انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير الطبريالآيات 55–75

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يوسف

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:24:35

  1. 1 الآيات 53–76في هذه الصفحة 16:52

التفسير الصوتي لسورة يوسف كاملًا (6 مقاطع)

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ ۝٥٥

يقول جلّ ثناؤه: قال يوسف للـملك: اجعلنـي علـى خزائن أرضك، وهي جمع خِزانة، والألف واللام دخـلتا فـي الأرض خـلفـا من الإضافة، كما قال الشاعر.

والأحْلامُ غيرُ عَوَازِبِ

وهذا من يوسف صلوات الله علـيه مسألة منه للـملك أن يولـيه أمر طعام بلده وخراجها، والقـيام بأسبـاب بلده، ففعل ذلك الـملك به فـيـما بلغنـي. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {اجْعَلْنِـي علـى خَزَائِنِ الأرْضِ} قال: كان لفرعون خزائن غير الطعام، قال: فأسلـم سلطانه كله إلـيه، وجعل القضاء إلـيه، أمره وقضاؤه نافذ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا إبراهيـم بن الـمختار، عن شيبة الضبـي، فـي قوله: {اجْعَلْنِـي علـى خَزَائِنِ الأَرْضِ } قال: علـى حفظ الطعام.

وقوله:{ إنّـي حَفـيظٌ عَلِـيـمٌ } اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله، فقال بعضهم: معنى ذلك: إنـي حفـيظ لـما استودعتنـي علـيـم بـما ولـيتنـي. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إنّـي حَفِـيظٌ عَلِـيـمٌ} إنـي حافظ لـما استودعتنـي، عالـم بـما ولَّـيتنـي. قال:: قد فعلت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّـي حَفِـيظٌ عَلِـيـمٌ} يقول: حفـيظ لـما ولـيتُ، علـيـم بأمره.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا إبراهيـم بن الـمختار، عن شيبة الضبـي فـي قوله:{ إنّـي حَفِـيظٌ عَلِـيـمٌ} يقول: إنـي حفـيظ لـما استودعتنـي، علـيـم بسنـي الـمـجاعة.

وقال آخرون: إنـي حافظ للـحساب، علـيـم بـالألسن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن الأشجعي:{ إنّـي حَفِـيظٌ عَلِـيـمٌ}: حافظ للـحساب، علـيـم بـالألسن.

وأولـى القولـين عندنا بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: إنـي حافظ لـما استودعتنـي، عالـم بـما أولـيتنـي، لأن ذلك عقـيب قوله:{ اجْعَلْنِـي علـى خَزَائِنِ الأرْضِ } ومسألته الـملك استكفـاءة خزائن الأرض، فكان إعلامه بأن عنده خبرة فـي ذلك، وكفـايته إياه، أشبه من إعلامه حفظه الـحساب ومعرفته بـالألسن.

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٦

يقول تعالـى ذكره: وهكذا وطأنا لـيوسف فـي الأرض، يعنـي أرض مصر. {يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ} يقول: يتـخذ من أرض مصر منزلاً حيث يشاء بعد الـحبس والضيق. {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ} من خـلقنا، كما أصبنا يوسف بها، فمكنَّا له فـي الأرض بعد العبودة والإسار وبعد الإلقاء فـي الـجبّ. {وَلا نُضِيعُ أجْرَ الـمُـحْسِنِـينَ} يقول: ولا نُبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه وعمل بـما أمره وانتهى عما نهاه عنه، كما لـم نبطل جزاء عمل يوسف إذ أحسن فأطاع الله. وكان تـميكن الله لـيوسف فـي الأرض، كما:

حدثنا ابن حميد، ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما قال يوسف للـملك:

{ اجْعَلْنِـي علـى خَزَائِنِ الأرْضِ إنّـي حَفِـيظٌ عَلِـيـمٌ } قال الـملك: قد فعلت فولاه فـيـما يذكرون عمل إطفـير وعزل إطفـير عما كان علـيه، يقول الله: {وكذلكَ مَكَّنا لِـيُوسُفَ فِـي الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ}... الآية. قال: فذكر لـي والله أعلـم أن إطفـير هلك فـي تلك اللـيالـي، وأن الـملك الرَّيان بن الولـيد زوّج يوسف امرأة إطفـير راعيـل، وأنها حين دخـلت علـيه قال: ألـيس هذا خير مـما كنت تريدين؟ قال: فـيزعمون أنها قالت: أيها الصدّيق لا تلُـمنـي، فإنـي كنتُ امرأة كما ترى حُسناً وجمالاً، ناعمة فـي مُلك ودنـيا، وكان صاحبـي لا يأتـي النساء، وكنتَ كما جعَلك الله فـي حُسنك وهيئتك، فغلبتنـي نفسي علـى ما رأيت. فـيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها، فولدت له رجلـين: إفراثـيـم بن يوسف، وميشا بن يوسف.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: {وكذلكَ مَكَّنا لـيُوسُفَ فِـي الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ} قال: استعمله الـملك علـى مصر، وكان صاحب أمرها، وكان يـلـي البـيع والتـجارة وأمرها كله، فذلك قوله: {وكذلكَ مَكنَّا لِـيُوسُفَ فِـي الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يشاءُ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ} قال: ملكناه فـيـما يكون فـيها حيث يشاء من تلك الدنـيا، يصنع فـيها ما يشاء، فُوِّضَتْ إلـيه. قال: ولو شاء أن يجعل فرعون من تـحت يديه، ويجعله فوقه لفعل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو، قال: أخبرنا هشيـم، عن أبـي إسحاق الكوفـي، عن مـجاهد، قال: أسلـم الـملك الذي كان معه يوسف.

وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ۝٥٧

يقول تعالـى ذكره: ولثواب الله فـي الآخرة خير للذين آمنوا يقول: للذين صدّقوا الله ورسوله مـما أعطى يوسف فـي الدنـيا من تـمكينه له فـي أرض مصر.{ وكانُوا يَتَّقُونَ } يقول: وكانوا يتقون الله فـيخافون عقابه فـي خلاف أمره واستـحلال مـحارمه، فـيطيعونه فـي أمره ونهيه.

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ۝٥٨

يقول تعالـى ذكره: {وَجاءَ إخْوةُ يُوسُفَ فَدَخَـلُوا عَلَـيْهِ فَعَرَفَهُمْ} يوسف،{ وَهُمْ } لـيوسف {مُنْكِرونَ }لا يعرفونه. وكان سبب مـجيئهم يوسف فـيـما ذكر لـي، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما اطمأنّ يوسف فـي ملكه، وخرج من البلاء الذي كان فـيه، وخـلت السنون الـمخصبة التـي كان أمرهم بـالإعداد فـيها للسنـين التـي أخبرهم بها أنها كائنة، جهد الناس فـي كلّ وجه، وضربوا إلـى مصر يـلتـمسون بها الـميرة من كلّ بلدة. وكان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الـجهد، قد أسا بـينهم، وكان لا يحمل للرجل إلا بعيراً واحداً، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين، تقسيطاً بـين الناس، وتوسيعاً علـيهم، فقدم إخوته فـيـمن قدم علـيه من الناس يـلتـمسون الـميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون، لـما أراد الله أن يبلِّغ لـيوسف علـيه السلام ما أراد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: أصاب الناس الـجوع، حتـى أصاب بلاد يعقوب التـي هو بها، فبعث بنـيه إلـى مصر، وأمسك أخا يوسف بنـيامين فلـما دخـلوا علـى يوسف عرفهم وهم له منكرون فلـما نظر إلـيهم، قال: أخبرونـي ما أمركم، فإنـي أُنكِر شأنكم قالوا: نـحن قوم من أرض الشأم. قال: فما جاء بكم؟ جئنا نـمتار طعاماً. قال: كذبتـم، أنتـم عيون كم أنتـم؟ قالوا: عشرة. قال: أنتـم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف، فأخبرونـي خبرَكم قالوا: إنا إخوة بنو رجل صِدّيق، وإنا كنا اثنـي عشر، وكان أبونا يحبّ أخاً لنا، وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فـيها، وكان أحبنا إلـى أبـينا. قال: فإلـى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلـى أخ لنا أصغر منه. قال: فكيف تـخبرونـي أن أبـاكم صدّيق وهو يحبّ الصغير منكم دون الكبـير؟ ائتونـي بأخيكم هذا حتـى أنظر إلـيه

{ فإنْ لَـمْ تَأَتُونِـي بِهِ فَلا كَيْـلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أبـاهُ وإنَّا لَفـاعِلُونَ } قال: فضعوا بعضكم رهينة حتـى ترجعوا فوضعوا شمعون.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} قال: لا يعرفونه.

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ۝٥٩

يقول: ولـما حمل يوسف لإخوته أبـا عرهم من الطعام، فأوقر لكل رجل منهم بعيره، قال لهم: {ائْتُونِـي بأخٍ لَكُمْ مِنْ أبِـيكُمْ } كيـما أحمل لكم بعيراً آخر فتزدادوا به حمل بعير آخر.{ ألا تَرَوْنَ أنّـي أوفِـي الكَيْـلِ } فلا أبخسه أحداً{ وأنا خَيْرُ الـمُنْزِلِـينَ}، وأنا خير من أنزل ضيفـاً علـى نفسه من الناس بهذه البلدة، فأنا أضيفكم. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{وأنا خَيْرُ الـمُنْزِلِـينَ } يوسف يقول: أنا خير من يضيف بـمصر.

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما جهز يوسف فـيـمن جهز من الناس، حمل لكلّ رجل منهم بعيراً بعدتهم، ثم قال لهم:{ ائْتُونِـي بأخٍ لَكُمْ مِنْ أبِـيكُمْ} أجعل لكم بعيراً آخر، أو كما قال.{ ألا تَرَوْنَ أنِّـي أُوفِـي الكَيْـلَ}: أي لا أبخس الناس شيئاً، {وأنا خَيْرُ الـمُنْزِلِـينَ}: أي خير لكم من غيري، فإنكم إن أتـيتـم به أكرمت منزلتكم وأحسنت إلـيكم، وازددتـم به بعيراً مع عدتكم، فإنـي لا أعطي لكم كل رجل منكم إلا بعيراً.

{ فإنْ لَـمْ تَأْتُونِـي بِهِ فَلا كَيْـلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ } لا تقربوا بلدي.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ ائْتُونِـي بأخٍ لَكُمْ مِنْ أبِـيكُمْ } يعنـي بنـيامين، وهو أخو يوسف لأبـيه وأمه.

فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ ۝٦٠

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قـيـل يوسف لإخوته:{ فإنْ لَـمْ تَأَتُونِـي بِهِ} بأخيكم من أبـيكم،{ فَلاَ كَيْـلَ لَكُمْ عِنْدِي} يقول: فلـيس لكم عندي طعام أكيـله لكم،{ وَلا تَقْرَبُونِ } يقول: ولا تقربوا بلادي.

وقوله: {وَلا تَقْرَبُونِ} فـي موضع جزم بـالنهي، والنون فـي موضع نصب، وكسرت لـما حُذفت ياؤها، والكلام: ولا تقربونـي.

قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ۝٦١ وَقَالَ لِفِتْيَٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٦٢

يقول تعالـى ذكره: قال إخوة يوسف لـيوسف إذ قال لهم:

{ ائْتُونِـي بأخٍ لَكُمْ مِنْ أبِـيكُمْ }،{قالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أبـاهُ } ونسأله أن يخـلـيه معنا حتـى نَـجِيء به إلـيك،{ وَإنَّا لَفـاعِلُونَ} يعنون بذلك: وإنا لفـاعلون ما قلنا لك أنا نفعله من مراودة أبـينا عن أخينا منه ولنـجتهدن. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَإنَّا لَفـاعِلُونَ} لنـجتهدنّ.

وقوله:{ وَقال لِفِتْـيانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِـي رِحالِهِمْ } يقول تعالـى ذكره: وقال يوسف لِفتـيانه، وهم غلـمانه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَقالَ لِفِتـيْانِهِ } أي لغلـمانه: {اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِـي رِحَالَهُمْ} يقول: اجعلوا أثمان الطعام الذي أخذتـموها منهم فـي رحالهم.

والرحال: جمع رحل، وذلك جمع الكثـير، فأما القلـيـل من الـجمع منه فهو أرحُل، وذلك جمع ما بـين الثلاثة إلـى العشرة.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى البضاعة قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِـي رِحالِهِمْ}: أي أوراقهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم أمر ببضاعتهم التـي أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام، فجعلت فـي رحالهم وهم لا يعلـمون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: وقال لفتـيته وهو يكيـل لهم: اجعلوا بضاعتهم فـي رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلـى أهلهم لعلهم يرجعون إلـيّ.

فإن قال قائل: ولأية علة أمر يوسف فتـيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته فـي رحالهم؟ قـيـل: يحتـمل ذلك أوجهاً: أحدها: أن يكون خشي أن لا يكون عند أبـيه دراهم، إذ كانت السّنة سنَة جدب وقحط، فـيضرّ أخذ ذلك منهم به، وأحبَّ أن يرجع إلـيه. أو أراد أن يتسع بها أبوه وإخوته مع حاجتهم إلـيه، فردّه علـيهم من حيث لا يعلـمون سبب ردّه تكرّماً وتفضلاً، والثالث: وهو أن يكون أراد بذلك أن لا يخـلفوه الوعد فـي الرجوع، إذا وجدوا فـي رحالهم ثمن طعام قد قبضوه وملكه علـيهم غيرهم عِوَضاً من طعامهم، ويتـحرّجوا من إمساكهم ثمن طعام قد قبضوه حتـى يؤدُّوه علـى صاحبه، فـيكون ذلك أدعى لهم إلـى العود إلـيه.

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره: فلـما رجع إخوة يوسف إلـى أبـيهم، قالوا:{ يا أبـانا مُنِعَ مِنَّا الكَيْـلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ } يقول: مُنع منا الكيـل فوق الكيـل الذي كيـل لنا، ولـم يُكَل لكل رجل منا إلا كيـل بعير، فأرسل معنا أخانا بنـيامين يكتل لنفسه كيـل بعير آخر زيادة علـى كيـل أبـاعرنا.{ وَإنَّا له لُـحَافِظُونَ } من أن يناله مكروه فـي سفره.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: فلـما رجعوا إلـى أبـيهم قالوا: يا أبـانا إن ملك مصر أكرمنا كرامة مّا لو كان رجل من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، وإنه ارتهن شمعون، وقال: ائتونـي بأخيكم هذا الذي عكف علـيه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك، فإن لـم تأتونـي به فلا تقربوا بلادي. قال يعقوب:

{ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَـيْهِ إلاَّ كَمَا أمِنْتُكُمْ علـى أخِيهِ مِنْ قَبْلُ فـاللّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }قال: فقال لهم يعقوب: إذا أتـيتـم ملك مصر فـاقرئوه منـي السلام، وقولوا: إن أبـانا يصلِّـي علـيك، ويدعو لك بـما أولـيتنا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: خرجوا حتـى قدموا علـى أبـيهم، وكان منزلهم فـيـما ذكر لـي بعض أهل العلـم بـالعَرَبـات من أرض فلسطين بغَوْر الشام. وبعض يقول: بـالأولاج من ناحية الشِّعب أسفل من حِسْمَى، وكان صاحب بـادية له شاءٌ وإبل، فقالوا: يا أبـانا قدمنا علـى خير رجل أنزلنا فأكرم منزلنا وكال لنا فأوفـانا ولـم يبخسنا، وقد أمرنا أن نأتـيه بأخ لنا من أبـينا، وقال: إن أنتـم لـم تفعلوا فلا تقربُنـيِّ ولا تدخـلُنَّ بلدي فقال لهم يعقوب:

{ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَـيْهِ إلاَّ كمَا أمِنْتُكُمْ علـى أخِيهِ مِنْ قَبْلُ فـاللّهُ خَيْرٌ حافِظا وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }

واختلفت القراء فـي قراءة قوله: {نَكْتَلْ}، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض أهل مكة والكوفة {نَكْتَلْ} بـالنون، بـمعنى: نكتل نـحن وهو. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: «يَكْتَلْ» بـالـياء، بـمعنى يكتل هو لنفسه كما نكتال لأنفسنا.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان متفقتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب. وذلك أنهم إنـما أخبروا أبـاهم أنه مَنَع منهم زيادة الكيـل علـى عدد رؤوسهم، فقالوا:{ يا أبـانَا مُنِعَ مِنَّا الكَيْـلُ } ثم سألوه أن يرسل معهم أخاهم لـيكتال لنفسه، فهو إذاً اكتال لنفسه واكتالوا هم لأنفسهم، فقد دخـل الأخ فـي عَدَدهم. فسواء كان الـخبر بذلك عن خاصة نفسه، أو عن جميعهم بلفظ الـجميع، إذ كان مفهوماً معنى الكلام وما أريد به.

قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝٦٤

يقول تعالـى ذكره: قال أبوهم يعقوب: هل آمنكم علـى أخيكم من أبـيكم الذي تسألونـي أن أرسله معكم إلا كما أمنتكم علـى أخيه يوسف من قبل؟ يقول: من قبله.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {فـاللّهُ خَيْرٌ حافِظاً} فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الكوفـيـين والبصريـين: {فـاللّهُ خَيْرٌ حفْظاً} بـمعنى: والله خيركم حفظاً. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين وبعض أهل مكة: {فـاللّهُ خَيْرٌ حافِظاً} بـالألف علـى توجيه الـحافظ إلـى أنه تفسير للـخير، كما يقال: هو خير رجلاً، والـمعنى: فـالله خيركم حافظاً، ثم حذفت الكاف والـميـم.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى قد قرأ بكلّ واحدة منهما أهل علـم بـالقرآن. فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وذلك أن من وصف الله بأنه خيرهم حفظاً فقد وصفه بأنه خيرهم حافظاً، ومن وصفه بأنه خيرهم حافظاً فقد وصفه بأنه خيرهم حفظاً. {وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} يقول: والله أرحم راحم بخـلقه، يرحم صَعْفِـي علـى كبر سنـي، ووحدتـي بفقد ولدي، فلا يضيعه، ولكنه يحفظه حتـى يردّه علـيّ لرحمته.

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ۝٦٥

يقول تعالـى ذكره: ولـما فتـح إخوة يوسف متاعهم الذي حملوه من مصر من عند يوسف، وجدوا بضاعتهم، وذلك ثمن الطعام الذي اكتالوه منه ردّت إلـيهم.{ قالُوا يا أبـانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنا رُدَّتْ إلَـيْنا} يعنـي أنهم قالوا لأبـيهم: ماذا نبغي؟ هذه بضاعتنا ردّت إلـينا تطيـيبـاً منهم لنفسه بـما صنع بهم فـي ردّ بضاعتهم إلـيه. وإذا وُجِّه الكلام إلـى هذا الـمعنى كانت «ما» استفهاماً فـي موضع نصب بقوله: {نَبْغِي}. وإلـى هذا التأويـل كان يوجهه قتادة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما نَبْغِي} يقول: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا رُدّت إلـينا، وقد أوفـى لنا الكيـلُ.

وقوله: {وَنـميرُ أهْلَنا} يقول: ونطلب لأهلنا طعاماً فنشتريه لهم، يقال منه: مَارَ فلان أهله يَـميرَهم مَيْراً، ومنه قول الشاعر:

بَعَثْتُكَ مائِراً فَمَكَثْتَ حَوْلاًمَتـى يَأْتـي غِياثُكَ مَنْ تُغِيثُ

{وَنَـحْفَظُ أخانا} الذي ترسله معنا{ وَنَزْدادُ كَيْـلَ بَعِيرٍ } يقول: ونزداد علـى أحمالنا من الطعام حمل بعير يكال لنا ما حمل بعير آخر من إبلنا،{ ذلكَ كَيْـلٌ يَسِيرٌ } يقول: هذا حِمل يسير. كما:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج:{ وَنَزْدَادُ كَيْـلَ بَعِيرٍ} قال: كان لكل رجل منهم حمل بعير، فقالوا: أرسل معنا أخانا نزداد حمل بعير. وقال ابن جريج: قال مـجاهد: {كَيْـلَ بَعِيرٍ} حمل حمار. قال: وهي لغة. قال القاسم: يعنـي مـجاهد: أن الـحمار يقال له فـي بعض اللغات: بعير.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَنَزْدادُ كَيْـلَ بَعِيرٍ} يقول: حمل بعير.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَنَزْدادُ كَيْـلَ بَعِيرٍ} نَعُد به بعيراً مع إبلنا {ذلكَ كَيْـلٌ يَسِيرٌ}.

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ۝٦٦

يقول تعالـى ذكره: قال يعقوب لبنـيه: لن أرسل أخاكم معكم إلـى ملك مصر{ حتـى تُؤْتُون مَوْثِقاً مِنَ اللّهِ } يقول: حتـى تُعْطون مؤثقاً من الله، بـمعنى الـميثاق، وهو ما يوثق به من يـمين وعهد،{ لَتَأتُنَّنِـي بِهِ } يقول لتأتننـي: بأخيكم،{ إلاَّ أنْ يُحاطَ بِكُمْ } يقول: إلا أن يحيط بجميعكم ما لا تقدرون معه علـى أن تأتونـي به.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فَلَـمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } قال: عهدهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ إلاَّ أنْ يُحاطَ بِكُمْ}: إلا أن تهلكوا جميعاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد.

قال: وحدثنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:{ إلاَّ أنْ يُحاطَ بِكُمْ} قال: إلا أن تُغلَبوا حتـى لا تطيقوا ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قوله: {إلاَّ أنْ يُحاطَ بِكُمْ}: إلا أن يصيبكم أمر يذهب بكم جميعاً، فـيكون ذلك عذراً لكم عندي.

وقوله: {فَلَـمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } يقول: فلـما أعطوه عهودهم، قال يعقوب: {اللّهُ علـى ما نَقُولُ } أنا وأنتـم {وَكِيـلٌ } يقول: هو شهيد علـينا بـالوفـاء بـما نقول جميعاً.

وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ۝٦٧

يقول تعالـى ذكره: قال يعقوب لبنـيه لـما أرادوا الـخروج من عنده إلـى مصر لـيـمتاروا الطعام: يا بَنـيّ لا تدخـلوا مصر من طريق واحد، وادخـلوا من أبواب متفرّقة وذُكر أنه قال ذلك لهم، لأنهم كانوا رجالاً لهم جمال وهيبة، فخاف علـيهم العين إذا دخـلوا جماعة من طريق واحد وهم ولد رجل واحد، فأمرهم أن يفترقوا فـي الدخول إلـيها. كما:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا يزيد الواسطيّ، عن جويبر، عن الضحاك: {لا تَدْخُـلُوا مِنْ بـابٍ وَاحِدٍ وَادْخـلُوا مِنْ أبْوَابٍ مُتَفَرّقَةٍ } قال: خاف علـيهم العين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ يا بَنِـيّ لا تَدْخُـلُوا مِنْ بـابٍ واحدٍ} خشي نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم العينَ علـى بنـيه كانوا ذوي صورة وجمال.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ وَادْخُـلُوا مِنْ أبْوَابٍ مُتَفَرّقَةٍ} قال: كانوا قد أوتوا صورةً وجمالاً، فخشي علـيهم أنفسُ الناس.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَقالَ يَا بَنِـيَّ لا تَدْخُـلُوا مِنْ بَـابٍ واحِدٍ وَادْخُـلُوا مِنْ أبْوَابٍ مُتَفَرّقَةٍ } قال: رهب يعقوب علـيه السلام علـيهم العين.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {لا تَدْخُـلُوا مِنْ بـابٍ وَاحِدٍ} خَشِي يعقوب علـى ولده العين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن الـحبـاب، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب:{ لا تَدْخُـلُوا مِنْ بَـابٍ وَاحِدٍ } قال: خشي علـيهم العين.

قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: خاف يعقوب صلى الله عليه وسلم علـى بنـيه العين، فقال:{ يَا بَنِـيَّ لا تَدْخُـلُوا مِنْ بـابٍ وَاحدٍ } فـيقال: هؤلاء لرجل واحد، ولكن ادخـلوا من أبواب متفرّقة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما أجمعوا الـخروج، يعنـي ولد يعقوب، قال يعقوب:{ يَا بَنِـيَّ لا تَدْخُـلُوا مِنْ بـابٍ وَاحِدٍ وادْخُـلُوا مِنْ أبْوَابٍ مُتَفَرّقَةٍ } خشي علـيهم أعين الناس لهيبتهم، وأنهم لرجل واحد.

وقوله:{ وَما أُغْنِـي عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ } يقول: وما أقدر أن أدفع عنكم من قضاء الله الذي قد قضاه علـيكم من شيء صغير ولا كبـير، لأن قضاءه نافذ فـي خـلقه. {إنِ الـحُكْمُ إلاَّ لِلّهِ} يقول: ما القضاء والـحكم إلا لله دون ما سواه من الأشياء، فإنه يحكم فـي خـلقه بـما يشاء، فـينفذ فـيهم حكمه، ويقضي فـيهم ولا يُردّ قضاؤه. {عَلَـيْهِ تَوَكَّلْتُ} يقول: علـى الله توكلت، فَوَثقت به فـيكم، وفـي حفظكم علـيّ حتـى يردّكم إلـىّ وأنتـم سالـمون معافون، لا علـى دخولكم مصر إذا دخـلتـموها من أبواب متفرّقة. {وَعَلَـيْهِ فَلْـيَتَوكَّلِ الـمُتَوكِّلُونَ} يقول: وإلـى الله فلـيفوّض أمورَهم الـمفوّضون.

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٦٨

يقول تعالـى ذكره: ولـما دخـل ولد يعقوب {مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ } وذلك دخولهم مصر من أبواب متفرّقة. {ما كانَ يُغْنِـي} دخولهم إياها كذلك {عَنْهُمْ مِنَ} قضاء {اللّهِ} الذي قضاه فـيهم فحتـمه،{ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ حاجَةً فِـي نَفْسِ يَعَقُوبَ قَضَاها} إلا أنهم قضوا وطراً لـيعقوب بدخولهم لا من طريق واحد خوفـاً من العين علـيهم، فـاطمأنت نفسه أن يكونوا أُوتُوا من قبل ذلك أو نالهم من أجله مكروه. كما:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ إلاَّ حاجَةً فِـي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاها } خيفة العين علـى بنـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إلاَّ حاجَةً فِـي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاها} قال: خشية العين علـيهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قوله:{ إلاَّ حاجَةً فِـي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاها} قال: ما تـخوّف علـى بنـيه من أعين الناس لهيبتهم وعدتهم.

وقوله:{ وإنَّهُ لَذُو عِلْـمٍ لِـمَا عَلَّـمْناهُ } يقول تعالـى ذكره: وإن يعقوب لذو علـم لتعلـيـمنا إياه. وقـيـل: معناه وإنه لذو حفظ لـما استودعنا صدره من العلـم. واختلف عن قتادة فـي ذلك:

فحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْـمٍ لِـمَا عَلَّـمْناهُ}: أي مـما علـمناه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن سفـيان، عن ابن أبـي عَرُوبة عن قتادة:{ وَإنَّهُ لَذُو عِلْـمٍ لِـمَا عَلَّـمْناهُ} قال: إنه لعامل بـما علـم.

قال: الـمثنى، قال إسحاق، قال عبد الله، قال سفـيان: إنه لذو علـم مـما علـمناه، وقال: من لا يعمل لا يكون عالـماً.

{وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمُونَ } يقول جلّ ثناؤه: ولكن كثـيراً من الناس غير يعقوب، لا يعلـمون ما يعلـمه، لأنا حَرَمناه ذلك فلـم يعلـمه.

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٦٩

يقول تعالـى ذكره: ولـما دخـل ولد يعقوب علـى يوسف،{ آوَى إلَـيْهِ أخاهُ } يقول: ضمّ إلـيه أخاه لأبـيه وأمه، وكلٌّ أخوه لأبـيه. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السّدّي: {وَلَـمَّا دَخَلُوا على يُوسُفَ آوَى إلَـيْهِ أخاهُ } قال: عرف أخاه، فأنزلهم منزلاً، وأجرى علـيهم الطعام والشراب فلـما كان اللـيـل جاءهم بُـمُثل، فقال: لـينـم كلّ أخوين منكم علـى مِثال فلـما بقـي الغلام وحده، قال يوسف: هذا ينام معي علـى فراشي. فبـات معه، فجعل يوسف يشُمّ ريحه، ويضمه إلـيه حتـى أصبح، وجعل رُوبـيـل يقول: ما رأينا مثل هذا، أريحونا منه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما دخـلوا، يعنـي ولد يعقوب علـى يوسف، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتـيك به، قد جئناك به فذكر لـي أنه قال لهم: قد أحسنتـم وأصبتـم، وستـجدون ذلك عندي، أو كما قال. ثم قال: إنـي أراكم رجالاً، وقد أردت أن أكرمكم، ودعا ضافته، فقال: أنزل كل رجلـين علـى حدة، ثم أكرمهما وأحسن ضيافتهما ثم قال: إنـي أرى هذا الرجل الذي جئتـم به لـيس معه ثان، فسأضمه إلـيّ، فـيكون منزله معي. فأنزلهم رجلـين رجلـين فـي منازل شتـى، وأنزل أخاه معه، فآواه إلـيه، فلـما خلا به {قالَ إنّـي أنا أخُوكَ} أنا يوسف {فَلا تَبْتَئِسْ} بشيء فعلوه بنا فـيـما مضى، فإن الله قد أحسن إلـينا، ولا تعلـمهم شيئاً مـما أعلـمتك. يقول الله: {وَلـمَّا دَخَـلُوا علـى يُوسُفَ آوَى إلَـيه أخاهُ قالَ إنّـي أنا أخُوكَ فَلا فَلا تَبْتَئِسْ بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَـمَّا دَخَـلُوا علـى يُوسُفَ آوَى إلَـيْهِ أخاهُ} ضمه إلـيه وأنزله، وهو بنـيامين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه، يقول، وسئل عن قول يوسف: {وَلَـمَّا دَخَـلُوا علـى يُوسُفَ آوَى إلَـيْهِ أخاهُ قالَ إنّـي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ} كيف أجابه حين أخِذ بـالصواع، وقد كان أخبره أنه أخوه وأنتـم تزعمون أنه لـم يزل متنكراً لهم يكايدهم، حتـى رجعوا، فقال: إنه لـم يعترف له بـالنسبة، ولكنه قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك،{ فَلا تَبْتَئِسْ بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ } يقول: لا يحزنك مكانه.

وقوله: {فَلا تَبْتَئِسْ} يقول: فلا تستكِنْ ولا تـحزن، وهو: «فلا تفتعل» من «البؤس»، يقال منه: ابتأس يبتئس ابتئاساً.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَلا تَبْتَئِسْ} يقول: فلا تـحزن، ولا تـيأس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: {فَلا تَبْتَئِسْ} يقول: لا يحزنك مكانه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ: {فَلا تَبْتَئِسْ بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ } يقول: لا تـحزن علـى ما كانوا يعملون.

فتأويـل الكلام إذن: فلا تـحزن ولا تستكن لشيء سلف من إخوتك إلـيك فـي نفسك وفـي أخيك من أمك، وما كانوا يفعلون قبل الـيوم بك.

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ ۝٧٠

يقول: ولـما حمَّل يوسف إبل إخوته ما حَملها من الـميرة وقضى حاجتهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ فَلَـمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ } يقول: لـما قضى لهم حاجتهم ووفـاهم كيـلهم.

وقوله:{ جَعَلَ السِّقايَةَ فـي رَحْلِ أخِيهِ } يقول: جعل الإناء الذي يكيـل به الطعام فـي رحل أخيه. والسقاية: هي الـمشربة، وهي الإناء الذي كان يشرب فـيه الـملك ويكيـل به الطعام.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عفـان، قال: ثنا عبد الواحد، عن يونس، عن الـحسن أنه كان يقول: الصُّواع والسقاية سواء، هو الإناء الذي يشرب فـيه.

قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: السقاية والصُّواع شيء واحد، كان يشرب فـيه يوسف.

قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: السقاية الصُّواع الذي يشرب فـيه يوسف.

حدثنا مـحمد بن الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ جَعَلَ السِّقَايَةَ} قال: مَشْرَبة الـملك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {السِّقَايَةَ فِـي رَحْلِ أخِيهِ } وهو إناء الـملك الذي كان يشرب فـيه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:

{ قالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الـمَلكِ ولِـمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } وهي السقاية التـي كان يشرب فـيها الـملك يعنـي مَكُّوكه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {جَعَلَ السِّقَايَةَ} وقوله: {صُوَاعَ الـمَلِكِ} قال: هما شيء واحد، السقاية والصواع شيء واحد يشرب فـيه يوسف.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ جَعَلَ السِّقايَةَ فِـي رَحْلِ أخِيهِ}: هو الإناء الذي كان يشرب فـيه الـملك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِـي رَحْلِ أخِيهِ} قال: السقاية: هو الصُّواع، وكان كأساً من ذهب فـيـما يذكرون.

قوله:{ فِـي رَحْلِ أخِيهِ } فإنه يعنـي: فـي متاع أخيه ابن أمه وأبـيه وهو بنـيامين، وكذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ فِـي رَحْلِ أخِيهِ}: أي فـي متاع أخيه.

وقوله:{ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذّنٌ } يقول: ثم نادى مناد، وقـيـل: أعلـم مُعْلِـم، {أيَّتُها العِيرُ}: وهي القافلة فـيها الأحمال {إنَّكُمْ لَسارِقُونَ}.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ:{ فَلَـمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِـي رَحْلِ أخِيهِ} والأخ لا يشعر، فلـما ارتـحلوا أذّن مؤذّن قبل أن ترتـحل العير: {إنَّكُمْ لَسارِقُونَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم جهزهم بجهازهم، وأكرمهم وأعطاهم وأوفـاهم، وحمل لهم بعيراً بعيراً، وحمل لأخيه بعيراً بـاسمه كما حمل لهم، ثم أمر بسقاية الـملك، وهو الصواع، وزعموا أنها كانت من فضة، فجُعلت فـي رحل أخيه بنـيامين. ثم أمهلهم حتـى إذا انطلقوا وأمعنوا من القرية، أمر بهم فأُدركوا، فـاحتُبِسوا، ثم نادى مناد:{ أيَّتُها العيرُ إنَّكُمْ لَسارِقُونَ} قـفوا وانتهى إلـيهم رسوله، فقال لهم فـيـما يذكرون: ألـم نكرم ضيافتكم، ونوفكم كيـلكم، ونـحسن منزلتكم، ونفعل بكم ما لـم نفعل بغيركم، وأدخـلناكم علـينا فـي بـيوتنا ومنازلنا؟ أو كما قال لهم، قالوا: بلـى، وما ذاك؟ قال: سِقاية الـملك فقدناها، ولا نتهم علـيها غيركم.

{ قالوا تالله لَقَدْ عَلِـمْتُـمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِـي الأرْضِ وَما كُنَّا سارِقِـينَ }

وقوله:{ أيَّتُها العِيرُ } قد بـيَّنا فـيـما مضى معنى العِير، وهو جمع لا واحد له من لفظه. وحُكي عن مـجاهد أن عِير بنـي يعقوب كانت حَمِيراً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن سفـيان، عن ابن جريج، عن مـجاهد:{ أيَّتُها العِيرُ} قال: كانت حميراً.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنـي رجل، عن مـجاهد، فـي قوله: {أيَّتُها العِيرُ إنَّكُمْ لسَارِقُونَ } قال: كانت العِير حميراً.

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ ۝٧١ قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌ ۝٧٢

يقول تعالـى ذكره: قال بنو يعقوب لـما نودوا:

{ أيَّتُها العِيرُ إنَّكُمْ لَسارِقُونَ } وأقبلوا علـى الـمنادي ومن بحضرتهم يقولون لهم:{ ماذَا تَفْقِدُونَ } ما الذي تفقدون؟ {قالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الـمَلِكِ} يقول: فقال لهم القوم: نفقد مَشْرَبَة الـملك.

واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فذُكر عن أبـي هريرة أنه قرأ: «صَاعَ الـمَلِكَ» بغير واو، كأنه وجهه إلـى الصاع الذي يكال به الطعام. ورُوي عن أبـي رجاء أنه قرأه: «صَوْعَ الـمَلِكَ». ورُوي عن يحيى بن يعمر أنه قرأه: «صَوْغَ الـمَلِكَ» بـالغين، كأنه وجهه إلـى أنه مصدر، من قولهم صاغ يصوغ صَوْغاً. وأما الذي علـيه قرّاء الأمصار: فصواع الـملك، وهي القراءة التـي لا أستـجيز القراءة بخلافها لإجماع الـحجة علـيها. والصُّواع: هو الإناء الذي كان يوسف يكيـل به الطعام، وكذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير عن ابن عبـاس فـي هذا الـحرف: {صُوَاعَ الـمَلِكِ} قال: كهيئة الـمَكُّوك. قال: وكان للعبـاس مثله فـي الـجاهلـية يشرب فـيه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {صُوَاعَ الـمَلِكِ} قال: كان من فضة مثل الـمَكُّوك. وكان للعبـاس منها واحد فـي الـجاهلـية.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع. قال: ثنا أبـي. عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، فـي قوله: {قالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الـمَلِكِ} قال: كان من فضة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، أنه قرأ: {صُوَاعَ الـمَلِكِ} قال وكان إناءه الذي يشرب فـيه، وكان إلـى الطول ما هو.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن أبـي عوانة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير: {صُوَاعَ الـمَلِكِ} قال: الـمَكُّوك الفـارسيّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، قال: {صُوَاعَ الـمَلِكِ} قال: هو الـمَكُّوك الفـارسي الذي يـلتقـي طرفـاه، كانت تشرب فـيه الأعاجم.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغراء، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {صُوَاعَ الـمَلِكِ} قال: إناء الـملك الذي كان يشرب فـيه.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا يحيى: يعنـي ابن عبـاد، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس: قال: {صُوَاعَ الـمَلِكِ}: مَكُّوك من فضة يشربون فـيه. وكان للعبـاس واحد فـي الـجاهلـية.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {صُوَاع الـمَلِكِ}: إناء الـملك الذي يشرب فـيه.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {صُوَاعَ الـمَلِكِ} قال: هو الـمَكُّوك الفـارسي الذي يـلتقـي طَرَفـاه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: الصواع: كان يشرب فـيه يوسف.

حدثنا مـحمد بن معمر البحرانـي، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا صدقة بن عبـاد، عن أبـيه عن ابن عبـاس:{ صُوَاعَ الـمَلِكِ } قال: كان من نُـحاس.

وقوله:{ وَلِـمَنْ جاء بِهِ حِمْلُ بَعِير} يقول: ولـمن جاء بـالصواع حمل بعير من الطعام. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَلِـمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلِ بَعِيرٍ } يقول: وِقْر بعير.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {حِمْلُ بَعِيرٍ} قال: حمل طعام وهي لغة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: وحدثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {حِمْلُ بَعِيرٍ} قال: حمل طعام، وهي لغة.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: قوله {حِمْلُ بَعِيرٍ} قال: حمل حمار.

وقوله: {وأنا بِهِ زَعِيـمٌ} يقول: وأنا بأن أوفـيه حمل بعير من الطعام إذا جاءنـي بصواع الـملك كفـيـل.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وأنا بِهِ زَعِيـمٌ} يقول: كفـيـل.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وأنا بِهِ زَعِيـمٌ} الزعيـم: هو الـمؤذن الذي قال: {أيَّتُها العِيرُ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بكر وأبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، قال: بلغنـي عن مـجاهد، ثم ذكر نـحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن ورقاء بن إياس، عن سعيد بن جبـير: {وأنا بِهِ زَعِيـمٌ } قال: كفـيـل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنا بِهِ زَعِيـمٌ}: أي وأنا به كفـيـل.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وأنا بِهِ زَعِيـمٌ} قال: كفـيـل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: {وأنا بِهِ زَعِيـمٌ} قال كفـيـل.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك، فذكر مثله.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد: {وأنا بِهِ زَعِيـمٌ} قال كفـيـل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال لهم الرسول: إنه من جاءنا به فله حمل بعير وأنا به كفـيـل بذلك حتـى أؤدّيه إلـيه.

ومِن الزعيـم الذي بـمعنى الكفـيـل قول الشاعر:

فلَسْتُ بآمِرٍ فِـيها بسَلْـمٍولكِنِّـي علـى نَفْسِي زَعِيـمُ

وأصل الزعيـم فـي كلام العرب: القائم بأمر القوم، وكذلك الكفـيـل والـحَمِيـل، ولذلك قـيـل: رئيس القوم زعيـمهم ومدبرهم، يقال منه: قد زَعُم فلان زَعامة وزَعَاماً ومنه قول لـيـلـى الأخيـلـية:

حتـى إذَا بَرَزَ اللِّوَاءُ رأيْتَهُتحتَ اللِّوَاءِ على الخَمِيسِ زَعِيما

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ۝٧٣

يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف: {تاللّهِ } يعنـي: والله. وهذه التاء فـي «تالله» إنـما هي واو قلبت تاء كما فعل ذلك فـي التورية وهي من ورّيت، والتراث وهي من ورثت، والتـخمة وهي من الوخامة قُلبت الواو فـي ذلك كله تاء. والواو فـي هذه الـحروف كلها من الأسماء، ولـيست كذلك فـي «تالله»، لأنها إنـما هي واو القسم، وإنـما جعلت تاء لكثرة ما جرى علـى ألسن العرب فـي الأيـمان فـي قولهم «والله»، فخصت فـي هذه الكلـمة بأن قلبت تاء. ومن قال ذلك فـي اسم الله، فقال: «تالله» لـم يقل تالرحمن وتالرحيـم، ولا مع شيء من أسماء الله، ولا مع شيء مـما يقسم به، ولا يقال ذلك إلاَّ فـي «تالله» وحده.

وقوله: {لَقَدْ عَلِـمْتُـمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِـي الأرْضِ} يقول: لقد علـمتـم ما جئنا لنعصي الله فـي أرضكم، كذلك كان يقول جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله: {قالُوا تاللّهِ لَقَدْ عَلِـمْتُـمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِـي الأرْضِ} يقول: ما جئنا لنعصي فـي الأرض.

فإن قال قائل:وما كان أعْلَـمُ من قـيـل له {لقد عَلِـمْتُـمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِـي الأرْضِ} بأنهم لـم يجيئوا لذلك حتـى استـجاز قائلو ذلك أن يقولوه؟ قـيـل: استـجازوا أن يقولوا ذلك لأنهم فـيـما ذكر ردّوا البضاعة التـي وجدوها فـي رحالهم، فقالوا: لو كنا سرّاقاً لـم نردّ علـيكم البضاعة التـي وجدناها فـي رحالنا. وقـيـل: إنهم كانوا قد عرفوا فـي طريقهم ومسيرهم أنهم لا يظلـمون أحداً ولا يتناولون ما لـيس لهم، فقالوا ذلك حين قـيـل لهم: {إنَّكُمْ لَسارِقُونَ}.

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ ۝٧٤ قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٧٥

يقول تعالى ذكره: قال أصحاب يوسف لإخوته: فما ثواب السَّرَق إن كنتـم كاذبين فـي قولكم {ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِـي الأرْضِ وَما كُنَّا سارِقِـينَ قالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِـي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}. يقول جلّ ثناؤه: وقال إخوة يوسف: ثواب السَّرَق مَنْ وُجد فـي متاعه السَّرَق فهو جزاؤه، يقول: فـالذي وجد ذلك فـي رحله ثوابه بأن يُسْلَـم بسرقته إلـى من سرق منه حتـى يسترقّه.{ كذلكَ نَـجْزِي الظَّالِـمِينَ } يقول: كذلك نفعل بـمن ظلـم ففعل ما لـيس له فعله من أخذه مال غيره سَرَقاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي سُلِّـم به،{ كذلكَ نَـجْزِي الظَّالِـمِينَ}: أي كذلك نصنع بـمن سَرَق منا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزّاق، عن معمر، قال: بلغنا فـي قوله:{ قالُوا فمَا جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُـمْ كاذِبِـينَ} أخبروا يوسف بـما يُحْكَم فـي بلادهم أنه من سَرَق أُخِذ عبداً، فقالوا:{ جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِـي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ:{ قالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُـمْ كاذِبِـينَ قالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِـي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} تأخذونه فهو لكم.

ومعنى الكلام: قالوا: ثواب السَّرَق الـموجود فـي رحله، كأنه قـيـل: ثوابه استرقاق الـموجود فـي رحله، ثم حذف «استرقاق»، إذ كان معروفـاً معناه، ثم ابتدىء الكلام فقـيـل: هو جزاؤه {كذلكَ نَـجْزِي الظَّالِـمِينَ}.

وقد يحتمل وجهاً آخر: أن يكون معناه: قالوا ثواب السرق الذي يوجد السرق فـي رحله، فـالسارق جزاؤه. فـيكون «جزاؤه» الأوّل مرفوعاً بجملة الـخبر بعده، ويكون مرفوعاً بـالعائد من ذكره فـي «هو»، و «هو» رافع «جزاؤه» الثانـي.

ويحتـمل وجهاً ثالثاً: وهو أن تكون «مَنْ» جزائية، وتكون مرفوعة بـالعائد من ذكره فـي الهاء التـي فـي «رحله»، والـجزاء الأوّل مرفوعاً بـالعائد من ذكره فـي «وجد»، ويكون جواب الـجزاء الفـاء فـي «فهو». والـجزاء الثانـي مرفوع ب «هو»، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: قالوا: جزاء السَّرَق من وُجد السَّرَق فـي رحله، فهو ثوابه يُسْترقّ ويستعبد.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ