انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير الطبريالآيات 25–31

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يوسف

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:24:35

  1. 1 الآيات 7–29في هذه الصفحة 16:44
  2. 2 الآيات 30–52في هذه الصفحة 20:01

التفسير الصوتي لسورة يوسف كاملًا (6 مقاطع)

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٥

يقول جلّ ثناؤه: واستبق يوسف وامرأة العزيز بـاب البـيت. أما يوسف ففراراً من ركوب الفـاحشة لـما رأى برهان ربه فزجره عنها. وأما الـمرأة فطلبها يوسف لتقضي حاجتها منه التـي راودته علـيها، فأدركته فتعلقت بقميصه، فجذبته إلـيها مانعة له من الـخروج من البـاب، فقدّته من دبر، يعنـي: شقته من خـلف لا من قدّام، لأن يوسف كان هو الهارب وكانت هي الطالبة. كما:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَاسْتَبَقَا البـابَ} قال: استبق هو والـمرأة البـاب، {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرِ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما رأى برهان ربه، انكشف عنها هاربـاً، واتبعته، فأخذت قميصه من دبر فشقَّته علـيه.

وقوله: {وألْفَـيا سَيِّدَها لَدَى البـابِ} يقول جلّ ثناؤه: وصادفـا سيدها وهو زوج الـمرأة لدى البـاب، يعنـي: عند البـاب. كالذي:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا الثوري، عن رجل، عن مـجاهد: {وألْفَـيا سَيِّدَها} قال: سيدها: زوجها، لَدَى البـابِ قال: عند البـاب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن الـحسن، عن زيد بن ثابت، قال: السيد: الزوج.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وألْفَـيا سَيِّدَها لَدَى البـابِ} أي عند البـاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ: {وألْفَـيا سَيِّدَها لَدَى البـابِ} قال: جالساً عند البـاب وابن عمها معه. فلـما رأته {قالَتْ ما جَزَاءُ مَنْ أرَادَ بأهْلكَ سُوءاً} إنه راودنـي عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه قال يوسف: بل هي راودتنـي عن نفسي، وفررت منها فأدركتنـي، فشقَّ قميصي فقال ابن عمها: تبـيان هذا فـي القميص، فإن كان القميص قُدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبـين، وإن كان قميصه قُدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقـين. فأتـي بـالقميص، فوجده قدّ من دبر

{ { قالَ إنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيـمٌ يِوسِفُ أعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لذَنْبِك إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الـخاطِئِينَ } }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وألْفَـيا سَيِّدَها لَدَى البـابِ} إطفـير قائماً علـى بـاب البـيت. {فقالَتْ} وهابته: {ما جَزَاءُ مَنْ أرَادَ بأهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ} ولطخته مكانها بـالسيئة فرقا ن أن يتهمها صاحبها علـى القبـيح. فقال هو، وصدقة الـحديث:

{ { هِيَ رَاودَتْنـي عَنْ نَفْسِي } }.

وقوله: {قالَتْ ما جَزَاءُ مَنْ أرَادَ بأهْلِكَ سُوءاً} يقول تعالـى ذكره: قالت امرأة العزيز لزوجها لـما ألفـياه عند البـاب، فخافت أن يتهمها بـالفجور: ما ثواب رجل أراد بـامرأتك الزنا إلا أن يسجن فـي السجن أو إلا عذاب ألـيـم؟ يقول: موجع وإنـما قال: {إلاَّ أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذَابٌ ألـيـمٌ} لأن قوله: إلاَّ أنْ يُسْجَنَ بـمعنى إلا السجن، فعطف العذاب علـيه وذلك أنّ «أن» وما عملت فـيه بـمنزلة الاسم.

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٢٦ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٢٧ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره: قال يوسف لما قذفته امرأة العزيز بـما قذفته من إرداته الفـاحشة منها مكذّبـاً لها فـيـما قذفته به ودفعاً لـما نُسِب إلـيه: ما أنا راودتها عن نفسها، بل هي راودتنـي عن نفسي. وقد قـيـل: إن يوسف لـم يرد ذكر ذلك لو لـم تقذفه عند سيدها بـما قذفته به. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبـان، عن أبـي إسحاق، عن نوف الشامي، قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره حتـى

{ { قالَتْ ما جَزَاءُ مَنْ أرَادَ بأهْلِكَ سُوءاً } }... الآية، قال: فغضب فقال: هي راودتنـي عن نفسي.

وأما قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} فإن أهل العلـم اختلفوا فـي صفة الشاهد، فقال بعضهم: كان صبـيًّا فـي الـمهد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو العلاء بن عبد الـجبـار، عن حماد بن سلـمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: تكلـم أربعة فـي الـمهد وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جُريج، وعيسى ابن مريـم علـيه السلام.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن أبـي بكر الهُذَلـيّ، عن شَهرْ بن حَوْشب، عن أبـي هريرة، قال: عيسى، وصاحب يوسف، وصاحب جُريج. يعنـي تكلـموا فـي الـمهد.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا زائدة، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: صبـيّ.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: كان فـي الـمهد صبـيًّا.

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـيّ، قال: ثنا أيوب بن جابر، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: صبـيّ.

حدثنـي يحيى بن طلـحة البربوعي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير، بـمثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شريك، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير، قال: كان صبـيًّا فـي مهده.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إدريس، عن حصين، عن هلال بن يساف: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: صبـيّ فـي الـمهد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أبـي مزوق، عن جويبر، عن الضحاك: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: صبـيّ أنطقه الله. ويقال: ذو رأي برأيه.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: أخبرنا عفـان، قال: ثنا حماد، قال: أخبرنـي عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

تَكَلَّـمَ أرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌفذكر فِـيهمْ شاهِدَ يُوسُفَ.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج. قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} يزعمون أنه كان صبـيًّا فـي الدار.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا عمي. قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: كان صبـياًّ فـي الـمهد.

وقال آخرون: كان رجلاً ذا لـحية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كان ذا لـحية.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن جابر، عن ابن أبـي ملـيكة، عن ابن عبـاس: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: كان من خاصة الـملك.

وبه قال: حدثنا أبـي، عن عمران بن حدير، سمع عكرمة يقول: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: ما كان يصبـيّ، ولكن رجلاً حكيـماً.

حدثنا سَوَّار بن عبد الله، قال: ثنا عبد الـملك بن الصبـاح، قال: ثنا عمران بن حدير، عن عكرمة، وذكره عنده: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} فقالوا: كان صبـيًّا، فقال: إنه لـيس بصبـيّ ولكنه رجل حكيـم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: كان رجلاً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: رجل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: رجل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: رجل.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عبـاس: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: ذو لـحية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: ابن عمها كان الشاهد من أهلها.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عبـاس: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: ذو لـحية.

حدثني الـمثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كان ذا لـحية.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قـيس، عن جابر، عن ابن أبـي ملـيكة: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: كان من خاصة الـملك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: رجل حكيـم كان من أهلها.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: رجل حكيـم من أهلها.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد:{ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها } قال: كان رجلاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن بعض أصحابه، عن الـحسن، فـي قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال رجل له رأي أشار برأيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: يقال: إنـما كان الشاهد مشيراً رجلاً من أهل إطفـير، وكان يستعين برأيه. إلا أنه قال: أشهد إن كان قميصه قدّ من قبل لقد صدقت وهو من الكاذبـين.

وقـيـل: معنى قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ}: حكم حاكم.

حدثت بذلك عن الفراء، عن معلـي بن هلال، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد.

وقال آخرون: إنـما عنـي بـالشاهد القميص الـمقدود. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: قميصه مشقوق من دبر، فتلك الشهادة.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قميصه مشقوق من دُبُر، فتلك الشهادة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن لـيث، عن مـجاهد: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} لـم يكن من الإنس.

قال: ثنا حفص، عن لـيث، عن مـجاهد: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} قال: كان من أمر الله، ولـم يكن إنسياً.

والصواب من القول فـي ذلك، قول من قال: كان صبـيًّا فـي الـمهد للـخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر من تكلـم فـي الـمهد، فذكر أن أحدهم صاحب يوسف. فأما ما قاله مـجاهد من أنه القميص الـمقدود فما لا معنى له لأن الله تعالـى ذكره أخبر عن الشاهد الذي شهد بذلك أنه من أهل الـمرأة فقال: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها} ولا يقال للقميص هو من أهل الرجل ولا الـمرأة.

وقوله: {إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلً فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذِبِـينَ} لأن الـمطلوب إذا كان هاربـاً فإنـما يؤتـى من قبل دبره، فكان معلوما أن الشقّ لو كان من قُبُل لـم يكن هاربـاً مطلوبـاً، ولكن كان يكون طالبـاً مدفوعاً، وكان ذلك شهادة علـى كذبه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قال: أشهد إن كان قميصه قُدّ من قُبل لقد صدقت وهو من الكاذبـين، وذلك أن الرجل إنـما يريد الـمرأة مقبلاً. {إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِـينَ } وذلك أن الرجل لا يأتـي الـمرأة من دبر. وقال: إنه لا ينبغي أن يكون فـي الـحقّ إلا ذاك. فلـما رأى إطفـير قميصه قُدّ من دبر عرف أنه من كيدها، فقال: {إنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيـمٌ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال: يعنـي الشاهد من أهلها: القميص يقضي بـينهما {إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلً فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذِبِـينَ وإنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِـينَ فَلَـمَّا رأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إنَّهُ مِنْ كَيْدَكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيـمٌ}.

وإنـما حذفت «أن» التـي تتلقـى بها الشهادة، لأنه ذهب بـالشهادة إلـى معنى القول، كأنه قال: وقال قائل من أهلها: إن كان قميصه، كما قـيـل:

{ { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِـي أوْلادِكُمْ للذَّكَرِ مِثلُ حَظّ الأُنْثَـيَـيْنِ } } لأنه ذهب بـالوصية إلـى القول.

وقوله: {فَلَـمَّا رأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} خبر عن زوج الـمرأة، وهو القائل لها: إن هذا الفعل من كيدكنّ: أي صنـيعكنّ، يعنـي من صنـيع النساء، إن كيدكنّ عظيـم. وقـيـل: إنه خبر عن الشاهد أنه القائل ذلك.

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ ۝٢٩

وهذا فـيـما ذكر ابن عبـاس، خبر من الله تعالـى ذكره عن قـيـل الشاهد أنه قال للـمرأة ولـيوسف، يعنـي بقوله: {يُوسُفُ} يا يوسف {أعْرِضْ عَنْ هَذَا} يقول: أعرض عن ذكر ما كان منها إلـيك فـيـما راودتك علـيه فلا تذكره لأحد. كما:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذَا} قال: لا تذكره، {واسْتَغْفِري} أنت زوجك، يقول: سلـيه أن لا يعاقبك علـى ذنبك الذي أذنبت، وأن يصفح عنه فـيستره علـيك.

{إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الـخَاطِئينَ}، يقول: إنك كنت من الـمذنبـين فـي مراودة يوسف عن نفسه، يقال منه: خطىء فـي الـخطيئة يخْطَأُ خَطَأً وَخِطْأً، كما قال جلّ ثناؤه: «إنَّهُ كانَ خِطْأً كَبـيراً» والـخطأ فـي الأمر، وحكى فـي الصواب أيضاً الصَّوْب، والصوب كما قال: الشاعر

: لَعَمْرُكِ إنَّـمَا خَطَئِي وَصَوْبِـيعلـيَّ وإِنَّ ما أهْلَكْتُ مالُ

وينشد بـيت أمية

: عبـادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌبكَفَّـيْكَ الـمَنايا والـحُتُومُ

من خَطِىء الرجل. وقـيـل: {إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الـخَاطِئينَ} لـم يقل: من الـخاطئات، لأنه لـم يقصد بذلك قصد الـخبر عن النساء، وإنـما قصد به الـخبر عمن يفعل ذلك فـيخطىء.

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره: وتـحدّث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز فـي مدينة مصر، وشاع من أمرهما فـيها ما كان، فلـم ينكتـم، وقلن: امرأة العزيز تراود فتاها، عبدها، عن نفسه: كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: وشاع الـحديث فـي القرية،. وتـحدّث النساء بأمره وأمرها، وقلن: {امْرأةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ} أي عبدها.

وأما العزيز فإنه الـملك فـي كلام العرب ومنه قول أبـي دؤاد:

دُرَّةٌ غاصَ عَلَـيْها تاجِرٌجُلِـيَتْ عنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَلّ

يعنـي بـالعزيز: الـملك، وهو من العزّة.

وقوله: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} يقول قد وصل حثّ يوسف إلـى شغاف قلبها، فدخـل تـحته حتـى غلب علـى قلبها. وشغاف القلب: حجابه وغلافه الذي هو فـيه، وإياه عَنى النابغة الذبـيانـي بقوله:

وَقَدْ حالَ هَمٌّ دُونَ ذلكَ داخِـلٌدُخُولَ شُغافٍ تَبْتَغِيهِ الأصَابِعُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا حجاج بن مـحمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة يقول فـي قوله: {شَغَفَها حُبًّـا} قال: دخـل حبه تـحت الشغاف.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: دخـل حبه فـي شغافها/

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: قَدْ شَغَفَها حُبًّـا قال: دخـل حبه فـي شغافها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: كان حبه فـي شغافها.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثل حديث الـحسن بن مـحمد، عن شبـابة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} يقول: علقها حبًّـا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: غلبها.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه عن أيوب بن عائذ الطائي عن الشعبـي: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: الـمشغوف: الـمـحبّ، والـمشعوف: الـمـجنون.

وبه قال: حدثنا أبـي، عن أبـي الأشهب، عن أبـي رجاء والـحسن:{ قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: أحدهما: قد بطنها حبـاً، وقال الآخر: قد صدقها حبـاً.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: قد بطنها حبًّـا. قال يعقوب: قال أبو بشر: أهل الـمدينة يقولون: قد بطنها حبًّـا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، قال: سمعته يقول فـي قوله: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: بطنها حبًّـا. وأهل الـمدينة يقولون ذلك.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن قرة، عن الـحسن: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: قد بطن بها حبًّـا.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا أبو قطن، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الـحسن: قَدْ شَغَفَها حُبًّـا قال: بطنها حبه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة. عن الـحسن: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: بطن بها.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: استبطنا حبها إياه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} أي قد علقها.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: قد علقها حبًّـا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـيُّ، عن جويبر، عن الضحاك، قال: هو الـحبّ اللازق بـالقلب.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك، فـي قوله: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} يقول: هلكت علـيه حبًّـا، والشَّغَاف: شَغاف القلب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: والشغاف: جلدة من علـى القلب يقال لها: لسان القلب، يقول: دخـل الـحبّ الـجلد حتـى أصاب القلب.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار بـالغين: {قَدْ شَغَفَها} علـى معنى ما وصفت من التأويـل. وقرأ ذلك أبو رجاء: «قَدْ شَعَفَها» بـالعين.

حدثنا الـحسين بن مـحمد، قال: ثنا أبو قطن، قال: ثنا أبو الأشهب، عن أبـي رجاء: «قَدْ شَعَفَها».

قال: ثنا خـلف، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي الأشهب، أو عوف عن أبـي رجاء: «قَدْ شَعَفَها حُبًّـا» بـالعين.

قال: ثنا خـلف، قال: ثنا مـحبوب، قال: قرأه عوف: «قَدْ شَعَفَها».

قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن أسيد، عن الأعرج: «قَدْ شَعَفَها حُبًّـا» وقال: شعفها إذا كان هو يحبها.

ووجَّه هؤلاء معنى الكلام إلـى أن الـحبّ قد عمها.

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من الكوفـيـين يقول: هو من قول القائل: قد شُعِفَ بها، كأنه ذهب بها كلّ مذهب من شغف الـجبـال، وهي رؤوسها.

ورُوي عن إبراهيـم النـخعي أنه قال: الشغف: شغف الـحبّ. {والشَّعفَ}: شَعَف الدابة حين تذعر.

حدثنـي بذلك الـحارث، عن القاسم، أنه قال: يُروى ذلك عن أبـي عوانة، عن مغيرة عنه.

قال الـحارث: قال القاسم، يذهب إبراهيـم إلـى أنّ أصل الشغف: هو الذعر. قال: وكذلك هو كما قال إبراهيـم فـي الأصل، إلا أن العرب ربـما استعارت الكلـمة فوضعتها فـي غير موضعها قال امرؤ القـيس:

أتَقْتُلِنـي وَقَدْ شَعَفْتُ فُؤَادَهاكمَا شَعَفَ الـمَهْنُوءَةَ الرَّجلُ الطَّالـي

قال: وشعف الـمرأة. من الـحبّ، وشعف الـمهنوءة من الذُّعر، فشبه لوعة الـحبّ وجواه بذلك.

وقال ابن زيد فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: ابن زيد، فـي قوله: {قَدْ شَغَفَها حُبًّـا} قال: أن الشَّغْف والشَّعَف مختلفـان، والشعْف فـي البغض، والشغْف فـي الـحبّ. وهذا الذي قاله ابن زيد لا معنى له، لأن الشعْف فـي كلام العرب بـمعنى عموم الـحبّ أشهر من أن يجهله ذو علـم بكلامهم.

والصواب فـي ذلك عندنا من القراءة: {قَدْ شَغَفَها} بـالغين لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

وقوله: {إنَّا لَنَراها فِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ} قلن: إنا لنرى امرأة العزيز فـي مراودتها فتاها عن نفسه وغلبة حبه علـيها لفـي خطأ من الفعل وجور عن قصد السبـيـل مبـين لـمن تأمله وعلـمه أنه ضلال وخطأ غير صواب ولا سداد. وإنـما كان قـيـلهنّ ما قلن من ذلك وتـحدّثهنّ بـما تـحدّثن به من شأنها وشأن يوسف مكراً منهنّ فـيـما ذكر لتريهنّ يوسف.

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ۝٣١

يقول تعالى ذكره: فلـما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتـي قلن فـي الـمدينة ما ذكره الله عزّ وجلّ عنهنّ. وكان مكرهنّ ما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَلَـمَّا سَمِعَتْ بِـمَكْرِهِنَّ} يقول: بقولهنّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما أظهر النساء ذلك من قولهنّ: تراود عبدها مكراً بها لتريهنّ يوسف، وكان يوصف لهنّ بحسنه وجماله {فَلَـمَّا سَمِعَتْ بِـمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَـيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَلَـمَّا سَمِعَتْ بِـمَكْرِهِنَّ}: أي بحديثهنّ، {أرْسَلَتْ إلَـيْهِنَّ} يقول: أرسلت إلـى النسوة اللاتـي تـحدّثن بشأنها وشأن يوسف.

{وأعْتَدَتْ} أفعلت من العتاد، وهو العدّة، ومعناه: أعدّت لهنّ متكئا يعنـي مـجلساً للطعام، وما يتكئن علـيه من النـمارق والوسائد، وهو مفتعل من قول القائل: اتكأت، يقال: ألقِ له مُتَّكَئاً، يعنـي: ما يتكىء علـيه.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن الـيـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سيعد: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئا} قال: طعاماً وشرابـاً ومتكئاً.

قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} قال: يتكئن علـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية. عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكأً} قال: مـجلساً.

قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن أبـي الأشهب، عن الـحسن أنه كان يقرأ: {مُتَّكَأً} ويقول: هو الـمـجلس والطعام.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن يزيد: من قرأ: «مُتَّكَأً» خفـيفة، يعنـي طعاماً، ومن قرأ {مُتَّكَأً} يعنـي الـمتكأ.

فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه من تأويـل هذه الكلـمة، هو معنى الكلـمة وتأويـل الـمتكأ، وأنها أعدّت للنسوة مـجلساً فـيه متكأً وطعام وشراب وأترجّ. ثم فسَّر بعضهم الـمتكأ بأنه الطعام علـى وجه الـخبر عن الذين أعدّ من أجله الـمتكأ، وبعضهم عن الـخبر عن الأترجّ، إذ كان فـي الكلام: وآتت كلّ واحدة منهن سكينا، لأن السكين إنـما تعدّ للأترجّ وما أشبهه مـما يقطع به. وبعضهم علـى البزماورد:

حدثنـي هارون بن حاتـم الـمقرىء، قال: ثنا هشيـم بن الزبرقان، عن أبـي روق عن الضحاك، فـي قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} قال: البزماورد.

وقال أبو عبـيدة معمر بن الـمثنى: الـمتكأ: هو النُّـمرق يتكأ علـيه. وقال: زعم قوم أنه الأترجّ، قال: وهذا أبطل بـاطل فـي الأرض، لكن عسى أن يكون مع الـمتكإ أترجّ يأكلونه. وحكى أبو عبـيد القاسم بن سلام قول أبـي عبـيدة، ثم قال: والفقهاء أعلـم بـالتأويـل منه. ثم قال: ولعله بعض ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثـير انقرض أهله. والقول فـي أن الفقهاء أعلـم بـالتأويـل من أبـي عبـيدة كما قال أبو عبـيدة لا شكّ فـيه، غير أن أبـا عبـيدة لـم يبعد من الصواب فـي هذا القول، بل القول كما قال من أن من قال للـمتكإ هو الأترجّ إنـما بـين الـمعدّ فـي الـمـجلس الذي فـيه الـمتكأ والذي من أجله أعطين السكاكين، لأن السكاكين معلوم أنها لا تعدّ للـمتكإ إلا لتـخريقه، ولـم يُعْطَين السكاكين لذلك. ومـما يبـين صحة ذلك القول الذي ذكرناه عن ابن عبـاس، من أن الـمتكإ هو الـمـجلس.

ثم رُوى عن مـجاهد عنه، ما:

حدثنـي به سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن حصين، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئا وآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينا} قال: أعطتهنّ أترجًّا، وأعطت كل واحدة منهنّ سكيناً.

فبـين ابن عبـاس فـي رواية مـجاهد هذه ما أعطت النسوة، وأعرض عن ذكر بـيان معنى الـمتكإ، إذا كان معلوما معناه. ذكر من قال فـي تأويـل الـمتكإ ما ذكرنا:

حدثنـي يحيى بن طلـحة الـيربوعي، قال: ثنا فضيـل بن عياض، عن حصين، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} قال: الترنـج.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيـم، عن عوف، قال: حُدثت عن ابن عبـاس أنه كان يقرؤها: «مُتْكا» مخففة، ويقول: هو الأترجّ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية: «وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً» قال الطعام.

حدثنـي يعقوب والـحسن بن مـحمد، قالا: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} قال: طعاما.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، مثله.

حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا: ثنا غندر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} قال: طعاماً.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـيرة نـحوه.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: من قرأ {مُتَّكَأً} فهو الطعام، ومن قرأها «مُتَّكا» فخففها، فهو الأترجّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {مُتَّكَأً} قال: طعاماً.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد. وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا أبو خالد القرشي، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: من قرأ: «مُتْكأً» خفـيفة، فهو الأترجّ.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن لـيث، قال سمعت بعضهم يقول: الأترجّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً}: أي طعاماً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

قال: ثنا يزيد، عن أبـي رجاء، عن عكرمة، فـي قوله: {مُتَّكَأً} قال: طعاماً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} يعنـي الأترجّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} والـمتكأ: الطعام.

قال: ثنا جرير عن لـيث، عن مـجاهد: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} قال: الطعام.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} قال: طعاما.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مُتَّكَأً} فهو كلّ شيء يجزّ بـالسكين.

قال الله تعالـى ذكره مخبراً عن امرأة العزيز والنسوة اللاتـي تـحدّثن بشأنها فـي الـمدينة: {وآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً} يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وأعطت كل واحدة من النسوة اللاتـي حضرنها سكيناً لتقطع به من الطعام ما تقطع به، وذلك ما ذكرت أنها آتتهنّ إما من الأترجّ، وإما من البزماورد، أو غير ذلك مـما يقطع بـالسكين. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ: {وآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وأترجًّا يأكلنه}.

حدثنا سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن حصين، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {وآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكيناً} قال: أعطتهن أترجّاً، وأعطت كل واحدة منهنّ سكيناً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنُهْنَّ سِكِّيناً} لـيحتززن به من طعامهنّ.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً} وأعطتهنّ ترنـجاً وعسلاً، فكنَّ يحززن الترنـج بـالسكين، ويأكلن بـالعسل.

وفـي هذه الكلـمة بـيان صحة ما قلنا واخترنا فـي قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر عن إيتاء امرأة العزيز النسوة السكاكين، وترك ماله آتتهنّ السكاكين، إذا كان معلوماً أن السكاكين لاتدفع إلـى من دعى إلـى مـجلس إلا لقطع ما يؤكل إذا قطع بها، فـاستغنـي بفهم السامع بذكر إيتائها صواحبـاتها السكاكين عن ذكر ماله آتتهنّ ذلك، فكذلك استغنـي بذكر اعتدادها لهنّ الـمتكأ عن ذكر ما يعتدّ له الـمتكأ مـما يحضر الـمـجالس من الأطعمة والأشربة والفواكه وصنوف الالتهاء لفهم السامعين بـالـمراد من ذلك، ودلالة قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} علـيه. فأما نفس الـمتكأ فهو ما وصفنا خاصة دون غيره.

وقوله: {وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَـيْهِنَّ فَلَـمَّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ} يقول تعالـى ذكره: وقالت امرأة العزيز لـيوسف: {اخْرُجْ عَلَـيْهِنَّ} فخرج علـيهنَّ يوسف، {فَلَـمَّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ} يقول جلّ ثناؤه: فلـما رأين يوسف أعظمنه وأجللنه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: أكْبَرْنَهُ أعظمنه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح. قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَلَـمَّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ}: أي أعظمنه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ: {وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَـيْهِنَّ} لـيوسف، {فَلَـمَّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ}: عظمنه.

حدثنا إسماعيـل بن سيف العجلـي، قال: ثنا علـيّ بن عابس، قال: سمعت السديّ يقول فـي قوله: {فَلَـمَّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ} قال: أعظمنه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {اخْرُجْ عَلَـيْهِنَّ فخرج فَلَـمَّا رأيْنَهُ} أعظمنه وبهتن.

حدثنا إسماعيـل بن سيف، قال: ثنا عبد الصمد بن علـيّ الهاشميّ، عن أبـيه، عن جدّه، فـي قوله: {فَلَـمَّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ} قال: حضن.

حدثنا علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {فَلَـمَّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ} يقول: أعظمنه.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يحيى بن أبـي زائدة، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله.

وهذا القول، أعنـي القول الذي رُوي عن عبد الصمد، عن أبـيه، عن جده، فـي معنى {أكْبَرْنَهُ} أنه حِضْنَ، إن لـم يكن عنى به أنهنّ حضن من إجلالهنّ يوسف وإعظامهنّ لـما كان الله قسم له من البهاء والـجمال، ولـما يجد من مثل ذلك النساء عند معايَنتهنّ إياه، فقول لا معنى له لأن تأويـل ذلك: فلـما رأين يوسف أكبرنه، فـالهاء التـي فـي أكبرنه من ذكر يوسف، ولا شكّ أن من الـمـحال أن يَحِضْن يوسف، ولكن الـخبر إن كان صحيحاً عن ابن عبـاس علـى ما رُوي، فخـلـيق أن يكون كان معناه فـي ذلك أنهن حضن لـما أكبرن من حُسن يوسف وجماله فـي أنفسهن ووجدن ما يجدد النساء من مثل ذلك. وقد زعم بعض الرواة أن بعض الناس أنشده فـي أكبرن بـمعنى حضن، بـيتا لا أحسب أن له أصلاً، لأنه لـيس بـالـمعروف عند الرواة، وذلك:

نَأْتِـي النِّسَاءَ علـى أطْهارِهِنَّ وَلانَأْتِي النَّساءَ إذَا أكْبَرْنَ إكْبـاراً

وزعم أن معناه: إذا حضن.

وقوله: {وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ} اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: أنهن حززن بـالسكين فـي أيديهن وهن يحسبن أنهنّ يقطعن الأترجّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ} حزًّا حزًّا بالسكين.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ} قال: حزًّا حزًّا بـالسكاكين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قال: وثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ} قال: حزًّا حزًّا بـالسكين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ} قال: جعل النسوة يحززن أيديهنّ، يحسبن أنهن يقطعن الأترجّ.

حدثنا إسماعيـل بن سيف، قال: ثنا علـيّ بن عابس، قال: سمعت السديّ يقول: كانت فـي أيديهن سكاكين مع الأترجّ، فقطعن أيديهن، وسالت الدماء، فقلن: نـحن نلومك علـى حبّ هذا الرجل، ونـحن قد قطَّعنا أيدينا وسالت الدماء

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: جعلن يَحِززن أيديهن بـالسكين، ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنـج، قد ذهبت عقولهنّ مـما رأين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ} وحززن أيديهن.

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصلت، قال: ثنا ابن كدينة، عن حصين، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: جعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترجّ.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ} قال: جعلن يحززن أيديهن، ولا يشعرن بذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت لـيوسف: اخرج علـيهنّ فخرج علـيهن، فلـما رأينه أكبرنه، وغلبت عقولهن عجبـاً حين رأينه، فجعلن يقطعن أيديهن بـالسكاكين التـي معهن ما يعقلن شيئا مـما يصنعن، {وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذَا بَشَراً}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهن قطعن أيديهن حتـى أبنّها وهن لا يشعرن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: {قطَّعن أيديهن} حتـى ألقـينها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ قال: {قطعن أيديهن} حتـى ألقـينها.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطعن أيديهن وهن لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك كان قطعا بإبـانة، وجائز أن يكون كان قطع حزّ وخدش، ولا قول فـي ذلك أصوب من التسلـيـم لظاهر التنزيـل.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله، قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الـحسن.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص عن عبد الله، مثله.

وبه عن أبـي الأحوص، عن عبد الله، قال: قسم لـيوسف وأمه ثلثُ الـحسن.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله، قال: أعطي يوسف وأمه ثلثَ حسن الـخـلق.

حدثنـي أحمد بن ثابت، وعبد الله بن الرازيان، قالا: ثنا عفـان، قال: أخبرنا حماد بن سلـمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

أُعْطِيَ يُوسُفُ وأُمُّهُ شَطْرَ الـحُسْنِ ».

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبـي معاذ، عن يونس، عن الـحسن، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:أُعْطِيَ يُوسُفُ وأُمُّهُ ثُلُثَ حُسْنِ أهْلِ الدُّنْـيا، وأُعْطِيَ النَّاسُ الثُّلُثَـيْنِأو قال:أُعْطِيَ يُوسُفُ وأُمُّهُ الثُّلُثَـيْنِ، وأُعْطِيَ النَّاسُ الثُّلُثَ ».

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، عن ربـيعة الـجرشي، قال: قسم الـحسن نصفـين، فأعطي يوسف وأمه سارّة نصف الـحسن، والنصف الآخر بـين سائر الـخـلق.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، عن ربـيعة الـجرشي، قال: قسم الـحسن نصفـين: فقسم لـيوسف وأمه النصف، والنصف لسائر الناس.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، عن ربـيعة الـجرشي، قال: قسم الـحسن نصفـين، فجعل لـيوسف وسارّة النصف، وجعل لسائر الـخـلق نصف.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عيسى بن يزيد، عن الـحسن: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الدنـيا، وأعطي الناس الثلثـين.

وقوله: {وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ} اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفـيـين:{ حاشَ لِلَّهِ} بفتـح الشين وحذف الـياء. وقرأه بعض البصريـين بإثبـات الـياء «حاشى لله». وفـيه لغات لـم يقرأ بها: «حاشَى اللَّهِ» كما قال الشاعر:

حاشَى أبـي ثَوْبـانَ إنَّ بهِضَنًّا عَنِ الـمَلْـحاةِ والشَّتْـمِ

وذُكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بهذه اللغة: «حاشْ اللَّهَ» بتسكين السين والألف يجمع بـين الساكنـين. وأما القراءة فإنـما هي بإحدى اللغتـين الأولـيـين، فمن قرأ: {حاشَ لِلَّهِ} بفتـح الشين وإسقاط الـياء فإنه أراد لغة من قال: «حاشى لله»، بإثبـات الـياء، ولكنه حذف الـياء لكثرتها علـى ألسن العرب، كما حذفت العرب الألف من قولهم: لا أب لغيرك، ولا أب لشانـيك، وهم يعنون: لا أبـا لغيرك، ولا أبـا لشانـيك.

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يزعم أن لقولهم: «حاشى لله»، موضعين فـي الكلام: أحدهما: التنزيه، والآخر: الاستثناء، وهو فـي هذا الـموضع عندنا بـمعنى التنزيه لله، كأنه قـيـل: معاذ الله.

وأما القول فـي قراءة ذلك، فإنه يقال للقارىء، فـي قراءته بأيّ القراءتـين شاء، إن شاء بقراءة الكوفـيـين وإن شاء بقراءة البصريـين، وهو: {حاشَ لِلَّهِ} و«حاشَى لِلَّهِ» لأنهما قراءتان مشهورتان ولغتان معروفتان بـمعنى واحد، وما عدا ذلك فلغات لا تـجوز القراءة بها، لأنا لا نعلـم قارئا قرأ بها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ} قال: معاذ الله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {حاشَ لِلَّهِ}: معاذ الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ}: معاذ الله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {حاشَ لِلَّهِ}: معاذ الله.

قال: ثنا عبد الوهاب، عن عمرو، عن الـحسن:{ حَاشَ لِلَّهِ}: معاذ الله.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقوله: {ما هَذَا بَشَراً} يقول: قلن ما هذا بشرا، لأنهنّ لـم يرين فـي حسن صورته من البشر أحداً، فقلن: لو كان من البشر لكان كبعض ما رأينا من صورة البشر، ولكنه من الـملائكة لا من البشر. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذَا بَشَراً}: ما هكذا تكون البشر.

وبهذه القراءة قرأ عامة قرّاء الأمصار. وقد:

حُدثت عن يحيى بن زياد الفراء، قال: ثنـي دعامة بن رجاء التـيـمي، وكان غرّاً، عن أبـي الـحويرث الـحنفـي أنه قرأ: «ما هَذَا بِشِرًى»: أي ما هذا بـمشترًى، يريد بذلك أنهن أنكرن أن يكون مثله مستعبداً يشتري ويبـاع. وهذه القراءة لا أستـجيز القراءة بها لإجماع قرّاء الأمصار علـى خلافها. وقد بـيَّنا أن ما أجمعت علـيه فغير جائز خلافها فـيه. وأما نصب البشر، فمن لغة أهل الـحجاز إذا أسقطوا البـاء من الـخبر نصبوه، فقالوا: ما عمرو قائما. وأما أهل نـجد، فإن من لغتهم رفعه، يقولون: ما عمرو قائم ومنه قول بعضهم حيث يقول:

لَشَتَّانَ ما أنْوِي وَينْوِي بنُو أبـيجميعاً، فما هَذَانِ مُسْتَوِيانِ تَـمَّنْوا لِـيَ الـمْوتَ الذي يَشْعَبُ الفَتـىوكُلُّ فَتـى والـمَوْتُ يَـلْتَقِـيانِ

وأما القرآن، فجاء بـالنصب فـي كل ذلك، لأنه نزل بلغة أهل الـحجاز.

وقوله: {إنْ هَذَا إلاَّ مَلَكٌ كَرِيـمٌ} يقول: قلن ما هذا إلا ملَك من الـملائكة. كما:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إنْ هَذَا إلاَّ مَلَكٌ كَرِيـمٌ} قال: قلن: ملَك من الـملائكة.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ