انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 65–78

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 51–66في هذه الصفحة 17:37
  2. 2 الآيات 67–81في هذه الصفحة 15:24

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٦٥

يقول تعالـى ذكره: {ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ} وهم الـيهود والنصارى، {آمَنُوا} بـالله وبرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم فصدّقوه واتبعوه وما أنزل علـيه. {وَاتَّقَوْا} ما نهاهم الله عنه فـاجتنبوه. {لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ} يقول: مـحونا عنهم ذنوبهم، فغطينا علـيها ولـم نفضحهم بها. {ولأَدْخَـلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيـمِ} يقول: ولأدخـلناهم بساتـين ينعمون فـيها فـي الآخرة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنوا واتَّقَوْا} يقول: آمنوا بـما أنزل الله، واتقوا ما حرَّم الله. {لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ}.

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ۝٦٦

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {ولَوْ أنَّهُمْ أقامُوا التَّورَاةَ والإنْـجِيـلَ} ولو أنهم عملوا بـما فـي التوراة والإنـجيـل، {وَما أُنْزِلَ إلَـيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} يقول: وعملوا بـما أنزل إلـيهم من ربهم من الفرقان الذي جاءهم به مـحمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: وكيف يقـيـمون التوراة والإنـجيـل وما أنزل إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب ونسخ بعضها بعضاً؟ قـيـل: وإن كانت كذلك فـي بعض أحكامها وشرائعها، فهي متفقة فـي الأمر بـالإيـمان برسل الله والتصديق بـما جاءت به من عند الله فمعنى إقامتهم التوراة والإنـجيـل وما أنزل إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم تصديقهم بـما فـيها والعمل بـما هي متفقة فـيه وكلّ واحد منها فـي الـخبر الذي فرض العمل به.

وأما معنى قوله: {لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ} فإنه يعنـي: لأنزل الله علـيهم من السماء قطرها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونبـاتها فأخرج ثمارها.

وأما قوله: {وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ} فإنه يعنـي تعالـى ذكره: لأكلوا من بركة ما تـحت أقدامهم من الأرض، وذلك ما تـخرجه الأرض من حبها ونبـاتها وثمارها، وسائر ما يؤكل مـما تـخرجه الأرض.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {ولَوْ أنَّهُمْ أقامُوا التَّورَاةَ والإنْـجِيـلَ وَما أُنْزِلَ إلَـيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ} يعنـي: لأرسل السماء علـيهم مدراراً. {وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ}: تـخرج الأرض بركتها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولَوْ أنَّهُمْ أقامُوا التَّورَاةَ والإنْـجِيـلَ وَما أُنْزِلَ إلَـيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ} يقول: إذاً لأعطتهم السماء بركتها والأرض نبـاتها.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {ولَوْ أنَّهُمْ أقامُوا التَّورَاةَ والإنْـجِيـلَ وَما أُنْزِلَ إلَـيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ} يقول: لو عملوا بـما أنزل إلـيهم مـما جاءهم به مـحمد صلى الله عليه وسلم، لأنزلنا علـيهم الـمطر فأنبت الثمر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ولَوْ أنَّهُمْ أقامُوا التَّورَاةَ والإنْـجِيـلَ وَما أُنْزِلَ إلَـيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} أما إقامتهم التوراة: فـالعمل بها، وأما ما أنزل إلـيهم من ربهم: فمـحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل علـيه. يقول: {لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ} أما من فوقهم: فأرسلت علـيهم مطراً، وأما من تـحت أرجلهم، يقول: لأنبتّ لهم من الأرض من رزقـي ما يغنـيهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ} قال: بركات السماء والأرض. قال ابن جريج: لأكلوا من فوقهم الـمطر، ومن تـحت أرجلهم من نبـات الأرض.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ} يقول: لأكلوا من الرزق الذي ينزل من السماء، {ومِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ} يقول: من الأرض.

وكان بعضهم يقول: إنـما أريد بقوله: {لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ} التوسعة، كما يقول القائل: هو فـي خير من فَرْقه إلـى قدمه. وتأويـل أهل التأويـل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفـى بذلك شهيداً علـى فساده.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِـيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ}: منهم جماعة. {مُقْتَصِدَةٌ} يقول: مقتصدة فـي القول فـي عيسى ابن مريـم قائلة فـيه الـحقّ إنه رسول الله وكلـمته ألقاها إلـى مريـم وروح منه، لا غالـية قائلة إنه ابن الله، تعالـى عما قالوا من ذلك ولا مقصرة قائلة هو لغير رشدة. {وكَثِـيرٌ مِنْهُمْ} يعنـي من بنـي إسرائيـل من أهل الكتاب، الـيهود والنصارى. {ساءَ ما يَعْمَلُونَ} يقول: كثـير منهم سيىء عملهم، وذلك أنهم يكفرون بـالله، فتكذّب النصارى بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وتزعم أن الـمسيح ابن الله، وتكذّب الـيهود بعيسى وبـمـحمد صلـى الله علـيهما، فقال الله تعالـى فـيهم ذامًّا لهم: {ساءَ ما يَعْمَلُونَ} فـي ذلك من فعلهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} وهم مسلـمة أهل الكتاب {وَكَثِـيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: ثنا عبد الله بن كثـير، أنه سمع مـجاهداً يقول: تفرّقت بنو إسرائيـل فرقاً، فقالت فرقة: عيسى هو ابن الله، وقالت فرقة: هو الله، وقالت فرقة: هو عبد الله وروحه وهي الـمقتصدة، وهي مسلـمة أهل الكتاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ}: يقول: علـى كتابه وأمره. ثم ذمّ أكثر القوم، فقال: {وَكَثِـيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ}.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} يقول: مؤمنة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِـيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ} قال: الـمقتصدة أهل طاعة الله. قال: وهؤلاء أهل الكتاب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِـيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ} قال: فهذه الأمة الـمقتصدة الذين لا هم فسقوا فـي الدين ولا هم غلوْا. قال: والغلوّ: الرغبة، والفسق: التقصير عنه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٦٧

وهذا أمر من الله تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، بإبلاغ هؤلاء الـيهود والنصارى من أهل الكتابـين الذين قصّ الله تعالـى قصصهم فـي هذه السورة وذكر فـيها معايبهم وخبث أديانهم واجتراءهم علـى ربهم وتوثبهم علـى أنبـيائهم وتبديـلهم كتابه وتـحريفهم إياه ورداءة مطامعهم ومآكلهم وسائر الـمشركين غيرهم، ما أنزل علـيه فـيهم من معايبهم والإزراء علـيهم والتقصير بهم والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يشعر نفسه حذراً منهم أن يصيبه فـي نفسه مكروه، ما قام فـيهم بأمر الله، ولا جزعاً من كثرة عددهم وقلة عدد من معه، وأن لا يتقـى أحداً فـي ذات الله، فإن الله تعالـى كافـيه كلّ أحد من خـلقه، ودافعٌ عنه مكروه كل من يتقـي مكروهه. وأعلـمه تعالـى ذكره أنه إن قصر عن إبلاغ شيء مـما أنزل إلـيه إلـيهم، فهو فـي تركه تبلـيغ ذلك وإن قلّ ما لـم يبلغ منه، فهو فـي عظيـم ما ركب بذلك من الذنب بـمنزلته لو لـم يبلغ من تنزيـله شيئاً.

وبـما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَـمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رسالَتَهُ} يعنـي: إن كتـمت آية مـما أنزل علـيك من ربك، لـم تبلغ رسالتـي.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ}... الآية، أخبر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفـيه الناس ويعصمه منهم، وأمره بـالبلاغ. ذكِر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قـيـل له: لو احتـجبت فقال:

واللَّهِ لأُبْدِيَنَّ عَقِبـي للنَّاسِ ما صَاحَبْتُهُمْ

حدثنـي الـحارث بن مـحمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان الثوريّ، عن رجل، عن مـجاهد، قال: لـما نزلت: {بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ} قال:

إنّـما أنا وَاحِدٌ، كَيْفَ أصْنَعُ؟ تَـجْتَـمِعُ علـيَّ الناسُ فنزلت: {وَإنْ لَـمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رسالَتَهُ}... الآية.

حدثنا هناد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير، قال: لـمَّا نزلت: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَـمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تَـحْرُسُونِـي إنَّ رَبـيِّ قَدْ عَصَمَنِـي

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم وابن وكيع، قالا: ثنا ابن عُلَـية، عن الـجريري، عن عبد الله بن شقـيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتقبه ناس من أصحابه، فلـما نزلت: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} خرج فقال:

يا أيُّها النَّاسُ الْـحَقُوا بِـمَلاحِقِكُمْ، فإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِـي مِنَ النَّاسِ

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن عاصم بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يتـحارسه أصحابه، فأنزل الله: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَـمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رَسالَتَهُ}... إلـى آخرها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا الـحارث بن عبـيدة أبو قدامة الإيادي، قال: ثنا سعيد الـجريري، عن عبد الله بن شقـيق، عن عائشة، قالت: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يُحرس، حتـى نزلت هذه الآية: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} قالت: فأخرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال:

أيُّها النَّاسُ انْصَرِفُوا، فإنَّ اللّهَ قَدْ عَصَمَنِـي

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد، قال: ثنا سفـيان، عن عاصم، عن القرظي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يحرس حتـى أنزل الله: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}.

واختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت بسب أعرابـيّ كان همّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفـاه الله إياه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن مـحمد بن كعب القرظي وغيره، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظلـيـلة، فـيقـيـل تـحتها، فأتاه أعرابـي، فـاخترط سيفه ثم قال: من يـمنعك منـي؟ قال: «الله». فرعدت يد الأعرابـي، وسقط السيف منه. قال: وضرب برأسه الشجرة حتـى انتثر دماغه، فأنزل الله: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}.

وقال آخرون: بل نزلت لأنه كان يخاف قريشاً، فأومن من ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يهاب قريشاً، فلـما نزلت: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} استلقـى ثم قال:

مَنْ شاءَ فَلْـيَخْذُلْنِـي مرّتـين أو ثلاثاً.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن أبـي خالد، عن عامر، عن مسروق، قال: قالت عائشة: من حدّثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتـم شيئاً من الوحي فقد كذب. ثم قرأت: «يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ}... الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الـمغيرة، عن الشعبـيّ، قال: قالت عائشة: من قال إن مـحمداً صلى الله عليه وسلم كتـم فقد كذب وأعظم الفرية علـى الله، قال الله: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ}... الآية.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا داود بن أبـي هند، عن الشعبـيّ، عن مسروق، قال: قالت عائشة: من زعم أن مـحمداً صلى الله عليه وسلم كتـم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم علـى الله الفرية، والله يقول: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّك}... الآية.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي خالد، عن سعيد بن أبـي هلال، عن مـحمد بن الـحميـم، عن مسروق بن الأجدع، قال: دخـلت علـى عائشة يوما، فسمعتها تقول: لقد أعظم الفرية من قال: إن مـحمداً كتـم شيئاً من الوحي، والله يقول: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ}.

ويعنـي بقوله: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}: يـمنعك من أن ينالوك بسوء، وأصله من عصام القربة، وهو ما توكأ به من سير وخيط، ومنه قول الشاعر:

وَقُلْتُ عَلَـيْكُمْ مالِكاً إنَّ مالِكاًسيَعْصِمُكْم إنْ كانَ فِـي النَّاسِ عاصِمُ

يعنـي: يـمنعكم. وأما قوله: {إنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ} فإنه يعنـي: إن الله لا يوفق للرشد من حاد عن سبـيـل الـحقّ وجار عن قصد السبـيـل وجحد ما جئته به من عند الله، ولـم ينته إلـى أمر الله وطاعته فـيـما فرض علـيه وأوجبه.

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٦٨

وهذا أمر من الله تعالـى ذكره نبـيه صلى الله عليه وسلم بـابلاغ الـيهود والنصارى الذين كانوا بـين ظهرانـيْ مهاجره، يقول تعالـى ذكره له: قل يا مـحمد لهؤلاء الـيهود والنصارى: {يا أَهْلَ الكِتابِ} التوراة والإنـجيـل، لستـم علـى شيء مـما تدّعون أنكم علـيه مـما جاءكم به موسى صلى الله عليه وسلم معشر الـيهود، ولا مـما جاءكم به عيسى معشر النصارى، حتـى تقـيـموا التوراة والإنـجيـل وما أنزل إلـيكم من ربكم ما جاءكم به مـحمد صلى الله عليه وسلم من الفرقان، فتعملوا بذلك كله وتؤمنوا بـما فـيه من الإيـمان بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، وتقرّوا بأن كلّ ذلك من عند الله، فلا تكذبوا بشيء منه ولا تفرّقوا بـين رسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، فإن الكفر بواحد من ذلك كفر بجميعه، لأن كتب الله يصدّق بعضها بعضاً، فمن كذّب ببعضها فقد كذّب بجميعها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك جاء الأثر:

حدثنا هناد بن السريّ وأبو كريب، قالا: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـي زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة، وسلام بن مسكين، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة، فقالوا: يا مـحمد ألست تزعم أنك علـى ملة إبراهيـم ودينه، وتؤمن بـما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حقّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بَلـى، ولَكِنَّكُمْ أحْدَثْتُـمْ وجَحَدْتُـمْ ما فِـيها مِـمَّا أُخِذَ عَلَـيْكُمْ مِنَ الـمِيثاقِ، وكَتَـمْتُـمْ مِنْها ما أمِرْتُـمْ أنْ يتُبَـيِّنُوهُ للنَّاسِ، وأنا بَرِيءٌ مِنْ أحْداثِكُمْ قالُوا: فإنَّا نَأْخُذُ بـما فـي أيدينا، فإنا علـى الـحقّ والهدى، ولا نؤمن بك ولا نتبعك. فأنزل الله: {قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُـمْ علـى شَيْءٍ حتـى تِقِـيـمُوا التَّوْرَاةَ، والإنْـجِيـلِ وَما أُنْزِلَ إلَـيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}... إلـى: فَلا تَأْسَ علـى القَوْمِ الكافِرِينَ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُـمْ علـى شَيْءٍ حتـى تُقِـيـمُوا التَّوْرَاةَ والإنْـجِيـلَ وَما أُنْزِلَ إلَـيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} قال: فقد صرنا من أهل الكتاب التوراة للـيهود والإنـجيـل للنصارى. وما أنزل إلـيكم من ربكم، وما أنزل إلـينا من ربنا. أي لستـم علـى شيء حتـى تقـيـموا حتـى تعملوا بـما فـيه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ولَـيزِيدَنَّ كَثِـيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وكُفْراً فَلا تَأْسَ علـى القَوْمِ الكافِرِينَ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {ولَـيزِيدَنَّ كَثِـيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وكُفْراً: وأقسم لـيزيدنّ كثـيراً من هؤلاء الـيهود والنصارى الذين قصّ قصصهم فـي هذه الآيات الكتابُ الذي أنزلته إلـيك يا مـحمد طغياناً، يقول: تـجاوزاً وغلوّاً فـي التكذيب لك علـى ما كانوا علـيه لك من ذلك قبل نزول الفرقان، {كُفْراً} يقول: وجحوداً لنبوّتك. وقد أتـينا علـى البـيان عن معنى الطغيان فـيـما مضى قبل.

وأما قوله: {فَلا تَأْسَ علـى القَوْمِ الكافِرِينَ} يعنـي: يقول {فَلا تَأْس} فلا تـحزن، يقال: أسِيَ فلان علـى كذا: إذا حزن يأسَى أسًى، ومنه قول الراجز:

وانْـخـلَبتْ عَيْناهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: لا تـحزن يا مـحمد علـى تكذيب هؤلاء الكفـار من الـيهود والنصارى من بنـي إسرائيل لك، فإن مثل ذلك منهم عادة وخـلق فـي أنبـيائهم، فكيف فـيك؟.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {وَلَـيزِيدَنَّ كَثِـيراً مِنْهُمْ أُنْزِلَ إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وكُفْراً} قال: الفرقان. يقول: فلا تـحزن.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {فَلا تَأْسَ علـى القَوْمِ الكافِرِينَ} قال: لا تـحزن.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦٩

يقول تعالـى ذكره: إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام، {والَّذين هَادُوا} وهم الـيهود والصابئون. وقد بـينا أمرهم. {والنَّصَارى مَنْ آمَنَ} منهم {بـاللّه والـيَوْمِ الآخِرِ} فصدّق بـالبعث بعد الـمـمات، وعمل من العمل صالـحاً لـمعاده، {فلا خَوْفٌ علـيهم} فـيـما قدّموا علـيه من أهوال القـيامة، {ولا هُمْ يَحْزَنُونَ} علـى ما خـلفوا وراءهم من الدنـيا وعيشها بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيـل ثوابه. وقد بـينا وجه الإعراب فـيه فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته.

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ۝٧٠

يقول تعالـى ذكره: أقسم لقد أخذنا ميثاق بنـي إسرائيـل علـى الإخلاص وتوحيدنا، والعمل بـما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه وأرسلنا إلـيهم بذلك رسلاً، ووعدناهم علـى ألسن رسلنا إلـيهم علـى العمل بطاعتنا الـجزيـل من الثواب، وأوعدناهم علـى العمل بـمعصيتنا الشديد من العقاب، كلـما جاءهم رسول لنا بـما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق مـحبتهم كذبوا منهم فريقاً ويقتلون منهم فريقاً، نقضاً لـميثاقنا الذي أخذناه علـيهم، وجراءة علـينا وعلـى خلاف أمرنا.

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝٧١

يقول تعالـى: وظنّ هؤلاء الإسرائيـلـيون الـذين وصف تعالـى ذكره صفتهم أنه أخذ ميثاقهم وأنه أرسل إلـيهم رسلاً، وأنهم كانوا كلـما جاءهم رسول بـما لا تهوى أنفسم كذّبوا فريقاً وقتلوا فريقاً، أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبـار بـالشدائد من العقوبـات بـما كانوا يفعلون. {فَعَمُوا وصَمُّوا} يقول: فعموا عن الـحقّ والوفـاء بـالـميثاق الذي أخذته علـيهم من إخلاص عبـادتـي، والانتهاء إلـى أمري ونهيـي، والعمل بطاعتـي بحسبـانهم ذلك وظنهم، وصموا عنه. ثم تبت علـيهم، يقول: ثم هديتهم بلطف منـي لهم، حتـى أنابوا ورجعوا عما كانوا علـيهم من معاصيّ وخلاف أمري، والعمل بـما أكرهه منهم إلـى العمل بـما أحبه، والانتهاء إلـى طاعتـي وأمري ونهيـي. {ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِـيرٌ مِنْهُمْ} يقول: ثم عموا أيضاً عن الـحقّ والوفـاء بـميثاقـي الذي أخذته علـيهم من العمل بطاعتـي والانتهاء إلـى أمري واجتناب معاصيّ، {وَصمُّوا كَثِـيرٌ منهم} يقول: عمي كثـير من هؤلاء الذين كنت أخذت ميثاقهم من بنـي إسرائيـل بـاتبـاع رسلـي والعمل بـما أنزلت إلـيهم من كتبـي عن الـحقّ، وصموا بعد توبتـي علـيهم واستنقاذي إياهم من الهلكة. {وَاللّهُ بَصِيرٌ بِـمَا يَعْمَلُونَ} يقول: بصير فـيرى أعمالهم خيرها وشرّها، فـيجازيهم يوم القـيامة بجميعها، إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّ.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَحَسِبُوا أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}...الآية، يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاء فعموا وصموا، كلـما عرض بلاء ابتلوا به هلكوا فـيه.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَحَسِبُوا أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا} يقول: حسبوا أن لا يبتلوا، فعموا عن الـحقّ وصمُّوا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن مبـارك، عن الـحسن: {وَحَسِبُوا أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال بلاء.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَحَسِبُوا أنْ لا تكونَ فِتْنَةٌ} قال: الشرك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَحَسِبُوا أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا} قال: الـيهود.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج عن ابن جريج، عن مـجاهد: {فَعَمُوا وَصَمُّوا} قال: يهود. قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، قال: هذه الآية لبنـي إسرائيـل. قال: والفتنة: البلاء والتـمـحيص.

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ۝٧٢

وهذا خبر من الله تعالـى ذكره عن بعض ما فَتَن به الإسرائيـلـيـين الذين أخبر عنهم أنهم حسبوا أن لا تكون فتنة. يقول تعالـى ذكره: فكان مـما ابتلـيتهم واختبرتهم به فنقضوا فـيه ميثاقـي وغيروا عهدي الذي كنت أخذته علـيهم، بأن لا يعبدوا سواي ولا يتـخذوا ربـاً غيري، وأن يوحدونـي، وينتهوا إلـى طاعتـي عبدي عيسى ابن مريـم، فإنـي خـلقته وأجريت علـى يده نـحو الذي أجريت علـى يد كثـير من رسلـي، فقالوا كفراً منهم: هو الله. وهذا قول الـيعقوبـية من النصارى، علـيهم غضب الله يقول الله تعالـى ذكره: فلـما اختبرتهم وابتلـيتهم بـما ابتلـيتهم به أشركوا بـي قالوا لـخـلق من خـلقـي وعبد مثلهم من عبـيدي وبَشَر نـحوهم معروف نسبه وأصله مولود من البشر يدعوهم إلـى توحيدي ويأمرهم بعبـادتـي وطاعتـي ويقرّ لهم بأنـي ربه وربهم وينهاهم عن أن يشركوا بـي شيئاً، هو إلههم جهلاً منهم الله وكفراً به، ولا يَنبغي لله أن يكون والداً ولا مولوداً.

ويعنـي بقوله: {وَقالَ الـمَسيحُ يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبـي وَرَبَّكُمْ} يقول: اجعلوا العبـادة والتذلل للذي له يذلّ كلّ شيء وله يخضع كل موجود، ربـي وربكم، يقول: مالكي ومالككم، وسيدي وسيدكم، الذي خـلقنـي وإياكم. {إنَّهُ مَنْ يُشْركْ بـاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَـيْهِ الـجَنَّةَ} أن يسكنها فـي الآخرة، {وَمأْوَاهُ النَّارُ} يقول: ومرجعه ومكانه الذي يأوي إلـيه ويصير فـي معاده، من جعل لله شريكاً فـي عبـادته نار جهنـم. {وَما للظَّالِـمِينَ} يقول: ولـيس لـمن فعل غير ما أبـاح الله له وعبد غير الذي له عبـادة الـخـلق، {مِنْ أنْصَارٍ} ينصرونه يوم القـيامة من الله، فـينقذونه منه إذا أورده جهنـم.

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٣

وهذا أيضاً خبر من الله تعالـى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيـلـيـين الذين وصف صفتهم فـي الآيات قبل أنه لـما ابتلاهم بعد حسبـانهم أنهم لا يبتلون ولا يفتنون، قالوا كفراً بربهم وشركاً: الله ثالث ثلاثة. وهذا قول كان علـيه جماهير النصارى قبل افتراق الـيعقوبـية والـملكانـية والنسطورية، كانوا فـيـما بلغنا يقولون: الإله القديـم جوهر واحد يعمّ ثلاثة أقانـيـم: أبـاً والداً غير مولود، وابناً مولوداً غير والد، وزوجاً متتبعة بـينهما. يقول الله تعالـى ذكره مكذّبـاً لهم فـيـما قالوا من ذلك: {وما مِنْ إلهٍ إلاَّ إلهٌ وَاحِدٌ} يقول: ما لكم معبود أيها الناس إلا معبود واحد، وهو الذي لـيس بوالد لشيء ولا مولود، بل هو خالق كلّ والد ومولود. {وإنْ لـم يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ} يقول: إن لـم ينتهوا قائلوا هذه الـمقالة عما يقولون من قولهم: الله ثالث ثلاثة، {لَـيَـمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ} يقول: لـيـمسنّ الذين يقولون هذه الـمقالة، والذين يقولون الـمقالة الأخرى هو الـمسيح ابن مريـم لأن الفريقـين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع فـي الوعيد بـالعذاب إلـى العموم. ولـم يقل: «لـيـمسنهم عذاب ألـيـم»، لأن ذلك لو قـيـل كذلك صار الوعيد من الله تعالـى ذكره خاصًّا لقائل القول الثانـي، وهم القائلون: الله ثالث ثلاثة، ولـم يدخـل فـيهم القائلون: الـمسيح هو الله. فعمّ بـالوعيد تعالـى ذكره كل كافر، لـيعلـم الـمخاطبون بهذه الآيات أن وعيد الله وقد شمل كلا الفريقـين من بـين إسرائيـل ومن كان من الكفـار علـى مثل الذي هم علـيه.

فإن قال قائل: وإن كان الأمر علـى ما وصفت فعلـى من عادت الهاء والـميـم اللتان فـي قوله: «مِنْهُمْ»؟ قـيـل: علـى بنـي إسرائيـل.

فتأويـل الكلام إذ ان الأمر علـى ما وصفنا: وإن لـم ينته هؤلاء الإسرائيـلـيون عما يقولون فـي الله من عظيـم القول، لـيـمسنَّ الذين يقولون منهم إن الـمسيح هو الله والذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكلّ كافر سلك سبـيـلهم عذابٌ ألـيـم بكفرهم بـالله.

وقد قال جماعة من أهل التأويل بنـحو قولنا فـي أنه عنى بهذه الآيات: النصارى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ} قال: قالت النصارى: هو الـمسيح وأمه، فذلك قول الله تعالـى:

{ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّـخِذُونِـي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ }

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ} نـحوه.

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: أفلا يرجع هذان الفريقان الكافران، القائل أحدهما: إن الله هو الـمسيح ابن مريـم والآخر القائل: إن الله ثالث ثلاثة، عما قالا من ذلك، ويتوبـان مـما قالا وقطعا به من كفرهما، ويسألان ربهما الـمغفرة مـما قالا. والله غفور لذنوب التائبـين من خـلقه، الـمنـيبـين إلـى طاعته بعد معصيتهم، رحيـم بهم في قبوله توبتهم ومراجعتهم إلـى ما يحب مـما يكره، فـيصفح بذلك من فعلهم عما سلف من إجرامهم قبل ذلك.

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ۝٧٥

وهذا (خبرٌ) من الله تعالـى ذكره احتـجاجاً لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى فرق النصارى فـي قولهم فـي الـمسيح. يقول مكذّبـاً للـيعقوبـية فـي قـيـلهم: هو الله، والآخرين فـي قـيـلهم: هو ابن الله: لـيس القول كما قال هؤلاء الكفرة فـي الـمسيح، ولكنه ابن مريـم ولدته ولادة الأمهات أبناءهنّ، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنـما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وخـلوا، أجرى علـى يده ما شاء أن يجريه علـيها من الآيات والعبر حجة له علـى صدقه وعلـى أنه لله رسول إلـى من أرسله إلـيه من خـلقه، كما أجرى علـى أيدي من قبله من الرسل من الآيات والعبر حجة لهم علـى حقـيقة صدقهم فـي أنهم لله رسل. {وأُمُّهُ صِدّيقَة} يقول تعالـى ذكره: وأمّ الـمسيح صدّيقة، والصدّيقة: الفِعِّيـلة من الصدق، وكذلك قولهم فلان صدّيق: فعيـل من الصدق، ومنه قوله تعالـى ذكره: وَالصّدّيقِـينَ والشُّهَدَاءِ. وقد قـيـل: إنّ أبـا بكر الصدّيق رضي الله عنه إنـما قـيـل له الصدّيق لصدقه، وقد قـيـل: إنـما سمي صدّيقاً لتصديقه النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي مسيره فـي لـيـلة واحدة إلـى بـيت الـمقدس من مكة وعوده إلـيها. وقوله: {كانَا يَأكُلانِ الطَّعامَ} خبر من الله تعالـى ذكره عن الـمسيح وأمه أنهما كانا أهل حاجة إلـى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من الـمطاعم والـمشارب كسائر البشر من بنـي آدم. فإنّ من كان كذلك، فغير كائن إلهاً لأن الـمـحتاج إلـى الغذاء قوامه بغيره، وفـي قوامه بغيره وحاجته إلـى ما يقـيـمه دلـيـل واضح علـى عجزه، والعاجز لا يكون إلاَّ مربوبـاً لا ربًّـا.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {انْظُرْ كَيْفَ نُبَـيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنَّى يُؤْفَكُونَ}.

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا مـحمد كيف نبـين لهؤلاء الكفرة من الـيهود والنصارى الآيات، وهي الأدلة والأعلام والـحجج علـى بطول ما يقولون فـي أنبـياء الله، وفـي فريتهم علـى الله، وادّعائهم له ولداً، وشهادتهم لبعض خـلقه بأنه لهم ربّ وإله، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وبـاطل قـيـلهم، ولا ينزجرون عن فِرْيتهم علـى ربهم وعظيـم جهلهم، مع ورود الـحجج القاطعة عذرهم علـيهم. يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ثم انظر يا مـحمد أنَّى يؤفكون؟ يقول: ثم انظر مع تبـيـيننا لهم آياتنا علـى بطول قولهم: أيّ وجه يُصْرفون عن بـياننا الذي بـينته لهم، وكيف عن الهدى الذي نهديهم إلـيه من الـحقّ يضِلون؟ والعرب تقول لكلّ مصروف عن شيء: هو مأفوك عنه، يقال: قد أَفَكْتُ فلاناً عن كذا: أي صرفته عنه، فأنا آفِكه أفْكاً، وهو مأفوك، وقد أُفِكَتِ الأرضُ: إذا صرف عنها الـمطر.

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٧٦

وهذا أيضاً احتـجاج من الله تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم علـى النصارى القائلـين فـي الـمسيح ما وصف من قـيـلهم فـيه قبل. يقول تعالـى ذكره لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الكفرة من النصارى الزاعمين أن الـمسيح ربهم والقائلـين إن الله ثالث ثلاثة: أتعبدون سوى الله الذي يـملك ضُرَّكم ونفعكم وهو الذي خـلقكم ورزقكم وهو يحيـيكم ويـميتكم، شيئاً لا يـملك لكم ضراً ولا نفعاً؟ يخبرهم تعالـى ذكره أن الـمسيح الذي زعم من زعم من النصارى أنه إله، والذي زعم من زعم منهم أنه لله ابن، لا يـملك لهم ضرًّا يدفعه عنهم إن أحله الله بهم، ولا نفعاً يجلبه إلـيهم إن لـم يقضه الله لهم. يقول تعالـى ذكره: فكيف يكون ربـاً وإلهاً من كانت هذه صفته؟ بل الربّ الـمعبود الذي بـيده كلّ شيء والقادر علـى كلّ شيء، فإياه فـاعبدوا وأخـلصوا له العبـادة دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرّون.

وأما قوله: {وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِـيـمُ} فإنه يعنـي تعالـى ذكره بذلك: والله هو السميع لاستغفـارهم لو استغفروه من قـيـلهم ما أخبر عنهم أنهم يقولونه فـي الـمسيح، ولغير ذلك من منظقهم ومنطق خـلقه، العلـيـم بتوبتهم لو تابوا منه، وبغير ذلك من أمورهم.

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ۝٧٧

وهذا خطاب من الله تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم. يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لهؤلاء الغالـية من النصارى فـي الـمسيح: {يا أهْلَ الكِتابِ} يعنـي بـالكتاب: الإنـجيـل، {لا تَغْلُوا فِـي دِينِكُمْ} يقول: لا تفْرطوا فـي القول فـيـما تدينون به من أمر الـمسيح، فتـجاوزوا فـيه الـحقّ إلـى البـاطل، فتقولوا فـيه: هو الله، أو هو ابنه ولكن قولوا: هو عبد الله وكلـمته ألقاها إلـى مريـم وروح منه. {وَلا تَتَّبِعُوا أهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِـيراً} يقول: ولا تتبعوا أيضاً فـي الـمسيح أهواء الـيهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبـيـل الهدي فـي القول فـيه، فتقولون فـيه كما قالوا: هو لغير رِشْدة، وتَبْهتوا أمه كما بـيهتونها بـالفرية، وهي صدّيقة. {وأضَلُّوا كَثِـيراً} يقول تعالـى ذكره: وأضلّ هؤلاء الـيهود كثـيراً من الناس، فحادوا بهم عن طريق الـحقّ وحملوهم علـى الكفر بـالله والتكذيب بـالـمسيح. {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِـيـلِ} يقول: وضلّ هؤلاء الـيهود عن قصد الطريق، وركبوا غير مـحجة الـحقّ وإنـما يعنـي تعالـى ذكره بذلك كفرهم بـالله وتكذيبهم رسله عيسى ومـحمداً صلى الله عليه وسلم، وذهابهم عن الإيـمان وبُعْدهم منه. وذلك كان ضلالهم الذي وصفهم الله به.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِـيـلِ} قال: يهود.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لا تَتَّبِعُوا أهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضلُّوا مِنْ قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِـيراً} فهم أولئك الذين ضلوا وأضلوا أتبـاعهم. {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِـيـلِ} عن عدل السبـيـل.

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ۝٧٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء النصارى الذين وصف تعالـى ذكره صفتهم: لا تغلوا فتقولوا فـي الـمسيح غير الـحقّ، ولا تقولوا فـيه ما قالت الـيهود الذين قد لعنهم الله علـى لسان أنبـيائه ورسله داود وعيسى ابن مريـم. وكان لعن الله إياهم علـى ألسنتهم، كالذي:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ} قال: لعنوا بكلّ لسان، لعنوا علـى عهد موسى فـي التوراة، ولعنوا علـى عهد داود فـي الزبور، ولعنوا علـى عهد عيسى فـي الإنـجيـل، ولعنوا علـى عهد مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي القرآن.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ عَلـى لِسَان دَاوُدَ وَعيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ} يقول: لعنوا فـي الإنـجيـل علـى لسان عيسى ابن مريـم، ولعنوا فـي الزبور علـى لسان داود.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن أبـيه، عن خصيف، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ} قال: خالطوهم بعد النهي فـي تـجاراتهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، فهم ملعونون علـى لسان داود وعيسى ابن مريـم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن مـجاهد: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ} قال: لعنوا علـى لسان داود فصاروا قردة، ولعنوا علـى لسان عيسى فصاروا خنازير.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس، قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ} بكلّ لسان لعنوا علـى عهد موسى فـي التوراة، وعلـى عهد داود فـي الزبور، وعلـى عهد عيسى فـي الإنـجيـل، ولعنوا علـى لسان مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي القرآن.

قال ابن جريج، وقال آخرون: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ} علـى عهده، فلعنوا بدعوته. قال: مرّ داود علـى نفر منهم وهم فـي بـيت، فقال من فـي البـيت؟ قالوا: خنازير، قال: اللهمّ اجعلهم خنازير فكانوا خنازير ثم أصابتهم لعنته. ودعا علـيهم عيسى فقال: اللهمّ العن من افترى علـيّ وعلـى أمي، واجعلهم قردة خاسئين

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ}... الآية، لعنهم الله علـى لسان داود فـي زمانه فجعلهم قردة خاسئين، وفـي الإنـجيـل علـى لسان عيسى فجعلهم خنازير.

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا أو مـحصن حصين بن نـمير، عن حصين، يعنـي ابن عبد الرحمن، عن أبـي مالك، قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ} قال: مسخوا علـى لسان داود قردة، وعلـى لسان عيسى خنازير.

حدثنـي يعقوب، قال، ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن أبـي مالك، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـي، عن العلاء بن الـمسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرّة، عن سالـم الأفطس، عن أبـي عبـيدة، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ كانَ إذَا رأى أخاهُ علـى الذَّنْبِ نَهاهُ عَنْهُ تَعْزيراً، فإذَا كانَ مِنَ الغَدِ لَـمْ يَـمْنَعْهُ ما رأى مِنْهُ أنْ يَكُونَ أكِيـلَهُ وَخَـلِـيطَهُ وشَرِيبَه. فَلَـمَّا رأى ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ علـى بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ علـى لِسانِ نَبِـيّهِمْ دَاوُدَ وَعِيسَى ابنِ مَرْيَـمَ ذَلِكَ بِـمَا عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ.} ثم قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ لَتَأمُرُنَّ بـالـمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ الـمُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ علـى يَدَيِ الـمُسِيء، ولا تُوأطئُونَه على الخواطر، أو لَـيَضْرِبَنَّ اللّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ علـى بَعْضٍ، ولَـيَـلْعَنَنَّكُمْ كمَا لَعَنَهُمْ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير بن سلـيـمان، قال: ثنا عمرو بن قـيس الـملائي، عن علـيّ بن بذيـمة، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله، قال: لـما فشا الـمنكر فـي بنـي إسرائيـل، جعل الرجل يـلقـي الرجل فـيقول: يا هذا اتق الله ثم لا يـمنعه ذلك أن يؤاكله ويشاربه. فلـما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم علـى بعض، ثم أنزل فـيهم كتابـاً: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ ذَلِكَ بِـمَا عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُون كانُوا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ}. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً، فجلس وقال:

كَلاَّ وَالَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ حتـى تأْطِرُوا الظَّالِـمَ علـى الـحَقّ أطْراً

حدثنا علـيّ بن سهل الرملـي، قال: ثنا الـمومل بن إسماعيـل، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا علـيّ بن بذيـمة عن أبـي عبـيدة أظنه عن مسروق عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ بَنِـي إسْرَائِيـلَ لَـمَّا ظَهَرَ مِنْهُمُ الـمُنْكَرُ جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى أخاه وَجارَهُ وَصَاحِبَهُ علـى الـمُنْكَرِ فَـيَنْهاهُ، ثُمَّ لا يَـمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ أنْ يَكُونَ أكِيـلَهُ وَشَرِيبَهُ ونَدِيـمَهُ، فَضَرَبَ اللّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ علـى بَعْضٍ، وَلُعِنُوا علـى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مِرْيَـمَ ذَلِكَ بِـمَا عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ... إلـى (فـاسِقُونَ). قال عبد الله: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فـاستوى جالساً، فغضب وقال:لا وَاللّهِ حتـى تأْخُذُوا علـى يَدَيِ الظَّالِـمِ فَتَأْطِرُوهُ علـى الـحَقّ أطْراً

حدثنا ابن بشار، قال ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفـيان عن علـيّ بن بذيـمة، عن أبـي عبـيدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ بَنِـي إسْرائِيـلَ لَـمَّا وَقَعَ فِـيهِم النَّقْصُ كانَ الرَّجُلُ يَرَى أخاهُ علـى الرَّيْبِ فَـيَنْهاهُ عَنْهُ، فإذَا كانَ الغَدُ لَـمْ يَـمْنَعْهُ ما رأى مِنْهُ أنْ يَكُونَ أكِيـلَهُ وشَرِيبَهُ وَخَـلِـيطَهُ فَضَرَبَ اللّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ونزل فـيهم القرآن، فقال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ} حتـى بلغ: {وَلَكِنَّ كَثـيراً مِنْهُمْ فـاسِقُونَ}. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً، فجلس وقال: لا حتـى تَأْخُذُوا يَدَيِ الظَّالِـمِ فَتَأْطِرُوه علـى الـحَقّ أطْراً

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: أملاه علـيّ، قال: ثنا مـحمد بن أبـي الوضاح، عن علـيّ بن بذيـمة، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله، عن النبـي صلى الله عليه وسلم بـمثله.

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن علـيّ بن بذيـمة، قال: سمعت أبـا عبـيدة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نـحوه. غير أنهما قالا فـي حديثهما: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً، فـاستوى جالساً ثم قال:

كَلاَّ وَالَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ حتـى تَأْخُذُوا علـى يَدَيِ الظَّالِـمِ، فَتأطِرُوه علـى الـحَقّ أطْراً

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ} قال: فقال: لعنوا فـي الإنـجيـل وفـي الزبور. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ رَحَى الإيـمَانِ قَدْ دَارَتْ، فَدُورُوا مَعَ القُرآنِ حَيْثُ دَارَ، فإنَّهُ قَدْ فَرَغَ اللّهُ مِـمَّا افْتَرَضَ فِـيهِ. وإنَّهُ كانَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ كانُوا أهْلَ عَدْلٍ، يَأْمُرُونَ بـالـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الـمُنْكَرِ، فأخَذَهُمْ قَوْمُهُمْ فَنَشَرُوهِمْ بـالـمَناشِيرِ، وَصَلَبُوهُمْ علـى الـخَشَبِ، وَبَقِـيَتْ مِنْهُمْ بَقِـيَّةٌ، فَلَـمْ يَرْضَوْا حتـى دَاخَـلُوا الُـملُوكَ وَجالَسُوهُمْ، ثُمَّ لَـمْ يَرْضَوْا حتـى وَاكَلُوهُمْ، فَضَرَبَ اللّهُ تِلْكَ القُلُوبَ بَعْضَها بِبَعْضٍ فَجَعَلَها وَاحِدَةً«،} فذلك قول الله تعالـى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ...} إلـى {ذَلِكَ بِـمَا عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ} ماذا كانت معصيتهم؟ قال: «كَانُوا لايَتَنَاهَوْنَ عن مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، لَبِئْسَ ما كَانُوا يَفْعَلُونَ».

فتأويـل الكلام إذن: لعن لله الذين كفروا من الـيهود بـالله علـى لسان داود وعيسى ابن مريـم، ولعن والله آبـاؤهم علـى لسان داود وعيسى ابن مريـم، بـما عصوا الله فخالفوا أمره وكانوا يعتدون، يقول: وكانوا يتـجاوزون حدوده.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ