انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 49–54

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 41–50في هذه الصفحة 16:23
  2. 2 الآيات 51–66في هذه الصفحة 17:37

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ۝٤٩

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: وأن احكم بـينهم بـما أنزل الله وأنزلنا إلـيك يا مـحمد الكتاب، مصدّقاً لـما بـين يديه من الكتاب، وأن احكم بـينهم فـ«أنْ» فـي موضع نصب بـالتنزيـل. ويعنـي بقوله: {بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ}: بحكم الله الذي أنزله إلـيك فـي كتابه.

وأما قوله: {وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ} فإنه نهي من الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء الـيهود الذين احتكموا إلـيه فـي قتـيـلهم وفـاجِرَيْهم، وأمْرٌ منه له بلزوم العمل بكتابه الذي أنزله إلـيه. وقوله: {وَاحْذَرْهُمْ أنْ يفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللّهُ إلَـيْكَ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: واحذر يا مـحمد هؤلاء الـيهود الذين جاأك مـحتكمين إلـيك أن يفتنوك، فـيصدّوك عن بعض ما أنزل الله إلـيك من حكم كتابه، فـيحملوك علـى ترك العمل به واتبـاع أهوائهم. وقوله: {فإنْ تَوَلَّوْا فـاعْلَـمْ أنَّـمَا يُرِيدُ الله أنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهمْ} يقول تعالـى ذكر: فإن تولـى هؤلاء الـيهود الذين اختصموا إلـيك عنك، فتركوا العمل بـما حكمت به علـيهم، وقضيت فـيهم، فـاعلـم أنـما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، يقول: فـاعلـم أنهم لـم يتولوا عن الرضا بحكمك وقد قضيت بـالـحقّ إلا من أجل أن الله يريد أن يتعجل عقوبتهم فـي عاجل الدنـيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم. {وَإنَّ كَثـيراً مِنَ النَّاسِ لفَـاسِقُونَ} يقول: وإن كثـيراً من الـيهود لفـاسقون، يقول: لتاركوا العمل بكتاب الله، ولـخارجون عن طاعته إلـى معصيته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك جاءت الرواية عن أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قال كعب بن أسد وابن صوريا ياوشاس بن قـيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلـى مـحمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا: يا مـحمد إنك قد عرفت أنا أحبـار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعَنا يهود ولـم يخالفونا، وإنّ بـيننا وبـين قومنا خصومة، فنـحاكمهم إلـيك، فتقضيَ لنا علـيهم ونؤمِن لك ونصدّقك فأبـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فـيهم: {وأنِ احْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللّهُ إلَـيْكَ}... إلـى قوله:

{ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَاحْذَرْهُم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللّهُ إلَـيْكَ} قال: أن يقولوا فـي التوراة كذا، وقد بـينا لك ما فـي التوراة. وقرأ: وكَتَبْنا عَلَـيْهِمْ فِـيها أنَّ النَّفْسَ بـالنَّفسِ وَالعَيْنَ بـالعَيْنِ والأنْفَ بـالأنْفِ والأُذُنَ بـالأُذُنِ وَالسِّنَّ بـالسِّنِّ والـجُرُوحَ قِصَاصٌ بعضها ببعض.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن الشعبـيّ، قال: دخـل الـمـجوس مع أهل الكتاب فـي هذه الآية: {وأنِ احْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ}.

أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: أيبغي هؤلاء الـيهود الذين احتكموا إلـيك فلـم يرضوا بحكمك، وقد حكمت فـيهم بـالقسط حكم الـجاهلـية، يعنـي أحكام عبدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فـيه بـيان حقـيقة الـحكم الذي حكمت به فـيهم، وإنه الـحقّ الذي لا يجوز خلافه. ثم قال تعالـى ذكره موبخاً لهؤلاء الذين أبوا قبول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم علـيهم ولهم من الـيهود، ومستـجهلاً فعلهم ذلك منهم: ومن هذا الذي هو أحسن حكماً أيها الـيهود من الله تعالـى ذكره عند من كان يوقن بوحدانـية الله ويقرّ بربوبـيته، يقول تعالـى ذكره: أيّ حكم أحسن من حكم الله إن كنتـم موقنـين أن لكم ربـا وكنتـم أهل توحيد وإقرار به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال مـجاهد.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {أفَحُكْمَ الـجاهِلِـيَّةِ يَبْغُونَ} قال: يهود.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أفَحُكْمَ الـجاهِلِـيَّةِ يَبْغُونَ}: يهود.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا شيخ، عن مـجاهد: {أفَحُكْمَ الـجاهِلِـيَّةِ يَبْغُونَ} قال: يهود.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥١

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنىّ بهذه الآية وإن كان مأموراً بذلك جميع الـمؤمنـين، فقال بعضهم: عنى بذلك: عبُـادة بن الصامت وعبد الله بن أُبَىّ ابن سَلُول فـي براءة عبـادة من حلف الـيهود، وفـي تـمسك عبد الله بن أبـيّ بن سلول بحلف الـيهود بعد ما ظهرت عداوتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وأخبره الله أنه إذا تولاهم وتـمسك بحلفهم أنه منهم فـي براءته من الله ورسوله كبراءتهم منهما. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبـي، عن عطية بن سعد، قال: جاء عبـادة ابن الصامت من بنـي الـحرث بن الـخزرج إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن لـي موالـي من يهود كثـير عددهم، وإنـي أبرأ إلـى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولـى الله ورسوله فقال عبد الله بن أبـيّ: إنـي رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالـيّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن أبـيّ:

يا أبـا الـحُبـابِ مَا بَخِـلْتَ بِهِ مِنْ وِلايَةِ يَهُودَ علـى عُبـادَةَ بنِ الصَّامِتِ فَهُوَ إلَـيكَ دُونَهُ. قال: قد قبلت. فأنزل الله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ والنَّصَارَى أوْلِـياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِـياءُ بَعْضٍ}... إلـى قوله: { فَتَرى الَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ }

حدثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنـي عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، قال: لـما انهزم أهل بدر قال الـمسلـمون لأولـيائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بـيوم مثل يوم بدر فقال مالك ابن صيف: غرّكم أن أصبتـم رهطاً من قريش لا علـم لهم بـالقتال، أما لو أسررنا العزيـمة أن نستـجمع علـيكم لـم يكن لكم يد أن تقاتلونا. فقال عبـادة: يا رسول الله إن أولـيائي من الـيهود كانت شديدة أنفسهم كثـيراً سلاحهم شديدة شوكتهم، وإنـي أبرأ إلـى الله وإلـى رسوله من ولايتهم، ولا مولـى لـي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبـيّ: لكنـي لا أبرأ من ولاء يهود، إنـي رجل لا بدّ لـي منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا أبـا حُبـابِ أرأيْتَ الَّذِي نَفَسْتَ بِهِ مِنْ وَلاءِ يَهُودَ علـى عُبـادَةَ، فَهُوَ لَكَ دونَهُ. قال: إذا أقبل. فأنزل الله تعالـى ذكره: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ والنَّصَارَى أوْلِـياءَ بَعْضُهُمْ أوْلـياءُ بَعْضٍ}... إلـى أن بلغ إلـى قوله: { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }

حدثنا هناد، قال: ثنا يونس، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثنـي والدي إسحاق بن يسار، عن عبـادة ابن الولـيد بن عبـادة بن الصامت، قال: لـما حاربت بنو قَـينُقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبـيّ، وقام دونهم. ومشى عبـادة بن الصامت إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد بنـي عوف بن الـخزرج من له حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبـيّ، فخـلعهم إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلـى الله وإلـى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله أتبرأ إلـى الله وإلـى رسوله من حلفهم وأتولـى الله ورسوله والـمؤمنـين، وأبرأ من حلف الكفـار وولايتهم ففـيه وفـي عبد الله بن أبـيّ نزلت الآيات فـي الـمائدة: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ والنَّصَارَى أوْلِـياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِـياءُ بَعْضٍ}... الآية.

وقال آخرون: بل عُني بذلك قوم من الـمؤمنـين كانوا هموا حين نالهم بأُحد من أعدائهم من الـمشركين ما نالهم أن يأخذوا من الـيهود عِصَماً، فنهاهم الله عن ذلك، وأعلـمهم أن من فعل ذلك منهم فهو منهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ والنَّصَارَى أوْلِـياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِـياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَولَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ مِنْهُمْ} قال: لـما كانت وقعة أُحد، اشتدّ علـى طائفة من الناس وتـخوّفوا أن يُدال علـيهم الكفـار، فقال رجل لصاحبه: أما أنا فألـحقُ بدَهْلَكَ الـيهودي فآخذ منه أماناً وأتهوّد معه، فإنـي أخاف أن تدال علـينا الـيهود. وقال الآخر: أما أنا فألـحق بفلان النصرانـيّ ببعض أرض الشام فآخذ منه أماناً وأنتصر معه. فأنزل الله تعالـى ذكره ينهاهما: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ والنَّصَارَى أوْلِـياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِـياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالَـمِينَ}.

وقال آخرون: بل عُنـي بذلك أبو لبـابة بن عبد الـمنذر فـي إعلامه بنـي قريظة إذ رضوا بحكم سعد أنه الذبح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ وَالنَّصَارَى أوْلِـياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِـياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ مِنْهُمْ} قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبـا لبـابة بن عبد الـمنذر من الأوس، وهو من بنـي عمرو بن عوف، فبعثه إلـى قريظة حين نقضت العهد، فلـما أطاعوا له بـالنزول أشار إلـى حلقه الذبح الذبح.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالـى ذكره نهى الـمؤمنـين جميعاً أن يتـخذوا الـيهود والنصارى أنصاراً وحلفـاء علـى أهل الإيـمان بـالله ورسوله، وأخبر أنه من اتـخذهم نصيراً وحلـيفـاً وولـياً من دون الله ورسوله والـمؤمنـين، فإنَّه منهم فـي التـحزّب علـى الله وعلـى رسوله والـمؤمنـين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت فـي شأن عُبـادة بن الصامت وعبد الله بن أبـيّ ابن سلول وحلفـائهما من الـيهود، ويجوز أن تكون نزلت فـي أبـي لُبـابة بسبب فعله فـي بنـي قريظة، ويجوز أن تكون نزلت فـي شأن الرجلـين اللذين ذكر السدّيّ أن أحدهما همّ بـاللـحاق بدهلك الـيهودي والآخر بنصرانـي بـالشأم، ولـم يصحّ بواحد من هذه الأقوال الثلاثة خبر يثبت بـمثله حجة فـيسلـم لصحته القول بأنه كما قـيـل. فإذ كان ذلك كذلك فـالصواب أن يُحْكم لظاهر التنزيـل بـالعموم علـى ما عمّ، ويجوز ما قاله أهل التأويـل فـيه من القول الذي لا علـم عندنا بخلافه غير أنه لا شك أن الآية نزلت فـي منافق كان يوالـي يهودَ أو نصارى، خوفـاً علـى نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التـي بعد هذه تدل علـى ذلك، وذلك قوله:

{ فَتَرى الَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِـيهِمْ يَقُولُونَ نَـخْشَى أنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ }... الآية.

وأما قوله:

{ بَعْضُهُمْ أوْلِـياءُ بَعْضٍ } فإنه عنى بذلك أن بعض الـيهود أنصار بعضهم علـى الـمؤمنـين، ويد واحدة علـى جميعهم، وأن النصارى كذلك بعضهم أنصار بعض علـى من خالف دينهم وملتهم، معرّفـاً بذلك عبـاده الـمؤمنـين أن من كان لهم أو لبعضهم ولـياً فإنـما هو ولـيهم علـى من خالف ملتهم ودينهم من الـمؤمنـين، كما الـيهود والنصارى لهم حرب، فقال تعالـى ذكره للـمؤمنـين: فكونوا أنتـم أيضاً بعضُكم أولـياءُ بعض، وللـيهودي والنصرانـي حربـاً كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولـياء لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيـمان الـحرب ومنهم البراءة، وأبـان قطع ولايتهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ مِنْهُمْ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ مِنْهُمْ} ومن يتولّ الـيهود والنصارى دون الـمؤمنـين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم علـى الـمؤمنـين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولـى متولّ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو علـيه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه، ولذلك حكم من حكم من أهل العلـم لنصارى بنـي تَغْلب فـي ذبـائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم بأحكام نصارى بنـي إسرائيـل، لـموالاتهم إياهم ورضاهم بـملتهم ونصرتهم لهم علـيها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة وأصل دينهم لأصل دينهم مفـارقاً. وفـي ذلك الدلالة الواضحة علـى صحة ما نقول، من أن كلّ من كان يدين بدين فله حكم أهل ذلك الدين كانت دينونته به قبل مـجيء الإسلام أو بعده، إلا أن يكون مسلـماً من أهل ديننا انتقل إلـى ملة غيرها، فإنه لا يقرّ علـى ما دان به فـانتقل إلـيه، ولكن يقتل لردّته عن الإسلام ومفـارقته دين الـحقّ، إلا أن يرجع قبل القتل إلـى الدين الـحقّ، وفساد ما خالفه من قول من زعم أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابـين لـمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيـلـياً أو منتقلاً إلـى دينهم من غيرهم قبل نزول الفرقان. فأما من دان بدينهم بعد نزول الفرقان مـمن لـم يكن منهم مـمن خالف نسبه نسبهم وجنسه جنسهم، فإنه حكمه لـحكمهم مخالف. ذكر من قال بـما قلنا من التأويـل:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـحكم، عن سعيد بن جبـير، قال: سئل ابن عبـاس عن ذبـائح نصارى العرب، فقرأ: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ مِنْهُمْ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس فـي هذه الآية: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ وَالنَّصَارَى أوْلِـياءَ بَعْضُهُمْ وْلِـياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ مِنْهُمْ} أنها فـي الذبـائح، من دخـل فـي دين قوم فهو منهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كلوا من ذبـائح بنـي تَغْلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله يقول في كتابه: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ والنَّصَارَى أوْلِـياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِـياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّه مِنْهُمْ} ولو لـم يكونوا منهم إلا بـالولاية لكانوا منهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين بن علـيّ، عن زائدة، عن هشام، قال: كان الـحسن لا يرى بذبـائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأساً، وكان يتلو هذه الآية: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ وَالنَّصارَى أوْلِـياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِـياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ مِنْهُمْ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن هارون بن إبراهيـم، قال: سئل ابن سيرين عن رجل يبـيع داره من نصارى يتـخذونها بـيعة، قال: فتلا هذه الآية: {لا تَتَّـخِذُوا الـيَهُودَ والنَّصَارَى أوْلِـياءَ}.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إنَّ اللّهَ لا يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِـمِينَ}.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك، أن الله لا يوفق من وضع الولاية فـي غير موضعها فوالَـى الـيهود والنصارى مع عداوتهم الله ورسوله والـمؤمنـين علـى الـمؤمنـين، وكان لهم ظهيراً ونصيراً، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللـمؤمنـين حرب. وقد بـينا معنى الظلـم فـي غير هذا الـموضع وأنه وضع الشيء فـي غير موضعه بـما أغنى إعادته.

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ ۝٥٢

اختلف أهل التأويـل فـيـمن عُنى بهذه الآية، فقال بعضهم: عُنِى بها عبد الله بن أبـيّ بن سلول. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبـي، عن عطية بن سعد: {فَتَرَى الَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} عبد الله بن أبـيّ، {يُسارِعُونَ فِـيِهمْ} فـي ولايتهم، {يَقُولُونَ نَـخْشَى أنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ}... إلـى آخر الآية {فَـيُصْبِحُوا علـى ما أسَرُّوا فـي أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ}.

حدثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثنـي والدي إسحاق بن يسار، عن عبـادة بن الولـيد بن عبـادة بن الصامت: {فَتَرَى الَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرضٌ} يعنـي: عبد الله بن أبـيّ، {يُسارِعُونَ فِـيهِمْ يَقُولُونَ نَـخْشَى أنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ} لقوله: إنـي أخشى دائرة تصيبنـي.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك قوم من الـمنافقـين كانوا يناصحون الـيهود ويغشون الـمؤمنـين ويقولون: نـخشى أن تكون دائرة للـيهود علـى الـمؤمنـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى ذكره: {فَتَرَى الَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرضٌ يِسارِعُونَ فِـيهِمْ} قال: الـمنافقون فـي مصانعة يهود ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادهم إياهم. وقول الله تعالـى ذكره: {نـخْشَى أنْ تُصِيبنَا دَائِرةٌ} قال: يقول: نـخشى أن تكون الدائرة للـيهود.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}... إلـى قوله: {نادِمِينَ}: أناس من الـمنافقـين كانوا يودّون الـيهود ويناصحونهم دون الـمؤمنـين.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ: {فَتَرَى الَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرضٌ} قال: شكّ {يُسارِعُونَ فِـيهِمْ نَـخْشَى يقولون أنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ} والدائرة: ظهور الـمشركين علـيهم.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من الـمنافقـين كانوا يوالون الـيهود والنصارى، ويَغُشُّون الـمؤمنـين، ويقولون: نـخشى أن تدور دوائر، إما للـيهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عَبَدة الأوثان أو غيرهم علـى أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء الـمنافقـين نازلة، فـيكون بنا إلـيهم حاجة. وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبـيّ، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول الـمنافقـين.

فتأويـل الكلام إذن: فترى يا مـحمد الذين فـي قلوبهم مرض وشكّ إيـمان بنبوّتك، وتصديق ما جئتهم به من عند ربك {يُسَارِعُونَ فِـيهِمْ} يعنـي فـي الـيهود والنصارى. ويعنـي بـمسارعتهم فـيهم: مسارعتهم فـي موالاتهم ومصانعتهم. {يَقُولُونَ نَـخْشَى أنْ تُصِيبَنا دَائِرةٌ} يقول هؤلاء الـمنافقون: إنـما نسارع فـي موالاة هؤلاء الـيهود والنصارى خوفـاً من دائرة تدور علـينا من عدوّنا. ويعنـي بـالدائرة: الدَّولة، كما قال الراجز:

تَرُدُّ عَنْكَ القَدَرَ الـمَقْدُورَا وَدَائِراتِ الدَّهْرِ أنْ تَدُورَا

يعنـي: أن تدول للدهر دَوْلة فنـحتاج إلـى نصرتهم إيانا، فنـحن نوالـيهم لذلك. فقال الله تعالـى ذكره لهم: {فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِـيَ بـالفَتْـحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَـيُصْبِحُوا علـى ما أسَرُّوا فـي أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ}.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِـيَ بـالفَتْـحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَـيُصْبِحُوا علـى ما أسَرُّوا فـي أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِـيَ بـالفَتْـحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} فلعلّ الله أن يأتـي بـالفتـح. ثم اختلفوا فـي تأويـل الفتـح فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم،: عنـي به ههنا القضاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِـيَ بـالفَتْـحِ} قال: بـالقضاء.

وقال آخرون: عُنـي به فتـح مكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمدبن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِـيَ بـالفَتْـحِ} قال: فتـح مكة.

والفتـح فـي كلام العرب: هو القضاء كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالـى: {رَبَّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وَبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ}. وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعد الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِـيَ بـالفَتْـحِ} فتـح مكة، لأن ذلك كان من عظيـم قضاء الله وفصل حكمة بـين أهل الإيـمان والكفر، ويقرّر عند أهل الكفر والنفـاق أن الله مُعْلِـي كلـمتِه ومُوهِنُ كيدِ الكافرين.

وأما قوله: {أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} فإن السديّ كان يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضَّل، قال: ثنا أسبـاط، السديّ: {أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} قال: الأمر: الـجزية.

وقد يحتـمل أن يكون الأمر الذي وعد الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتـي به، هو الـجزية، ويحتـمل أن يكون غيرها. غير أنه أيّ ذلك كان فهو مـما فـيه إدالة الـمؤمنـين علـى أهل الكفر بـالله وبرسوله، ومـما يسوء الـمنافقـين ولا يسرّهم وذلك أن الله تعالـى قد أخبر عنهم أن ذلك الأمر إذا جاء أصبحوا علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين.

وأما قوله: {فَـيُصْبِحُوا علـى ما أسَرُّوا فـي أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ} فإنه يعنـي: هؤلاء الـمنافقـين الذين كانوا يوالون الـيهود والنصارى، يقول تعالـى ذكره: لعل الله أن يأتِـيَ بأمر من عنده يُدِيـل به الـمؤمنـين علـى الكافرين الـيهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فـيصبح هؤلاء الـمنافقون علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم من مخالَّة الـيهود والنصارى ومودّتهم وبغضة الـمؤمنـين ومـحادتهم نادمين. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَـيُصْبِحُوا علـى ما أسَرُّوا فـي أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ} من موادّتهم الـيهود، ومن غشّهم للإسلام وأهله.

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝٥٣

اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} فقرأتها قرّاء أهل الـمدينة: «فَـيُصْبِحُوا علـى ما أسَرُّوا فـي أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ يَقُول الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الذينَ أقْسَمُوا بـاللّهِ» بغير واو.

وتأويـل الكلام علـى هذه القراءة: فـيصبح الـمنافقون إذا أتـى الله بـالفتـح أو أمر من عنده، علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين، يقول الـمؤمنـين تعجبـاً منهم ومن نفـاقهم وكذبهم واجترائهم علـى الله فـي أيـمانهم الكاذبة بـالله: أهؤلاء الذين أقسموا لنا بـالله إنهم لـمعنا وهم كاذبون فـي أيـمانهم لنا وهذا الـمعنى قصد مـجاهد فـي تأويـله ذلك الذي:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد:

{ فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأتِـيَ بـالفَتْـحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ }حينئذٍ، يقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أفسموا بـالله جهد إيـمانهم، إنهم لـمعكم، حبطت أعمالهم فأصحوا خاسرين.

وكذلك ذلك فـي مصاحف أهل الـمدينة بغير واو. وقرأ ذلك بعض البصريـين: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} بـالواو، ونصب «يقول» عطفـاً به علـى «فعسى الله أن يأتـي بـالفتـح». وذكر قارىء ذلك أنه كان يقول: إنـما أريد بذلك: فعسى الله أن يأتـي بـالفتـح، وعسى يقول الذين آمنوا. ومـحال غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: وعسى الله أن يقول الذين آمنوا، وكان يقول: ذلك نـحو قولهم: أكلت خبزاً ولبناً، وكقول الشاعر:

ورأيْتِ زَوْجَكِ فـي الوَغَىمُتَقَلِّداً سَيْفـاً وَرُمـحَا

فتأويـل الكلام علـى هذه القراءة: فعسى الله أن يأتـي بـالفتـح الـمؤمنـين، أو أمر من عنده يديـلهم به علـى أهل الكفر من أعدائهم، فـيصبح الـمنافقون علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين، وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذٍ: هؤلاء الذين أقسموا بـالله كذبـاً جهد أيـمانهم إنهم لـمعكم. وهي فـي مصاحف أهل العراق بـالواو: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا}. وقرأ ذلك قرّاء الكوفـيـين: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} بـالواو ورفع يقول بـالاستقبـال والسلامة من الـجوازم والنواصب.

وتأويـل من قرأ ذلك كذلك: فـيصبحوا علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم يندمون، ويقول الذين آمنوا فـيبتدىء «يقول» فـيرفعها. وقراءتنا التـي نـحن علـيها: {وَيَقُولُ} بإثبـات الواو فـي: «ويقول»، لأنها كذلك هي فـي مصاحفنا مصاحف أهل الشرق بـالواو، وبرفع «يقول» علـى الابتداء.

فتأويـل الكلام إذ كان القراءة عندنا علـى ما وصفنا: فـيصبحوا علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين، ويقول الـمؤمنون: أهؤلاء الذين حلفوا لنا بـالله جهد أيـمانهم كذبـاً إنهم لـمعنا. يقول الله تعالـى ذكره مخبراً عن حالهم عنده بنفـاقهم وخبث أعمالهم: {حَبِطَتْ أعمالُهُمْ} يقول: ذهبت أعمالهم التـي عملوها فـي الدنـيا بـاطلاً لا ثواب لها ولا أجر، لأنهم عملوها علـى غير يقـين منهم بأنها علـيهم لله فرض واجب ولا علـى صحة إيـمان بـالله ورسوله، وإنـما كانوا يعملونها لـيدفعوا الـمؤمنـين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فأحبط الله أجرها إذ لـم تكن له {فأصْبَحُوا خَاسِرينَ} يقول: فأصبح هؤلاء الـمنافقون عند مـجيء أمر الله بإدالة الـمؤمنـين علـى أهل الكفر قد وكسوا فـي شرائهم الدنـيا بـالآخرة، وخابت صفقتهم وهلكوا.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين بـالله وبرسوله: {يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا}: أي صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بـما جاءهم به نبـيهم مـحمد صلى الله عليه وسلم {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} يقول: من يرجع منكم عن دينه الـحقّ الذي هو علـيه الـيوم، فـيبدّله ويغيرة بدخوله فـي الكفر، إما فـي الـيهودية أو النصرانـية أو غير ذلك من صنوف الكفر، فلن يضر الله شيئاً، وسيأتـي الله بقوم يحبهم ويحبونه يقول: فسوف يجيء الله بدلاً منهم الـمؤمنـين الذين لـم يبدّلوا ولـم يغيروا ولـم يرتدّوا، بقوم خير من الذين ارتدّوا وبدّلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله. وكان هذا الوعيد من الله لـمن سبق فـي علـمه أنه سيرتدّ بعد وفـاة نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك وعده من وعد من الـمؤمنـين ما وعده فـي هذا الآية، لـمن سبق له فـي علـمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه ولا يرتدّ. فلـما قبض الله نبـيه صلى الله عليه وسلم ارتدّ أقوام من أهل الوبر وبعض أهل الـمدر، فأبدل الله الـمؤمنـين بخير منهم كما قال تعالـى ذكره، ووفـى للـمؤمنـين بوعده، وأنفذ فـيـمن ارتدّ منهم وعيده.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عبد الله بن عياش، عن أبـي صخر، عن مـحمد بن كعب: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلـيه يوماً وعمر أمير الـمدينة يومئذٍ، فقال: يا أبـا حمزة، آية أسهرتنـي البـارحة قال مـحمد: وما هي أيها الأمير؟ قال: قول الله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ عنْ دِينِهِ}... حتـى بلغ: {وَلا يَخافونَ لَوْمَةَ لائمٍ}. فقال مـحمد: أيها الأمير، إنـما عنى الله بـالذين آمنوا: الولاة من قريش، من يرتدّ عن الـحقّ.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي أعيان القوم الذين أتـى الله بهم الـمؤمنـين وأبدل الـمؤمنـين مكان من ارتدّ منهم، فقال بعضهم: هو أبو بكر الصدّيق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردّة حتـى أدخـلوهم من البـاب الذي خرجوا منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الفضل بن دَلَهْم، عن الـحسن فـي قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الفضل بن دلهم، عن الـحسن، مثله.

حدثنا هناد، قال: ثنا عبدة بن سلـيـمان، عن جويبر، عن سهل، عن الـحسن فـي قوله: {فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} قال: أبو بكر وأصحابه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين بن علـيّ، عن أبـي موسى، قال: قرأ الـحسن: {فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} قال: هي والله لأبـي بكر وأصحابه.

حدثنـي نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا أحمد بن بشير، عن هشام، عن الـحسن فـي قوله: {فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} قال: نزلت فـي أبـي بكر وأصحابه.

حدثنـي علـيّ بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ أذِلَّةٍ علـى الـمُؤْمِنـينَ أعِزَّةٍ علـى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِـي سَبِـيـلِ اللّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائم} قال: هو أبو بكر وأصحابه، لـما ارتدّ من ارتدّ من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتـى ردّهم إلـى الإسلام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ...} إلـى قوله: {وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِـيـمٌ} أنزل الله هذه الآية، وقد علـم أن سيرتدّ مرتدّون من الناس. فلـما قبض الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم، ارتدّ عامَّة العرب عن الإسلام إلاَّ ثلاثة مساجد: أهل الـمدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القـيس قالوا: نصلـي ولا نزكي، والله لا تُغصب أموالنا فكُلِّـم أبو بكر فـي ذلك، فقـيـل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا، أعطوها وزادوها. فقال: لا والله، لا أفرّق بـين شيء جمع الله بـينه، ولو منعوا عِقَالاً مـما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم علـيه فبعث الله عصابة مع أبـي بكر، فقاتل علـى ما قاتل علـيه نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، حتـى سبى وقتل وحرق بـالنـيران أناساً ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتـى أقرّوا بـالـماعون وهي الزكاة صَغرة أقمياء. فأتته وفود العرب، فخيرهم بـين خطة مخزية أو حرب مـجلـية، فـاختاروا الـخطة الـمخزية، وكانت أهون علـيهم، أن يعتدّوا أن قتلاهم فـي النار وأن قتلـى الـمؤمنـين فـي الـجنة، وأن ما أصابوا من الـمسلـمين من مال ردّوه علـيهم، وما أصاب الـمسلـمون لهم من مال فهو لهم حلال.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} قال ابن جريج: ارتدوا حين توفـي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم أبو بكر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هشام، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن أبـي أيوب، عن علـيّ فـي قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} قال: علـم الله الـمؤمنـين، وأوقع معنى السوء علـى الـحشو الذي فـيهم من الـمنافقـين ومن فـي علـمه أن يرتدّوا، قال: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ} الـمرتدّة عن دينهم بقوم يحبهم ويحبونه بأبـي بكر وأصحابه.

وقال آخرون: يعنـي بذلك قوماً من أهل الـيـمن. وقال بعض من قال ذلك منهم: هم رهط أبـي موسى الأشعري: عبد الله بن قـيس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، قال: لـما نزلت هذه الآية: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} قال: أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى أبـي موسى بشيء كان معه، فقال:

هُمْ قَوْمُ هَذَا

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو الولـيد، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عياضاً يحدّث عن أبـي موسى، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} قال: يعنـي قوم أبـي موسى.

حدثنـي أبو السائب سلـم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، عن شعبة قال أبو السائب، قال أصحابنا هو عن سماك بن حرب، وأنا لا أحفظ سماكاً عن عياض الأشعري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هُمْ قَوْمُ هَذَا يعنـي أبـا موسى.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم لأبـي موسى:

هُمْ قَوْمُ هَذَا فـي قوله: فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عياضاً الأشعريّ يقول: لـما نزلت: {فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هُمْ قَوْمُكَ يا أبـا مُوسَى،} أو قال:هُمْ قَوْمُ هَذَا»} يعنـي أبـا موسى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو سفـيان الـحميريّ، عن حصين، عن عياض أو ابن عياض: {فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} قال: هم أهل الـيـمن.

حدثنا مـحمد بن عوف، قال: ثنا أبو الـمغيرة قال: ثنا صفوان، قال: ثنا عبد الرحمن بن جبـير، عن شريح بن عبـيد، قال: لـما أنزل الله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ...} إلـى آخر الآية، قال عمر: أنا وقومي هم يا رسول الله؟ قال:

لا بَلْ هَذا وَقَوْمُهُ»} يعنـي أبـا موسى الأشعري.

وقال آخرون منهم: بل هم أهل الـيـمن جميعاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ} قال: أناس من أهل الـيـمن.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: هم قوم سبأ.

حدثنا مطر بن مـحمد الضبـيّ، قال: ثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرنـي من سمع شهر بن حوشب، قال: هم أهل الـيـمن.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عبد الله بن عياش، عن أبـي صخر، عن مـحمد بن كعب القرظي: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلـيه يوماً وهو أمير الـمدينة يسأله عن ذلك، فقال مـحمد: يأتـي الله بقوم، وهم أهل الـيـمن. قال عمر: يا لـيتنـي منهم قال: آمين

وقال آخرون: هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} يزعم أنهم الأنصار.

وتأويـل الآية علـى قول من قال: عنى الله بقوله: {فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحبُّونَهُ} أبـا بكر وأصحابه فـي قتالهم أهل الردّة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فلن يضر الله شيئاً، وسيأتـي الله من ارتدّ منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم علـى أيديهم. وبذلك جاء الـخبر والرواية عن بعض من تأوّل ذلك كذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هشام، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبـي روق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ فـي قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِـي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} قال: يقول: فسوف يأتـي الله الـمرتدّة فـي دورهم، بقوم يحبهم ويحبونه بأبـي بكر وأصحابه.

وأما علـى قول من قال: عنـي بذلك: أهل الـيـمن فإن تأويـله: يا أيها الذين آمنوا، من يرتدّ منكم عن دينه، فسوف يأتـي الله الـمؤمنـين الذين لـم يرتدّوا بقوم يحبهم ويحبونه، أعواناً لهم وأنصاراً. وبذلك جاءت الرواية عن بعض من كان يتأوّل ذلك كذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحية، عن ابن عبـاس: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ...} الآية وعيد من الله أنه من ارتدّ منكم أنه سيستبدل خيراً منهم.

وأما علـى قول من قال: عنـي بذلك الأنصار، فإن تأويـله فـي ذلك نظير تأويـل من تأوله أنه عنـي به أبو بكر وأصحابه.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، ما رُوي به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل الـيـمن قوم أبـي موسى الأشعري. ولولا الـخبر الذي رُوي فـي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـخبر الذي روي عنه ما كان القول عندي فـي ذلك إلاَّ قول من قال: هم أبو بكر وأصحابه وذلك أنه لـم يقاتل قوماً كانوا أظهروا الإسلام علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدّوا علـى أعقابهم كفـاراً، غير أبـي بكر ومن كان معه مـمن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنا تركنا القول فـي ذلك للـخبر الذي رُوي فـيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن كان صلى الله عليه وسلم معدن البـيان عن تأويـل ما أنزل الله من وحيه وآي كتابه.

فإن قال لنا قائل: فإن كان القوم الذين ذكر الله أنه سيأتـي بهم عند ارتداد من ارتدّ عن دينه مـمن كان قد أسلـم علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم أهل الـيـمن، فهل كان أهل الـيـمن أيام قتال أبـي بكر أهل الردّة أعوان أبـي بكر علـى قتالهم، حتـى تستـجيز أن توجه تأويـل الآية إلـى ما وجهت إلـيه؟ أم لـم يكونوا أعواناً له علـيهم، فكيف استـجزت أن توجه تأويـل الآية إلـى ذلك، وقد علـمت أنه لا خـلف لوعد الله؟ قـيـل له: إن الله تعالـى ذكره لـم يعد الـمؤمنـين أن يبدلهم بـالـمرتدّين منهم يومئذٍ خيراً من الـمرتدّين لقتال الـمرتدّين، وإنـما أخبر أنه سيأتـيهم بخير منهم بدلاً منهم، يعد فعل ذلك بهم قريبـاً غير بعيد، فجاء بهم علـى عهد عمر، فكان موقعهم من الإسلام وأهله أحسن موقع، وكانوا أعوان أهل الإسلام وأنفع لهم مـمن كان ارتدّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من طَغَام الأعراب وجفـاة أهل البوادي الذين كانوا علـى أهل الإسلام كَلاًّ لا نفعاً

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} فقرأته قرّاء أهل الـمدينة: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ» بإظهار التضعيف بدالـين مـجزومة الدال الآخرة، وكذلك ذلك فـي مصاحفهم. وأما قرّاء أهل العراق فإنهم قرءوا ذلك: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} بـالإدْغامِ بدال واحدة وتـحريكها إلـى الفتـح بناء علـى التثنـية، لأن الـمـجزوم الذي يظهر تضعيفه فـي الواحد إذا ثنـي أدغم، ويقال للواحد: اردد يا فلان إلـى فلان حقه، فإذا اثنـي قـيـل: ردّ إلـيه حقه، ولا يقال: ارددا. وكذلك فـي الـجمع ردّوا، ولا يقال: ارددوا. فتبنـي العرب أحياناً الواحد علـى الاثنـين، وتظهر أحياناً فـي الواحد التضعيف لسكون لام الفعل، وكلتا اللغتـين فصيحة مشهورة فـي العرف. والقراءة فـي ذلك عندنا علـى ما هو به فـي مصاحفنا ومصاحف أهل الـمشرق بدال واحدة مشدّدة بترك إظهار التضعيف وبفتـح الدال للعلة التـي وصفتُ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أذِلَّةٍ علـى الـمُؤْمِنِـينَ أعِزَّةٍ علـى الكافِرِينَ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {أذِلَّةٍ علـى الـمُؤْمِنِـينَ}: أرقاء علـيهم رحماء بهم، من قول القائل: ذلّ فلان لفلان: إذا خضع له واستكان. ويعنـي بقوله: {أعِزَّةٍ علـى الكافِرِينَ}: أشدّاء علـيهم غلظاء بهم، من قول القائل: قد عزّنـي فلان: إذا أظهر العزّة من نفسه له، وأبدى له الـجفوة والغلظة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سفيان بن عمر، عن أبـي روق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ فـي قوله: {أذِلَّةٍ علـى الـمُؤْمِنِـينَ}: أهل رقة علـى أهل دينهم، {أعِزَّةٍ علـى الكافِرِينَ}: أهل غلظة علـى من خالفهم فـي دينهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {أذلَّةٍ علـى الـمُؤْمِنِـينَ أعِزَّةٍ علـى الكافِرِينَ} يعنـي بـالذلة: الرحمة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، فـي قوله: {أذِلَّةٍ علـى الـمُؤْمِنِـينَ} قال: رحماء بـينهم، {أعِزَّةٍ علـى الكافِرِينَ} قال: أشدّاء علـيهم.

حدثنا الـحرث بن مـحمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: قال سفـيان: سمعت الأعمش يقول فـي قوله: {أذِلَّةٍ علـى الـمُؤْمِنِـينَ أعِزَّةٍ علـى الكافِرِينَ}: ضعفـاء علـى الـمؤمنـين.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يُجاهِدُونَ فِـي سَبِـيـلِ اللّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِـيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِـيـمٌ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {يُجاهِدُونَ فِـي سَبِـيـلِ اللّهِ} هؤلاء الـمؤمنـين الذين وعد الله الـمؤمنـين أن يأتـيهم بهم إن ارتدّ منهم مرتدّ بدلاً منهم، يجاهدون فـي قتال أعداء الله، علـى النـحو الذي أمر الله بقتالهم والوجه الذي أذن لهم به، ويجاهدون عدوّهم، فذلك مـجاهدتهم فـي سبـيـل الله. {وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائمٍ} يقول: ولا يخافون فـي ذات الله أحداً، ولا يصدّهم عن العمل بـما أمرهم الله به من قتال عدوّهم لومة لائم لهم فـي ذلك. وأما قوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ} فإنه يعنـي: هذا النعت الذي نعتهم به تعالـى ذكره من أنهم أذلة علـى الـمؤمنـين، أعزّة علـى الكافرين، يجاهدون فـي سبـيـل الله، ولا يخافون فـي الله لومة لائم، فضل الله الذي تفضل به علـيهم، والله يؤتـي فضله من يشاء من خـلقه، منَّةً علـيه وتطوّلاً. {وَاللّهُ وَاسِعٌ} يقول: والله جواد بفضله علـى من جاد به علـيه، لا يخاف نفـاد خزائنه فـيكفّ من عطائه. {عَلـيـمٌ} بـموضع جوده وعطائه، فلا يبذله إلاَّ لـمن استـحقه ولا يبذل لـمن استـحقه إلاَّ علـى قدر الـمصلـحة لعلـمه بـموضع صلاحه له من موضع ضرّه.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ