُوا بِسُورِةٍ مِنْ مِثْلِهِ } ولم يقل: «مثلها»، لأن الكناية أخرجت على المعنى، أعني معنى السورة، لا على لفظها، لأنها لو أخرجت على لفظها لقيل: فأتوا بسورة مثلها. {وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يقول: وادعوا أيها المشركون على أن يأتوا بسورة مثلها من قدر تم أن تدعوا على ذلك من أوليائكم وشركائكم{ مِنْ دُونِ الله } يقول: من عند غير الله، فأجمعوا على ذلك واجتهدوا، فإنكم لا تستطيعون أن تأتوا بسورة مثله أبداً.

وقوله:{ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} يقول: إن كنتم صادقين في أن محمداً افتراه، فأتوا بسورة مثله من جميع من يعينكم على الإتيان بها، فإن لم تفعلوا ذلك فلا شكّ أنكم كذبة في زعمكم أن محمداً افتراه لأن محمداً لن يعدو أن يكون بشراً مثلكم، فإذا عجز الجميع من الخلق أن يأتوا بسورة مثله، فالواحد منهم عن أن يأتي بجميعه أعجز.

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٣٩

يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين يا محمد تكذيبك، ولكن بهم التكذيب {بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بعِلْمِهِ} مما أنزل الله عليك في هذا القرآن من وعيدهم على كفرهم بربهم، {وَلمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } يقول: ولما يأتهم بعد بيان ما يئول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله في هذا القرآن. {كذلكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يقول تعالى ذكره: كما كذّب هؤلاء المشركون يا محمد بوعيد الله، كذلك كذّب الأمم التي خلت قبلهم بوعيد الله إياهم على تكذيبهم رسلهم وكفرهم بربهم. {فانْظُرُ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِين} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد كيف كان عقبىٰ كفر من كفر بالله، ألم نهلك بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالغرق؟ يقول: فإن عاقبة هؤلاء الذي يكذّبونك ويجحدون بآياتي من كفار قومك، كالتي كانت عاقبة من قبلهم من كفرة الأمم، إن لم ينيبوا من كفرهم ويسارعوا إلى التوبة.

وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ۝٤٠

يقول تعالى ذكره: ومن قومك يا محمد من قريش من سوف يؤمن به، يقول: من سوف يصدق بالقرآن، ويقرّ أنه من عند الله. {وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ} أبداً، يقول: ومنهم من لا يصدّق به، ولا يقرّ أبدا. {وَرَبُّكَ أعْلَمُ بالمُفْسدِينَ } يقول: والله أعلم بالمكذّبين به منهم، الذين لا يصدّقون به أبداً من كل أحد لا يخفى عليه، وهو من وراء عقابه. فأما من كتبت له أن يؤمن به منهم فإني سأتوب عليه.

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ۝٤١

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: وإن كذّبك يا محمد هؤلاء المشركون وردُّوا عليك ما جئتهم به من عند ربك، فقل لهم: أيها القوم لي ديني وعملي ولكم دينكم وعملكم، لايضرّني عملكم ولا يضرّكم عملي، وإنما يُجَازَي كلّ عامل بعمله. {أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أعْمَلُ }لا تؤاخذون بجريرته، {وأنا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} لا أؤاخذ بجريرة عملكم. وهذا كما قال جلّ ثناؤه:{ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أنْتُمْ عابِدْونَ ما أعْبُدُ}. وقيل: إن هذه الآية منسوخة، نسخها الجهاد والأمر بالقتال. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَإنْ كَذَّبُوكَ فُقُلْ لي عَمَلِي وَلَكُم عَمَلُكُمْ...} الآية، قال: أمره بهذا ثم نسخه، وأمره بجهادهم.

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ ۝٤٢

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ومن هؤلاء المشركين من يستمعون إلى قولك.{ أفأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ } يقول: أفأنت تخلق لهم السمع ولو كانوا لا سمع لهم يعقلون به، أم أنا؟ وإنما هذا إعلام من الله عباده أن التوفيق للإيمان به بيده لا إلى أحد سواه، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كما أنك لا تقدر أن تسمع يا محمد من سلبته السمع، فكذلك لا تقدر أن تُفْهِمَ أمري ونهيي قلباً سلبته فهم ذلك، لأني ختمت عليه أنه لا يؤمن.

وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ ۝٤٣

يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المشركين، مشركي قومك، من ينظر إليك يا محمد ويرى أعلامك وحججك على نبوّتك، ولكن الله قد سلبه التوفيق فلا يهتدي، ولا تقدر أن تهديه، كما لا تقدر أن تحدث للأعمى بصرا يهتدي به. {أفأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ } يقول: أفأنت يا محمد تحدث لهؤلاء الذين ينظرون إليك وإلى أدلتك وحججك فلا يوفقون للتصديق بك أبصاراً لو كانوا عمياً يهتدون بها ويبصرون؟ فكما أنك لا تطيق ذلك ولا تقدر عليه ولا غيرك، ولا يقدر عليه أحد سواي، فكذلك لا تقدر على أن تبصرهم سبيل الرشاد، أنت ولا أحد غيري، لأن ذلك بيدي وإليّ. وهذا من الله تعالى ذكره تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم عن جماعة ممن كفر به من قومه وأدبر عنه فكذّب، وتعزية له عنهم، وأمر برفع طمعه من إنابتهم إلى الإيمان بالله.

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٤٤

يقول تعالى ذكره: إن الله لا يفعل بخلقه ما لا يستحقون منه، لا يعاقبهم إلا بمعصيتهم إياه، ولا يعذّبهم إلا بكفرهم به {ولَكِنَّ النَّاسَ } يقول: ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم باجترامهم ما يورثها غضب الله وسخطه. وإنما هذا إعلام من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، أنه لم يسلب هؤلاء الذين أخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم لا يؤمنون الإيمان ابتداء منه بغير جرم سلف منهم، وإخبار أنه إنما سلبهم ذلك باستحقاق منهم سلبه لذنوب اكتسبوها، فحقّ عليهم قول ربهم، {وطَبَعَ على قُلوبِهِمْ}.

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ۝٤٥

يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المشركين فنجمعهم في موقف الحساب، كأنهم كانوا قبل ذلك لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون فيما بينهم، ثم انقطعت المعرفة وانقضت تلك الساعة. يقول الله:{ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاء اللَّهِ وَما كانُواّ مُهْتَدِينَ}، قد غبن الذين جحدوا ثواب الله وعقابه وحظوظهم من الخير، وهلكوا. {وما كَانُوا مُهْتَدِينَ } يقول: وما كانوا موفقين لإصابة الرشد مما فعلوا من تكذيبهم بلقاء الله لأنه أكسبهم ذلك ما لا قبَل لهم به من عذاب الله.

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ۝٤٦

يقول تعالى ذكره: وإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من قومك من العذاب، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك فيهم. {فإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ } يقول: فمصيرهم بكلّ حال إلينا ومنقلبهم. {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ على ما يَفْعَلُونَ } يقول جلّ ثناؤه ثم أنا شاهد على أفعالهم التي كانوا يفعلونها في الدنيا، وأنا عالم بها لا يخفى عليّ شيء منها، وأنا مجازيهم بها عند مصيرهم إليّ ومرجعهم جزاءهم الذي يستحقونه. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذاب في حياتك، {أوْ نَتَوَفَيَّنَّكَ } قبل،{ فإلَيْنا مَرْجِعُهُم}.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٤٧

يقول تعالى ذكره: ولكلّ أمة خلت قبلكم أيها الناس رسول أرسلته إليهم، كما أرسلت محمدا إليكم يدعون من أرسلتهم إليهم إلى دين الله وطاعته.{ فإذا جَاءَ رَسُولُهُمْ } يعني في الآخرة كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:{ ولِكُلّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فإذَا جاء رَسَوُلُهُمْ } قال: يوم القيامة.

وقوله:{ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقِسْطِ } يقول قضي حينئذ بينهم بالعدل{ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} من جزاء أعمالهم شيئا، ولكن يجازي المحسن بإحسانه والمسيء من أهل الإيمان إما أن يعاقبه الله وأما أن يعفو عنه، والكافر يخلد في النار فذلك قضاء الله بينهم بالعدل، وذلك لا شكّ عدل لا ظلم.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقِسْطِ } قال: بالعدل.

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤٨

يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: ويقول هؤلاء المشركون من قومك يا محمد {مَتى هَذَا الوَعْدُ } الذي تعدنا أنه يأتينا من عند الله؟ وذلك قيام الساعة {إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أنت ومن تبعك فيما تعدوننا به من ذلك.

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ۝٤٩

يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لمستعجليك وَعيدَ الله، القائلين لك: متى يأتينا الوعد الذي تعدنا إن كنتم صادقين:{ لا أمْلِكُ لَنْفِسي} أيها القوم أي لا أقدر لها على ضرّ ولا نفع في دنيا ولا دين إلا ما شاء الله أن أملكه فأجلبه إليها بأذنه. يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: فإذا كنت لا أقدر على ذلك إلا بإذنه، فأنا عن القدرة على الوصول إلى علم الغيب ومعرفة قيام الساعة أعجز وأعجز، إلاّ بمشيئته وإذنه لي في ذلك.{ لكلِّ أمةٍ أجَلٌ } يقول: لكلّ قوم ميقات لانقضاء مدتهم وأجلهم، فإذا جاء وقت انقضاء أجلهم وفناء أعمارهم، لا يستأخرون عنه ساعة فيُمْهَلُون وُيؤَخَّرون، ولا يستقدمون قبل ذلك لأن الله قضى أن لا يتقدّم ذلك قبل الحين الذي قدّره وقضاه.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٥٠

يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بياتا، يقول: ليلاً أو نهاراً، وجاءت الساعة، وقامت القيامة أتقدرون على دفع ذلك عن أنفسكم؟ يقول الله تعالى ذكره: ماذا يَسْتعَجل من نزول العذاب المجرمون الذين كفروا بالله، وهم الصَّالون بحرّه دون غيرهم، ثم لا يقدرون على دفعه عن أنفسهم.

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ۝٥١

يقول تعالى ذكره: أهنالك إذا وقع عذاب الله بكم أيها المشركون آمنتم به، يقول: صدّقتم به في حال لا ينفعكم فيها التصديق، وقيل لكم حينئذ: آلآن تصدّقون به، وقد كنتم قبل الآن به تستعجلون، وأنتم بنزوله مكذّبون فذوقوا الآن ما كنتم به تكذّبون. ومعنى قوله:{ أثُمَّ } في هذا الموضع: أهنالك وليست «ثم» هذه هاهنا التي تأتي بمعنى العطف.

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ۝٥٢

يقول تعالى ذكره:{ ثُمَّ قِيلَ للَّذِينَ ظَلَمُوا} أنفسهم بكفرهم بالله:{ ذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ } تجرّعوا عَذَابَ اللَّهِ الدَّائمِ لكم أبداً، الذي لا فناء له ولا زوال. {هَلْ تُجْزَوْنَ إلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } يقول: يقال لهم: فانظروا {هَلْ تُجْزَوْنَ } أي هل تثابون{ إلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ}؟ يقول: إلا بما كنتم تعملون في حياتكم قبل مماتكم من معاصي الله.

وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ۝٥٣

يقول تعالى ذكره: ويستخبرك هؤلاء المشركون من قومك يا محمد فيقولون لك: أحقّ ما تقول وما تعدنا به من عذاب الله في الدار الآخرة جزاء على ما كنا نكسب من معاصي الله في الدنيا؟ قل لهم يا محمد إي وربي إنه لحقّ لا شكّ فيه، وما أنتم بمعجزي الله إذا أراد ذلك بكم بهرب أو امتناع، بل أنتم في قبضته وسلطانه وملكه، إذ أراد فعل ذلك بكم، فاتقوا الله في أنفسكم.

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٥٤

يقول تعالى ذكره: ولو أن لكلّ نفس كفرت بالله. وظُلْمُها في هذا الموضع: عبادتها غير من يستحقّ عبادة وتركها طاعة من يجب عليها طاعته.{ ما فِي الأرْضِ } من قليل أو كثير،{ لافْتدَتْ بهِ } يقول: لافتدت بذلك كله من عذاب الله إذا عاينته. وقوله: {وأسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رأَوُا العَذَابَ } يقول: وأخفت رؤساء هؤلاء المشركين من وضعائهم وسفلتهم الندامة حين أبصروا عذاب الله قد أحاط بهم، وأيقنوا أنه واقع بهم. {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقِسْطِ } يقول: وقضىٰ الله يؤمئذ بين الأتباع والرؤساء منهم بالعدل. {وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } وذلك أنه لا يعاقب أحدا منهم إلا بجريرته ولا يأخذه بذنب أحد ولا يعذّب إلا من قد أعذر إليه في الدنيا وأنذر وتابع عليه الحجج.

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٥

يقول جلّ ذكره: ألا إن كلّ ما في السموات وكلّ ما في الأرض من شيء لله ملك، لا شيء فيه لأحد سواه. يقول: فليس لهذا الكافر بالله يومئذ شيء يملكه فيفتدى به من عذاب ربه، وإنما الأشياء كلها للذي إليه عقابه، ولو كانت له الأشياء التي هي في الأرض ثم افتدى بما لم يقبل منه بدلاً من عذابه فيصرف بها عنه العذاب، فكيف وهو لا شيء له يفتدى به منه وقد حقّ عليه عذاب الله. يقول الله جلّ ثناؤه:{ ألا إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } يعني أن عذابه الذي أوعد هؤلاء المشركين على كفرهم حقّ، فلا عليهم أن لا يستعجلوا به فإنه بهم واقع لا شكّ.{ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } يقول: ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون حقيقة وقوع ذلك بهم، فهم من أجل جهلهم به مكذّبون.

هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٥٦

يقول تعالى ذكره: إن الله هو المحيي المميت لا يتعذّر عليه فعل ما أراد فعله من إحياء هؤلاء المشركين إذا أراد إحياءهم بعد مماتهم ولا إماتتهم إذا أراد ذلك، وهم إليه يصيرون بعد مماتهم فيعاينون ما كانوا به مكذّبين من وعيد الله وعقابه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۝٥٧

يقول تعالى ذكره لخلقه:{ يا أيُّها الناس قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } يعني ذِكْرَى تذكركم عقاب الله وتخوّفكم وعيده من ربكم. يقول: من عند ربكم لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يفتعلها أحد، فتقولوا: لا نأمن أن تكون لا صحة لها. وإنما يعني بذلك جلّ ثناؤه القرآن، وهو الموعظة من الله. وقوله:{ وَشِفاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ } يقول: ودواء لما في الصدور من الجهل، يشفي به الله جهل الجهال، فيبرىء به داءهم ويهدي به من خلقه من أراد هدايته به. {وَهُدًى } يقول: وهو بيان لحلال الله وحرامه، ودليل على طاعته ومعصيته. {وَرَحْمَةٌ } يرحم بها من شاء من خلقه، فينقذه به من الضلالة إلى الهدى، وينجيه به من الهلاك والردى. وجعله تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين به دون الكافرين به، لأن من كفر به فهو عليه عمى، وفي الآخرة جزاؤه على الكفر به الخلود في لَظَى.

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ۝٥٨

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{ قُلْ } يا محمد لهؤلاء المشركين بك وبما أنزل إليك من عند ربك:{ بِفَضْلِ اللَّهِ} أيها الناس الذي تفضل به عليكم، وهو الإسلام، فبينه لكم ودعاكم إليه،{وَبِرَحَمتِهِ } التي رحمكم بها، فأنزلها إليكم، فعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، وبَصَّركم بها معالم دينكم وذلك القرآن.{ فَبِذلكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه والقرآن الذي أنزله عليهم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وأموالها وكنوزها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن عطية، عن أبي سعيد الخدريّ، في قوله:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا} قال: بفضل الله القرآن وبرحمته أن جعلكم من أهله.

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن هلال بن يساف: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا} قال: بالإسلام الذي هداكم، وبالقرآن الذي علمكم.

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ } قال: بالإسلام والقرآن:{ فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعون} من الذهب والفضة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ } قال: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن.

حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحَمتِهِ} قال: الإسلام والقرآن.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم وقبيصة، قالا: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن هلال، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا } أما فضله: فالإسلام، وأما رحمته: فالقرآن.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحَمتِهِ } قال: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحَمتِهِ } قال: القرآن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:{ وَبِرَحْمَتِهِ } قال: القرآن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: {هَوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} قال: الأموال وغيرها.

حدثنا عليّ بن داود، قال: ثني أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحَمتِهِ } يقول: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن هلال:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا} قال: بكتاب الله وبالإسلام. {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ}.

وقال آخرون: بل الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ } قال: بفضل الله: القرآن، وبرحمته: حين جعلهم من أهل القرآن.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: فضل الله: القرآن، ورحمته: الإسلام.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قوله:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحَمتِهِ } قال: بفضل الله: القرآن، وبرحمته، الإسلام.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحَمتِهِ فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا } قال: كان أبي يقول: فضله: القرآن، ورحمته: الإسلام.

واختلفت القراء في قراءة قوله:{ فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا}. فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار:{ فَلْيَفْرَحُوا } بالياء، {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } بالياء أيضاً على التأويل الذي تأوّلناه من أنه خبر عن أهل الشرك بالله. يقول: فبالإسلام والقرآن الذي دعاهم إليه فليفرح هؤلاء المشركون، لا بالمال الذي يجمعون، فإن الإسلام والقرآن خير من المال الذي يجمعون. وكذلك:

حُدثت عن عبد الوهاب بن عطاء، عن هارون، عن أبي التياح: {فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ } يعني الكفار.

ورُوي عن أبيّ بن كعب في ذلك ما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ: «فَبِذَلكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ» بالتاء.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم عن الأجلح، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب مثل ذلك.

وكذلك كان الحسن البصري يقول غير أنه فيما ذكر عنه كان يقرأ قوله: {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } بالياء الأوّل على وجه الخطاب، والثاني على وجه الخبر عن غائب. وكان أبو جعفر القارىء فيما ذكر عنه يقرأ ذلك نحو قراءة أبيّ بالتاء جميعا.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار من قراءة الحرفين جميعا بالياء:{ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ} لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القرّاء عليه، والثاني: صحته في العربية. وذلك أن العرب لا تكاد تأمر المخاطب باللام والتاء، وإنما تأمره فتقول: افعل ولا تفعل.

وبعد: فإني لا أعلم أحدا من أهل العربية إلا وهو يستردىء أمر المخاطب باللام، ويرى أنها لغة مرغوب عنها غير الفراء، فإنه كان يزعم أن اللام في ذي التاء الذي خلق له واجهتَ به أم لم تواجِهْ، إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجه لكثرة الأمر خاصة في كلامهم، كما حذفوا التاء من الفعل. قال: وأنت تعلم أن الجازم والناصب لا يقعان إلا على الفعل الذي أوله الياء والتاء والنون والألف، فلما حذفت التاء ذهبت اللام وأحدثت الألف في قولك: اضرب وافرح، لأن الفاء ساكنة، فلم يستقم أن يستأنف بحرف ساكن، فأدخلوا ألفا خفيفة يقع بها الابتداء، كما قال: ادّاركوا واثَّاقَلْتُمْ. وهذا الذي اعتلّ به الفراء عليه لا له وذلك أن العرب إن كانت قد حذفت اللام في المواجه وتركتها، فليس لغيرها إذا نطق بكلامها أن يدخل فيها ما ليس منه ما دام متكلما بلغتها، فإن فعل ذلك كان خارجا عن لغتها، وكلام الله الذي أنزله على محمد بلسانها، فليس لأحد أن يتلوه إلا بالأفصح من كلامها، وإن كان معروفاً بعض ذلك من لغة بعضها، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حيّ ولا قبيلة منها؟ وإنما هو دعوى لا ثبَت بها ولا حجة.

قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَٰلًا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ۝٥٩

يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين: {أرَأيْتُمْ } أيها الناس {ما أنْزَلَ الله لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ } يقول: ما خلق الله لكم من الرزق فخوّلكموه، وذلك ما تتغذّون به من الأطعمة {فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً } يقول: فحللتم بعض ذلك لأنفسكم، وحرّمتم بعضه عليها وذلك كتحريمهم ما كانوا يحرّمونه من حروثهم التي كانوا يجعلونها لأوثانهم، كما وصفهم الله به فقال:

{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكائِنا }. ومن الأنعام ما كانوا يحرّمونه بالتبحير والتسيبب ونحو ذلك، مما قدمناه فيما مضى من كتابنا هذا. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد {آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ} بأن تحرّموا ما حرّمتم منه{ أمْ على اللَّهِ تَفْتَرونَ}: أي تقولون الباطل وتكذبون؟

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرِّمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله:

{ قُلْ أرأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً }وهو هذا، فأنزل الله تعالى:{ قُلْ مَنْ حَرَّم زِينَةَ اللَّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ....} الآية.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ قُلْ أرأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ...} إلى قوله: {أمْ على اللَّهِ تَفْتَرُونَ } قال: هم أهل الشرك.

حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله:{ فجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامَاً وَحَلالاً } قال: الحرث والأنعام.

قال ابن جريج: قال مجاهد: البحائر والسيب.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ فجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامَاً وَحَلالاً } قال: في البحيرة والسائبة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ قُلْ أرأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامَاً وَحَلالاً... } الآية، يقول: كلّ رزق لم أحرّم حرّمتموه على أنفسكم من نسائكم وأموالكم وأولادكم {آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ} فيما حرّمتم من ذلك {أَمْ عَلىَ الله تَفْتَرُونَ}؟

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ قُلْ أرأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامَاً وَحَلالاً}. فقرأ حتى بلغ:{ أمْ على اللَّهِ تَفْتَرُونَ}. وقرأ

{ { وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ على أزْوَاجِنا } }. وقرأ: { { وَقالُوا هَذِه أنْعامٌ وحَرْثُ حِجْرٌ } } ... حتى بلغ: { { لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها } }. فقال: هذا قوله: { { جعل لهم رزقاً، فجعلوا منه حراماً وحلالاً، وحرّموا بعضه وأحَلُّوا بعضه } }. وقرأ: { { ثَمانِيَةَ أزْوَاج منَ الضَّأْن اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ } } أيّ هذين حرّم على هؤلاء الذين يقولون وأحلّ لهؤلاء؟ { { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صَادقِينَ أمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا } } ... إلى آخر الآيات.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ قُلْ أرأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامَاً وَحَلالاً } هو الذي قال الله:

{ { وَجَعَلُوا للَّهِ مِمَّا ذَرأَ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيباً } }... إلى قوله: { { ساءَ ما يَحْكمون } َ}.

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ۝٦٠

يقول تعالى ذكره: وما ظنّ هؤلاء الذين يتخرّصون على الله الكذب فَيُضيفون إليه تحريم ما لم يحرّمه عليهم من الأرزاق والأقوات التي جعلها الله لهم غذاء، أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم وفِرْيتهم عليه، أيحسبون أنه يصفح عنهم ويغفر؟ كلا بل يصليهم سعيراً خالدين فيها أبداً. {إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ على النَّاس} يقول: إن الله لذو تفضل على خلقه بتركه معاجلة من افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا وإمهاله إياه إلى وروده عليه في القيامة. {وَلَكِنَّ أكَثرهُم لا يَشْكُرُونَ } يقول: ولكن أكثر الناس لا يشكرونه على تفضله عليهم بذلك وبغيره من سائر نعمه.

وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٦١

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{ وَما تَكُونُ } يا محمد{ فِي شأْنِ } يعني في عمل من الأعمال، {وَما تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرآن} يقول: وما تقرأ من كتاب الله من قرآن، {وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } يقول: ولا تعملون من عمل أيها الناس من خير أو شرّ{ إلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} يقول: إلا ونحن شهود لأعمالكم وشؤونكم إذ تعملونها وتأخذون فيها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك رُوي القول عن ابن عباس وجماعة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } يقول: إذ تفعلون.

وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تشيعون في القرآن الكذب ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك:{ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } يقول: فتشيعون في القرآن من الكذب.

وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تفيضون في الحقّ. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن أبي نجيح، عن مجاهد:{ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } في الحقّ ما كان.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وإنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه، لأنه تعالى ذكره أخبر أنه لا يعمل عبادُه عملاً إلا كان شاهده، ثم وصل ذلك بقوله:{ إذْ يُفِيضُونَ فِيهِ } فكان معلوماً أن قوله:{ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } إنما هو خبر منه عن وقت عمل العاملين أنه له شاهد لا عن وقت تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم القرآن لأن ذلك لو كان خبراً عن شهوده تعالى ذكره وقت إفاضة القوم في القرآن، لكانت القراءة بالياء:{ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } خبراً منه عن المكذّبين فيه.

فإن قال قائل: ليس ذلك خبراً عن المكذّبين، ولكن خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أنه شاهده إذ تلا القرآن فإن ذلك لو كان كذلك لكان التنزيل: «إذ تفيض فيه»، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم واحد لا جمع، كما قال:{ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرآنٍ } فأفرده بالخطاب، ولكن ذلك في ابتدائه خطابه صلى الله عليه وسلم بالإفراد ثم عوده إلى إخراج الخطاب على الجمع نظير قوله:

{ { يا أيُّها النَّبِيّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ } }، وذلك أن في قوله: { { إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ } } دليلاً واضحاً على صرفه الخطاب إلى جماعة المسلمين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم مع جماعة الناس غيره لأنه ابتدأ خطابه ثم صرف الخطاب إلى جماعة الناس، والنبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم، وخبر عن أنه لا يعمل أحد من عباده عملاً إلا وهو له شاهد يحصى عليه ويعلمه، كما قال:{وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ } يا محمد عمل خلقه، ولا يذهب عليه علم شيء حيث كان من أرض أو سماء. وأصله من عزوب الرجل عن أهله في ماشيته، وذلك غيبته عنهم فيها، يقال منه: عزب الرجل عن أهله يَعْزُبُ وَيعْزِبُ لغتان فصيحتان، قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء. وبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، لاتفاق معنييهما واستفاضتهما في منطق العرب غير أني أميل إلى الضمّ فيه لأنه أغلب على المشهورين من القرّاء.

وقوله: {مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ } يعني: من زنة نملة صغيرة، يحكى عن العرب: خذ هذا فإنه أخفّ مثقالاً من ذاك أي أخفّ وزنا. والذرّة واحدة الذرّ، والذرّ: صغار النمل. وذلك خبر عن أنه لا يخفى عليه جلّ جلاله أصغر الأشياء، وإن خفّ في الوزن كلّ الخفة، ومقادير ذلك ومبلغه، ولا أكبرها وإن عظم وثقل وزنه، وكم مبلغ ذلك. يقول تعالى ذكره لخلقه: فليكن عملكم أيها الناس فيما يرضى ربكم عنكم، فإنا شهود لأعمالكم، لا يخفى علينا شيء منها، ونحن محصوها ومجازوكم بها.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ وَلا أصْغَرَ مِنَ ذلكَ وَلا أكْبَرَ } فقرأ ذلك عامَّة القرّاء بفتح الراء من «أصغر» و«أكبر» على أن معناها الخفض، عطفاً بالأصغر على الذرّة وبالأكبر على الأصغر، ثم فتحت راؤهما لأنهما لا يجريان. وقرأ ذلك بعض الكوفيين: «وَلا أصْغَرُ مِنْ ذلكَ وَلا أكْبَرُ» رفعاً، عطفا بذلك على معنى المثقال لأن معناه الرفع. وذلك أن «مِنْ» لو أُلقيت من الكلام لرفع المثقال، وكان الكلام حينئذ: وَما يَعْزُبُ عن ربك مثقال ذرّة ولا أصغر من مثقال ذرّة ولا أكبر، وذلك نحو قوله:

{ منْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ } و«غيرِ الله».

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بالفتح على وجه الخفض والردّ على الذرّة لأن ذلك قراءة قرّاء الأمصار وعليه عوامّ القرّاء، وهو أصحّ في العربية مخرجا وإن كان للأخرى وجه معروف.

وقوله:{ إلاَّ فِي كِتابٍ } يقول: وما ذاك كله إلا في كتاب عند الله مبين عن حقيقة خبر الله لمن نظر فيه أنه لا شيء كان أو يكون إلا وقد أحصاه الله جلّ ثناؤه فيه، وأنه لا يعزب عن الله علم شيء من خلقه حيث كان من سمائه وأرضه.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ وَما يَعْزُبُ } يقول: لا يغيب عنه.

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس: {وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ } قال: ما يغيب عنه.

أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦٢

يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من عقاب الله لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه، وَلا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا. والأولياء جمع وليّ، وهو النصير. وقد بيَّنا ذلك بشواهده.

واختلف أهل التأويل فيمن يستحقّ هذا الاسم، فقال بعضهم: هم قوم يُذكر الله لرؤيتهم لما عليهم من سيما الخير والإخبات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن يمان، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس:{ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } قال: الذين يذكر الله لرؤيتهم.

حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا: ثنا ابن يمان، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن العلاء بن المسيب، عن أبي الضحى، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه:{ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } قال: الذين يذكر الله لرؤيتهم.

قال: ثنا ابن مهدي وعبيد الله، عن سفيان، عن العلاء بن المسيب، عن أبي الضحى، قال: سمعته يقول في هذه الآية:{ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} قال: من الناس مفاتيح أذا رُؤوا ذكر الله لرؤيتهم.

قال: ثنا أبي، عن مسعر، عن سهل بن الأسد، عن سعيد بن جبير، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولياء الله، فقال

الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ

قال: ثنا زيد بن حباب، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن عبد الله:{ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } قال: الذين إذا رُؤُوا ذكر الله لرؤيتهم.

قال: ثنا أبو يزيد الرازي، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال

هُمُ الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا فرات، عن أبي سعد، عن سعيد بن جبير، قال: سئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أولياء الله، قال:

هُمُ الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ».

قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام، عن عبد الله بن أبي الهذيل في قوله:{ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ...} الآية، قال: إن وليّ الله إذا رُؤي ذكر الله.

وقال آخرون في ذلك بما:

حدثنا أبو هاشم الرفاعي، قال: ثنا ابو فضيل، قال: ثنا أبي عن عمارة بن القعقاع الضبي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ مِنْ عِبادِ اللَّهِ عِباداً يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشهَدَاءُ ». قيل: من هم يا رسول الله، فلعلنا نحبهُّم؟ قال:هُمْ قَوْمٌ تَحابُّوا في اللَّهِ مِنْ غيرِ أمْوَالٍ وَلا أنْسابٍ، وُجُوهُهُمْ مِنْ نُور، على مَنابِرَ مِنْ نُور، لا يَخافُونَ إذَا خافَ النَّاسُ، وَلا يَحْزَنُونَ إذَا حَزَنَ النَّاسوقرأ: ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ مِنْ عِبادِ اللَّهِ لاَناسا ما هُمْ بأَنْبِياءَ وَلا شُهَدَاءَ، يغَبْطِهِمُ الأَنْبِياءُ والشُّهَدَاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ ». قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم، وما أعمالهم، فإنا نحبهم لذلك؟ قال:هُمْ قَوْمٌ تَحابُّوا فِي اللَّهِ بِرُوحِ اللَّهِ على غيرِ أرْحامِ بَيْنَهُمْ وَلا أمْوَال يَتَعاطُوَنها، فَوَاللَّهِ إنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وإنَّهُمْ لَعَلى نُور، لا يَخافونَ إذَا خافَ النَّاسُ وَلا يَحْزَنُونَ إذَا حَزَنَ النَّاسُ ». وقرأ هذه الآية:{ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

حدثنا بحر بن نصر الخولاني، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: ثنا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَأْتِي مِنْ أفناءِ النَّاسِ ونَوَازِعِ القَبائِلِ قَوْمٌ لَمْ يَتَّصِلْ بَيْنَهُمْ أرْحامٌ مُتَقارِبَةٌ، تَحابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا فِي اللَّهِ يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَومَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْها، يَفْزَعُ النَّاسُ فَلا يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ».

والصواب من القول في ذلك أن يقال: الوليّ، أعني وليّ الله، هو من كان بالصفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى، كما قال الله: { { الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ } }.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، كان ابن زيد يقول:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } من هم يا ربّ؟ قال:{ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ } قال: أبى أن يتقبل الإيمان إلا بالتقوى.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ