انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير الطبريالآيات 76–84

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يوسف

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:24:35

  1. 1 الآيات 53–76في هذه الصفحة 16:52
  2. 2 الآيات 77–100في هذه الصفحة 17:02

التفسير الصوتي لسورة يوسف كاملًا (6 مقاطع)

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره: ففتَّش يوسف أوعيتهم ورحالهم طالبـاً بذلك صُواع الـملك، فبدأ فـي تفتـيشه بأوعية إخوته من أبـيه، فجعل يفتشها وعاء وعاء قبل وعاء أخيه من أبـيه وأمه، فإنّه أخَّر تفتـيشه، ثم فتش آخرها وعاء أخيه، فـاستـخرج الصواع من وعاء أخيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَبَدَأَ بأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ} ذُكر لنا أنه كان لا ينظر فـي وعاء إلاَّ استغفر الله تأثماً مـما قذفهم به، حتـى بقـيَ أخوه، وكان أصغر القوم، قال: ما أرى هذا أخذ شيئاً، قالوا: بَلـى فـاسْتبرِه، أَلاَ وقد علـموا حيث وضعوا سقايتهم. ثم استـخرجها من وعاء أخيه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن مَعْمر، عن قتاد، قال: فـاستـخرجها من وعاء أخيه، قال: كان كلـما فتـح متاعاً استغفر تائبـاً مـما صنع، حتـى بلغ متاع الغلام، فقال: ما أظنّ هذا أخذ شيئاً، قالوا: بلـى، فـاستبره.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: {فَبَدأَ بأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وَعاءِ أخِيهِ } فلـما بقـي رَحْلُ الغلام، قال: ما كان هذا الغلام لـيأخذه. قالوا: والله لا يترك حتـى تنظر فـي رحله، لنذهب وقد طابت نفسك فأدخـل يده فـاستـخرجها من رحله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما قال الرسول لهم: {ولِـمَنْ جاءِ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيـمٌ } قالوا: ما نعلـمه فـينا ولا معنا. قال: لستـم ببـارحين حتـى أفتش أمتعتكم وأُعْذِر فـي طلبها منكم. فبدأ بأوعيتهم وعاء وعاء، يفتشها وينظر ما فـيها، حتـى مرّ علـى وعاء أخيه ففتشه، فـاستـخرجها منه، فأخذ برقبته، فـانصرف به إلـى يوسف. يقول الله: {كذلكَ كِدْنا لِـيُوسُفَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: ذُكِر لنا أنه كان كلـما بَحَث متاع رجل منهم استغفر ربه تأثماً، قد علـم أين موضع الذي يطلب. حتـى إذا بقـي أخوه وعلـم أن بغيته فـيه، قال: لا أرى هذا الغلام أخذه، ولا أبـالـي أن لا أبحث متاعه قال إخوته: إنه أطيب لنفسك وأنفسنا أن تستبرىء متاعه أيضاً. فلـما فتـح متاعه استـخرج بغيته منه قال الله: {كذلكَ كِدْنا لـيُوسُفَ}.

واختلف أهل العربـية فـي الهاء والألف اللتـين فـي قوله: {ثُمَّ اسْتَـخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أخِيهِ} فقال بعض نـحويِّـي البصرة: هي من ذكر «الصواع»، قال: وأنّث وقد قال:

{ ولِـمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } لأنه عنى الصُّواع. قال: والصواع مذكر، ومنهم من يؤنث الصواع، وعنـى ههنا السقاية، وهي مؤنثة. قال: وهما اسمان لواحد مثل الثوب والـملـحفة مذكر ومؤنث لشيء واحد.

وقال بعض نـحويِّـي الكوفة فـي قوله:{ ثُمَّ اسْتَـخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أخِيهِ } ذهب إلـى تأنـيث السرقة، قال: وإن يكن الصواع فـي معنى الصاع، فلعل هذا التأنـيث من ذلك. قال: وإن شئت جعلته لتأنـيث السقاية. قال: والصواع ذَكر، والصاع يؤنث ويذكر، فمن أنثه قال: ثلاث أَصْوُع، مثل ثلاث أَدْوُر، ومن ذكره قال: أصواع، مثل أبواب.

وقال آخر منهم: إنـما أُنث الصواع حين أنث لأنه أريدت به السقاية وذُكِّر حين ذكر، لأنه أريد به الصواع. قال: وذلك مثل الـخِوَان والـمائدة، وسِنان الرمـح وعالـيته، وما أشبه ذلك من الشيء الذي يجتـمع فـيه اسمان: أحدهما مذكر، والآخر مؤنث.

وقوله: {كذلك كِدْنا لِـيُوسُفَ} يقول: هكذا صنعنا لـيوسف حتـى يُخَـلِّص أخاه لأبـيه وأمه من إخوته لأبـيه، بإقرار منهم أن له أن يأخذه منهم ويحتبسه فـي يديه ويحول بـينه وبـينهم وذلك أنهم قالوا إذ قـيـل لهم

{ ما جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُـمْ كاذِبِـينَ }: جزاء من سرق الصواع أن من وجد ذلك فـي رحله فهو مُسْتَرَقٌّ به، وذلك كان حكمهم فـي دينهم. فكاد الله لـيوسف كما وصف لنا حتـى أخَذ أخاهُ منهم، فصار عنده بحكمهم وصنع الله له.

وقوله: {ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ} يقول: ما كان يوسف لـيأخذ أخاه فـي حكم ملك مصر وقضائه وطاعته منهم، لأنه لـم يكن من حكم ذلك الـملك وقضائه أن يُسْترقَّ أحد بـالسرق، فلـم يكن لـيوسف أخذ أخيه فـي حكم ملك أرضه إلاَّ أن يشاء الله بكيده الذي كاده له، حتـى أَسْلَـمَ مَنْ وُجد فـي وعائه الصُّواع إخوتُه ورفقاؤه بحكمهم علـيه وطابت أنفسهم بـالتسلـيـم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ} إلاَّ فعلةً كادها الله له، فـاعتلّ بها يوسف.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ كذلكَ كِدْنا لِـيُوسُفَ } كادها الله له، فكانت علة لـيوسف.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد:{ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ } قال: إلاَّ فعلة كادها الله فـاعتلّ بها يوسف.

قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {كذلكَ كِدْنا لِـيُوسُفَ } قال: صنعنا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: {كذلكَ كِدْنا لِـيُوسُفَ} يقول: صنعنا لـيوسف.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {كذلكَ كِدْنا لِـيُوسُفَ } يقول: صنعنا لـيوسف.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ} فقال بعضهم: ما كان لـيأخذ أخاه فـي سلطان الـملك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:{ ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ} يقول: فـي سلطان الـملك.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {ما كان لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ } يقول: فـي سلْطان الـملك.

وقال آخرون: معنى ذلك: فـي حكمه وقضائه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ} يقول: ما كان ذلك فـي قضاء الـملك أن يستعبد رجلاً بسرقة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فِـي دِينِ الـمَلِكِ} قال: لـم يكن ذلك فـي دين الـملك، قال: حكمه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح مـحمد بن لـيث الـمروزي، عن رجل قد سماه، عن عبد الله بن الـمبـارك، عن أبـي مودود الـمدينـيّ، قال: سمعت مـحمد بن كعب القُرَظيّ يقول: {قالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجدَ فِـي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كذلكَ كِدْنا لِـيُوسُفَ ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ } قال: دين الـملك لا يؤخذ به من سرق أصلاً، ولكن الله كاد لأخيه، حتـى تكلـموا ما تكلـموا به، فأخذهم بقولهم، ولـيس فـي قضاء الـملك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: بلغه فـي قوله: {ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلكِ} قال: كان حكم الـملك أن من سرق ضوعف علـيه الغُرم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ:{ ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ } يقول: فـي حكم الـملك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ}: أي بظلـم، ولكن الله كاد لـيوسف لـيضمّ إلـيه أخاه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ ما كانَ لِـيَأْخُذَ أخاهُ فِـي دِينِ الـمَلِكِ } قال: لـيس فـي دين الـملك أن يؤخذ السارق بسرقته. قال: وكان الـحكم عند الأنبـياء يعقوب وبنـيه: أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً يُسترقّ.

وهذه الأقوال وإن اختلفت ألفـاظ قائلـيها فـي معنى دين الـملك، فمتقاربة الـمعانـي، لأن من أخذه فـي سلطان الـملك عامله بعمله، فـيريناه أخذه إذا لـم يغيره، وذلك منه حكم علـيه، وحكمه علـيه قضاؤه. وأصل الدِّين: الطاعة، وقد بـيَّنت ذلك فـي غير هذا الـموضع بشواهده بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ } كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: {إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ} ولكن صَنَعنا له بأنهم قالوا:{ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ} إلاَّ بعلة كادها الله، فـاعتلّ بها يوسف.

وقوله:{ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: «نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَنْ نَشاءُ» بإضافة الدرجات إلـى «مَنْ» بـمعنى: نرفع منازل من نشاء، رفع منازله ومراتبه فـي الدنـيا بـالعلـم علـى غيره، كما رفعنا مرتبة يوسف فـي ذلك ومنزلته فـي الدنـيا علـى منازل إخوته ومراتبهم. وقرأ ذلك آخرون: {نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ} بتنوين «الدرجات»، بـمعنى: نرفع من نشاء مراتب ودرجات فـي العلـم علـى غيره، كما رفعنا يوسف. فمَن علـى هذه القراءة نصب، وعلـى القراءة الأولـى خفض. وقد بيَّنا ذلك فـي سورة الأنعام.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: {نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَنْ نَشاءُ} يوسف وإخوته أُوتوا علـماً، فرفعنا يوسف فوقهم فـي العلـم.

وقوله: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلـيـمٌ} يقول تعالـى ذكره: وفوق كل عالـم مَنْ هو أعلـم منه حتـى ينتهي ذلك إلـى الله تعالـى. وإنـما عَنَى بذلك أن يوسف أعلـم إخوته، وأن فوق يوسف من هو أعلـم من يوسف، حتـى ينتهي ذلك إلـى الله تعالـى.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عامر العَقْديّ، قال: ثنا سفـيان، عن عبد الأعلـى الثعلبـيّ، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أنه حدّث بحديث، فقال رجل عنده: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي علْـمٍ عَلـيـمٌ } فقال ابن عبـاس: بئسما قلت، إن الله هو علـيـم، وهو فوق كلّ عالـم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن عبد الأعلـى عن سعيد بن جبـير، قال: حدّث ابن عبـاس بحديث، فقال رجل عنده: الـحمد لله { وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ } فقال ابن عبـاس: العالـم الله، وهو فوق كلّ عالـم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن عبد الأعلـى، عن سعيد بن جبـير، قال: كنا عند ابن عبـاس، فحدّث حديثاً، فتعجب رجل فقال: الـحمد لله { وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ } فقال ابن عبـاس: بئسما قلت: الله العلـيـم، وهو فوق كل عالـم.

حدثنا الـحسن بن مـحمد وابن وكيع، قالا: ثنا عمرو بن مـحمد، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن سالـم، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: { وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ} قال: يكون هذا أعلـم من هذا، وهذا أعلـم من هذا، والله فوق كل عالـم.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أخبرنا أبو الأحوص، عن عبد الأعلـى، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:{ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ }قال: الله الخبير العليم فوق كلّ عالم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبـيد الله، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن عبد الأعلـى، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:{ وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } قال: الله فوق كلّ عالـم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب، قال: سأل رجل علـياً عن مسألة، فقال فـيها، فقال الرجل: لـيس هكذا ولكن كذا وكذا، قال علـيّ: أصبت وأخطأت { وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ}.

حدثنـي يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن عُلَـية، عن خالد، عن عكرمة، فـي قوله: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ} قال: علـم الله فوق كلّ أحد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن نصر، عن عكرمة، عن ابن عبـاس:{ وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ} قال: الله عزّ وجلّ.

حدثنا ابن وكيع، ثنا يعلـى بن عبـيد، عن سفـيان، عن عبد الأعلـى، عن سعيد بن جبـير: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ } قال: الله أعلـم من كلّ أحد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ابن شبرمة، عن الـحسن، فـي قوله:{ وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلـيـمٌ } قال: لـيس عالـم إلاَّ فوقه عالـم حتـى ينتهي العلـم إلـى الله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عاصم، قال: ثنا جويرية، عن بشير الهجيـمي، قال: سمعت الـحسن قرأ هذه الآية يوماً: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ}، ثم وقـف فقال: إنه والله ما أمسى علـى ظهر الأرض عالـم إلاَّ فوقه من هو أعلـم منه، حتـى يعود العلـم إلـى الذي علـمه.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا علـيّ، عن جرير، عن ابن شُبْرُمة، عن الـحسن: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلِـيـمٌ } قال: فوق كل عالـم عالـم، حتـى ينتهي العلـم إلـى الله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْـمٍ عَلـيـمٌ } حتـى ينتهي العلـم إلـى الله، منه بدىء، وتعلـمت العلـماء، وإلـيه يعود. فـي قراءة عبد الله: «وَفَوْقَ كُلّ عالِـمٍ عَلِـيـمٌ».

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف جاز لـيوسف أن يجعل السقاية فـي رحل أخيه ثم يِسَرِّق قوماً أبرياء من السَّرَق، ويقول

{ أيَّتُها العِيرُ إنَّكُمْ لَسارِقُونَ }؟ قـيـل: إن قوله: { أيَّتُها العِيرُ إنَّكُمْ لَسارِقُونَ } إنـما هو خبر من الله عن مؤذّن أذّن به، لا خبر عن يوسف. وجائز أن يكون الـمؤذّن أذن بذلكَ أنْ فَقَد الصواع ولا يعلـم بصنـيع يوسف. وجائز أن يكون كان أذن الـمؤذن بذلك عن أمر يوسف، واستـجاز الأمر بـالنداء بذلك لعلـمه بهم أنهم قد كانوا سرقوا سرقة فـي بعض الأحوال، فأمر الـمؤذن أن يناديهم بوصفهم بـالسَّرَق، ويوسف يعنـي ذلك السرق لا سرقهم الصواع. وقد قال بعض أهل التأويـل: إن ذلك كان خطأ من فعل يوسف، فعاقبه الله بإجابة القوم إياه: { إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } وقد ذكرنا الرواية فـيـما مضى بذلك.

قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ۝٧٧

يقول تعالـى ذكره:{ قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} يعنون أخاه لأبـيه وأمه وهو يوسف. كما:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} لـيوسف.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {إنْ يَسْرِقْ فَقَدَ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} قال: يعنـي يوسف.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد:{ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} قال: يوسف.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي السَّرَق الذي وصفوا به يوسف فقال بعضهم: كان صنـماً لـجده أبـي أمه كسره وألقاه علـى الطريق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا العـيض بن الفضل، قال: ثنا مسعر، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير:{ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } قال: سرق يوسف صنـماً لـجدّه أبـي أمه كسره وألقاه فـي الطريق، فكان إخوته يعيبونه بذلك.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} ذكر أنه سرق صنـماً لـجدّه أبـي أمه، فعيروه بذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}: أرادوا بذلك عيب نبـيّ الله يوسف، وسرقته التـي عابوه بها صنـم كان لـجدّه أبـي أمه، فأخذه، إنـما أراد نبـيّ الله بذلك الـخير، فعابوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله:{ إنْ يَسْرقْ فقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} قال: كانت أم يوسف أمرت يوسف يسرق صنـماً لـخاله يعبده، كانت مسلـمة.

وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبـي، قال: كان بنو يعقوب علـى طعام، اضطرّ يوسف إلـى عَرْق فخبأه، فعيروه بذلك{ إن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}.

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد أبـي الـحجاج، قال: كان أول ما دخـل علـى يوسف من البلاء فـيـما بلغنـي أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إلـيها منطقة إسحاق، وكانوا يتوارثونها بـالكَبر، فكان من اختصّ بها مـمن ولـيها كان له سَلَـماً لا ينازع فـيه، يصنع فـيه ما شاء. وكان يعقوب حين ولد له يوسف، كان قد حضنته عمته، فكان معها وإلـيها، فلـم يحب أحد شيئاً من الأشياء حبها إياه. حتـى إذا ترعرع وبلغ سنوات، ووقعت نفس يعقوب علـيه، أتاها فقال: يا أخية سلّـمي إلـيّ يوسف، فوالله ما أقدر علـى أن يغيب عنـي ساعة فقالت: والله ما أنا بتاركته، والله ما أقدر أن يغيب عنـي ساعة قال: فوالله ما أنا بتاركه قالت: فدعه عندي أياماً أنظر إلـيه وأسكن عنه، لعل ذلك يسلـينـي عنه أو كما قالت. فلـما خرج من عندها يعقوب عمدت إلـى منطقة إسحاق فحزمتها علـى يوسف من تـحت ثـيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فـانظروا من أخذها ومن أصابها فـالتُـمست، ثم قالت: اكشفوا أهل البـيت فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لـي لسلـم أصنع فـيه ما شئت. قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الـخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلـم لك، ما أستطيع غير ذلك. فأمسكته فما قدر علـيه يعقوب حتـى ماتت. قال: فهو الذي تقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}.

قال ابن حميد: قال ابن إسحاق: لما رأى بنو يعقوب ما صنع أخو يوسف ولم يشكوا أنه سرق قالوا: أسفا عليهم في أنفسهم تأنيباً له: {إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}. فلـما سمعها يوسف {قالَ أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً} سرًّا فـي نفسه {ولَـمْ يُبْدِها لَهُمْ واللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَصِفُونَ}.

وقوله: {فَأسَرَّها يُوسُفُ فِـي نَفْسِهِ ولَـمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَصِفُونَ } يعنـي بقوله: «فأسرّها»: فأضمرها، وقال: «فأسرّها» فأنث، لأنه عنى بها الكلـمة، وهي: «أنتـمّ شرّ مكاناً، والله أعلـم بـما تصفون»، ولو كانت جاءت بـالتذكير كان جائزاً، كما قـيـل: تِلْكَ مِنْ أنْبـاءِ الغَيْبِ و ذلكَ منْ أنْبـاءِ القُرَى، وكنـى عن الكلـمة ولـم يجر لها ذكر متقدّم، والعرب تفعل ذلك كثـيراً، إذا كان مفهوماً الـمعنى الـمراد عند سامعي الكلام. وذلك نظير قول حاتـم الطائي:

أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الفَتىإذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِها الصَّدْرُ

يريد: وضاق بـالنفس الصدر. فكنـى عنها ولـم يجر لها ذكر، إذ كان فـي قوله: «إذا حشرجت يوماً»، دلالة لسامع كلامه علـى مراده بقوله: «وضاق بها». ومنه قول الله: { ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ للَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحيـمٌ }فقال: «من بعدها»، ولـم يجر قبل ذلك ذكر لاسم مؤنث.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فَأسَرَّها يُوسُفُ فِـي نَفْسِهِ ولَـمْ يُبْدِها لَهُمْ} أما الذي أسرّ فـي نفسه فقوله: {أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَصِفُونَ}.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { فَأسَرَّها يُوسُفُ فِـي نَفْسِهِ ولَـمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَصِفُونَ } قال هذا القول.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فَأسَرَّها يُوسُفُ فِـي نَفْسِهِ ولَـمْ يُبْدِها لَهُمْ} يقول: أسرّ فـي نفسه قوله: {أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً وَاللّهُ أعْلَـمُ بـمَا تَصِفُونَ}.

وقوله: { وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـما تَصِفُونَ } يقول: والله أعلـم بـما تكذّبون فـيـما تصفون به أخاه بنـيامين.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـما تَصِفُونَ } يقولون: يوسف يقوله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَصِفُونَ}: أي بـما تكذبون.

فمعنى الكلام إذن: فأسرّها يوسف فـي نفسه ولـم يبدها لهم، قال: أنتـم شرّ عند الله منزلاً مـمن وصفتـموه بأنه سرق، وأخبث مكاناً بـما سلف من أفعالكم، والله عالـم بكذبكم، وأن جهله كثـير مـمن حضر من الناس.

وذُكر أن الصواع لـما وُجد فـي رحل أخي يوسف تلاوم القوم بـينهم، كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما استـخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم، وقالوا: يا بنـي راحيـل، ما يزال لنا منكم بلاء حتـى أخذت هذا الصواع فقال بنـيامين: بل بنو راحيـل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتـم بأخي فأهلكتـموه فـي البرية، وضع هذا الصواع فـي رحلـي الذي وضع الدراهم فـي رحالكم. فقالوا: لا تذكر الدراهم فنؤخذ بها. فلـما دخـلوا علـى يوسف دعا بـالصواع، فنقر فـيه، ثم أدناه من أذنه، ثم قال: إن صواعي هذا لـيخبرنـي أنكم كنتـم اثنـي عشر رجلاً، وأنكم انطلقتـم بأخ لكم فبعتـموه. فلـما سمعها بنـيامين، قام فسجد لـيوسف، ثم قال: أيها الـملك، سل صواعك هذا عن أخي أحيّ هو؟ فنقره، ثم قال: هو حيّ، وسوف تراه. قال: فـاصنع بـي ما شئت، فإنه إن علـم بـي سوف يستنقذنـي. قال: فدخـل يوسف فبكى، ثم توضأ، ثم خرج فقال بنـيامين: أيها الـملك إنـي أريد أن تضرب صواعك هذا فـيخبرك بـالـحقّ، فسله من سرقه فجعله فـي رحلـي؟ فنقره فقال: إن صواعي هذا غضبـان، وهو يقول: كيف تسألنـي عن صاحبـي، وقد رؤيت مع من كنت قال: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لـم يطاقوا، فغضب روبـيـل، فقال: أيها الـملك، والله لتتركنا أو لأصيحنّ صيحة لا يبقـى بـمصر امرأة حامل إلاَّ ألقت ما فـي بطنها وقامت كلّ شعرة فـي جسد روبـيـل، فخرجت من ثـيابه، فقال يوسف لابنه: قم إلـى جنب روبـيـل فمسّه وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه، فمرّ الغلام إلـى جنبه فمسه، فذهب غضبه، فقال روبـيـل: من هذا؟ إن فـي هذا البلد لبزراً من بَزْر يعقوب. فقال يوسف: من يعقوب؟ فغضب روبـيـل فقال: يا أيها الـملك لا تذكر يعقوب، فإنه سَرِيُّ الله، ابن ذبـيح الله، ابن خـلـيـل الله. قال يوسف: أنت إذن كنت صادقاً.

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٧٨

يقول تعالـى ذكره: قالت إخوة يوسف لـيوسف:{ يا أيُّها العَزِيزُ } يا أيها الـملك {إنَّ لَهُ أبـا شَيْخاً كَبِـيراً} كَلِفـاً بحبه، يعنون يعقوب. {فَخُذْ أحَدنا مَكانَهُ} يعنون فخذ أحداً منا بدلاً من بنـيامين، وخـلّ عنه. {إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ} يقولون: إنا نراك من الـمـحسنـين فـي أفعالك.

وقال مـحمد بن إسحاق فـي ذلك، ما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إنَّا نَراكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ} إنا نرى ذلك منك إحساناً إن فعلت.

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّظَٰلِمُونَ ۝٧٩

يقول تعالـى ذكره: قال يوسف لإخوته: {مَعاذَ اللّهِ} أعوذ بـالله. وكذلك تفعل العرب فـي كل مصدر وضعته موضع يَفْعَل ويَفْعِل، فإنها تنصب، كقولهم: حمداً لله وشكراً له، بـمعنى: أحمد الله وأشكره والعرب تقول فـي ذلك: معاذ الله، ومعاذة الله، فتدخـل فـيه هاء التأنـيث كما يقولون: ما أحسن معناه هذا الكلام، وعوذ الله، وعوذة الله، وعياذ الله ويقولون: اللهمّ عائذاً بك، كأنه قـيـل: أعوذ بك عائذاً، أو أدعوك عائذاً. {أنْ نَأْخُذَ إلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ} يقول: أستـجير بـالله من أن نأخذ بريئاً بسقـيـم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {قالَ مَعاذَ اللّهِ أنْ نَأْخُذَ إلاَّ مَنْ وَجَدْنا متَاعَنا عِنْدَهُ إنَّا إذًا لَظالِـمُونَ } يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا عنده أنا إذاً نفعل ما لـيس لنا فعله، ونـجور علـى الناس.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: {قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبـاً شَيْخاً كَبِـيراً فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسنِـين قالَ مَعاذَ اللّهِ أنْ نَأْخُذَ إلاَّ مَنْ وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنَّا إذًا لَظالِـمُونَ} قال يوسف: إذا أتـيتـم أبـاكم فأقرئوه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك أن لا تـموت حتـى ترى ابنك يوسف، حتـى يعلـم أن فـي أرض مصر صدّيقـين مثله.

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝٨٠

يعنـي تعالـى ذكره: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} فلـما يئسوا منه من أن يخـلـى يوسف عن بنـيامين ويأخذ منهم واحداً مكانه وأن يجيبهم إلـى ما سألوه من ذلك. وقوله: {اسْتَـيْأَسُوا} استفعلوا، من يئس الرجل من كذا يـيأس. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَلَـمَّا اسْتَـيْأَسُوا مِنْهُ} يئسوا منه ورأوا شدّته فـي أمره.

وقوله: {خَـلَصُوا نَـجِيًّا} يقول بعضهم لبعض: يتناجون، لا يختلط بهم غيرهم. والنـجيّ جماعة القوم الـمنتـجين يسمى به الواحد والـجماعة، كما يقال: رجل عدل ورجال عدل، وقوم زور وفطر، وهو مصدر من قول القائل: نـجوت فلاناً أنـجوه نـجيًّا، جعل صفة ونعتاً. ومن الدلـيـل علـى أن ذلك كما ذكرنا قول الله تعالـى: {وَقَرَّبْناهُ نَـجِيًّا} فوصف به الواحد، وقال فـي هذا الـموضع: {خَـلَصوا نَـجِيًّا} فوصف به الـجماعة، ويجمع النَّـجِيّ أنـجية، كما قال لبـيد:

وشَهدْتُ أنْـجِيَةَ الأُفـاقَةِ عالِـياًكَعْبِـي وأرْدَافُ الـمُلُوكِ شُهُودُ

وقد يقال للـجماعة من الرجال: نـجوى، كما قال جلّ ثناؤه: { وَإذْ هُمْ نَـجْوَى }وقال: { ما يَكُونُ مِنْ نَـجْوَى ثَلاثَةٍ } وهم القوم الذين يتناجون. وتكون النـجوى أيضاً مصدراًكما قال الله: { وإنَّـمَا النَّـجْوَى مِنَ الشَّيْطانِ }تقول منه: نـجوت أنـجو نـجوى، فهي فـي هذا الـموضع: الـمناجاة نفسها، ومنه قول الشاعر:

بُنَـيَّ بَدَا خِبُّ نَـجْوَى الرّجالِفَكُنْ عِنْدَ سِرّكَ خَبَّ النَّـجِي

فـالنـجوى والنـجيّ فـي هذا البـيت بـمعنى واحد، وهو الـمناجاة، وقد جمع بـين اللغتـين.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله: {خَـلَصُوا نَـجِيًّا} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: {فَلَـمَّا اسْتَـيْأَسُوا مِنْهُ خَـلَصُوا نَـجِيًّا} وأخـلص لهم شمعون، وقد كان ارتهنه، خَـلَوْا بـينهم نـجيًّا يتناجون بـينهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {خَـلَصُوا نَـجِيًّا} خـلصوا وحدهم نـجيًّا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {خَـلَصُوا نَـجِيًّا}: أي خلا بعضهم ببعض، ثم قالوا: ماذا ترون.

وقوله: {قالَ كَبِـيرُهُمْ} اختلف أهل العلـم فـي الـمعنـيّ بذلك، فقال بعضهم: عنى به كبـيرهم فـي العقل والعلـم، لا فـي السنّ، وهو شمعون، قالوا: وكان روبـيـل أكبر منه فـي الـميلاد. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {قالَ كَبـيرُهُمْ} قال: هو شمعون الذي تـخـلف، وأكبر منه، وأكبر منهم فـي الـميلاد روبـيـل.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {قالَ كَبـيرهُمْ}: شمعون الذي تـخـلف، وأكبر منه فـي الـميلاد روبـيـل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن سفـيان، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {قالَ كَبـيرُهُمْ} قال: شمعون الذي تـخـلف، وأكبرهم فـي الـميلاد روبـيـل.

وقال آخرون: بل عَنَى به كبـيرهم فـي السنّ وهو روبـيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قالَ كَبـيرُهُمْ} وهو روبـيـل أخو يوسف، وهو ابن خالته، وهو الذي نهاهم عن قتله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {قالَ كَبـيرهُمْ} قال: رُوبـيـل، وهو الذي أشار علـيهم أن لا يقتلوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: { قالَ كَبـيرُهُمْ} فـي العلـم {أنَّ أبـاكُمْ قَدْ أخَذَ عَلَـيْكُمْ مَوْثقاً مِنَ اللّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُـمْ فِـي يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ...} الآية، فأقام روبـيـل بـمصر، وأقبل التسعة إلـى يعقوب فأخبروه الـخبر، فبكى وقال: يا بنـيّ ما تذهبون مرّة إلاَّ نقصتـم واحداً، ذهبتـم مرّة فنقصتـم يوسف، وذهبتـم الثانـية فنقصتـم شمعون، وذهبتـم الآن فنقصتـم روبـيـل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { فَلَـمَّا اسْتَـيْأَسُوا مِنْهُ خَـلَصُوا نَـجِيًّا} قال: ماذا ترون؟ فقال رُوبـيـل كما ذُكر لـي، وكان كبـير القوم: {ألَـمْ تَعْلَـمُوا أنَّ أبـاكمْ قَدْ أخَذَ عَلَـيْكمْ مَوْثِقاً مِنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِـي بِهِ إلاَّ أنْ يُحاطَ بِكُمْ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُـمْ فِـي يُوسُفَ...} الآية.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة قول من قال: عنى بقوله: {قالَ كَبـيرُهُمْ} رُوبـيـل لإجماع جميعهم علـى أنه كان أكبرهم سنًّا، ولا تفهم العرب فـي الـمخاطبة إذا قـيـل لهم: فلان كبـير القوم مطلقاً بغير وصل إلاَّ أحد معنـيـين، إما فـي الرياسة علـيهم والسؤدد وإما فـي السنّ، فأما فـي العقل فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه، فقالوا: هو كبـيرهم فـي العقل، فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك فلا يفهم إلاَّ ما ذكرت. وقد قال أهل التأويـل: لـم يكن لشمعون وإن كان قد كان من العلـم والعقل بـالـمكان الذي جعله الله به علـى إخوته رياسة وسؤدد، فـيعلـم بذلك أنه عنى بقوله: {قالَ كَبِـيرُهُمْ} فإذا كان ذلك كذلك فلـم يبق إلاَّ الوجه الآخر، وهو الكبر فـي السنّ، وقد قال الذين ذكرنا جميعاً: رُوبـيـل كان أكبر القوم سنًّا، فصحّ بذلك القول الذي اخترناه.

وقوله: {ألَـمْ تَعْلَـمُوا أنَّ أبـاكُمْ قَدْ أخَذَ عَلَـيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللّهِ} يقول: ألـم تعلـموا أيها القوم أن أبـاكم يعقوب قد أخذ علـيكم عهود الله ومواثـيقه لنأتـينه به جميعاً، إلاَّ أن يُحاط بكم، ومن قبل فعلتكم هذه تفريطكم فـي يوسف يقول: أو لـم تعلـموا من قبل هذا تفريطكم فـي يوسف. وإذا صرف تأويـل الكلام إلـى هذا الذي قلناه، كانت «ما» حينئذٍ فـي موضع نصب. وقد يجوز أن يكون قوله: {وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُـمْ فِـي يُوسُفَ} خبراً مبتدأ، ويكون قوله: {ألَـمْ تَعْلَـمُوا أنَّ أبـاكُمْ قَدْ أخَذَ عَلَـيْكُمْ مَوْثِقا مِنَ اللّهِ} خبراً متناهياً، فتكون «ما» حينئذٍ فـي موضع رفع، كأنه قـيـل: ومن قبل هذا تفريطكم فـي يوسف، فتكون «ما» مرفوعة ب «من» قبل هذا، ويجوز أن تكون «ما» التـي تكون صلة فـي الكلام، فـيكون تأويـل الكلام: ومن قبل هذا تفريطكم فـي يوسف.

وقوله: {فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ} التـي أنا بها وهي مصر فأفـارقها، {حتـى يَأْذَنَ لـي أبـي} بـالـخروج منها، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ} التـي أنا بها الـيوم، {حتـى يَأْذَنَ لـي أبِـي} بالخروج منها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال شمعون: {لَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حتـى يَأْذَنَ لـي أبِـي أوْ يَحْكُمَ اللّهُ لـي وَهُوَ خَيْرُ الـحاكمِينَ}.

وقوله: {أوْ يَحْكُمَ اللّهُ لـي}: أو يقضَي لـي ربـي بـالـخروج منها وترك أخي بنـيامين، وإلاَّ فإنـي غير خارج: {وَهُوَ خَيْرُ الـحاكمينَ} يقول: والله خير من حكم وأعدل من فصَل بـين الناس.

وكان أبو صالـح يقول فـي ذلك بـما:

حدثنـي الـحسين بن يزيد السبـيعيّ، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح فـي قوله: {حتـى يَأْذَنَ لـي أبِـي أوْ يَحْكُمَ اللّهُ لـي} قال: بـالسيف.

وكأن أبـا صالـح وجه تأويـل قوله: {أوْ يَحْكُمَ اللّهُ لـي} إلـى: أو يفضي الله لـي بِحَربَ مَنْ منعنـي من الانصراف بأخي بنـيامين إلـى أبـيه يعقوب، فأحاربه.

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ ۝٨١

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قيل رُوبيل لإخوته حين أخذ يوسف أخاه بـالصواع الذي استـخرج من وعائه: {ارْجِعُوا } إخوتـي {إلـى أبِـيكُمْ} يعقوب {فَقُولُوا} له {يا أبـانَا إنَّ ابْنكَ} بنيامين {سَرَقَ}. والقراءة علـى قراءة هذا الـحرف بفتـح السين والراء والتـخفـيف: {إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ}. ورُوي عن ابن عبـاس: «إِن ابْنَكَ سُرِّقَ» بضم السين وتشديد الراء، علـى وجه ما لـم يسمّ فـاعله، بـمعنى: أنه سُرِّق. {وَما شَهِدْنا إلاَّ بِـمَا عَلِـمْنا}.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وما قلنا إنه سَرَق إلاَّ بظاهر علـمنا بأن ذلك كذلك، لأن صوَاع الـملك أصيب فـي وعائه دون أوعية غيره. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {ارْجِعُوا إلـى أبِـيكُمْ} فإنـي ما كنت راجعاً حتـى يأتـينـي أمره، {فقُولُوا يا أبـانَا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إلاَّ بِـمَا عَلِـمْنا}: أي قد وُجِدَت السرقة فـي رحله، ونـحن ننظر لا علـم لنا بـالغيب. {وَما كُنَّا للغَيْبِ حافِظِينَ}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إلاَّ بـما علـمنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال لهم يعقوب علـيه السلام: ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلاَّ بقولكم؟ فقالوا: {ما شَهِدْنا إلاَّ بِـمَا عَلِـمْنا} لـم نشهد أن السارق يؤخذ بسرقته إلاَّ وذلك الذي علـمنا. قال: وكان الـحكم عند الأنبـياء يعقوب وبنـيه أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً فـيسترقّ.

وقوله: {وَما كُنَّا للغَيْبِ حافِظِينَ} يقول: وما كنا نرى أن ابنك يَسْرِق ويصير أمرنا إلـى هذا، وإنـما قلنا {ونَـحْفَظُ أخانا} مـما لنا إلـى حفظه منه السبـيـل.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسين بن الـحريث أبو عمار الـمروزي، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن الـحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: {وَما كُنَّا للغَيْبِ حافِظِين} قال: ما كنا نعلـم أن ابنك يسرق.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَما كُنَّا للغَيْبِ حافِظِينَ} لـم نشعر أنه سيسرق.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَما كُنَّا للغَيْبِ حافِظِينَ } قال: لـم نشعر أنه سيسرق.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَما كُنَّا للغَيْبِ حافِظِينَ} قال: لـم نشعر أنه سيسرق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد وأبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة: {وَما كُنَّا للغَيْبِ حافِظِين} قال: ما كنا نظنّ ولا نشعر أنه سيسرق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَما كُنَّا للغَيْبِ حافِظِينَ} قال: ما كنا نرى أنه سيسرق.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَما كُنَّا للغَيْبِ حافِظِينَ} قال: ما كنا نظنّ أن ابنك يسرق.

وأولى التأويلين بـالصواب عندنا فـي قوله: {وَما شَهِدْنا إلاَّ بِـمَا عَلِمْنا} قول من قال: وما شهدنا بأن ابنك سرق إلاَّ بـما علـمنا من رؤيتنا للصواع فـي وعائه لأنه عقـيب قوله: {إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} فهو بأن يكون خبراً عن شهادتهم بذلك أولـى من أن يكون خبراً عما هو منفصل. وذكر أن الغيب فـي لغة حمير هو اللـيـل بعينه.

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ۝٨٢

يقول: وإن كنت متهماً لنا لا تصدّقنا على ما نقول من أن ابنك سرق، فـاسأل القرية التـي كنا فـيها، وهي مصر. يقول: سل من فـيها من أهلها، {والعِيرَ التـي أقْبَلْنا فِـيها} وهي القافلة التـي كنا فـيها، التـي أقبلنا منها معها، عن خبر ابنك وحقـيقة ما أخبرناك عنه من سرقه، فإنك تـخبر مصداق ذلك. {وإنَّا لَصَادِقونَ} فـيـما أخبرناك من خبره.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {واسأَلِ القَرْيَةَ التـي كنا فِـيها} وهي مصر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَاسأَلِ القَرْيَةَ التـي كُنَّا فِـيها} قال: يعنون مصر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قد عرف رُوِبـيـل فـي رَجْع قوله لإخوته أنهم أهلِ تَهَمة عند أبـيهم، لـما كانوا صنعوا فـي يوسف، وقولهم له: {اسألِ القَرْيَةَ التـي كُنَّا فِـيها والعِيرَ التـي أقْبَلْنا فِـيها} فقد علـموا ما علـمنا وشهدوا ما شهدنا إن كنت لا تصدقنا {وَإنَّا لَصَادِقُونَ}.

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ۝٨٣

قال أبو جعفر: فـي الكلام متروك، وهو: فرجع إخوة بنـيامين إلـى أبـيهم، وتـخـلَّف روبـيـل، فأخبروه خبره، فلـما أخبروه أنه سرق قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْراً} يقول: بل زيَّنت لكم أنفكسم أمراً همـمتـم به وأردتـموه. {فصَبْرٌ جَمِيـلٌ} يقول: فصبري علـى ما نالنـي من فقد ولدي صبر جميـل لا جزع فـيه ولا شكاية، عسى الله أن يأتـينـي بأولادي جميعاً فـيردّهم علـيّ. {إنَّهُ هُوَ العَلِـيـمُ} بوحدتـي وبفقدهم وحزنـي علـيهم وصدق ما يقولون من كذبه. {الـحَكِيـمِ} فـي تدبـيره خـلقه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْراً فَصَبْرٌ جَمِيـلٌ} يقول: زينت.

وقوله: {عَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِـيَنِـي بِهِمْ جَمِيعاً} يقول: بـيوسف وأخيه وروبيل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما جاءوا بذلك إلـى يعقوب، يعنـي بقول روبـيـل لهم اتهمهم، وظنّ أن ذلك كفعلتهم بـيوسف، ثم قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْراً فَصَبْرٌ جَميـلٌ عَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِـيَنِـي بهِمْ جَميعاً}: أي بـيوسف وأخيه وروبـيـل.

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ۝٨٤

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَتَوَلَّـى عَنْهُمْ} وأعرض عنهم يعقوب، {وَقالَ يا أسَفـا علـى يُوسُفَ} يعنـي: يا حزنا علـيه. يقال: إن الأسف هو أشدّ الـحزن والتندم، يقال منه: أسفت علـى كذا آسف علـيه أسفـاً. يقول الله جلّ ثناؤه: وابـيضت عينا يعقوب من الـحزن {فَهُوَ كَظِيـمٌ} يقول: فهو مكظوم علـى الـحزن، يعنـي أنه مـملوء منه مـمسك علـيه لا يبـينه صرف الـمفعول منه إلـى فعيـل. ومنه قوله: {والكاظِمِينَ الغَيْظَ } وقد بـيَّنا معناه بشواهده فـيـما مضى.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ما قلنا فـي تأويـل قوله {وَقالَ يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ}:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَتَوَلَّـى عَنْهُمْ} أعرض عنهم، وتتامّ حزنه، وبلغ مـجهوده، حين لـحق بـيوسف أخوه وهيَّج علـيه حزنه علـى يوسف، فقال: {يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ وابْـيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الـحُزْنِ فَهُوَ كَظِيـمٌ}.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَتَوَلَّـى عَنْهُمْ وَقالَ يا أسَفـا علـى يُوسُفَ } يقول: يا حَزَنَى علـى يوسف.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ}: يا حَزَنَا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ}: يا جزعاه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ} يا جزعاه حزناً.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ} قال: يا جزعا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ} أي حزناه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ} قال: يا حزناه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن حميد الـمَعْمَري، عن معمر، عن قتادة، نـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَقالَ يا أسَفـا علـى يُوسُفَ....}

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي حجيرة، عن الضحاك: {يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ} قال: يا حَزَنا علـى يوسف.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أبـي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: يا أسَفَـا يا حزناه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: ثنـي هشيـم، قال: أخبرنا جويبر عن الضحاك: {يا أسَفَـا} يا حزنا علـى يوسف.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن سفـيان العصفري، عن سعيد بن جبـير، قال: لـم يعط أحدٌ غير هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلـى قول يعقوب: {يا أسَفَـا علـى يُوسُفَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن سعيد بن جبـير، نـحوه.

ذكر من قال ما قلنا فـي تأويـل قوله تعالـى {وَابْـيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الـحُزْنِ فَهُوَ كَظِيـمٌ}:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فهُوَ كَظِيـمٌ} قال: كظيـم الـحزن.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: كظيـم الـحزن.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: الـحزن.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَهُوَ كَظِيـمٌ} مكمود.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {فَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: كظيـم علـى الـحزن.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {فَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: الكظيـم: الكميد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {فَهُو كَظِيـمٌ} قال كميد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {كَظِيـمٌ} قال: كميد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَابْـيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الـحُزْنِ فَهُوَ كَظِيـمٌ} يقول: يردّد حزنه فـي جوفه ولـم يتكلـم بسوء.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، فـي قوله: {فَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: كظيـم علـى الـحزن فلـم يقل بأساً.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا الـحسين بن الـحسن، قال: ثنا ابن الـمبـارك، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَابْـيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الـحُزْنِ فَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: كظيـم علـى الـحزن فلـم يقل إلاَّ خيراً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن يزيد بن زُريع، عن عطاء الـخراسانـيّ: {فَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: مكروب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: {فَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: من الغيظ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَابْـيَضَّتْ عَيناهْ مِنَ الـحُزْنِ فَهُوَ كَظِيـمٌ}. قال: الكظيـم: الذي لا يتكلـم، بلغ به الـحزن حتـى كان لا يكلـمهم.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ