انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 107–109

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 97–108في هذه الصفحة 13:45
  2. 2 الآيات 109–120في هذه الصفحة 13:05

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٠٧

يعني تعالى ذكره بقوله: {فإنْ عُثِرَ}: فإن اطلع فيهما، أو ظهر. وأصل العثر: الوقوع على الشيء والسقوط عليه، ومن ذلك قولهم: عثرت إصبع فلان بكذا: إذا صدمته وأصابته، ووقعت عليه ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس:

بِذَاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةً إذَا عَثَرَتْفالتَّعْسُ أدْنى لهَا مِنْ أنْ أقولَ لَعا

يعني بقوله: «عثرت»: أصاب ميسم خفها حجر أو غيره، ثم يستعمل ذلك في كلّ واقع على شيء كان عنه خفياً، كقولهم: «عَثَرَتْ على الغزل بأَخَرَة، فلم تَدَعْ بنَجْدٍ قَرَدَةً»، بمعنى: وقعت.

وأما قوله: {على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً} فإنه يقول تعالى ذكره: فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله: لا نشتري بأيماننا ثمناً، ولو كان ذا قُربى، ولا نكتم شهادة الله على أنهما استحقا إثماً، يقول: على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثماً، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خنَّا، ولا بدّلنا، ولا غَيَّرنا، فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئاً، أو غَيَّرا وصيته، أو بدّلا، فأثما بذلك من حلفهما بربهما {فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما} يقول: يقوم حينئذٍ مقامهما من ورثة الميت الأوليان الموصى إليهما.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: {أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ} قال: إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر، فإذا اطلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئاً، حَلَف أولياء الميت إنه كان كذا وكذا، ثم استحقُّوا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بمثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ} من غير المسلمين تحبسونهما من بعد الصلاة، فإن ارتِيبَ في شهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً فإن اطلع الأولياء على أن الكافِرَين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نَعْتَدِ فذلك قوله: {فإنْ عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً} يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذباً، {فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما} يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنَّا لم نعتد. فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فإنْ عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً} أي اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما.

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حكم الله تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين بعد أن عُثِر عليهما أنهما استحقا إثماً. فقال بعضهم: إنما ألزمهما اليمين إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى لغير الذي يجوز في حكم الإسلام، وذلك أن يشهد أنه أوصى بماله كله، أو أوصى أن يفضِّل بعض ولده ببعض ماله. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ}... إلى قوله: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} من أهل الإسلام، {أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ} من غير أهل الإسلام، {إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ}... إلى: {فَيُقْسِمانِ باللّهِ} يقول: فيحلفان بالله بعد الصلاة، فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى من الفريضة، يعني اللَّذَينِ ليسا من أهل الإسلام، فآخران يقومان مقامهما من أولياء الميت، فيحلفان بالله: ما كان صاحبنا ليوصِيَ بهذا، أو: إنهما لكاذبان، ولشهادتنا أحقّ من شهادتهما.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، يحلفان بالله: لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قُربى ولا نكتم شهادة الله، إنَّا إذن لمن الآثمين إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته فإذا شهدا، وأجاز الإمام شهادتهما على ما شهدا، قال لأولياء الرجل: اذهبوا فاضربوا في الأرض واسألوا عنهما، فإن أنتم وجدتم عليهما خيانة أو أحداً يطعن عليهما رددنا شهادتهما فينطلق الأولياء فيسألون، فإن وجدوا أحداً يطعنُ عليهما أو هما غير مرضيين عندهم، أو اطُّلع على أنهما خانا شيئاً من المال وجدوه عندهما، فأقبل الأولياء فشهدوا عند الإمام وحلفوا بالله: لشهادتنا إنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليهما أحقّ من شهادتهما بما شهدا، وما اعتدينا. فذلك قوله: {فإنْ عُثرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ}.

وقال آخرون: بل إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما ادّعيا أنه أوصى لهما ببعض المال. وإنما ينقل إلى الآخرين من أجل ذلك إذا ارتابوا بدعواهما. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمران بن موسى القزّاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله:

{ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ باللّهِ }قال: زعما أنه أوصى لهما بكذا وكذا، {فإنْ عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً} أي بدعواهما لأنفسهما، {فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ} أنّ صاحبنا لم يوص إليكما بشيء مما تقولان.

والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الشاهدين ألزما اليمين في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله، ودعواهم قبلها خيانة مال معلوم المبلغ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما، فيحلف الوارث حينئذٍ مع شهادة الشاهد عليهما أو على أحدهما إنما صحح دعواه إذا حقق حقه، أو الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادّعى عليهما الوارث أو بجميعه، ثم دعواهما في الذي أقرّا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلاَّ ببينة، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بينة، فينقل حينئذٍ اليمين إلى أولياء الميت.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكماً يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيراً لذلك. ولم نجد ذلك كذلك صحّ بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بإجماع من الأمة، لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى، فيكون أصلاً مسلماً. والمقول إذا خرج من أن يكون أصلاً أو نظيراً لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحاً فساده. وإذا فسد هذا القول بما ذكرناه، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مدّعياً لو ادّعى في مال ميت وصية أن القول قول ورثة المدّعي في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مدّعي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدّعي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نقل الإيمان عنهم إلى أولياء الميت، إذا عُثِر على أن الشهود استحقوا إثماً في أيمانهم فمعلوم بذلك فساد قول من قال: ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله، على أن ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به حين نزلت هذه الآية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الدارّي وعديّ بن بداء، فمات السهميّ بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاماً من فضة مخوّصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم الداريّ وعديّ بن بداء. فقام رجلان من أولياء السهميّ فحلفا: لشهادتنا أحقّ من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم أنزلت: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ.

حدثنا الحسن بن أبي شعيب الحراني، قال: ثنا محمد بن سلمة الحراني، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن زاذان مولى أمّ هانىء ابنة أبي طالب، عن ابن عباس، عن تميم الدرايّ في هذه الآية:

{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحدَكُمُ المَوْتُ }قال: برىء الناس منها غيري وغير عديّ بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم، يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة، ومعه جام فضة يريد بن الملك، وهو عظم تجارته، فمرض، فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات، أخذنا ذلك الجام، فبعناه بألف درهم فقسمناه أنا وعديّ بن بداء، (فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه) فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأدّيت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله تعالى: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ... }إلى قوله: { أنْ تُرَّدَّ أيمَانٌ بَعْدَ أيمانِهِمْ }فقام عمرو بن العاص، ورحل آخر منهم، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عديّ بن بداء.

حدثنا القاسم: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة وابن سيرين وغيره. قال: وثنا الحجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، دخل حديث بعضهم في بعض:

{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ... }الآية، قال: كان عديّ وتميم الداريّ وهما من لخم نصرانيان يتجران إلى مكة في الجاهلية. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حوّلا متجرهما إلى المدينة، فقدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة، وهو يريد الشام تاجراً. فخرجوا جميعاً، حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية، فكتب وصيته بيده ثم دسّها في متاعه، ثم أوصى إليهما. فلما مات، فتحا متاعه، فأخذا ما أرادا. ثم قدما على أهله فدفعا ما أرادا، ففتح أهله متاعه، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئاً فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا قال لهما أهله: فباع شيئاً أو ابتاعه؟ قالا: لا. قالوا: فهل استهلك من متاعه شيئاً؟ قالا: لا. قالوا: فهل تجرَ تجارة؟ قالا: لا. قالوا: فإنا قد فقدنا بعضه فاتهما، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحدَكُمُ المَوْتُ }}... إلى قوله: { إنَّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ }قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر: بالله الذي لا إله إلاَّ هو، ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا قال: فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموّه بذهب، فقال أهله: هذا من متاعه، قالا: نعم، ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذّب أنفسنا فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأخرى: {فإن عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ} فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغَيَّبا ويستحقانه. ثم إن تميماً الداريّ أسلم وبايع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:

{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ }}... الآية كلها، قال: هذا شيء حين لم يكن الإسلام إلاَّ بالمدينة، وكانت الأرض كلها كفراً، فقال الله تعالى: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ }من المسلمين، { أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ }من غير أهل الإسلام، { إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ }قال: كان الرجل يخرج مسافراً والعرب أهل كفر، فعسى أن يموت في سفره فيسند وصيته إلى رجلين منهم، فيقسمان بالله إن ارتبتم في أمرهما إذا قال الورثة: كان مع صاحبنا كذا وكذا، فيقسمان بالله: ما كان معه إلاَّ هذا الذي قلنا. {فإنْ عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً} إنما حلفا على باطل وكذب. {فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ بالميت فَيُقْسِمانِ باللّهِ لَشَهادَتَنَا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَما اعْتَدَيْنا إنَّا إذا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} ذكرنا أنه كان مع صاحبنا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يكن معه. قال: ثم عثر على بعض المتاع عندهما، فلما عثر على ذلك ردّت القَسَامة على وارثه، فأقسما، ثم ضمن هذان. قال الله تعالى: { ذَلِكَ أدْنَى أنْ يَأْتُوا بالشَّهادَةِ على وَجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيمَانٌ }فتبطل أيمانُهم، { وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعوا وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ }الكاذبين الذين يحلفون على الكذب. وقال ابن زيد: قدم تميم الداريّ وصاحب له، وكانا يومئذٍ مشركين ولم يكونا أسلما، فأخبرا أنهما أوصى إليهما رجل، وجاءا بتركته، فقال أولياء الميت: كان مع صاحبنا كذا وكذا، وكان معه إبريق فضة وقال الآخران: لم يكن معه إلاَّ الذي جئنا به. فحلفا خلف الصلاة. ثم عثر عليهما بعد والإبريق معهما فلما عثر عليهما ردّت القسامة على أولياء الميت بالذي قالوا مع صاحبهم، ثم ضمنها الذي حلف عليه الأوليان.

حدثنا الربيع، قال: ثنا الشافعيّ، قال: أخبرنا سعيد بن معاذ بن موسى الجعفريّ، عن بكر بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال بكر: قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك في قول الله:

{ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ }أن رجلين نصرانيين من أهل دَارِين، أحدهما تميمي والآخر يماني، صاحبَهما مولى لقريش في تجارة، فركبوا البحر ومع القرشيّ مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبزَ ورِقَة. فمرض القرشيّ، فجعل وصيته إلى الداريَّين، فمات. وقبض الداريان المال والوصية، فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا ببعض ماله. وأنكر القوم قلة المال، فقالوا للداريَّين: إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما اتيتمونا به، فهل باع شيئاً أو اشترى شيئاً فوُضِعَ فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنتمانا فقبضوا المال ورفعوا أمرهما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ... }إلى آخر الآية. فلما نزل: أن يُحبسا من بعد الصلاة، أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله ربّ السموات ما ترك مولاكم من المال إلاَّ ما أتيناكم به، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمناً قليلاً من الدنيا ولو كان ذا قُربى، ولا نكتم شهادة الله، إنَّا إذن لمن الآثمين فلما حلفا خُلِّي سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت، فأُخِذ الداريان فقالا: اشتريناه منه في حياته وكذبا، فكُلِّفا البينة فلم يقدرا عليها. فرفعوا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {فإن عُثِرَ} يقول: فإن اطُّلع على أنهما استحقا إثماً، يعني الداريَّين إن كَتَما حقًّا، فآخران من أولياء الميت يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الأوليان، فيقسمان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي يُطْلَب قِبَل الدار يَّين لحقّ، وما اعتدينا، إنَّا إذن لمن الظالمين. هذا قول الشاهدين أولياء الميت، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، يعني: الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك.

قال أبو جعفر: ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا دليل واضح على صحة ما قلنا من أن حكم الله تعالى باليمين على الشاهدين في هذا الموضع، إنما هو من أجل دعوى ورثته على المسنَد إليهما الوصية خيانة فيما دفع الميت من ماله إليهما، أو غير ذلك مما لا يبرأ فيها المدّعي ذلك قبله إلاَّ بيمين، وإن نقل اليمين إلى ورثة الميت، بما أوجبه الله تعالى بعد أن عثر على الشاهدين أنهما استحقّا إثماً في أيمانهما، ثم ظُهِر على كذبهما فيها، إنّ القوم ادّعوا فيما صحّ أنه كان للميت دعوى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به الأملاك، مما يكون اليمين فيها على ورثة الميت دون المدَّعَى، وتكون البينة فيها على المدعي وفساد ما خالف في هذه الآية ما قلنا من التأويل. وفيها أيضاً البيان الواضح على أن معنى الشهادة التي ذكرها الله تعالى في أوَّل هذه القصة إنما هي اليمين، كما قال الله تعالى في مواضع أخر:

{ والَّذِينَ يَرْمونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يكُنْ لهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أنْفُسُهُمْ فشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ باللّهِ إنَّهُ لمِنَ الصَّادقينَ }}، فالشهادة في هذا الموضع معناها القسم من قول القائل: أشهد بالله إنه لمن الصادقين، وكذلك معنى قوله: { شَهادَةُ بَيْنِكُمْ }إنما هو قَسَم بينكم، { إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ }أن يقسم { اثْنان ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ }إن كانا ائتمنا على ما قال، فارتيب بهما، أو ائتمن آخران من غير المؤمنين فاتهما. وذلك أن الله تعالى لمَّا ذكر نقل اليمين من اللذين ظهر على خيانتهما إلى الآخرين، قال: {فَيُقْسِمانِ باللّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما}. ومعلوم أن أولياء الميت المدّعين قِبَل اللذين ظهر على خيانتهما، غير جائز أن يكونا شهداء بمعنى الشهادة التي يؤخذ بها في الحكم حقّ مدّعى عليه لمدّع، لأنه لا يعلم لله تعالى حكم قضى فيه لأحد بدعواه، ويمينه على مدّعًى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدّعى عليه ولا برهان. فإذا كان معلوماً أن قوله: {لشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما} إنما معناه: قسمنا أحقّ من قسمهما، وكان قسم اللذين عثر على أنهما أثما هو الشهادة التي ذكر الله تعالى في قوله: {أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما} صح أن معنى قوله: {شَهادَةِ بَيْنِكُمْ} بمعنى الشهادة في قوله: {لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما} وأنها بمعنى القسم.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ} فقرأ ذلك قرّاء الحجاز والعراق والشام: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ» بضم التاء. ورُوِي عن عليّ وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ} بفتح التاء.

واختلفت أيضاً في قراءة قوله: {الأوْلَيانِ} فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والشام والبصرة: {الأوْلَيانِ}، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: «الأولين». وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: «مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوَّلانِ».

وأولى القراءتين بالصواب في قوله: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» قراءة من قرأ بضمّ التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، مع مساعدة عامَّة أهل التأويل على صحة تأويله، وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله: فآخران من أهل الميت الذين استحقّ المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم، يقومان مقام المستحقّ الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت. وقد ذكرنا قائل ذلك أو أكثر قائليه فيما مضى قبل، ونحن ذاكروا باقيهم إن شاء الله تعالى ذلك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: {شَهادَةُ بَيْنِكُمْ} أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران لا يحضره غير اثنين منهم، فإن رضي ورثته ما عاجل عليه من تركته فذاك، وحلف الشاهدان إن اتهما إنهما لصادقان، فإن عثر وجد لطخ حلف الاثنان الأوليان من الورثة، فاستحقا، وأبطلا أيمان الشاهدين.

وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء، أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى: فَآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحقّ على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت. وكذلك كانت قراءة من رُوِيت هذه القراءة عنه، فقرأ ذلك: {مِنَ الَّذِينَ استَحَقَّ} بفتح التاء على معنى: الأوليان بالميت وماله. وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها، غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القرّاء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن وكريب عن عليّ، أنه كان يقرأ: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن وائل مولى أبي عبيد، عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر، عن أبيّ بن كعب، أنه كان يقرأ: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ».

وأما أولى القراءات بالصواب في قوله: {الأَوْلَيانِ} عندي، فقراءة من قرأ: {الأوْلَيانِ} بصحة معناها وذلك لأن معنى: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف «الإثم» وأقيم مقامه «الأوليان»، لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت، كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم، وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل. ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة، وهو قوله:

{ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ }ومعناه: أن يشهد اثنان، وكما قال: { فَيُقْسِمان باللّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي به ثَمَناً }فقال «به»، فعاد بالهاء على اسم «الله» وإنما المعنى: لا نشتري بقسمنا بالله، فاجتزىء بالعود على اسم الله بالذكر، والمراد به: لا نشتري بالقسم بالله استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم. وكذلك اجتزىء بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته، وذلك قوله:{ فإنْ عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً}. وأما الذين قرءوا ذلك «الأوّلين» فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن «الذين»، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع، إذ كان «الذين» جمعاً وخفضاً، إذ كان «الذين» مخفوضاً. وذلك وجه من التأويل، غير أنه إنما يقال للشيء أوّل إذا كان له آخر هو له أوّل، وليس للذين استحقّ عليهم الإثم آخرهم له أوّل، بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثماً قبل أيمانهم، فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخراً أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أوّلين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها. وأما القراءة التي حكيت عن الحسن، فقراءة عن قراءة الحجة من القرّاء شاذّة، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلاً على بعدها من الصواب.

واختلف أهل العربية في الرافع لقوله: {الأوْلَيانِ} إذا قرىء كذلك، فقال بعض نحويي البصرة: يزعم أنه رفع ذلك بدلاً من «آخران» في قوله: {فآخَرَانِ يَقومانِ مَقامَهُما} وقال: إنما جاز أن يبدل الأوليان وهو معرفة من آخران وهو نكرة، لأنه حين قال: {يَقُومانِ مَقامهمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتحقّ عَلَيْهِم} كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى، فقال: «الأوْلَيانِ»، فأجرى المعرفة عليهما بدلاً. قال: ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير. واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز:

عَلَيَّ يوْمَ يمْلِكُ الأمُورَاصَوْمَ شُهورٍ وَجَبتْ نُذورَاً وبَادِنا مُقَلَّدا مَنْحورَاً

قال: فجعله «عليّ واجب»، لأنه في المعنى قد أوجب.

وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك ويقول: لا يجوز أن يكون «الأوليان» بدلاً من «آخران» من أجل أنه قد نَسَق «فيقسمان» على «يقومان» في قوله: {فَآخَرَانِ يَقُومانِ} فلم يتمّ الخبر عند من قال: لا يجوز الإبدال قبل إتمام الخبر، كما قال: غير جائز «مررت برجل قام زيد وقعد» وزيد بدل من رجل.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: «الأوليان» مرفوعان بما لم يسمّ فاعله، وهو قوله: «اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» وأنهما موضع الخبر عنهما، فعمل فيهما ما كان عاملاً في الخبر عنهما وذلك أن معنى الكلام: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الإثم بالخيانة، فوضع «الأوليان» موضع «الإثم» كما قال تعالى في موضع آخر: أجَعَلْتُمْ سقايَةَ الحاجّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرَام كمَنْ آمَنَ باللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومعناه: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟ وكما قال: وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ، وكما قال بعض الهذليين:

يُمَشِّي بَيْنَنا حانُوتُ خَمْرٍمِنَ الخُرْسِ الصَّرَاصِرَةِ القِطاطِ

وهو يعني صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه لأنه معلوم أن الحانوت لا يمشي، ولكن لما كان معلوماً عنده أنه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه حذف الصاحب، واجتزأ بذكر الحانوت منه، فكذلك قوله: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ» إنما هو من الذين استحقّ فيهم خيانتهما، فحذفت «الخيانة» وأقيم «المختانان» مقامها، فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر. وأما قوله: «عليهم» في هذا الموضع، فإن معناها: فيهم، كما قال تعالى: { وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ على مُلْكِ سُلَيْمانَ }يعني: في ملك سليمان، وكما قال: ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ف «في» توضع موضع «على»، و «على» في موضع «في» كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام، ومنه قول الشاعر:

مَتَى ما تُنْكِرُوها تَعْرِفُوهاعلى أقْطارِها عَلَقٌ نَفِيثُ

وقد تأوّلت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى: «فإنْ عُثَر على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ» أنهما رجلان آخران من المسلمين، أو رجلان أعدل من المُقسِمَين الأوّلين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن شريح في هذه الآية:

{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّة اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ }قال: إذا كان الرجل بأرض غُرْبة، ولم يجد مسلماً يشهده على وصيته، فأشهد يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، فشهادتهم جائزة. فإن جاء رجلان مسلمان، فشهدا بخلاف شهادتهم، أجيزت شهادة المسلمين وأبطلت شهادة الآخرين.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فإنْ عُثِرَ} أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأوّلين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: كان ابن عباس يقرأ: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ» قال: كيف يكون «الأَوْلَيان»، أرأيت لو كان الأوليان صغيرين؟

حدثنا هناد وابن وكيع، قال: ثنا عبدة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان يقرأ: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ» قال: وقال: أرأيت لو كان الأوليان صغيرين، كيف يقومان مقامهما؟

قال الإمام أبو جعفر: فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة، من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام النصرانِييَّن، أو عَدْلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأوّلين أو المُقسِمَين. وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة، دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى: {فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما} أولى به.

وأما قوله {الأوْلَيانِ} فإن معناه عندنا: الأولى بالميت من المقسمين الأوّلين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى، ثم حذف «فيهما» والعرب تفعل ذلك فتقول: فلان أفضل، وهي تريد أفضل منك، وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام، فعلوا ذلك أيضاً إذا كان جواباً لكلام قد مضى، فقالوا: هذا الأفضل، وهذا الأشرف يريدون هو الأشرف منك. وقال ابن زيد: معنى ذلك: الأوليان بالميت.

حدثني يونس، عن ابن وهب، عنه.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَيُقْسِمانِ باللّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادتِهِم وَما اعْتَدَيْنا إنَّا إذَنْ لَمِنَ الظَّالِمِينَ}.

يقول تعالى ذكره: فيُقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثماً بخيانتهما مال الميت الأوليان باليمين والميت من الخائنين: {لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما} يقول: لأيماننا أحقّ من أيمان المقسمين المستحقين الإثم وأيمانهما الكاذبة في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميتنا، وكذا في أيمانهما التي حلفا بها. {وَما اعْتَدَيْنا} يقول: وما تجاوزنا الحقّ في أيماننا. وقد بينا أن معنى الاعتداء: المجاوزة في الشيء حدّه. {إنَّا إذَنْ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} يقول: إنا إن كنا اعتدينا في أيماننا، فحلفنا مبطلين فيها كاذبين، {لمِنَ الظَّالِمِينَ} يقول: لِمِمَّنْ عَدَا ومَنْ يأخذ ما ليس له أخذه، ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس.

ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَٰنِهِمْ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝١٠٨

يعني تعالى ذكره بقوله: {ذلكَ}: هذا الذي قلت لكم في أمر الأوصياء إذا ارتبتم في أمرهم واتهمتموهم بخيانة المال من أوصى إليهم من حَبْسهم بعد الصلاة، واستحلافكم إياهم على ما ادّعى قِبَلهم أولياء الميت {أدْنى لَهُم أنْ يَأْتُوا بالشَّهادَةِ على وجهِها} يقول: هذا الفعل إذا فعلتم بهم أقرب لهم أن يصدقُوا في أيمانهم، ولا يكتموا، ويقرّوا بالحقّ، ولا يخونوا. {أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيمَانٌ بَعْدَ أيمَانِهِمْ} يقول أو يخافوا هؤلاء الأوصياء إن عُثِر عليهم أنهم استحقوا إثماً في أيمانهم بالله، أن تردَّ أيمانهم على أولياء الميت بعد أيمانهم التي عثر عليها أنها كذب، فيستحقوا بها ما ادّعوا قِبَلهم من حقوقهم، فيصدقوا حينئذٍ في أيمانهم وشهادتهم مخافة الفضيحة على أنفسهم وحذراً أن يستحقّ عليهم ما خانوا فيه أولياء الميت وورثته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وقد تقدمت الرواية بذلك عن بعضهم، نحن ذاكرو الرواية في ذلك عن بعض من بقي منهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس:

{ فإن عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً }يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذباً، { فآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا }يقول: من الأولياء، فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة وإنَّا لم نعتدِ، فتردّ شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء. يقول تعالى ذكره: ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم. وليس على شهود المسلمين إقسام، وإنما الإقسام إذا كانوا كافرين.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ذَلِكَ أدْنَى أنْ يَأْتُوا بالشَّهادَةِ}... الآية، يقول: ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم، وأن يخافوا العقاب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيمَانٌ بَعْدَ أيمَانِهِمْ} قال: فتبطل أيمانهم، وتؤخذ أيمان هؤلاء.

وقال آخرون: معنى ذلك: تحبسونهما من بعد الصلاة، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، وعلى أنهما استحقا إثماً، فآخران يقومان مقامهما. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمناً قليلاً ولو كان ذا قُربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، إنّ صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ولم أجز لكما شهادة وعاقبتكما. فإن قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسمَعُوا وَاللّهُ لا يَهدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.

يقول تعالى ذكره: وخافوا الله أيها الناس، وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة وأن تذهبوا بها مال من يحرم عليكم ماله، وأن تخونوا من ائتمنكم. {واسمَعُوا} يقول: اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به، فاعملوا به وانتهوا إليه. {وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ} يقول: والله لا يوفق من فسق عن أمر ربه فخالفه وأطاع الشيطان وعصى ربه.

وكان ابن زيد يقول: الفاسق في هذا الموضع: هو الكاذب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسقِينَ}: الكاذبين يحلفون على الكذب.

وليس الذي قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفوع، إلاَّ أن الله تعالى عمّ الخبر بأنه لا يهدي جميع الفساق، ولم يخصص منهم بعضاً دون بعض بخبر ولا عقل، فذلك على معاني الفسق كلها حتى يخصص شيئاً منها ما يجب التسليم له فيسلم له.

ثم اختلف أهل العلم في حكم هاتين الآيتين، هل هو منسوخ، أو هو محكم ثابت؟ فقال بعضهم: هو منسوخ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن رجل، قد سماه، عن حماد، عن إبراهيم، قال: هي منسوخة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: هي منسوخة. يعني هذه الآية:

{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ }}... الآية.

وقال جماعة: هي محكمة وليست بمنسوخة. وقد ذكرنا قول أكثرهم فيما مضى.

والصواب من القول في ذلك أن حكم الآية منسوخ، وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذي عليه أهل الإسلام، من لدن بعث الله تعالى ذكره نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، إلى يومنا هذا، أن من ادُّعِيَ عليه دعوى مما يملكه بنو آدم أن المدَّعى عليه لا يبرئه مما ادُّعِيَ عليه إلاَّ اليمين إذا لم يكن للمدّعي بينة تصحح دعواه، وأنه إن اعترف وفي يدي المدّعى سلعة له، فادّعى أنها له دون الذي في يده، فقال الذي هي في يده: بل هي لي اشتريتها من هذا المدّعي، أن القول قول من زعم الذي هي في يده أنه اشتراها منه دون من هي في يده مع يمينه إذا لم يكن للذي هي في يده بينة تحقق به دعواه الشراء منه. فإذ كان ذلك حكم الله الذي لا خلاف فيه بين أهل العلم، وكانت الآيتان اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمر وصية الموصي إلى عدلين من المسلمين أو إلى آخرَيْن من غيرهم، إنما ألزَم النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه الوصيين اليمين حين ادّعى عليهما الورثة ما ادّعوا ثم لم يُلزم المدّعى عليهما شيئاً إذ حلفا، حتى اعترفت الورثة في أيديهما ما اعترفوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من أموالهم فزعما أنهما اشترياه من ميتهم، فحينئذٍ ألزم النبيّ صلى الله عليه وسلم ورثة الميت اليمين، لأن الوصيين تحوّلا مدّعِيَين بدعواهما ما وجدا في أيديهما من مال الميت أنه لهما اشتريا ذلك منه فصارا مقرّين بالمال للميت مدّعيين منه الشراء، فاحتاجا حينئذٍ إلى بينة تصحح دعواهما وورثة الميت ربّ السلعة أولى باليمين منهما، فذلك قوله تعالى:

{ فإنْ عُثرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ باللّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما }}... الآية. فإذا كان تأويل ذلك كذلك فلا وجه لدعوى مدّع أن هذه الآية منسوخة، لأنه غير جائز أن يقضى على حكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ إلاَّ بخبر يقطع العذر إما من عند الله أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم، أو بورود النقل المستفيض بذلك، فأما ولا خبر بذلك، ولا يدفع صحته عقل، فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ.

يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝١٠٩

يقول تعالى ذكره: واتقوا الله أيها الناس، واسمعوا وعظه إياكم وتذكيره لكم، واحذروا يوم يجمع الله الرسل. ثم حذف «واحذروا» واكتفى بقوله:

{ وَاتَّقُوا اللّهَ واسمَعُوا }عن إظهاره، كما قال الراجز:

عَلَفْتُها تِبْناً وَماءً بارِداًحتى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْناها

يريد: وسقيتها ماء بارداً، فاستغنى بقوله «علفتها تبناً» من إظهار سقيتها، إذ كان السامع إذا سمعه عرف معناه. فكذلك في قوله:{ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} حذف «واحذروا» لعلم السامع معناه، اكتفاء بقوله: { وَاتَّقُوا اللّهَ واسمَعُوا }إذ كان ذلك تحذيراً من أمر الله تعالى خلقه عقابه على معاصيه.

وأما قوله: {ماذَا أُجِبْتُمْ} فإنه يعني به: ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى توحيدي والإقرار بي والعمل بطاعتي والانتهاء عن معصيتي؟ قالوا: لا علم لنا.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى قولهم: {لا عِلْمَ لَنا} لم يكن ذلك من الرسل إنكاراً أن يكونوا كانوا عالمين بما عملت أممهم، ولكنهم ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم، ثم أجابوا بعد أن ثابت إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذَا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا} قال: ذلك أنهم لما نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا، قالوا: لا علم لنا. ثم نزلوا منزلاً آخر، فشهدوا على قومهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، قال: سمعت الحسن يقول، في قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ}.... الآية، قال: من هول ذلك اليوم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن الأعمش، عن مجاهد في قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذَا أُجِبْتُمْ} فيفزعون، فيقول: ماذا أجبتم؟ فيقولون: {لا عِلْمَ لَنا}.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا علم لنا إلا ما علمتنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذَا أُجِبْتُمْ} فيقولون: {قالُوا لا عِلْمَ لَنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}.

وقال آخرون: معنى ذلك: قالوا لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذَا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا} إلا علم أنت أعلم به منا.

وقال آخرون: معنى ذلك {ماذَا أُجِبْتُمْ}: ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذَا أُجِبْتُمْ}: ماذا عملوا بعدكم، وماذا أحدثوا بعدكم؟ قالوا: {قالُوا لا عِلْمَ لَنا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}.

وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا: {لا عِلْمَ لَنا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}: أي أنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفي العلوم وجليها. فإنما نفي القوم أن يكون لهم بما سئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره، لا أنهم نفوا أن يكونوا علموا ما شاهدوا، كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنهم يخبرون بما أجابتهم به الأمم وأنهم سيشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، فقال تعالى ذكره:

{ وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }}.

وأما الذي قاله ابن جريج من أن معناه: ماذا عملت الأمم بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟ فتأويل لا معنى له، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يحدث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عما عملت الأمم بعدها والأمر كذلك فإنما يقال لها: ماذا عرّفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهر خبر الله تعالى ذكره عن مسألته إياهم يدلّ على غير ذلك

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ