انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير الطبريالآيات 32–43

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يوسف

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:24:35

  1. 1 الآيات 30–52في هذه الصفحة 20:01

التفسير الصوتي لسورة يوسف كاملًا (6 مقاطع)

قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتـي قطعن أيديهن، فهذا الذي أصابكن فـي رؤيتكن إياه وفـي نظرة منكن نظرتن إلـيه ما أصابكن من ذهاب العقل وغروب الفهم ولها إلـيه حتـى قطعتنّ أيديكنّ، هو الذي لـمتننـي فـي حبـي إياه وشغف فؤادي به، فقلتنّ: قد شغف امرأة العزيز فتاها حبًّـا إنا لنراها فـي ضلال مبـين. ثم أقرّت لهنَّ بأنها قد راودته عن نفسه، وأن الذي تـحدثن به عنها فـي أمره حقّ، فقالت: {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فـاسْتَعْصَمَ} مـما راودته علـيه من ذلك. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ، قالت: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُـمْتُنَّنِـي فِـيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فـاسْتَعْصَمَ}: تقول: بعد ما حلّ السراويـل استعصى، لا أدري ما بدا له.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فـاسْتَعْصَمَ}: أي فـاستعصى.

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فـاسْتَعْصَمَ} يقول: فـامتنع.

وقوله: {لَئِنْ لَـمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَـيُسْجَننَّ وَلَـيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ} تقول: ولئن لـم يطاوعنـي علـى ما أدعوه إلـيه من حاجتـي إلـيه لـيسجننّ، تقول: لـيحبسنّ فـي السجن، ولـيكوناً من أهل الصغار والذلة بـالـحبس والسجن، ولأهيننه. والوقـف علـى قوله: «لـيسجننّ» بـالنون لأنها مشددة، كما قـيـل: لَـيُبَطِّئَنَّ.

وأما قوله: {وَلَـيَكُوناً} فإن الوقـف علـيه بـالألف لأنها النون الـخفـيفة، وهي شبـيهة نون الإعراب فـي الأسماء فـي قول القائل: رأيت رجلاً عندك، فإذا وقـف علـى الرجل قـيـل: رأيت رجلاً، فصارت النون ألفـا، فكذلك ذلك فـي: ولـيكونا، ومثله قوله:

{ { لَنَسْفَعاً بـالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ } } الوقـف علـيه بـالألف لـما ذكرت ومنه قول الأعشى:

وَصَلّ علـى حِينِ العَشِيَّاتِ وَالضُّحَىوَلا تعْبُدِ الشَّيْطانَ وَاللَّهَ فـاعْبُدَا

وإنـما هو: «فـاعبدن»، ولكن إذا وقـف علـيه كان الوقـف بـالألف.

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٣٣

وهذا الـخبر من الله يدلّ علـى أن امرأة العزيز قد عاودت يوسف فـي الـمراودة عن نفسه، وتوعدته بـالسجن والـحبس إن لـم يفعل ما دعته إلـيه، فـاختار السجن علـى ما دعته إلـيه من ذلك لأنها لو لـم تكن عاودته وتوعدته بذلك، كان مـحالاً أن يقول: {رَبّ السِّجْنُ أحَبُّ إلـيَّ مِـمَّا يَدْعُونَنِـي إلَـيْهِ} وهو لا يدعى إلـى شيء ولا يخوّف بحبس. والسجن هو الـحبس نفسه، وهو بـيت الـحبس. وبكسر السين قرأه قرّاء الأمصار كلها، والعرب تضع الأماكن الـمشتقة من الأفعال مواضع الأفعال فتقول: طلعت الشمس مَطْلِعاً، وغربت مَغْرِبـاً، فـيجعلونها وهي أسماء خـلَفـاً من الـمصادر، فكذلك السجن، فإذا فتـحت السين من السجن كان مصدراً صحيحاً. وقد ذُكر عن بعض الـمتقدمين أنه يقرؤه: «السَّجْنُ أحَبُّ إلـيَّ» بفتـح السين. ولا أستـجيز القراءة بذلك لإجماع الـحجة من القرّاء علـى خلافها. وتأويـل الكلام: قال يوسف: يا ربّ الـحبس فـي السجن أحبّ إلـيّ مـما يدعوننـي إلـيه من معصيتك ويراودننـي علـيه من الفـاحشة. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلـيَّ مِـمَّا يَدْعُونَنِـي إلَـيْهِ}: من الزنا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قال يوسف، وأضاف إلـى ربه واستعانه علـى ما نزل به:{ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلـيَّ مِـمَّا يَدْعُونَنِـي إلَـيْهِ}: أي السجن أحبّ إلـيّ من أن آتـيَ ما تكره.

وقوله: {وَإلاَّ تَصْرِفْ عَنِّـي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَـيْهِنَّ} يقول: وإن لـم تدفع عنـي يا ربّ فعلهنّ الذي يفعلن بـي فـي مراودتهنّ إياي علـى أنفسهن أَصْبُ إلـيهنّ، يقول: أميـل إلـيهنّ، وأتابعهنّ علـى ما يردن منـي، ويهوَين من قول القائل: صبـا فلان إلـى كذا، ومنه قول الشاعر:

إلـى هِنْدٍ صَبـا قَلْبِـيوهِنْدٌ مثْلُها يُصْبِـي

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {أصْبُ إلَـيْهِنَّ} يقول: أتابعهنّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَإلاَّ تَصْرِفْ عَنِـي كَيْدَهُنَّ}: أي ما أتـخوّف منهنّ {أصْبُ إلَـيْهِنَّ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإلاَّ تَصْرِفْ عَنِّـي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَـيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الـجاهِلِـينَ} قال: إلا يكن منك أنت العون والـمنعة، لا يكن منـي ولا عندي.

وقوله:{ وأكُنْ مِنَ الـجاهِلِـينَ } يقول: وأكن بصبوتـي إلـيهنّ من الذين جهلوا حقك وخالفوا أمرك ونهيك. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق:{ وأكُنْ مِنَ الـجاهِلِـينَ}: أي جاهلاً إذا ركبت معصيتك.

فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٣٤

إن قال قائل: وما وجه قوله: {فـاسْتَـجابَ لَه رَبُّهُ} ولا مسألة تقدمت من يوسف لربه، ولا دعا بصرف كيدهنّ عنه، وإنـما أخبر ربه أن السجن أحبّ إلـيه من معصيته؟ قـيـل: إن فـي إخبـاره بذلك شكاية منه إلـى ربه مـما لقـي منهنّ، وفـي قوله: {وَإلاَّ تَصْرِفْ عَنِّـي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَـيْهِنَّ} معنى دعاء ومسألة منه ربه صرف كيدهنّ، ولذلك قال الله تعالـى ذكره:{ فـاسْتَـجابَ لَهُ رَبُّهُ } وذلك كقول القائل لآخر: إن لا تزرنـي أُهِنْكَ، فـيجيبه الآخر: إذن أزورَك، لأن فـي قوله: إن لا تزرنـي أهنك، معنـي الأمر بـالزيارة. وتأويـل الكلام: فـاستـجاب الله لـيوسف دعاءه، فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحبـاتها من معصية الله. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فـاسْتَـجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِـيـمُ}: أي نـجاه من أن يركب الـمعصية فـيهنّ، وقد نزل به بعض ما حَذِر منهنّ.

وقوله: {إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} دعاء يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه ودعاء كل داع من خـلقه. {العَلِـيـمُ } بـمطلبه وحاجته، وما يصلـحه، وبحاجة جميع خـلقه وما يصلـحهم.

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْـَٔايَٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: ثم بدا للعزيز زوج الـمرأة التـي راودت يوسف عن نفسه. وقـيـل: «بدا لهم»، وهو واحد، لأنه لـم يذكر بـاسمه ويقصد بعينه، وذلك نظير قوله: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فـاخْشَوْهُمْ} وقـيـل: إنّ قائل ذلك كان واحداً. وقـيـل: معنى قوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} فـي الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقاً، ورأوا أن يسجُنوه {مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ} ببراءته مـما قدفته به امرأة العزيز. وتلك الآيات كانت: قَدَّ القميص من دُبر، وخمشاً فـي الوجه، وقطع أيديهن، كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن نصر بن عوف، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ} قال: كان من الآيات قدّ فـي القميص وخمش فـي الوجه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي وابن نـمير، عن نصر، عن عكرمة، مثله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ} قال: قدّ القميص من دُبر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ} قال: قدّ القميص من دُبر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قال: وثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ} قال: الآيات: حزّهن أيديهن، وقدّ القميص.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: قدّ القميص من دبر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَـيَسْجُنُنَّهُ} ببراءته مـما اتهم به من شقّ قميصه من دُبر، لَـيَسْجُنُنَّهُ حتـى حِينٍ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: {مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ} قال: الآيات: القميص، وقطع الأيدي.

وقوله: {لَـيَسْجُنُنَّهُ حتـى حِينٍ} يقول: لـيسجننه إلـى الوقت الذي يرون فـيه رأيهم. وجعل الله ذلك الـحبس لـيوسف فـيـما ذكر عقوبة له من همه بـالـمرأة وكفَّـارة لـخطيئته.

حُدثت عن يحيى بن أبـي زائدة، عن إسرائيـل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {لَـيَسْجُنُنَّهُ حتـى حِينٍ} عثر يوسف علـيه السلام ثلاث عثرات: حين همّ بها فسجن، وحين قال:

{ { اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبكِّ } } فَلَبِثَ فِـي السِّجْن بضْعَ سنـينَ وأنساه الشيطان ذكر ربه، وقال لهم: { { إنَّكُمْ لَسارِقُونَ } } ف { { قالُوا إن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } }.

وذُكر أن سبب حبسه فـي السجن: كان شكوى امرأة العزيز إلـى زوجها أمره وأمرها. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَـيَسْجُنُنَّهُ حتـى حِينٍ} قال: قالت الـمرأة لزوجها: إن هذا العبد العبرانـيَّ قد فضحنـي فـي الناس يعتذر إلـيهم ويخبرهم أنـي راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لـي فأخرج فأعتذر، وإما أن تـحبِسه كما حبستنـي، فذلك قول الله تعالـى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَـيَسْجُنُنَّهُ حتـى حِينٍ}.

وقد اختلف أهل العربـية فـي وجه دخول هذه اللام فـي: {لَـيَسْجُنُنَّهُ} فقال بعض البصريـين: دخـلت هاهنا لأنه موضع يقع فـيه «أيّ»، فلـما كان حرف الاستفهام يدخـل فـيه دخـلته النون، لأن النون تكون فـي الاستفهام، تقول: بدا لهم أيُّهم يَأْخُذُنّ: أي استبـان لهم. وأنكر ذلك بعض أهل العربـية، فقال: هذا يـمين، ولـيس قوله: هل تقومنّ بـيـمين، ولَتقومنّ، لا يكون إلا يـميناً.

وقال بعض نـحويـي الكوفة: بدا لهم، بـمعنى: القول، والقول يأتـي بكلَ: الكلام بـالقسم وبـالاستفهام، فلذلك جاز: بدا لهم قام زيد، وبدا لهم لـيقومنّ. وقـيـل: إن الـحين فـي هذا الـموضع معنـيّ به سبع سنـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن داود، عن عكرمة: {لَـيَسْجُنُنَّهُ حتـى حِينٍ} قال: سبع سنـين.

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ ٱلْـَٔاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: ودخـل مع يوسف السجن فتـيان، فدلّ بذلك علـى متروك قد ترك من الكلام وهو: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَـيَسْجُنُنَّهُ حتـى حِينٍ} فسجنوه وأدخـلوه السجن ودخـل معه فتـيان، فـاستغنى بدلـيـل قوله: {وَدَخَـلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَـيانِ} علـى إدخالهم يوسف السجن من ذكره. وكان الفتـيان فـيـما ذكر: غلامين من غلـمان ملك مصر الأكبر: أحدهما صاحب شرابه، والآخر صاحب طعامه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: فطرح فـي السجن، يعنـي يوسف، ودخـل معه السجن فتـيان، غلامان كانا للـملك الأكبر: الريان بن الولـيد، كان أحدهما علـى شرابه، والآخر علـى بعض أمره، فـي سخطة سخطها علـيهما، اسم أحدهما مـجلث والآخر نبو، ونبو الذي كان علـى الشراب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَدَخَـلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَـيانِ} قال: كان أحدهما خبـازاً للـملك علـى طعامه، وكان الآخر ساقـيه علـى شرابه.

وكان سبب حبس الـملك الفتـيـين فـيـما ذكر، ما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: إن الـملك غضب علـى خبـازه، بلغه أنه يريد أن يسمّه، فحبسه وحبس صاحب شرابه، ظنّ أنه مالأه علـى ذلك فحبسهما جميعاً فذلك قول الله تعالـى ودخـل معه السجن فتـيان.

وقوله: {قالَ أحَدُهُما إنّـي أرَانِـي أعْصِرُ خَمْراً} ذكر أن يوسف صلوات الله وسلامه علـيه لـما أدخـل السجن، قال لـمن فـيه من الـمـحبَّسين، وسألوه عن عمله: إنـي أعبر الرؤيا، فقال أحد الفتـيـين اللذين أدخلا معه السجن لصاحبه: تعال فلنـجرّبه. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما دخـل يوسف السجن قال: أنا أعبر الأحلام. فقال أحد الفتـيـين لصاحبه: هلـمّ نـجرّب هذا العبد العبرانـيّ نتراءى له فسألاه من غير أن يكونا رأياً شيئاً. فقال الـخبـاز: إنـي أرانـي أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، وقال الآخر: إنـي أرانـي أعصر خمراً.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيـم، عن عبد الله، قال: ما رأى صاحبـاً يوسف شيئاً، وإنـما كانا تـحالُـما لـيجرّبـا علـمه.

وقال قوم: إنـما سأله الفتـيان عن رؤيا كانا رأياها علـى صحة وحقـيقة، وعلـى تصديق منهما لـيوسف لعلـمه بتعبـيرها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما رأى الفتـيان يوسف، قالا: والله يا فتـى لقد أحببناك حين رأيناك.

قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: أن يوسف قال لهم حين قالا له ذلك: أنشدكما الله أن لا تـحبـانـي فوالله ما أحبنـي أحد قطّ إلا دخـل علـيّ من حبه بلاء، لقد أحبتنـي عمتـي فدخـل علـيّ من حبها بلاء، ثم لقد أحبنـي أبـي فدخـل علـيّ بحبه بلاء، ثم لقد أحبتنـي زوجة صاحبـي هذا فدخـل علـيّ بحبها إياي بلاء، فلا تـحبـانـي بـارك الله فـيكما قال: فأبـيا إلا حبه وإلفه حيث كان، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله، وقد كانا رأيا حين أدخلا السجن رؤيا، فرأى «مـجلث» أنه يحمل فوق رأسه، خبزاً تأكل الطير منه، ورأى «نبو» أنه يعصر خمراً، فـاستفتـياه فـيها وقالا له: {نَبِّئْنا بتأْوِيـلِهِ إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ} إن فعلت.

وعنـي بقوله: {أعْصِرُ خَمْراً} أي إنـي أرى فـي نومي أنـي أعصر عنبـاً. وكذلك ذلك فـي قراءة ابن مسعود فـيـما ذكر عنه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي سلـمة الصائغ، عن إبراهيـم بن بشير الأنصاريّ، عن مـحمد بن الـحنفـية قال فـي قراءة ابن مسعود: «إنّـي أَرَانِـي أعْصِرُ عِنَبـاً».

وذكر أن ذلك من لغة أهل عُمان، وأنهم يسمون العنب خمرا. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إنّـي أرَانـي أعْصِرُ خَمْراً} يقول: أعصر عنبـاً، وهو بلغة أهل عُمان، يسمون العنب خمراً.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك: {إنّـي أرَانـي أعْصِرُ خَمْراً} قال: عنبـاً، أرض كذا وكذا يدعون العنب خمراً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {إنّـي أرَانـي أعْصِرُ خَمْراً} قال: عنبـاً.

حُدثت عن الـمسيب بن شريك، عن أبـي حمزة، عن عكرمة، قال: أتاه فقال: رأيت فـيـما يرى النائم أنـي غرست حَبَلَةً من عنب، فنبتت، فخرج فـيه عناقـيد فعصرتهن، ثم سقـيتهنّ الـملك، فقال: تـمكث فـي السجن ثلاثة أيام، ثم تـخرج فتسقـيه خمراً.

وقوله: {وَقالَ الآخَرُ إنْـي أرَانِـي أحْمِلُ فَوْقَ رأسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بتأْوِيـلهِ} يقول تعالـى ذكره: وقال الآخر من الفتـيـين: إنـي أرانـي فـي منامي أحمل فوق رأسي خبزاً يقول: أحمل علـى رأسي، فوضعت «فوق» مكان «علـى» {تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} يعنـي من الـخبز.

وقوله: {نَبِّئْنا بتَأْوِيـلِهِ} يقول: أخبرنا بـما يؤول إلـيه ما أخبرناك أنا رأيناه فـي منامنا ويرجع إلـيه. كما:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {نَبِّئْنا بتَأْوِيـلِهِ} قال: به. قال الـحارث، قال أبو عبـيد: يعنـي مـجاهد: أن تأويـل الشيء: هو الشيء. قال: ومنه تأويـل الرؤيا، إنـما هو الشيء الذي تئول إلـيه.

وقوله: {إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ} اختلف أهل التأويـل فـي معنى الإحسان الذي وصف به الفتـيان يوسف، فقال بعضهم: هو أنه كان يعود مريضهم، ويعزي حزينهم، وإذا احتاج منهم إنسان جمَع له. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا خـلف بن خـلـيفة، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: كنت جالسا معه ببلـخ، فسئل عن قوله: {نَبِّئْنا بَتأْوِيـلِهِ إنَّا نَرَاكَ مِن الـمُـحْسِنِـينَ} قال: قـيـل له: ما كان إحسان يوسف؟ قال: كان إذا مرض إنسان قام علـيه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق أوسع له.

حدثنا إسحاق، عن أبـي إسرائيـل، قال: ثنا خـلف بن خـلـيفة، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك، قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: {إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ} ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان فـي السجن قام علـيه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق علـيه الـمكان أوسع له.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، عن قتادة، قوله: {إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ} قال: بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم، ويعزّي حزينهم، ويجتهد لربه. وقال: لـما انتهى يوسف إلـى السجن وجد فـيه قوما قد انقطع رجاؤهم واشتدّ بلاؤهم، فطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، إن لهذا أجراً، إن لهذا ثوابـاً فقالوا: يا فتـى بـارك الله فـيك ما أحسن وجهك وأحسن خـلقك، لقد بورك لنا فـي جوارك، ما نـحبّ أنا كنا فـي غير هذا منذ حبسنا لـما تـخبرنا من الأجر والكفَّـارة والطهارة، فمن أنت يا فتـى؟ قال: أنا يوسف ابن صفـيّ الله يعقوب ابن ذبـيح الله إسحاق بن إبراهيـم خـلـيـل الله. وكانت علـيه مـحبة، وقال له عامل السجن: يا فتـى والله لو استطعت لـخـلـيت سبـيـلك، ولكن سأحسن جوارك وأحسن إسارك، فكن فـي أيّ بـيوت السجن شئت.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن خـلف الأشجعي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك فـي: {إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ} قال: كان يوسع للرجل فـي مـجلسه، ويتعاهد الـمرضى.

وقال آخرون: معناه: {إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ} إذ نبأتنا بتأويـل رؤيانا هذه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: استفتـياه فـي رؤياهما، وقالا له: {نَبَئِّنْا بتَأْوِيـلِهِ إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ} إن فعلت.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.

فإن قال قائل: وما وجه الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت، وقد علـمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويـل رؤياهما لـيست من الـخبر عن صفته بأنه يعود الـمريض ويقوم علـيه ويحسن إلـى من احتاج فـي شيء، وإنـما يقال للرجل: نبئنا بتأويـل هذا فإنك عالـم، وهذا من الـمواضع التـي تـحسن بـالوصف بـالعلـم لا بغيره؟

قـيـل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويـل رؤيانا مـحسناً إلـينا فـي إخبـارك إيانا بذلك، كما نراك تـحسن فـي سائر أفعالك، إنا نراك من الـمـحسنـين.

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: {قالَ} يوسف للفتـيـين اللذين استعبراه الرؤيا: {لا يَأْتِـيكُما} أيها الفتـيان فـي منامكما {طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلاَّ نَبَّأْتُكُما بتأْوِيـلِهِ} فـي يقظتكما {قَبْلَ أنْ يَأْتِـيَكُما}.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: قال يوسف لهما: {لاَ يأْتِـيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ فـي النوم إلاَّ نَبَّأْتُكُما} بتأويـله فـي الـيقظة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قال يوسف لهما: {لاَ يأْتِـيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ} يقول: فـي نومكما {إلاَّ نَبَّأْتُكُما بتَأْوِيـلِهِ}.

ويعنـي بقوله {بِتَأْوِيـلِهِ}: ما يئول إلـيه ويصير ما رأيا فـيى منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فـيه.

وقوله: {ذَلِكُما مِـمَّا عَلَّـمَنِـي رَبّـي} يقول: هذا الذي أذكر أنـي أعلـمه من تعبـير الرؤيا مـما علـمنـي ربـي فعلِّـمته. {إنّـي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بـاللَّهِ} وجاء الـخبر مبتدأ: أي تركت ملة قوم، والـمعنى: ما ملت. وإنـما ابتدأ بذلك لأن فـي الابتداء الدلـيـل علـى معناه.

وقوله: {إنّـي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بـاللَّهِ} يقول: إنـي برئت من ملة من لا يصدّق بـالله، ويقرّ بوحدانـيته. وَهُمْ بـالآخِرَةِ {هُمْ كافِرُونَ} يقول: وهم مع تركهم الإيـمان بوحدانـية الله لا يقرّون بـالـمعاد والبعث ولا بثواب ولا عقاب. وكرّرت «هم» مرّتـين، فقـيـل: {وَهُمْ بـالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ} لـما دخـل بـينهما قوله: {بـالآخِرَةِ} فصارت «هم» الأولـى كالـملغاة، وصار الاعتـماد علـى الثانـية، كما قـيـل:

{ { وَهُمْ بـالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } } وكما قـيـل: { { أيَعِدُكُمْ أنَّكُمْ إذا مِتُّـمُ وكُنْتُـمْ تُرَابـاً وَعِظاماً أنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } }

فإن قال قائل: ما وجه هذا الـخبر ومعناه من يوسف، وأين جوابه الفتـيـين عما سألاه من تعبـير رؤياهما من هذا الكلام؟

قـيـل له: إن يوسف كره أن يجيبهما عن تأويـل رؤياهما لـما علـم من مكروه ذلك علـى أحدهما، فأعرض عن ذكره وأخذ فـي غيره لـيعرضا عن مسألته الـجواب بـما سألاه من ذلك.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُريج، فـي قوله:

{ { إنّـي أرانِـي أعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الآخَرُ إنّـي أرَانِـي أحْمِلُ فَوْقَ رأسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بَتأْوِيـلِهِ } }. قال: فكره العبـارة لهما، وأخبرهما بشيء لـم يسألاه عنه لـيريهما أن عنده علـماً. وكان الـملك إذا أراد قتل إنسان، صنع له طعاماً معلوماً، فأرسل به إلـيه، فقال يوسف: {لاَ يأْتِـيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ}.... إلـى قوله: {تَشْكُرُونَ}. فلـم يَدَعاه، فعدل بهما، وكره العبـارة لهما، فلـم يدعاه حتـى يعبر لهما، فعدل بهما وقال: { { يا صَاحِبَـيِ السِّجْنِ أأرْبـابٌ مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ } } ... إلـى قوله: { { يَعْلَـمُونَ } } فلـم يدعاه حتـى عَبَّر لهما، فقال: { { يا صَاحِبَـيِ السِّجْن أمَّا أحَدُكمَا فَـيَسْقِـي رَبَّه خَمْراً وأمَّا الآخَرُ فَـيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رأسِهِ } }. قالا: ما رأينا شيئاً، إنـما كنا نلعب قال: { { قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ } }

وعلـى هذا التأويـل الذي تأوّله ابن جريج. فقوله: {لاَ يأْتِـيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ} فـي الـيقظة لا فـي النوم. وإنـما أعلـمهما علـى هذا القول أن عنده علـمَ ما يؤول إلـيه أمر الطعام الذي يأتـيهما من عند الـملك ومن عند غيره، لأنه قد علـم النوع الذي إذا أتاهما كان علامة لقتل من أتاه ذلك منهما، والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك، فأخبرهما أنه عنده علـمُ ذلك.

وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ۝٣٨

يعنـي بقوله: {واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبـائي إبْرَاهِيـمَ وإسْحاقَ وَيَعْقُوبَ} واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك. {ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بـاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} يقول: ما جاز لنا أن نـجعل لله شريكاً فـي عبـادته وطاعته، بل الذي علـينا إفراده بـالألوهة والعبـادة. {ذلكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَـيْنا} يقول: اتبـاعي ملة آبـائي إبراهيـم وإسحاق ويعقوب علـى الإسلام، وتركي {مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بـاللَّهِ وَهُمْ بـالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ}، من فضل الله الذي تفضل به علـينا، فأنعم إذ أكرمنا به. وعَلـى النَّاسِ يقول: وذلك أيضاً من فضل الله علـى الناس، إذ أرسلنا إلـيهم دعاة إلـى توحيده وطاعته. {ولكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} يقول: ولكن من يكفر بـالله لا يشكر ذلك من فضله علـيه، لأنه لا يعلـم من أنعم به علـيه ولا يعرف الـمتفضل به.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ذلكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَـيْنا} أن جعلنا أنبـياء. {وَعلـى النَّاسِ} يقول: أن بعثنا إلـيهم رسلاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ذلكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَـيْنا وَعلـى النَّاسِ ذُكِر} لنا أن أبـا الدرداء كان يقول: يا رُبّ شاكر نعمة غير منعمَ علـيه لا يدري، ورُبّ حامل فقه غير فقـيه.

يَٰصَٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ۝٣٩

ذُكر أن يوسف صلوات الله وسلامه علـيه قال هذا القول للفتـيـين اللذين دخلا معه السجن، لأن أحدهما كان مشركاً، فدعاه بهذا القول إلـى الإسلام وترك عبـادة الآلهة والأوثان، فقال: {يا صَاحِبَـيِ السِّجْنِ} يعنـي: يا من هو فـي السجن. وجعلهما صاحبـيه لكونهما فـيه، كما قال الله تعالـى لسكان الـجنة {أولَئِكَ أصْحابُ الـجَنَّةِ هُمْ فِـيها خالِدُونَ} وكذلك قال لأهل النار، وسمَّاهم أصحابها لكونهم فـيها.

وقوله: {أأرْبـابٌ مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أم اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارِ} يقول: أعبـادة أربـاب شتـى متفرّقـين وآلهة لا تنفع ولا تضرّ خير، أم عبـادة الـمعبود الواحد الذي لا ثانـي له فـي قدرته وسلطانه، الذي قهر كلّ شيء فذلله وسخره فأطاعه طوعاً وكرهاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا صَاحِبَـيِ السِّجْنَ أأرْبـابٌ مُتَفَرّقُونَ}... إلـى قوله: {لا يَعْلَـمُونَ} لـما عرف نبـي الله يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلـى حظهما من ربهما وإلـى نصيبهما من آخرتهما.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يا صَاحِبَـيِ السِّجْنِ} يوسف يقوله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم دعاهما إلـى الله وإلـى الإسلام، فقال: {يا صَاحِبَـيِ السِّجْنِ أأرْبـابٌ مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ}: أي خير أن تعبدوا إلهاً واحداً، أو آلهة متفرّقة لا تغنـي عنكم شيئاً؟.

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٠

يعنـي بقوله: {ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ}: ما تعبدون من دون الله. وقال: {ما تَعْبُدُونَ} وقد ابتدأ الـخطاب بخطاب اثنـين فقال:

{ { يا صَاحِبَـيِ السِّجْنِ } } لأنه قصد الـمخاطب به ومن هو علـى الشرك بـالله مقـيـم من أهل مصر، فقال للـمخاطب بذلك: ما تعبد أنت ومن هو علـى مثل ما أنت علـيه من عبدة الأوثان {إلاَّ أسْماءً سَمَّيْتُـمُوها أنْتُـمْ وآبـاؤُكُمْ}، وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة أربـابـا، شركا منهم وتشبـيها لها فـي أسمائها التـي سموها بها بـالله، تعالـى عن أن يكون له مثل أو شبـيه. {ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ} يقول: سموها بأسماء لـم يأذن لهم بتسميتها، ولا وَضَع لهم علـى أن تلك الأسماء أسماؤها دلالة ولا حجة، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء.

وقوله: {إنِ الـحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أمَرَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ} يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتـم وجميع خـلقه إلا الله الذي له الألوهة والعبـادة خالصة دون كلّ ما سواه من الأشياء. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس عن أبـي العالـية، فـي قوله: {إنِ الـحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أمَرَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ أيَّاهُ} قال: أسس الدين علـى الإخلاص لله وحده لا شريك له.

وقوله: {ذلكَ الدّينُ القَـيِّـمُ} يقول: هذا الذي دعوتكما إلـيه من البراءة من عبـادة ما سوى الله من الأوثان، وأن تـخـلصا العبـادة لله الواحد القهار، هو الدين القويـم الذي لا أعوجاج فـيه، والـحقّ الذي لا شكّ فـيه. {وَلكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمُونَ} يقول: ولكن أهل الشرك بـالله يجهلون ذلك، فلا يعلـمون حقـيقته.

يَٰصَٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا وَأَمَّا ٱلْـَٔاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ۝٤١

يقول جلّ ثناؤه مخبراً عن قـيـل يوسف للَّذِين دخلا معه السجن:

{ { يا صَاحِبَـيِ السِّجْنِ أمَّا أحَدُكمَا فَـيَسْقِـي رَبَّهُ خَمْراً } } هو الذي رأى أنه يعصر خمراً، فـيسقـي ربه: يعنـي سيده وهو ملكهم، خمرا: يقول: يكون صاحب شرابه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَـيَسْقِـي رَبَّهُ خَمْراً} قال: سيده.

وأما الآخر، وهو الذي رأى أن علـى رأسه خبزاً تأكل الطير منه فـيصلب فتأكل الطير من رأسه فذكر أنه لـما عبرَّ ما أخبراه به أنهما رأياه فـي منامهما، قالا له: ما رأينا شيئاً، فقال لهما: {قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ} يقول: فرغ من الأمر الذي فـيه استفتـيتـما، ووجب حكم الله علـيكما بـالذي أخبرتكما به.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عمارة، عن إبراهيـم، عن عبد الله قال: قال اللذان دخلا السجن علـى يوسف: ما رأينا شيئا فقال: {قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيـم، عن عبد الله: {قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ} قال: لـما قالا ما قالا، أخبرهما، فقالا: ما رأينا شيئا فقال: {قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن عمارة، عن إبراهيـم، عن علقمة، عن عبد الله، فـي الفتـيـين اللذين أتـيا يوسف والرؤيا: إنـما كانا تـحالـما لـيجرّبـاه. فلـما أوّل رؤياهما قالا: إنـما كنا نلعب قال: {قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عمارة، عن إبراهيـم، عن عبد الله، قال: ما رأى صاحبـا يوسف شيئاً، إنـما كانا تـحالُـما لـيجرّبـا علـمه فقال أحدهما: إنـي أرانـي أعصر عنبـاً، وقال الآخر: إنـي أرانـي أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه، نبئنا بتأويـله إنا نراك من الـمـحسنـين قال: يا صاحبـي السجن أما أحدكما فـيسقـي ربه خمراً، وأما الآخر فـيصلب فتأكل الطير من رأسه. فلـما عبر، قالا: ما رأينا شيئاً، قال: {قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ} علـى ما عَبَّر يوسف.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قال لـمـجلِّث: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك، وقال لنبّو: أما أنت فتردّ علـى عملك، فـيرضى عنك صاحبك. {قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ}. أو كما قال.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: {فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: {قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ} عند قولهما: ما رأينا رؤيا إنـما كنا نلعب قال: قد وقعت الرؤيا علـى ما أوِّلت.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ} فذكر مثله.

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره: قال يوسف للذي علـم أنه ناج من صاحبـيه اللذين استعبراه الرؤيا{ اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ} يقول: اذكرنـي عند سيدك، وأخبره بـمظلـمتـي وأنـي مـحبوس بغير جرم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قال، يعنـي لنبو:{ اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ}: أي اذكر للـملك الأعظم مظلـمتـي وحبسي فـي غير شيء. قال: أفعل.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله:{ اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ } قال للذي نـجا من صاحبـي السجن، يوسف يقول: اذكرنـي عند الـملك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن جابر، عن أسبـاط:{ وَقالَ للَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنْهُما اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ} قال: عند ملك الأرض.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ} يعنـي بذلك الـملك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَقالَ للَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنْهُما اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ } الذي نـجا من صاحبـي السجن يقول يوسف: اذكرنـي للـملك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيـم التَّـيـمي: أنه لـما انتهى به إلـى بـاب السجن قال له صاحب له. حاجَتَك أوصنـي بحاجتك قال: حاجتـي أن تذكرنـي عند ربك. ينوي الربّ ملك يوسف.

وكان قتادة يوجه معنى الظنّ فـي هذا الـموضع إلـى الظنّ الذي هو خلاف الـيقـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ وَقالَ للَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنْهُما اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ } وإنـما عبـارة الرؤيا بـالظنّ، فـيُحقّ الله ما يشاء ويبطل ما يشاء.

وهذا الذي قاله قتادة من أن عِبـارة الرؤيا ظنّ، فإن ذلك كذلك من غير الأنبـياء. فأما الأنبـياء فغير جائز منها أن تـخبر بخبر عن أمر أنه كائن ثم لا يكون، أو أنه غير كائن ثم يكون مع شهادتها علـى حقـيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن لأن ذلك لو جاز علـيها فـي أخبـارها لـم يؤمن مثل ذلك فـي كلّ أخبـارها، وإذا لـم يؤمن ذلك فـي أخبـارها سقطت حجتها علـى من أرسلت إلـيه. فإذا كان ذلك كذلك كان غير جائز علـيها أن تـخبر بخبر إلا وهو حقّ وصدق. فمعلوم إذ كان الأمر علـى ما وصفت أن يوسف لـم يقطع الشهادة علـى ما أخبر الفتـيـين اللذين استعبراه أنه كائن، فـيقول لأحدهما:

{ أمَّا أحَدُكمَا فَـيَسْقِـي رَبَّهُ خَمْراً وأمَّا الآخَرُ فـيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رأسِهِ } ثم يؤكد ذلك بقوله: { قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِـيهِ تَسْتَفْتِـيانِ }عند قولهما: لـم نر شيئاً، إلا وهو علـى يقـين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه أنه كائن لا مـحالة لا شكّ فـيه، ولـيقـينه بكون ذلك قال للناجي منهما: {اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ}. فبِّـينٌ إذن بذلك فساد القول الذي قاله قتادة فـي معنى قوله:{ وَقالَ للَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنْهُما}، وقوله:{ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن غفلة عرضت لـيوسف من قِبَل الشيطان نسي لها ذكر ربه الذي لو به استغاث لأسرع بـما هو فـيه خلاصة، ولكنه زلّ بها، فأطال من أجلها فـي السجن حَبسه وأوجع لها عقوبته. كما:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا جعفر بن سلـيـمان الضُّبَعِيّ، عن بِسطام بن مسلـم، عن مالك بن دينار، قال: لـما قال يوسف للساقـي:{ اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ} قال: قـيـل: يا يوسف اتـخذتَ من دونـي وكيلاً؟ لأطيـلنّ حبسك فبكى يوسف وقال: يا ربّ أَنْسَى قلبـي كثرةُ البلوى، فقلت كلـمةً، فويـلٌ لإخوتـي.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَوْلا أنَّهُ يعنـي يوسفقالَ الكَلِـمَةَ التـي قالَ ما لَبِثَ فِـي السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علـية، قال: ثنا يونس، عن الـحسن، قال: قال نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم:

رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ لَوْلا كَلِـمَتُهُ ما لَبِثَ فِـي السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ »، يعنـي قوله: {اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ}. قال: ثم يبكي الـحسن فـيقول: نـحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلـى الناس.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله:{ وَقالَ للَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنْهُما اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ} قال: ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

لَوْلا كَلِـمَةُ يُوسُفَ ما لَبِثَ فِـي السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن إبراهيـم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

لَوْ لَـمْ يَقُلْ يُوسُفُيعنـي الكلـمة التـي قالما لَبِثَ فِـي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَيعنـي حيث يبتغي الفرج من عند غير الله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغنـي أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

لَوْ لَـمْ يَسْتَعِنْ يُوسُفُ علـى رَبِّهِ ما لَبِثَ فِـي السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

لَوْلا أنَّ يُوسُفَ اسْتَشْفَعَ علـى رَبِّهِ ما لَبِثَ فـي السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ، وَلكِنْ إنَّـمَا عُوقِبَ بـاسْتِشْفـاعِهِ علـى رَبِّهِ ».

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: قال له:{ اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ} قال: فلـم يذكره حتـى رأى الـملك الرؤيا وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكر ربه، وأمره بذكر الـملك وابتغاء الفرج من عنده. {فَلَبِثَ فِـي السِّجْنِ بِضْعَ سِنـينَ} بقوله: {اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بنـحوه، غير أنه قال:{ فَلَبِثَ فِـي السِّجْنِ بِضْعَ سِنـينَ} عقوبة لقوله: {اذْكُرْنِـي عِنْدَ رَبِّكَ}.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثل حديث مـحمد بن عمرو سواء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثل حديث الـمثنى، عن أبـي حذيفة.

وكان مـحمد بن إسحاق يقول: إنـما أنسى الشيطان الساقـي ذكر أمر يوسف لـملكهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما خرج، يعنـي الذي ظنّ أنه ناج منهما، ردّ علـى ما كان علـيه، ورضي عنه صاحبه. فأنساه الشيطان ذكر ذلك للـملك الذي أمره يوسف أن يذكره، فلبث يوسف بعد ذلك فـي السجن بضع سنـين. يقول جلّ ثناؤه: فلبث يوسف فـي السجن لقـيـله للناجي من صاحبـي السجن من القـيـل: اذكرنـي عند سيدك بضع سنـين، عقوبة له من الله بذلك.

واختلف أهل التأويـل فـي قدر البِضْع الذي لبث يوسف فـي السجن، فقال بعضهم: هو سبع سنـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد أبو عَثْمة، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لبث يوسف فـي السجن سبع سنـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ فَلَبِثَ فِـي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِـينَ} قال: سبع سنـين.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمران أبو الهذيـل الصَّنْعانـي، قال: سمعت وهْبـا يقول: أصاب أيوب البلاء سبع سنـين، وترك فـي السجن يوسف سبع سنـين، وعذب بختنصر يجول فـي السبـاع سبع سنـين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: زعموا أنها، يعنـي البضع: سبع سنـين، كما لبث يوسف.

وقال آخرون: البضع: ما بـين الثلاث إلـى التسع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت قتادة يقول: البضع: ما بـين الثلاث إلـى التسع.

حدثنا وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيـل، عن منصور، عن مـجاهد: { بِضْعَ سِنِـينَ } قال: ما بـين الثلاث إلـى التسع.

وقال آخرون: بل هو ما دون العشر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: {بِضْعَ سنـينَ} دون العشرة.

وزعم الفرّاء أن البِضْع لا يذكر إلا مع عشر، ومع العشرين إلـى التسعين، وهو نـيف ما بـين الثلاثة إلـى التسعة. وقال: كذلك رأيت العرب تفعل ولا يقولون بضع ومئة، ولا بضع وألف، وإذا كانت للذكران قـيـل: بضع.

والصواب فـي البضع من الثلاث إلـى التسع إلـى العشر، ولا يكون دون الثلاث، وكذلك ما زاد علـى العقد إلـى الـمئة، وما زاد علـى الـمئة فلا يكون فـيه بضع.

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ۝٤٣

يعني جلّ ذكره بقوله: وقال ملك مصر {إنّـي أرَى} فـي الـمنام {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ} من البقر {عِجافٌ}. وقال: «إنـي أرى»، ولـم يذكر أنه رأى فـي منامه ولا فـي غيره، لَتَعارُف العرب بـينها فـي كلامها إذا قال القائل منهم: أرى أنـي أفعل كذا وكذا أنه خبر عن رؤيته ذلك فـي منامه وإن لـم يذكر النوم. وأخرج الـخبر جلّ ثناؤه علـى ما قد جرى به استعمال العرب ذلك بـينهم. {وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ} يقول: وأرى سبع سنبلات خضر فـي منامي. {وأُخَرَ} يقول: وسبعاً أخر من السنبل {يابِساتٍ يَأيُّها الـمَلأُ} يقول: يا أيّها الأشراف من رجالـي وأصحابـي {أفْتُونِـي فِـي رُؤْيايَ} فـاعْبرُوها {إنْ كُنْتُـمْ للرُّؤْيا} عَبرَة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: إن الله أرى الـملك فـي منامه رؤيا هالته، فرأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. فجمع السحرةَ والكهنةَ والـحُزاةَ والقافَة، فقصها علـيهم. {فقالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وَما نَـحْنُ بَتأْوِيـلِ الأحْلامِ بِعالِـمِينَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم إن الـملك الرَّيَّان بن الولـيد رأى رؤياه التـي رأى، فهالته، وعرف أنها رؤيا واقعة، ولـم يدر ما تأويـلها فقال للـملإ حوله من أهل مـملكته: {إنّـي أرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سمِانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ}... إلـى قوله: {بِعالِـمِينَ}.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ