انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير الطبريالآيات 63–83

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يونس

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:32:57

  1. 1 الآيات 53–70في هذه الصفحة 14:12
  2. 2 الآيات 71–89في هذه الصفحة 14:19

التفسير الصوتي لسورة يونس كاملًا (6 مقاطع)

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ۝٦٣

يقول تعالى ذكره: الذين صدّقوا الله ورسوله، وما جاء به من عند الله، وكانوا يتقون الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. وقوله:{ الَّذِينَ آمَنُوا } من نعت الأولياء. ومعنى الكلام: ألا إن أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

فإن قال قائل: فإذ كان معنى الكلام ما ذكرت عندك أفي موضع رفع «الذين آمنوا» أم في موضع نصب؟ قيل: في موضع رفع، وإنما كان كذلك وإن كان من نعت الأولياء لمجيئه بعد خبر الأولياء، والعرب كذلك تفعل خاصة في «إنّ»، إذا جاء نعت الاسم الذي عملت فيه بعد تمام خبره رفعوه، فقالوا: إنّ أخاك قائم الظريف، كما قال الله:

{ { قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحَقّ عَلاَّمُ الغُيُوبِ } } وكما قال: { { إنَّ ذلكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النَّارِ } }

وقد اختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك، مع أن إجماع جميعهم على أن ما قلناه هو الصحيح من كلام العرب وليس هذا من مواضع الإبانة عن العلل التي من أجلها قيل ذلك كذلك.

لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٦٤

يقول تعالى ذكره: البشرى من الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة لأولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون.

ثم اختلف أهل التأويل في البشرى التي بشَّر الله بها هؤلاء القوم ما هي، وما صفتها؟ فقال بعضهم: هي الرؤية الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن شيخ، عن أبي الدرداء، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ } قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها المُؤْمِنُ أوْ تُرَى لَهُ

حدثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: أخبرني يحيى بن أبي كثير، قال: ثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: سأل عبادة بن الصامت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن هذه الآية:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنيَا وفِي الآخِرَةِ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَقَدْ سأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ ما سأَلَنِي عَنْهُ أحَدٌ قَبْلَكَ »، أو قال:غْيَركَ ». قال:هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أوْ تُرَى لَهُ

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو داود عمن ذكره، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنيَا وفِي الآخِرَةِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ

حدثنا أبو قلابة، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبادة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثنا ابن المثنى وأبو عثمان بن عمر، قالا: ثنا عليّ بن يحيى، عن أبي سلمة، قال: نبئت أن عبادة بن الصامت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنيَا وفِي الآخِرَةِ } فقال:

سألْتَنِي عَنْ شَيْءٍ ما سأَلَنِي عَنْهُ أحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها الرَّجُلُ أوْ تُرَى لَهُ

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ } قال: سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية، فقال: لقد سألتني عن شيء ما سمعت أحدا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها الرَّجُلُ المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ، بُشْرَاهُ فِي الحَياةِ الدُّنْيا، وبُشْرَاهُ فِي الآخِرَةِ الجَنَّةُ

حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن سفيان، عن ابن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ } فقال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرك، إلا رجلاً واحداً سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

ما سأَلَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ أنْزَلَها اللَّهُ غيرَكَ إلاَّ رَجُلاً وَاحِداً، هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ

حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا سفيان، عن ابن المنكدر، سمع عطاء بن يسار، يخبر عن رجل من أهل مصر، أنه سأل أبا الدرداء عن:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ } ثم ذكر نحو حديث سعيد بن عمرو السكوني، عن عثمان بن سعيد.

حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، قال: ثني يحيى بن سعيد، قال: ثنا عمر بن عمرو بن عبد الأخموشي، عن حميد بن عبد الله المزني، قال: أتى رجل عبادة بن الصامت، فقال: آية في كتاب الله أسألك عنها، قول الله تعالى:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ}؟ فقال عبادة: ما سألني عنها أحد قبلك، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مثل ذلك:

ما سأَلَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ المُؤْمِنُ فِي المَنامِ أوْ تُرَى لَهُ

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الرُّؤْيا الحَسَنَةُ هِيَ البُشْرَى يَرَاها المُسْلِمُ، أو تُرَى لَهُ ».

قال: ثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، قال: قال أبو هريرة: الرؤيا الحسنة بشرى من الله، وهي المبشرات.

حدثنا محمد بن حاتم المؤدّب، قال: ثنا عمار بن محمد، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا}:

الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ الصَّالِحُ أوْ تُرَى لَهُ، وَهِيَ فِي الآخِرَةِ الجَنَّةُ

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن يزيد، قال: ثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحرث، عن أبي الشيخ، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا}:

الرُّوْيا الصَّالِحَةُ يُبَشَّرُ بِها العَبْدُ جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان، عن عبادة بن الصامت، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:{لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ } فقد عرفنا بشرى الآخرة، فما بشرى الدنيا؟ قال:

الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ أوْ تُرَى لَهُ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أرْبَعَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا، أوْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا} فقال:

لَقَدْ سأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ ما سألَنِي عَنْهُ أحَدٌ مِنْ أُمَّتِي قَبْلَكَ هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ، وفِي الآخِرَةِ الجَنَّةُ

حدثنا أحمد بن حماد الدولابي، قال: ثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز الكعبية، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ المُبَشِّرَاتُ

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن رجل، عن أبي الدرداء، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا } قال:

الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ، وفِي الآخِرَةِ الجَنَّةُ ».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل كان بمصر، قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: {لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ } فقال أبو الدرداء: ما سألني عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ

قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي الدرداء، قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قوله: {لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ} قال:

ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ غيرُكَ هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها المْسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ

قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء في قوله:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ } قال: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ أوْ تُرَى لَهُ، وفِي الآخِرَةِ الجَنَّةُ

قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، قال ابن عيينة ثم سمعته من عبد العزيز، عن أبي صالح السمان، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا} قال: ما سألني عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

ما سأَلَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ أنْزِلَتْ عَليَّ إلاَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها الرَّجُلُ أوْ تُرَى لَهُ

قال: ثنا عبد الله بكر السهمي، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار: أنه سأل رجلاً من أهل مصر فقيها قدم عليهم في بعض تلك المواسم، قال: قلت: ألا تخبرني عن قول الله تعالى:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا}؟ قال: سألت عنها أبا الدرداء، فأخبرني أنه سأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

هِيَ الرُّؤْيا الحَسَنَة يَرَاها العَبْد أوْ تُرَى لَهُ ».

قال: ثنا أبي، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا} قال:هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها العَبْد أوْ تُرَى لَهُ ».

حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم وأبو الوليد الطيالسي، قالا: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت، قال: قلت: يا رسول الله، قال الله تعالى: {لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ}؟ فقال:لَقَدْ سألْتَنِي عَنْ شَيْءٍ ما سألَنِي عَنْهُ أحَدٌ قَبْلَكَ أوْ أحَدٌ مِنْ أُمَّتِيقالَ:هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها الرَّجُلُ الصَّالِحُ أوْ تُرَى لَهُ ».

قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، قال: سمعت أبا الدرداء، وسئل عن:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنيَا } قال: ما سألني عنها أحد قبلك منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فقال:ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها العَبْدُ أوْ تُرَى لَهُ ».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير، عن رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله: لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا قال:هِيَ الرُّؤْيا الحَسَنَةُ يَرَاها الإنْسانُ أوْ تُرَى لَهُ

وقال: ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن أبي الدرداء، أو ابن جريج عن محمد بن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء، قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها، فقال:

هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ ». وقال ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: هي الرؤيا يراها الرجل.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: {لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا} قال: هي الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح.

قال: ثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.

قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن طلحة القناد، عن جعفر بن أبي المُغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا} قال: هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه.

قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون: الرؤيا من المبشرات.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن قيس بن سعد. أن رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها، فقال:

ما سألَنِي عَنْها أحَدٌ مِنْ أمَّتِي مُنْذُ أنْزِلَتْ عَليَّ قَبْلَكَ ». قال: « هِيَ الرُّؤْيا الصَّالِحَة يَرَاها الرَّجُل لِنَفْسِهِ أوْ تُرَى لَه

قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن العوّام، عن إبراهيم التيمي، أن ابن مسعود قال: ذهبت النبوّة، وبقيت المبشرات، قيل: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له.

قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا } فهو قوله لنبيه:

{ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بأنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً } قال: هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو ترى له.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن عطاء، في قوله:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا } قال: هي رؤيا الرجل المسلم يبشر بها في حياته.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن درّاجاً أبا السمح حدثه عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا}:

الرُّؤْيا الصَّالِحَة يُبَشَّر بِها المُؤمِنُ جُزْءاً مِنْ سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّة ِ

حدثني يونس، قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه في هذه الآية: {لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ } قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له.

حدثنا محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا حميد بن عبد الله: أن رجلاً سأل عبادة بن الصامت عن قول الله تعالى:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ } فقال عبادة: لقد سألتني عن أمر ما سألني عنه أحد قبلك، ولقد سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني فقال لي:

يا عُبادَةُ لَقَدْ سألْتَنِي عَنْ أمْرٍ ما سألَنِي عَنْهُ أحَدٌ مِنْ أُمَّتِي تِلْكَ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاها المُؤْمِنُ لِنَفْسِهِ أوْ تُرَى لَهُ

وقال آخرون: هي بشارة يبشر بها المؤمن في الدنيا عند الموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري وقتادة: {لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا } قال: هي البشارة عند الموت في الحياة الدنيا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يعلى، عن أبي بسطام، عن الضحاك:{ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا } قال: يعلم أين هو قبل الموت.

وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له منها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:

إنَّ المَلائِكَةَ التي تَحْضُرُه عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، تَقُولُ لَنْفْسِهِ: اخْرُجي إلى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ «. وَمنها: بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الثواب الجزيل، كما قال جلّ ثناؤه: { وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ... }الآية. وكلّ هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمه جلّ ثناؤه أن {لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا } وأما في الآخرة فالجنة.

وأما قوله:{ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ } فإن معناه: إن الله لا خلف لوعده ولا تغيير لقوله عما قال ولكنه يمضي لخلقه مواعيده وينجزها لهم. وقد:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية عن أيوب، عن نافع، قال: أطال الحجاج الخطبة، فوضع ابن عمر رأسه في حجري، فقال الحجاج: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله فقعد ابن عمر فقال: لا تستطيع أنت ذاك ولا ابن الزبير{ لا تَبْدْيِلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ}. فقال الحجاج: لقد أوتيت علما أن تفعل. قال أيوب: فلما أقبل عليه في خاصة نفسه سكت.

وقوله:{ ذلكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} يقول تعالى ذكره: هذه البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة هي الفوز العظيم، يعني الظفر بالحاجة والطلبة والنجاة من النار.

وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٦٥

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك يا محمد قول هؤلاء المشركين في ربهم ما يقولون، وإشراكهم معه الأوثان والأصنام فإن العزّة لله جميعاً، يقول تعالى ذكره: فإن الله هو المنفرد بعزّة الدنيا والآخرة لا شريك له فيها، وهو المنتقم من هؤلاء المشركين القائلين فيه من القول الباطل ما يقولون، فلا ينصرهم عند انتقامه منهم أحد، لأنه لا يعازه شيء. {وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ } يقول: وهو ذو السمع لما يقولون من الفرية والكذب عليه، وذو علم بما يضمرونه في أنفسهم ويعلنونه، محصيّ ذلك عليهم كله، وهو لهم بالمرصاد. وكسرت «إن» من قوله:{ إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} لأن ذلك خبر من الله مبتدأ، ولم يعمل فيها القول، لأن القول عني به قول المشركين وقوله:{ إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} لم يكن من قيل المشركين، ولا هو خبر عنهم أنهم قالوه.

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ۝٦٦

يقول تعالى ذكره:{ ألا إنَّ لِلَّهِ} يا محمد كلّ {مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ } ملكاً وعبيداً لا مالك لشيء من ذلك سواه، يقول: فكيف يكون إلهاً معبوداً من يعبده هؤلاء المشركون من الأوثان والأصنام، وهي لله ملك، وإنما العبادة للمالك دون المملوك، وللربّ دون المربوب. {وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ } يقول جلّ ثناؤه: وأيّ شيء يتبع من يدعو من دون الله، يعني غير الله وسواه شركاء. ومعنى الكلام: أيّ شيء يتبع من يقول لله شركاء في سلطانه وملكه كاذباً، والله المنفرد بملك كلّ شيء في سماء كان أو أرض.{ إنْ يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنّ } يقول: ما يتبعون في قيلهم ذلك ودعواهم إلا الظنّ، يقول: إلا الشكّ لا اليقين. {وَإنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ} يقول: وإن هم يتقوّلون الباطل تظنناً وتخرُّصاً للإفك عن غير علم منهم بما يقولون.

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ۝٦٧

يقول تعالى ذكره: إن ربكم أيها الناس الذي استوجب عليكم العبادة {هُوَ } الربّ {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ } وفصله من النهار، لِتَسْكُنُوا فِيهِ مما كنتم فيه في نهاركم من التعب والنصب، وتهدءوا فيه من التصرّف والحركة للمعاش والعناء الذي كنتم فيه بالنهار. {والنَّهارَ مُبْصِراً} يقول: وجعل النهار مبصرا، فأضاف الإبصار إلى النهار، وإنما يبصر فيه، وليس النهار مما يُبْصِر ولكن لمّا كان مفهوما في كلام العرب معناه، خاطبهم بما في لغتهم وكلامهم، وذلك كما قال جرير:

لَقَدْ لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلانَ فِي السُّرَىونِمْتِ وَما لَيْلُ المَطِيّ بِنائِمِ

فأضاف النوم إلى الليل ووصفه به، ومعناه نفسه أنه لم يكن نائماً فيه هو ولا بعيره. يقول تعالى ذكره: فهذا الذي يفعل ذلك هو ربكم الذي خلقكم وما تعبدون، لا ما لا ينفع ولا يضرّ ولا يفعل شيئاً.

وقوله:{ إنَّ فِي ذلكَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } يقول تعالى ذكره: إن في اختلاف حال الليل والنهار وحال أهلهما فيهما دلالة وحججاً على أن الذي له العبادة خالصاً بغير شريك، هو الذي خلق اللَّيل والنهار وخالف بينهما، بأن جعل هذا للخلق سكناً وهذا لهم معاشاً، دون من لا يخلق ولا يفعل شيئاً ولا يضرّ ولا ينفع. وقال:{ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} لأن المراد منه: الذين يسمعون هذه الحجج ويتفكرون فيها فيعتبرون بها ويتعظون، ولم يرد به الذين يسمعون بآذانهم ثم يعرضون عن عبره وعظاته.

قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ هُوَ ٱلْغَنِىُّ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بِهَٰذَآ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٦٨

يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون بالله من قومك يا محمد: اتخذ الله ولداً، وذلك قولهم: الملائكة بنات الله. يقول الله منزّها نفسه عما قالوا وافتروا عليه من ذلك: سبحان الله، تنزيهاً لله عما قالوا وادّعوا على ربهم. {هُوَ الغَنِيُّ} يقول: الله غنيّ عن خلقه جميعا، فلا حاجة به إلى ولد، لأن الولد إنما يطلبه من يطلبه ليكون عوناً له في حياته وذكراً له بعد وفاته، والله عن كلّ ذلك غنيّ، فلا حاجة به إلى معين يعينه على تدبيره ولا يبيد فيكون به حاجة إلى خلف بعده. {لَهُ ما فِي السَّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ} يقول تعالى ذكره: لله ما في السماوات وما في الأرض ملكاً والملائكة عباده وملكه، فكيف يكون عبد الرجل وملكه له ولداً؟ يقول: أفلا تعقلون أيها القوم خطأ ما تقولون؟{ إنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهَذَا} يقول: ما عندكم أيها القوم بما تقولون وتدّعون من أن الملائكة بنات الله من حجة تحتجون بها، وهي السلطان.{ أتَقُولُون على الله } قولاً لا تعلمون حقيقته وصحته، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه جهلاً منكم بغير حجة ولا برهان.

قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ۝٦٩ مَتَٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ۝٧٠

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{ قُلْ} يا محمد لهم{ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرونَ على الله الكَذبَ } فيقولون عليه الباطل، ويدَّعون له ولداً{ لا يُفْلحُونَ } يقول: لا يبقون في الدنيا، ولكن لهم {مَتاعٌ فِي الدُّنْيا} يُمتَّعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كتب فناؤهم فيه.{ ثمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ } يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم إلينا مصيرهم ومنقلبهم. {ثمَّ نُذِيقُهُم العَذَاب الشَّدِيد } وذلك إصلاؤهم جهنم{ بِمَا كانُوا يَكْفُرونَ } بالله في الدنيا، فيكذّبون رسله ويجحدون آياته. ورفع قوله: {متاعٌ } بمضمر قبله إما «ذلك» وإما «هذا».

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ۝٧١

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واتل على هؤلاء المشركين الذي قالوا: اتخذ الله ولداً من قومك نَبَأَ نُوحٍ يقول: خبر نوح،{ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَقامي} يقول: إن كان عظم عليكم مقامي بين أظهركم وشقّ عليكم، {وَتَذْكِيرِي بآياتِ اللَّهِ } يقول: ووعظي إياكم بحجج الله، وتنبيهي إياكم على ذلك.{ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْت } يقول: إن كان شقَّ عليكم مقامي بين أظهركم وتذكيري بآيات الله فعزمتم على قتلي أو طردي من بين أظهركم، فعلى الله اتكالي وبه ثقتي وهو سندي وظهري.{ فأجْمِعُوا أمْرَكُمْ } يقول: فأعدّوا أمركم واعزموا على ما تقدمون عليه في أمري يقال منه: أجمعت على كذا، بمعنى: عزمت عليه، ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:

مَنْ لَمْ يُجْمِعْ على الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ فَلا صَوْمَ لَهُبمعنى: من لم يعزم، ومنه قول الشاعر:

يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَعُهَلْ أغْدُوَنْ يَوْما وأمْرِي مُجْمَعُ

ورُوي عن الأعرج في ذلك ما:

حدثني بعض أصحابنا عن عبد الوهاب عن هارون، عن أسيد، عن الأعرج:{ فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ} يقول: أحكموا أمركم وادعوا شركاؤكم.

ونصب قوله:{ وشُرَكَاءَكُمْ } بفعل مضمر له، وذلك: وادعوا شركاءكم، وعطف بالشركاء على قوله: أمْرَكُمْ على نحو قول الشاعر:

ورأيْتُ زَوْجَكَ فِي الوَغَىمُتَقُلِّداً سَيْفا وَرُمْحا

فالرمح لا يتقلد، ولكن لما كان فيما أظهر من الكلام دليل على ما حذف، فاكتفي بذكر ما ذكر منه مما حذف، فكذلك ذلك في قوله: {وَشُرَكاءَكُمْ}.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قراء الأمصار: وشَرَكاءَكُمْ نصبا، وقوله: فَأجْمِعُوا بهمز الألف وفتحها، من أجمعت أمري فأنا أجمعه إجماعاً. وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: {فأجمِعوا أمْرَكُمْ } بفتح الألف وهمزها «وَشُرَكاؤُكُمْ» بالرفع على معنى: وأجمعوا أمركم، وليجمع أمرهم أيضاً معكم شركاؤكم.

والصواب من القول في ذلك قراءة من قرأ:{ فَأجْمِعُوا أمْرَكُمُ وَشُرَكاءَكُمْ } بفتح الألف من «أجمعوا»، ونصب «الشركاء»، لأنها في المصحف بغير واو، ولإجماع الحجة على القراءة بها ورفض ما خالفها، ولا يعترض عليها بمن يجوز عليه الخطأ والسهو. وعني بالشركاء آلهتهم وأوثانهم.

وقوله: {ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّة } يقول: ثم لا يكن أمركم عليكم ملتبسا مشكلاً مبهما من قولهم: غُمَّ على الناس الهلال، وذلك إذا أشكل عليهم فلم يتبيَّنوه، ومنه قول رأية:

بَلْ لَوْ شَهِدْتِ النَّاسَ إذْ تُكُمُّوابِغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا

وقيل: إن ذلك من الغمّ، لأن الصدر يضيق به ولا يتبين صاحبه لأمره مصدرا يصدره يتفرج عنه ما بقلبه، ومنه قول خنساء:

وذِي كُرْبَةٍ راخى ابنْ عَمْروٍ خِناقَهُوغُمَّتَهُ عَنْ وَجُهِهِ فَتَجَلَّتِ

وكان قتادة يقول في ذلك ما:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ أمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةٌ} قالا: لا يكبر عليكم أمركم.

وأما قوله:{ ثُمَّ اقْضُوا إليَّ } فإن معناه: ثم امضوا إليّ ما في أنفسكم وافرغوا منه. كما:

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ ثُمَّ اقْضُوا إليَّ وَلا تُنْظِرُونَ } قال: اقضوا إليّ ما كنتم قاضين.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ ثُم اقْضُوا إليَّ وَلا تُنْظِرُونِ} قال: اقضوا إليّ ما في أنفسكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

واختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى قوله:{ ثُمَّ اقْضُوا إليَّ } فقال بعضهم: معناه: امضوا إليّ، كما يقال: قد قضى فلان، يراد: قد مات ومضى.

وقال آخرون منهم: بل معناه: ثم افرغوا إليّ، وقالوا: القضاء: الفراغ، والقضاء من ذلك. قالوا: وكأن قضى دينه من ذلك إنما هو فرغ منه. وقد حُكي عن بعض القرّاء أنه قرأ ذلك: «ثُمَّ أفْضُوا إليّ» بمعنى: توجهوا إليّ حتى تصلوا إليّ، من قولهم: قد أفضى إليّ الوجع وشبهه. وقوله: {ولا تُنْظِرُونِ} يقول: ولا تؤخرون، من قول القائل: أنظرت فلانا بما لي عليه من الدين. وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول نبيه نوح عليه السلام لقومه: إنه بنصرة الله له عليهم واثق ومن كيدهم وتواثقهم غير خائف، وإعلام منه لهم أن آلهتهم لا تضرّ ولا تنفع، يقول لهم: امضوا ما تحدّثون أنفسكم به فيّ على عزم منكم صحيح، واستعينوا من شايعكم علي بآلهتكم التي تدعون من دون الله، ولا تؤخروا ذلك فإني قد توكلت على الله وأنا به واثق أنكم لا تضرّوني إلا أن يشاء ربي. وهذا وإن كان خبراً من الله تعالى عن نوح، فإنه حثٌّ من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على التأسِّي به وتعريف منه سبيل الرشاد فيما قلده من الرسالة والبلاغ عنه.

فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝٧٢

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل نبيه نوح عليه السلام لقومه: فإن توليتم أيها القوم عني بعد دعائي إياكم وتبليغ رسالة ربي إليكم مدبرين، فأعرضتم عما دعوتكم إليه من الحقّ والإقرار بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وترك إشراك الآلهة في عبادته، فتضييع منكم وتفريط في واجب حقّ الله عليكم، لا بسبب من قِبَلي فإني لم أسألكم على ما دعوتكم إليه أجراً ولا عوضاً أعتاضه منكم بإجابتكم إياي إلى ما دعوتكم إليه من الحقّ والهُدى، ولا طلبت منكم عليه ثواباً ولا جزاء.{ إنْ أجْرِيَ إلاَّ على اللَّهِ} يقول جلّ ثناؤه: إن جزائي وأجر عملي وثوابه إلا على ربي لا عليكم أيها القوم ولا على غيركم.{ وأُمِرْتُ أن أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ } وأمرني ربي أن أكون من المذعنين له بالطاعة المنقادين لأمره ونهيه المتذللين له، ومن أجل ذلك أدعوكم إليه وبأمره آمركم بترك عبادة الأوثان.

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝٧٣

يقول تعالى ذكره: فكذّب نوحاً قومه فيما أخبرهم به عن الله من الرسالة والوحي، فنجيناه ومن معه ممن حمل معه في الفلك، يعني في السفينة، {وجَعَلْنَاهُمْ خَلاِئفَ } يقول: وجعلنا الذين نجينا مع نوح في السفينة خلائف في الأرض من قومه الذين كذّبوه بعد أن أغرقنا الذين كذّبوا بآياتنا، يعني حججنا وأدلتنا على توحيدنا، ورسالة رسولنا نوح. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المنذرين، وهم الذين أنذرهم نوح عقاب الله على تكذيبهم إياه وعبادتهم الأصنام، يقول له جلّ ثناؤه: انظر ماذا أعقبهم تكذيبهم رسولهم، فإن عاقبة من كذّبك من قومك أن تمادوا في كفرهم وطغيانهم على ربهم نحو الذي كان من عاقبة قوم نوح حين كذّبوه، يقول جلّ ثناؤه:{ فليحذروا أن يحلّ بهم مثل الذي حلّ بهم إن لم يتوبوا}.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ۝٧٤

يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً إلى قومهم، فأتوهم ببينات من الحجج والأدلة على صدقهم، وأنهم لله رسل، وأن ما يدعونهم إليه حقّ. {فما كَانُوا ليُؤْمِنُوا بما كَذَّبُوا به مِنْ قَبْلُ } يقول: فما كانوا ليصدّقوا بما جاءتهم به رسلهم بما كذّب به قوم نوح ومن قبلهم من الأمم الخالية من قبلهم. {كذلكَ نَطْبَعُ على قُلُوبِ المُعْتَدِينَ } يقول تعالى ذكره: كما طبعنا على قلوب أولئك فختمنا عليها فلم يكونوا يقبلون من أنبياء الله نصيحتهم ولا يستجيبون لدعائهم إياهم إلى ربهم بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى على ربه، فتجاوز ما أمره به من توحيده، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته، عقوبة لهم على معصيتهم ربهم من هؤلاء الآخرين من بعدهم.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ۝٧٥

يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الذين أرسلناهم من بعد نوح إلى قومهم موسى وهارون ابني عمران إلى فرعون مصر {ومَلِئه}، يعني: وأشراف قومه وسادتهم، {بآيِاتنَا} يقول: بأدلتنا على حقيقة ما دعوهم إليه من الإذعان لله بالعبودية، والإقرار لهما بالرسالة.{ فْاسَتكُبروا}، يقول: فاستكبروا عن الإقرار بما دعاهم إليه موسى وهارون. {وكَانوا قَوْماً مُجْرمينَ}، يعني: آثمين بربهم بكفرهم بالله تعالى

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٧٦ قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ ۝٧٧

يقول تعالى ذكره:{ فَلَمَّا جاءَهُم الحَقُّ مِنْ عِنْدِنا } يعني: فلما جاءهم بيان ما دعاهم إليه موسى وهارون، وذلك الحجج التي جاءهم بها، وهي الحقّ الذي جاءهم من عند الله{ قالُوا إنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} يعنون: أنه يبين لمن رآه وعاينه أنه سحر لا حقيقة له. {قالَ مُوسَى} لهم: {أتَقُولُونَ للْحَقِّ لَمَا جَاءكُمْ } من عند الله:{ أسحْرُ هَذَا}؟.

واختلف أهل العربية في سبب دخول ألف الاستفهام في قوله: {أسِحْرٌ هَذَا}، فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت فيه على الحكاية لقولهم لأنهم قالوا: أسحر هذا؟ فقال: أتقولون: أسحر هذا؟ وقال بعض نحويي الكوفة: إنهم قالوا هذا سحر، ولم يقولوه بالألف، لأن أكثر ما جاء بغير ألف. قال: فيقال: فلم أدخلت الألف؟ فيقال: قد يجوز أن تكون من قيلهم وهم يعلمون أنه سحر، كما يقول الرجل للجائزة إذا أتته: أحقّ هذا؟ وقد علم أنه حقّ. قال: قد يجوز أن تكون على التعجب منهم: أسحر هذا، ما أعظمه

وأولى ذلك في هذا بالصواب عندي أن يكون المقول محذوفاً، ويكون قوله: {أسِحْرٌ هَذَا } من قيل موسى منكراً على فرعون وملئه قولهم للحقّ لما جاءهم سحر، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قال موسى لهم:{ أتَقُولُونَ للحَقّ لما جاءَكُمْ } وهي الآيات التي أتاهم بها من عند الله حجة له على صدقه، سحر، أسحر هذا الحقّ الذي ترونه؟ فيكون السحر الأوّل محذوفاً اكتفاء بدلالة قول موسى {أسِحْرٌ هَذَا } على أنه مراد في الكلام، كما قال ذو الرمَّة

: فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ أوْ حِينَ نَصَّبَتْلهُ من خَذَا آذَانها وَهْوَ جانِحُ

يريد: «أو حين أقبل»، ثم حذف اكتفاء بدلالة الكلام عليه، وكما قال جلّ ثناؤه: { { فإذَا جاءَ وَعْد الآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ } } والمعنى: بعثناهم ليسوؤا وجوهكم، فترك ذلك اكتفاء بدلالة الكلام عليه، في أشباه لما ذكرنا كثيرة يُتعب إحصاؤها. وقوله: {ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ } يقول: ولا ينجح الساحرون ولا يبقون.

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ۝٧٨

يقول تعالى ذكره: قال فرعون وملؤه لموسى:{ أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا } يقول: لتصرفنا وتلوينا، {عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا} من قبل مجيئك من الدين يقال منه: لفت فلان عنق فلان إذا لواها، كما قال ذو الرمَّة:

لَفْتا وتَهْزِيعاً سَوَاءَ اللَّفْتِ

التَّهْزِيع: الدّقّ، واللَّفْتُ: اللَّيّ. كما:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ لِتَلْفِتَنا} قال: لتلوينا {عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا}.

وقوله: {وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ } فِي الأرْضِ يعني العظمة، وهي الفعلياء من الكبر. ومنه قول ابن الرقاع:

سُؤْدُداً غيرَ فاحِشٍ لا يُدَانِيهِ تَجْبَارُهُ وَلا كِبْرِياءُ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ فِي الأرْضِ } قال: الملك.

قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد:{ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ فِي الأرْضِ } قال: السلطان في الأرض.

قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني، عن مجاهد، قال: الملك في الأرض.

قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك:{ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ فِي الأرْضِ} قال: الطاعة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ فِي الأرْضِ } قال: الملك.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: السلطان في الأرض.

وهذه الأقوال كلها متقاربات المعاني، وذلك أن الملك سلطان، والطاعة ملك غير أن معنى الكبرياء هو ما ثبت في كلام العرب، ثم يكون ذلك عظمة بملك وسلطان وغير ذلك. وقوله:{ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ } يقول: وما نحن لكما يا موسى وهارون بمؤمنين، يعني بمقرّين بأنكما رسولان أرسلتما إلينا.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍ ۝٧٩ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ۝٨٠

يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لقومه: ائتوني بكلّ من يسحر من السحرة، عليم بالسحر. فلما جاء السحرة فرعون، قال موسى: ألقوا ما أنتم ملقون من حبالكم وعصيكم وفي الكلام محذوف قد ترك، وهو: فأتوه بالسحرة فلما جاء السحرة ولكن اكتفى بدلالة قوله:{ فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ } على ذلك، فترك ذكره. وكذلك بعد قوله:{ ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ } محذوف أيضا قد ترك ذكره، وهو:

« { فألقوا حبالهم وعصيهم، فلما ألقوا قال موسى } » ولكن اكتفى بدلالة ما ظهر من الكلام عليه، فترك ذكره.

فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٨١

يقول تعالى ذكره:{ فَلَمَّا ألْقَوْا } ما هم ملقوه {قالَ} لهم {مُوسَى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ}.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق{ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ } على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون أنه سحر كأن معنى الكلام على تأويلهم، قال موسى: الذي جئتم به أيها السحرة هو السحر. وقرأ ذلك مجاهد وبعض المدنيين البصريين: «ما جئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ» على وجه الاستفهام من موسى إلى السحرة عما جاءوا به، أسحر هو أم غيره؟

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على الاستفهام، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه لم يكن شاكًّا فيما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه أيّ شيءٍ هو، وأخرى أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحقّ الذي كان الله آتاه، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدّقونه في الخبر عما جاءوا به من الباطل، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم ببطول ما جاءوا به من ذلك بالحقّ الذي أتاه ومبطل كيدهم بجدّه، وهذه أولى بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآخرى.

فإن قال قائل: فما وجه دخول الألف واللام في السحر إن كان الأمر على ما وصفت وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا: ما جاءني به عمرو درهم، والذي أعطاني أخوك دينار، ولا يكادون أن يقولوا الذي أعطاني أخوك الدرهم، وما جاءني به عمرو الدينار؟ قيل له: بلى كلام العرب إدخال الألف واللام في خبر ما والذي إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطب والمخاطب، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا بالألف واللام، لأن الخبر حينئذ خبر عن شيء بعينه معروف عند الفريقين وإنما يأتي ذلك بغير الألف إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصد شيء بعينه، فحينئذ لا تدخل الألف واللام في الخبر، وخبر موسى كان خبراً عن معروف عنده وعند السحرة، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله علما له على صدقه ونبوته إلى أنه سحر، فقال لهم موسى: السحر الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم لا ما جئتكم به أنا. ثم أخبرهم أن الله سيبطله. فقال:{ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } يقول: سيذهب به، فذهب به تعالى ذكره بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعباناً يتلقفه حتى لم يبق منه شيء.{ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ } يعني: أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه وعمل فيها بمعاصيه. وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب: «ما أتيتم به سحر»، وفي قراءة ابن مسعود: «ما جئتم به سحر»، وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ بنحو الذي اخترنا من القراءة فيه.

وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٨٢

يقول تعالى ذكره مخبراً عن موسى أنه قال للسحرة:{ ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ } يقول: ويثبت الله الحق الذي جئتكم به من عنده، فيعليه على باطلكم، ويصححه بكلماته، يعني بأمره {وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ} يعني الذين اكتسبوا الإثم بربهم بمعصيتهم إياه.

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ۝٨٣

يقول تعالى ذكره: فلم يؤمن لموسى مع ما أتاهم به من الحجج والأدلة إلا ذرية من قومه خائفين من فرعون وملئهم.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى الذرّية في هذا الموضع، فقال بعضهم: الذرية في هذا الموضع: القليل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:ً فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ } قال: كان ابن عباس يقول: الذرية: القليل.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى:{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ} الذرّيَّة: القليل، كما قال الله تعالى:

{ كمَا أنْشأَكُمْ مِنْ ذُرّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }

وقال آخرون: معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل لطول الزمان لأن الآباء ماتوا وبقي الأبناء، فقيل لهم ذرّية، لأنهم كانوا ذرية من هلك ممن أرسل إليهم موسى عليه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله تعالى:{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ } قال: أولاد الذين أرسل إليهم من طول الزمان ومات آباؤهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وحدثني المثنى قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ } قال: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش:{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ } قال: أبناء أولئك الذين أرسل إليهم فطال عليهم الزمان وماتت آباؤهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرّية من قوم فرعون. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ } قال: كانت الذرّية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون يسير، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه.

وقد رُوي عن ابن عباس خبر يدلّ على خلاف هذا القول، وذلك ما:

حدثني به المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ ذُرّيَّةٌ مِنْ قَوْمهِ } يقول: بني إسرائيل.

فهذا الخبر ينبىء عنه أنه كان يرى أن الذرّية في هذا الموضع هم بنو إسرائيل دون غيرهم من قوم فرعون.

وأولى هذه الأقوال عندي بتأويل الآية القول الذي ذكرته عن مجاهد، وهو أن الذرية في هذا الموضع أريد بها ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل، فهلكوا قبل أن يقرّوا بنبوّته لطول الزمان، فأدركت ذرّيتهم فآمن منهم من ذكر الله بموسى.

وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب في ذلك لأنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى، فلأن تكون الهاء في قوله «من قومه» من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون لبُعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليل من خبر ولا نظر.

وبعد، فإن في قوله: {عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} الدليل الواضح على أن الهاء في قوله:{ إلاَّ ذُرّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ } من ذكر موسى لا من ذكر فرعون لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام: «على خوف منه»، ولم يكن {على خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ}.

وأما قوله:{ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ} فإنه يعني على حال خوف ممن آمن من ذرّية قوم موسى بموسى.

فتأويل الكلام: فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه من بني إسرائيل وهم خائفون من فرعون وملئهم أن يفتنوهم. وقد زعم بعض أهل العربية أنه إنما قيل: فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه، لأن الذين آمنوا به إنما كانت أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط، فقيل لهم الذرّية من أجل ذلك، كما قيل لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب وآباؤهم من العجم: أبناء. والمعروف من معنى الذرّية في كلام العرب: أنها أعقاب من نسبت إليه من قِبَل الرجال والنساء، كما قال جلّ ثناؤه:

{ { ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوح } } وكما قال: { { وَمنْ ذُرّيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيمانَ وأيُّوبَ وَيُوسُفَ } } ثم قال بعد: { { وَزَكَرِيَّا وَيْحَيى وَعِيسَى وَإلَيْاسَ } } فجعل من كان من قِبَل الرجال والنساء من ذرّية إبراهيم.

وأما قوله:{ وَمَلَئِهِمْ } فإن الملأ: الأشراف. وتأويل الكلام: على خوف من فرعون ومن أشرافهم.

واختلف أهل العربية فيمن عني بالهاء والميم اللتين في قوله: {وَمَلَئِهِمْ } فقال بعض نحويي البصرة: عني بها الذرّية. وكأنه وجه الكلام إلى: فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، على خوف من فرعون، وملأ الذرية من بني إسرائيل. وقال بعض نحويي الكوفة: عني بهما فرعون، قال: وإنما جاز ذلك وفرعون واحد لأن الملك إذا ذكر لخوف أو سفر أو قدوم من سفر ذهب الوهم إليه وإلى من معه. وقال: ألا ترى أنك تقول: قدم الخليفة فكثر الناس، تريد بمن معه، وقدم فغلت الأسعار؟ لأنا ننوي بقدومه قدوم من معه. قال: وقد يكون يريد أن بفرعون آل فرعون، ويحذف آل فرعون فيجوز، كما قال:

{ { وَاسْئَل القَرْيَةَ } } يريد أهل القرية، والله أعلم. قال: ومثله قوله: { { يا أيُّها النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } }

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: الهاء والميم عائدتان على الذرية. ووجه معنى الكلام إلى أنه على خوف من فرعون، وملأ الذرّية لأنه كان في ذرّية القرن الذين أرسل إليهم موسى من كان أبوه قبطيًّا وأمه إسرائيلية، فمن كان كذلك منهم كان مع فرعون على موسى. وقوله:{ أنْ يَفْتِنَهُمْ} يقول: كان إيمان من آمن من ذرّية قوم موسى على خوف من فرعون أن يفتنهم بالعذاب، فيصدّهم عن دينهم، ويحملهم على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله. وقال:{ أنْ يَفْتِنَهُمْ } فوحد ولم يقل: «أن يفتنوهم»، لدليل الخبر عن فرعون بذلك أن قومه كانوا على مثل ما كان عليه لما قد تقدّم من قوله:{ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ}. وقوله: {وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الأرْضِ } يقول تعالى ذكره: وإن فرعون لجبار مستكبر على الله في أرضه.{ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ } وإنه لمن المتجاوزين الحقّ إلى الباطل، وذلك كفره بالله وتركه الإيمان به وجحوده وحدانية الله وادّعاؤه لنفسه الألوهة وسفكه الدماء بغير حلها.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ