انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 98–103

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 97–108في هذه الصفحة 13:45

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٩٨

يقول تعالـى ذكره: اعلـموا أيها الناس أن ربكم الذي يعلـم ما فـي السموات وما فـي الأرض، ولا يخفـى علـيه شيء من سرائر أعمالكم وعلانـيتها، وهو يحصيها علـيكم لـيجازيكم بها، شديد عقابه من عصاه وتـمرّد علـيه علـى معصيته إياه، وهو غفور الذنوب من أطاعه وأناب إلـيه فساترٌ علـيه وتاركٌ فضيحته بها، رحيـم به أن يعاقـبه علـى ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها.

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ۝٩٩

وهذا من الله تعالـى ذكره تهديد لعبـاده ووعيد، يقول تعالـى ذكره: لـيس علـى رسولنا الذي أرسلناه إلـيكم أيها الناس بإنذاركم عقابنا بـين يدي عذاب شديد وإعذارنا إلـيكم بـما فـيه قطع حججكم، إلاَّ أن يؤدي إلـيكم رسالتنا، ثم إلـينا الثواب علـى الطاعة، وعلـينا العقاب علـى الـمعصية. {وَاللّهُ يَعْلَـمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُـمُونَ} يقول: وغير خفـيّ علـينا الـمطيع منكم القابل رسالتنا العامل بـما أمرته بـالعمل به من العاصي التارك العمل بـما أمرته بـالعمل به لأنا نعلـم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به لسانه. {وَما تَكْتُـمُونَ} يعنـي: ما تـخفونه فـي أنفسكم من إيـمان وكفر أو يقـين وشكّ ونفـاق. يقول تعالـى ذكره: فمن كان كذلك لا يخفـى علـيه شيء من ضمائر الصدور وظواهر أعمال النفوس، مـما فـي السموات وما فـي الأرض، وبـيده الثواب والعقاب، فحقـيق أن يُتقَـى وأن يطاع فلا يعصَى.

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝١٠٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لا يعتدل الردىء والـجيد، والصالـح والطالـح، والـمطيع والعاصي. {وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الـخَبِـيثِ} يقول: لا يعتدل العاصي والـمطيع لله عند الله ولو كثر أهل الـمعاصي فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم الـمفلـحون الفـائزون بثواب الله يوم القـيامة وإن قلوا دون أهل معصيته، وإنّ أهل معاصيه هم الأخسرون الـخائبون وإن كثروا. يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: فلا تعجبنّ من كثرة من يعصى الله فـيـمهله ولا يعاجله بـالعقوبة فإن العقبى الصالـحة لأهل طاعة الله عنده دونهم. كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لا يَسْتَوِي الـخَبِـيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الـخَبِـيثِ} قال: الـخبـيث: هم الـمشركون والطيِّب: هم الـمؤمنون.

وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرج الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فـالـمراد به بعض أتبـاعه، يدلّ علـى ذلك قوله: {فـاتَّقُوا اللّهَ يا أُولـي الألْبـابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِـحُونَ}.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـاتَّقُوا اللّهَ يا أُولـي الألْبـابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِـحُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: واتقوا الله بطاعته فـيـما أمركم ونهاكم، واحذروا أن يستـحوذ علـيكم الشيطان بإعجابكم كثرة الـخبـيث، فتصيروا منهم. {يا أولـي الألْبـابِ} يعنـي بذلك: أهل العقول والـحجا، الذين عقلوا عن الله آياته، وعرفوا مواقع حججه. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِـحُونَ} يقول: اتقوا الله لتفلـحوا: أي كي تنـجحوا فـي طلبتكم ما عنده.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ۝١٠١

ذكر أن هذه الآية أنزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام، امتـحاناً له أحياناً، واستهزاء أحياناً، فـيقول له بعضهم: من أبـي؟ ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته: أين ناقتـي؟ فقال لهم تعالـى ذكره: لا تسألوا عن أشياء من ذلك، كمسألة عبد الله بن حذافة إياه من أبوه، {إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} يقول: إن أبدينا لكم حقـيقة ما تسألون عنه ساءكم إبداؤها وإظهارها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك تظاهرت الأخبـار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا بعض بنـي نفـيـل، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو الـجويرية، قال: قال ابن عبـاس لأعرابـي من بنـي سلـيـم: هل تدري فـيـما أنزلت هذه الآية {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}؟ حتـى فرغ من الآية، فقال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فـيقول الرجل: من أبـي؟ والرجل تضلّ ناقته فـيقول: أين ناقتـي؟ فأنزل الله فـيهم هذه الآية.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو عامر وأبو داود، قالا: ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى أحفوه بـالـمسألة، فصعد الـمنبر ذات يوم، فقال:

لا تَسْأَلُونِـي عَنْ شَيْءٍ إلاَّ بَـيَّنْتُهُ لَكُمْ». قال أنس: فجعلت أنظر يـميناً وشمالاً، فأرى كلْ إنسان لافًّـا ثوبه يبكي فأنشأ رجل كان ذا لاحى يدعى إلـى غير أبـيه، فقال: يا رسول الله، من أبـي؟ فقال:أبُوكَ حُذَافَةُ». قال: فأنشأ عمر فقال: رضينا بـالله ربًّـا وبـالإسلام ديناً وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، وأعوذ بـالله من سوء الفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لَـمْ أرَ فِـي الشَّرّ والـخَيْرِ كالـيَوْم قَطُّ، إنَّهُ صُوّرَتْ لِـيَ الـجَنَّةُ وَالنَّارُ حتـى رأيْتُهُما وَرَاءَ الـحائِطِ». وكان قتادة يذكر هذا الـحديث عند هذه الآية: {لا تَسأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.

حدثنـي مـحمد بن معمر البحرانـي، قال: ثنا روح بن عبـادة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنـي موسى بن أنس، قال: سمعت أنساً يقول: قال رجل: يا رسول الله من أبـي؟ قال:

أبُوكَ فُلانٌ». قال: فنزلت: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} قال: فحُدِّثنا أن أنس بن مالك حدثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتـى أحفوه بـالـمسألة، فخرج علـيهم ذات يوم فصعد الـمنبر، فقال:

لا تَسْأَلُونِـي الـيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إلاَّ بَـيَّنْتُهُ لَكُمْفأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بـين يديه أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يـميناً ولا شمالاً إلاَّ وجدت كلاًّ لافـاًّ رأسه فـي ثوبه يبكي. فأنشأ رجل كان يُلاحَى فـيدعى إلـى غير أبـيه، فقال: يا نبـيّ الله من أبـي؟ قال: أبُوكَ حُذَافة». قال: ثم قام عمر أو قال: فأنشأ عمر فقال: رضينا بـالله ربًّـا وبـالإسلام ديناً وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً عائذاً بـالله أو قال: أعوذ بـالله من سوء الفتن. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لَـمْ أرَ فِـي الـخَيْرِ والشَّرّ كالـيَوْمِ قَطُّ، صُوّرَتْ لـيَ الـجَنَّةُ والنَّارُ حتـى رأيْتُهُما دُونَ الـحائِطِ».

حدثنا أحمد بن هشام وسفـيان بن وكيع، قالا: ثنا معاذ، قال: ثنا ابن عون، قال: سألت عكرمة مولـى ابن عبـاس عن قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} قال: ذاك يوم قام فـيهم النبـي صلى الله عليه وسلم، فقال:

لا تَسْأَلُونِـي عَنْ شَيْءٍ إلاَّ أخْبَرْتُكُمْ بِهِقال: فقام رجل، فكره الـمسلـمون مقَامه يومئذ، فقال: يا رسول الله من أبـي؟ قال: أبُوكَ حُذَافَةقال: فنزلت هذه الآية.

حدثنا الـحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبـيه قال: نزلت: {لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} فـي رجل قال: يا رسول الله من أبـي؟ قال:

أبُوك فلان».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قال: سألوا النبـي صلى الله عليه وسلم حتـى أكثروا علـيه، فقام مغضبـاً خطيبـاً، فقال:

سَلُونـي فَوَاللَّهِ لا تَسْأَلُونِـي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ فـي مَقامي إلاَّ حَدَّثْتُكُمْ« فقام رجل فقال: من أبـي؟ قال:أبُوكَ حُذَافَة واشتدّ غضبه وقال:سَلُونِـيفلـما رأى الناس ذلك كثر بكاؤهم، فجثا عمر علـى ركبتـيه فقال: رضينا بـالله ربًّـا، قال معمر: قال الزهري: قال أنس مثل ذلك: فجثا عمر علـى ركبتـيه، فقال: رضينا بـالله ربـاً، وبـالإسلام ديناً، وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ، لَقَدْ صُوّرَتْ لـيَ الـجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفـاً فِـي عَرْضِ هَذَا الـحائِطِ، فَلَـمْ أرَ كالـيَوْمِ فِـي الـخَيْرِ والشَّرّ». قال الزهريّ: فقالت أمّ عبد الله بن حُذافة: ما رأيت ولداً أعقّ منك قطّ، أتأمن أن تكون أمك قارفت ما قارف أهل الـجاهلـية، فتفضحها علـى رؤوس الناس فقال: والله لو ألـحقنـي بعبد أسود للـحقته.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} قال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام فقام خطيبـاً، فقال:

سَلُونِـي فإنَّكُمْ لا تَسْأَلُونِـي عَنْ شَيْء إلاَّ أنْبَأْتُكُمْ بِهِفقام إلـيه رجل من قريش من بنـي سَهْم يقال له عبد الله بن حُذَاقة، وكان يُطعنَ فـيه، قال: فقال يا رسول الله من أبـي؟ قال: أبُوكَ فُلانٌفدعاه لأبـيه فقام إلـيه عمر، فقبَّل رجله وقال: يا رسول الله، رضينا بـالله ربـاً، وبك نبـياً، وبـالإسلام ديناً، وبـالقرآن إماماً، فـاعف عنا عفـا الله عنك فلـم يزل به حتـى رضي، فـيومئذ قال:الوَلَدُ للفِرَاش وللعاهِرِ الـحَجَرُ».

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قـيس، عن أبـي حصين، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبـان مـحمارّ وجههُ، حتـى جلس علـى الـمنبر، فقام إلـيه رجل، فقال أين أبـي؟ قال:

فـي النَّارِفقام آخر فقال: من أبـي؟ قال:أبُوكَ حُذَافَةُ». فقام عمر بن الـخطاب فقال: رضينا بـالله ربـاً، وبـالإسلام ديناً، وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم نبـياً، وبـالقرآن إماماً، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلـية وشرك، والله يعلـم من آبـاؤنا. قال: فسكن غضبه، ونزلت: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.

وقال آخرون: نزلت هذه الآية علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل مسألة سائل سأله عن شيء فـي أمر الـحجّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا منصور بن وردان الأسديّ، قال: ثنا علـيّ بن عبد الأعلـى، قال: لـما نزلت هذه الآية: وَللَّهِ علـى النَّاسِ حِجُّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيلاً قالوا: يا رسول الله أفـي كلّ عام؟ فسكت، ثم قالوا: أفـي كلّ عام؟ فسكت، ثم قال:

لا، ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ» فأنزل الله هذه الآية: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن سلـيـمان، عن إبراهيـم بن مسلـم الهَجَريّ، عن ابن عياض، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَـيْكُمُ الـحَجَّفقال رجل: أفـي كلّ عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتـى عاد مرّتـين أو ثلاثاً، فقال:مَنِ السَّائِلُ؟فقال فلان، فقال: والذي نَفْسِي بِـيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَـيْكُمْ ما أطَقْتُـموه، وَلَوْ تَرَكْتُـمُوهُ لَكَفَرْتـمْ». فأنزل الله هذه الآية: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} حتـى ختـم الآية.

حدثنـي مـحمد بن علـيّ بن الـحسين بن شقـيق، قال سمعت أبـي، قال: أخبرنا الـحسين بن واقد، عن مـحمد بن زياد، قال: سمعت أبـا هريرة يقول: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

يا أيُّهَا النَّاسُ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَـيْكُمْ الـحَجَّ». فقام مـحصن الأسديّ، فقال: أفـي كلّ عام يا رسول الله؟ فقال:أمَا إنِّـي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وَجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُـمْ لَضَلَلْتُـمْ. اسْكُتُوا عَنِّى ما سَكَتُّ عَنْكُمْ، فإنَّـمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ علـى أنْبِـيائِهمْفأنزل الله تعالـى: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} إلـى آخر الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن مـحمد بن زياد، قال: سمعت أبـا هريرة يقول: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله، إلا أنه قام: فقام عُكاشة ابنِ مـحْصَن الأسديُّ.

حدثنا زكريا بن يحيى بن أبـان الـمصري، قال: ثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبـي العمر، قال: ثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى، عن صفوان بن عمرو، قال: ثنـي سلـيـم بن عامر، قال: سمعت أبـا أمامة البـاهلـي يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الناس فقال:

كُتِبَ عَلَـيْكُمُ الـحَجُّ» فقام رجل من الأعراب، فقال: أفـي كل عام؟ قال: فعلا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسكت وأغضب واستغضب. فمكث طويلاً ثم تكلـم فقال: مَنِ السَّائِلُ؟ فقال الأعرابـيّ: أنا ذا، فقال: وَيْحَكَ ماذَا يُؤْمِنُكَ أنْ أقُولَ نَعَمْ، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمُ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُـمْ؟ ألا إنَّهُ إنَّـمَا أهْلَكَ الَّذِينَ قبْلَكُمْ أئِمَّةُ الـحَرَجِ، وَاللَّهُ لَوْ أنّـي أحْلَلْتُ لَكُمْ جَمِيعَ ما فِـي الأرْضِ وَحَرَّمْتُ عَلَـيْكُمْ مِنْها مَوْضِعَ خُفّ لَوَقَعْتُـمْ فِـيهِ» قال: فأنزل الله تعالـى عند ذلك {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ}... إلـى آخر الآية.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاء إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذّن فـي الناس، فقال:

يا قَوْمِ، كُتِبَ عَلَـيْكُمُ الـحَجُّفقام رجل من بنـي أسد فقال: يا رسول الله، أفـي كلّ عام؟ فأُغْضِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبـاً شديداً، فقال: وَالَّذِي نَفْسُ مُـحَمَّدِ بَـيَدِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ ما اسْتَطَعْتُـمْ، وِإذَنْ لَكَفَرْتُـمْ فـاتْرُكُونِـي ما تَرَكْتُكُمْ، فإذَا أمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فـافْعَلُوا، وإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فـانُتَهُوا عَنْهُ». فأنزل الله تعالـى: {يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}. نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من الـمائدة، فأصبحوا بها كافرين فنهى الله تعالـى عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فـيها بتغلـيظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنَّكُمْ لا تسألون عن شيء إلا وجدتـم تبـيانه.

حدثني أبو عاصم، قال ثنا شبل عن ابن أبي نجيح مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، قال: ثنا علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وإنْ تَسْأَلُوا عَنْها حِينَ يُنزَّل القُرْآنِ تُبْدَ لَكُمْ} قال: لـما أنزلت آية الـحجّ، نادى النبـي صلى الله عليه وسلم فـي الناس، فقال

يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَـيْكُمْ الـحَجّ فَحُجُّوا فقالوا: يا رسول الله، أعاماً واحداً أم كل عام؟ فقاللا بَلْ عاماً وَاحِداً، وَلَوْ قُلْتُ كُلِّ عامٍ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُـمْثم قال الله تعالـى: {يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} قال: سألوا النبـي صلى الله عليه وسلم عن أشياء فوعظهم، فـانتهوا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الـحجّ، فقـيـل: أواجب هو يا رسول الله كلّ عام؟ قال:

لا، لَوْ قُلْتُها لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ ما أطَقْتُـمْ، وَلَوْ لَـمْ تُطِيقُوا لَكَفَرْتُـمْثم قال:سَلُونِـي فَلا يَسْأَلُنِـي رَجُلٌ فـي مَـجْلِسِي هَذَا عَنْ شَيْءٍ إلاَّ أخْبَرْتُهُ، وإنْ سَأَلَنِـي عَنْ أبِـيهِفقام إلـيه رجل، فقال: من أبـي؟ قال:أبُوكَ حُذَافَةُ بْنُ قَـيْسٍفقام عمر، فقال: يا رسول اصلى الله عليه وسلم رضينا بـالله ربـاً، وبـالإسلام ديناً، وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم نبـياً، ونعوذ بـالله من غضبه وغضب رسوله.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية من أجل أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيـلة والـحامي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي إسحاق بن إبراهيـم بن حبـيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس {لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ} قال: هي البحيرة والسائبة والوصيـلة والـحام. ألا ترى أنه يقول بعد ذلك: ما جعل الله من كذا ولا كذا؟ قال: وأما عكرمة فإنه قال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك. ثم قال: قَدْ سَأَلها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أصْبَحُوا بها كَافِرينَ قال: فقلت: قد حدثنـي مـجاهد بخلاف هذا عن ابن عبـاس، فما لك تقول هذا؟ فقال هَيْهَ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن عكرمة عن الأعمش، قال: هو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبـي؟. وقال سعيد بن جبـير: هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة.

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلـين رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمسائل، كمسئلة ابن حذافة إياه من أبوه، ومسئلة سائله إذ قال:

إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَـيْكُمْ الـحَجَّ»: أفـي كلّ عام؟ وما أشبه ذلك من الـمسائل، لتظاهر الأخبـار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويـل، وأما القول الذي رواه مـجاهد عن ابن عبـاس، فقول غير بعيد من الصواب، ولكن الأخبـار الـمتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القول به من أجل ذلك. علـى أنه غير مستنكر أن تكون الـمسألة عن البحيرة والسائبة والوصيـلة والـحام كانت فـيـما سألوا النبـي صلى الله عليه وسلم عنه من الـمسائل التـي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم الـمسألة عن الـحجّ، أكلّ عام هو أم عاماً واحداً؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبـيه، فنزلت الآية بـالنهي عن الـمسائل كلّها، فأخبر كلّ مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجل غيره. وهذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصحة، لأن مخارج الأخبـار بجميع الـمعانـي التـي ذُكرت صحاح، فتوجيهها إلـى الصواب من وجودها أوْلـى.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَإنْ تَسْأَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفـا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِـيـمٌ}:

يقول تعالـى ذكره للذين نهاهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه، من فرائض لـم يفرضها الله علـيهم، وتـحلـيـل أمور لهم يحللها لهم، وتـحريـم أشياء لـم يحرّمها علـيهم قبل نزول القرآن بذلك: أيها الـمؤمنون السائلون عما سألوا عنه رسولـي مـما لـم أنزل به كتابـاً ولا حياً، لا تسألوا عنه، فإنكم إن أظهر ذلك لكم تبـيان بوحي وتنزيـل ساءكم لأن التنزيـل بذلك إذا جاءكم يجيئكم بـما فـيه امتـحانكم واختبـاركم، إما بإيجاب عمل علـيكم، ولزوم فرض لكم، وفـي ذلك علـيكم مشقة ولزوم مؤنة وكلفة وإما بتـحريـم ما لو لـم يأتكم بتـحريـمه وحي كنتـم من التقدّم علـيه فـي فسحة وسعة وإما بتـحلـيـل ما تعتقدون تـحريـمه، وفـي ذلك لكم مساءة لنقلكم عما كنتـم ترونه حقاً إلـى ما كنتـم ترونه بـاطلاً، ولكنكم إن سألتـم عنها بعد نزول القرآن بها وبعد ابتدائكم شأن أمرها فـي كتابـي إلـى رسولـي إلـيكم، بـين لكم ما أنزلته إلـيه من إتـيان كتابـي وتأويـل تنزيـلـي ووحي وذلك نظير الـخبر الذي رُويَ عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي:

حدثنا به هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو معاوية، عن داود بن أبـي هند، عن مكحول، عن أبـي ثعلبة الـخشنـي، قال:

إن الله تعالـى فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وعفـا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها».

حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: كان عبـيد بن عمير يقول: إن الله تعالـى أحلّ وحرّم، فما أحلّ فـاستـحلوه وما حرّم فـاجتنبوه، وترك من ذلك أشياء لـم يحلها ولـم يحرّمها فذلك عفو من الله عفـاه ثم يتلو: {يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا الضحاك، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنـي عطاء، عن عبـيد ابن عمير، أنه كان يقول: إن الله حرّم وأحلّ، ثم ذكر نـحوه.

وأما قوله: {عَفـا اللَّهُ عَنْها} فإنه يعنـي به: عفـا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التـي سألتـم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها، أن يؤاخذكم بها، أو يعاقبكم علـيها، إن عرف منها توبتكم وإنابتكم. {وَاللَّهُ غَفُورٌ} يقول: والله ساتر ذنوب من تاب منها، فتارك أن يفضحه فـي الآخرة {حَلِـيـمٌ} أن يعاقبه بها لتغمده التائب منها برحمته وعفوه، عن عقوبته علـيها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك رُوي الـخبر عن ابن عبـاس الذي ذكرناه آنفـاً. وذلك ما:

حدثنـي به مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: يقول {لا تسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ} إن نزل القرآن فـيها بتغلـيظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتـم تبـيانه.

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ ۝١٠٢

يقول تعالـى ذكره: قد سأل الآيات قوم من قبلكم: فلـما آتاهموها الله، أصبحوا بها جاحدين منكرين أن تكون دلالة علـى حقـيقة ما احتـجّ بها علـيهم، وبرهاناً علـى صحة ما جعلت برهاناً علـى تصحيحه، كقوم صالـح الذين سألوا الآية فلـما جاءتهم الناقة آية عقروها، وكالذين سألوا عيسى مائدة تنزل علـيهم من السماء: فلـما أُعْطُوها كفروا بها وما أشبه ذلك، فحذّر الله تعالـى الـمؤمنـين بنبـيه صلى الله عليه وسلم أن يسلكوا سبـيـل مَن قبلهم من الأمـم التـي هلكت بكفرهم بآيات الله لـما جاءتهم عندما سألتهموها، فقال لهم: لا تسألوا الآيات، ولا تبحثوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، فقد سأل الآيات من قبلكم قوم فلـما أوتوها أصبحوا بها كافرين. كالذي:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:

{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ }نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من الـمائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {قَدْ سأَلهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} قد سأل الآيات قوم من قبلكم، وذلك حين قـيـل له: غيِّر لنا الصفـا ذهبـاً.

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝١٠٣

يقول تعالـى ذكره: ما بحر الله بحيرة، ولا سيب سائبة، ولا وصل وصيـلة، ولا حمي حامياً، ولكنكم الذين فعلتـم ذلك أيها الكفرة، فحرّمتـموه افتراء علـى ربكم. كالذي:

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنـي أبـي وشعيب بن اللـيث، عن اللـيث، عن ابن الهاد: وحدثنـي يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن الـمسيب، عن أبـي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

رأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الـخزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِـي النَّارِ، وكانَ أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّائِبَةَ».

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن إبراهيـم بن الـحرث، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الـجون:

يا أكْثَمُ، رأيْتُ عَمْرَو بنَ لُـحَيّ بْنِ قَمَعَةَ بنِ خِنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِـي النَّارِ، فَمَا رأيْتُ رَجْلاً أشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ وَلا بِهِ مِنْكَ فقال أكثم: أخشى أن يضرّنـي شبهه يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا، إنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كافِرٌ، إنَّهُ أوَّلُ مَنْ غير دين إسماعيـل وبحّر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الـحامي».

حدثنا هناد، قال: ثنا يونس، قال: ثنـي هشام بن سعد، عن زيد بن أسلـم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قَدْ عَرَفْتُ أوَّلَ مَنْ بَحَّرَ البَحائِر رَجُلٌ مِنْ مُدْلِـجٍ، كانَتْ لَهُ ناقَتانِ، فَجَدَعَ آذَانَهُما وَحَرَّمَ ألْبـانَهُما وظُهُورَهُما وقال: هاتانِ لِلَّهِ، ثُمَّ احْتاجَ إلَـيْهما فَشَرِبَ ألْبـانَهُما وَرَكِبَ ظُهُورَهُماقالَ: فَلَقَدْ رأيْتُهُ فِـي النَّارِ يُؤْذِي أهْلَ النَّارِ رِيحُ قُصْبِهِ».

حدثنا هناد، قال: ثنا عبـيدة، عن مـحمد بن عمرو، عن أبـي سلـمة، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عُرِضَتْ علـيَّ النَّارُ فَرأيْتُ فِـيها عَمْرَو ابْنَ فُلان ابْنِ فُلان ابْنِ خِنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِـي النَّارِ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إبْرَاهِيـمَ وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وأشْبَهُ مَنْ رأيْتُ بِهِ أكْثَمُ بْنُ الـجَوْنِ». فقال أكثم: يا رسول الله، أيضرّنـي شبههه؟ قال: لا، لأنَّكَ مُسْلِـمٌ، وَإنَّهُ كافِرٌ».

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: رأيت عمرو بن عامر الـخزاعي يجرّ قصبه فـي النار، وهو أوّل من سيب السوائب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلـم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّـي لأَعْرِفُ أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائبَ وأوَّلَ مَنْ غَيَّرَ عَهْدَ إبْرَاهِيـمَقالُوا: مَنْ هُوَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: عَمْرُو بْنُ لُـحَيَ أخُو بَنِـي كَعْبٍ، لَقَدْ رأيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِـي النَّارِ، يُؤْذِي رِيحُهُ أهْلَ النَّارِ. وإنّـي لأَعْرِفُ أوَّلَ مَنْ بَحَّرَ البَحائِرَ». قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال:رَجُلٌ مِنْ بَنِـي مُدْلِـجٍ كانَتْ لَهُ ناقَتانِ، فَجَدَعَ آذَانَهُما وَحَرَّمَ ألْبـانَهُما، ثُمَّ شَرِبَ ألْبـانَهُما بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ رأيْتُهُ فِـي النَّارِ هُوَ وهُمَا يَعَضَّانِهِ بأفْوَاهِهِما، ويَخْبِطانِهِ بأخفْـافِهِما».

والبحيرة: الفَعيـلة، من قول القائل: بَحرتُ أذنَ هذه الناقة: إذا شقها، أبْحَرُها بحراً، والناقة مبحورة، ثم تصرف الـمفعولة إلـى فعَيـلة، فـيقال: هي بحيرة. وأما البَحِرُ من الإبل: فهو الذي قد أصابه داء من كثرة شرب الـماء، يقال منه: بَحِرَ البعير يبحرُ بَحَراً، ومنه قول الشاعر:

لأَعْلِطَنَّكَ وَسَماً لا تُفـارِقُهُكما يُحَزُّ بحُمَّى الـمِيسَمِ البَحِرُ

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى البحيرة، جاء الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان، قال: أخبرنا مـحمد بن يزيد، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي إسحاق عن أبـي الأحوص، عن أبـيه، قال: دخـلت علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

أرأيْتَ إبِلَكَ ألَسْتَ تُنْتِـجُها مُسَلَّـمَةً آذَانُها، فَتأْخُذُ الـمُوسَى فَتَـجْدَعُها تَقُولُ هَذِهِ بَحِيرَةٌ، وَتَشُقُّ آذَانَها تَقُولُ هَذِهِ حُرُمٌ؟ قال: نعم، قال:فإنَّ ساعِدَ اللَّهِ أشَدُّ، وَمُوسَى اللَّهِ أحَدُّ، كُلُّ مالِكَ لَكَ حَلالٌ لا يُحَرَّمُ عَلَـيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ».

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت أبـا الأحوص، عن أبـيه، قال أتـيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقال:

هَلْ تُنْتِـجُ إبِلُ قَوْمِكَ صِحَاحاً آذَانُها فَتَعمِدُ إلـى الـمُوسَى فَتَقْطَعُ آذَانَها فَتَقُولُ هَذِهِ بُحْرٌ، وَتَشُقُّها أوْ تَشُقُّ جُلُودَها فَتَقُولُ هَذِهِ حُرُمٌ، فَتُـحَرّمُها عَلَـيْكَ وَعلـى أهْلِكَ؟قال: نعم. قال:فإنَّ ما آتاكَ اللَّهُ لَكَ حِلٌّ، وَساعِدُ اللَّهُ أشَدُّ، ومُوسَى اللَّهِ أحَدُّوربـما قال: سَاعِدُ الله أشَدُّ مِنْ سَاعِدِكَ، ومُوسَى الله أحَدُّ مِنْ مُوسَاكَ».

وأما السائبة: فإنها الـمسيبة الـمخلاة، وكانت الـجاهلـية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه، فـيحرم الانتفـاع به علـى نفسه، كما كان بعض أهل الإسلام يعتق عبده سائبة فلا ينتفع به ولا بولائه. وأخرجت الـمسيبة بلفظ السائبة، كما قـيـل: «عِيشَة رَاضِيَة»، بـمعنى: مرضية.

وأما الوصيـلة، فإن الأنثى من نعمهم فـي الـجاهلـية كانت إذا أتأمت بطناً بذكر وأنثى، قـيـل: قد وصلت الأنثى أخاها، بدفعها عنه الذبح، فسموها وصيـلة.

وأما الـحامي: فإنه الفحل من النعم يحمى ظهره من الركوب، والانتفـاع بسبب تتابع أولاد تـحدث من فِحْلَته.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي صفـات الـمسميات بهذه الأسماء وما السبب الذي من أجله كانت تفعل ذلك. ذكر الرواية بـما قـيـل فـي ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن إبراهيـم بن الـحرث التـيـمي أن أبـا صالـح السمان، حدثه أنه سمع أبـا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الـجون الـخزاعي:

يا أكْثَمُ رأيْتُ عَمْرَ بْنَ لُـحَيّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِـي النَّارِ، فَمَا رأيْتُ مِنْ رَجُلٍ أشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ وَلا بِهِ مِنْكَفقال أكثم: أيضرّنـي شبهه يا نبـيّ الله؟ قال: لا، لأنك مُؤْمِنٌ وَهُوَ كافِرٌ، وإنَّهُ كانَ أوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيـلَ وَنَصَبَ الأوْثانَ، وَسَيَّبَ السَّوَائِب فِـيهِمْ».

وذلك أن الناقة إذا تابعت ثنتـي عشرة إناثاً لـيس فـيها ذكر سيبت، فلـم يركب ظهرها ولـم يجزّ وبرها ولـم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتـجت بعد ذلك من أنثى شُقّ أذنها ثم خـلـي سبـيـلها مع أمها فـي الإبل، فلـم يركب ظهرها ولـم يجزّ وبرها ولـم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فُعِل بأمها فهي البحيرة ابنة السائبة. والوصيـلة: أن الشاة إذا نتـجت عشر إناث متتابعات فـي خمسة أبطن لـيس فـيهنّ ذكر جعلت وصيـلة، قالوا: وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك لذكورهم دون إناثهم، إلا أن يـموت منها شيء فـيشتركون فـي أكله ذكورهم وإناثهم. والـحامي: أن الفحل إذا نتـج له عشر إناث متتابعات لـيس بـينهنّ ذكر حُمِي ظهره، ولـم يركب، ولـم يجزّ وبره، ويخـلـى فـي إبله يضرب فـيها، لا ينتفع به بغير ذلك. يقول الله تعالـى ذكره: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيـلَةٍ وَلا حامٍ}.... إلـى قوله: {وَلاَ يهْتَدُونَ}.

حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق فـي هذه الآية: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيـلَةٍ وَلا حامٍ} قال أبو جعفر: سقط علـيّ فـيـما أظنّ كلام منه قال: فأتـيت علقمة فسألته، فقال: ما تريد إلـى شيء كانت تصنعه أهل الـجاهلـية؟

حدثنـي يحيى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلـم، قال: أتـيت علقمة، فسألته عن قول الله تعالـى: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيـلَةٍ وَلا حامٍ} فقال: وما تصنع بهذا؟ إنـما هذا شيء من فعل الـجاهلـية قال: فأتـيت مسروقاً، فسألته، فقال: البحيرة: كانت الناقة إذا ولدت بطناً خمساً أو سبعاً، شقوا أذنها وقالوا: هذه بحيرة. قال: {وَلا سائبَةٍ} قال: كان الرجل يأخذ بعض ماله، فـيقول: هذه سائبة. قال: {وَلا وَصِيـلَةٍ} قال: كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث، وإذا ولدت ذكراً وأنثى فـي بطن قالوا: وصلت أخاها، فلا يأكلونهما قال: فإذا مات الذكر، أكله الذكور دون الإناث. قال: ولا حام، قال: كان البعير إذا ولد وولد ولده، قالوا: قد قضى هذا الذي علـيه، فلـم ينتفعوا بظهره، قالوا: هذا حام.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن عبـيد، عن الأعمش، عن مسلـم بن صبـيح، قال: سألت علقمة، عن قوله: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ} قال: ما تصنع بهذا؟ هذا شيء كان يفعله أهل الـجاهلـية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان ويحيى بن آدم، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} قال: البحيرة: التـي قد ولدت خمسة أبطن ثم تركت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير بن عبد الـحميد، عن مغيرة، عن الشعبـي: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} قال: البحيرة: الـمخضرمة. {وَلا سائِبَةٍ} والسائبة: ما سيب للهدي. والوصيـلة: إذا ولدت بعد أربعة أبطن فـيـما يرى جرير ثم ولدت الـخامس ذكراً وأنثى وصلت أخاها. والـحام: الذي قد ضرب أولاد أولاده فـي الإبل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبـيّ بنـحوه، إلا أنه قال: والوصيـلة: التـي ولدت بعد أربعة أبطن ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها. وسائر الـحديث مثل حديث ابن حميد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق الأزرق، عن زكريا، عن الشعبـي، أنه سئل عن البحيرة، فقال: هي التـي تـجدع آذانها. وسئل عن السائبة، فقال: كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنـم فـيتركونها عند آلهتهم لتذبح، فتـخـلط بغنـم الناس، فلا يشرب ألبـانها إلا الرجال، فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} وما معها: البحيرة من الإبل، يحرّم أهل الـجاهلـية وبرها وظهرها ولـحمها ولبنها إلا علـى الرجال، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو علـى هيئتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء فـي أكل لـحمها، فإذا ضَرَب الـجمل من ولد البحيرة فهو الـحامي والسائبة من الغنـم علـى نـحو ذلك إلا أنها ما ولدت من ولد بـينها وبـين ستة أولاد كان علـى هيئتها، فإذا ولدت فـي السابع ذكراً أو أنثى أو ذكرين، ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم وإن توأمت أنثى وذكراً فهي وصيـلة، ترك ذبح الذكر بـالأنثى، وإن كانتا أنثـيـين تركتا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ} فـالبحيرة: الناقة، كان الرجل إذا ولدت خمسة أبطن، فـيعمد إلـى الـخامسة، فما لـم يكن سَقْبـاً، فـيبتك آذانها، ولا يجزّ لها وبرا، ولا يذوق لها لبناً، فتلك البحيرة. {وَلا سائِبَةٍ} كان الرجل يسيب من ماله ما شاء. {وَلا وَصِيـلَةٍ} فهي الشاة إذا ولدت سبعاً، عمد إلـى السابع، فإن كان ذكراً ذبح، وإن كانت أنثى تركت، وإن كان فـي بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما، قالوا: وصلت أخاها، فـيتركان جميعاً لا يذبحان، فتلك الوصيـلة. وقوله: {وَلا حامٍ} كان الرجل يكون له الفحل فإذا لقح عشراً قـيـل: حام، فـاتركوه

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنا معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ} لـيسيبوها لأصنامهم. {وَلا وَصِيـلَةٍ} يقول: الشاة. {وَلا حامٍ} يقول: الفحل من الإبل.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيـلَةٍ وَلا حامٍ} تشديد شدّده الشيطان علـى أهل الـجاهلـية فـي أموالهم، وتغلـيظ علـيهم، فكانت البحيرة مثل الإبل إذا نتـج الرجل خمساً من إبله نظر البطن الـخامس، فإن كانت سقبـاً ذبح فأكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فـيه ذكرهم وأنثاهم، وإن كانت حائلاً وهي الأنثى تركت فبتكت أذنها، فلـم يجزّ لها وبر ولـم يشرب لها لبن ولـم يركب لها ظهر ولـم يذكر لله علـيها اسم. وكانت السائبة: يسيبون ما بدا لهم من أموالهم، فلا تـمتنع من حوض أن تشرع فـيه ولا من حمى أن ترتع فـيه. وكانت الوصيـلة من الشاء: من البطن السابع، إذا كان جدياً ذبح فأكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فـيه ذكرهم وأنثاهم، وإن جاءت بذكر وأنثى قـيـل وصلت أخاها فمنعته الذبح. والـحام: كان الفحل إذا ركب من بنـي بنـيه عشرة أو ولد ولده، قـيـل حام، حمى ظهره، فلـم يزم ولـم يخطم ولـم يركب.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيـلَةٍ وَلا حامٍ} فـالبحيرة من الإبل: كانت الناقة إذا نتـجت خمسة أبطن، إن كان الـخامس سقبـاً ذبحوه فأهدوه إلـى آلهتهم وكانت أمه من عرض الإبل، وإن كانت رُبَعة استـحيوها، وشقوا أذن أمها، وجزّوا وبرها، وخـلوها فـي البطحاء، فلـم تَـجُزْ لهم فـي دية، ولـم يحلبوا لها لبناً، ولـم يجزّوا لها وبراً، ولـم يحملوا علـى ظهرها، وهي من الأنعام التـي حرّمت ظهورها. وأما السائبة: فهو الرجل يسيب من ماله ما شاء علـى وجه الشكر إن كثر ماله، أو برأ من وجع، أو ركب ناقة فأنـجح، فإنه يسمي السائبة يرسلها فلا يعرض لها أحد من العرب إلا أصابته عقوبة فـي الدنـيا. وأما الوصيـلة، فمن الغنـم، هي الشاة إذا ولدت ثلاثة أبطن أو خمسة، فكان آخر ذلك جديا ذبحوه وأهدوه لبـيت الآلهة، وإن كانت عَناقاً استـحيوها، وإن كانت جدياً وعناقاً استـحيوا الـجدي من أجل العناق، فإنها وصيـلة وصلت أخاها. وأما لـحام: فـالفحل يضرب فـي الإبل عشر سنـين، ويقال: إذا ضرب ولد ولده قـيـل: قد حمي ظهره، فـيتركونه لا يـمسّ، ولا ينـحر أبداً، ولا يـمنع من كلإ يريده، وهو من الأنعام التـي حرمت ظهورها.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن الـمسيب، فـي قوله: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيـلَةٍ وَلا حامٍ} قال: البحيرة من الإبل التـي يـمنع درّها للطواغيت. والسائبة من الإبل: كانوا يسيبونها لطواغيتهم. والوصيـلة من الإبل كانت الناقة تبكر بأنثى، ثم تثنـي بأنثى، فـيسمونها الوصيـلة، يقولون: وصلت اثنتـين لـيس بـينهما ذكر، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم، أو يذبحونها، الشكّ من أبـي جعفر. والـحام: الفحل من الإبل، كان يضرب الضراب الـمعدود، فإذا بلغ ذلك، قالوا: هذا حام، قد حمى ظهره فترك، فسموه الـحام. قال معمر، قال قتادة: إذا ضرب عشرة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: البحيرة من الإبل: كانت الناقة إذا نتـجت خمسة أبطن، فإن كان الـخامس ذكراً كان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى بتكوا آذانها، ثم أرسلوها، فلـم ينـحروا لها ولداً، ولـم يشربوا لها لبناً، ولـم يركبوا لها ظهراً. وأما السائبة، فإنهم كانوا يسيبون بعض إبلهم، فلا تـمنع حوضاً أن تشرع فـيه، ولا مرعى أن ترتع فـيه. والوصيـلة: الشاة: كانت إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكراً ذبح وأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبـيد بن سلـمان، عن الضحاك: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيـلَةٍ وَلا حامٍ} أما البحيرة: فكانت الناقة إذا نتـجوها خمسة أبطن نـحروا الـخامس إن كان سقبـاً، وإن كان رُبَعة شقوا أذنها واستـحيوها، وهي بحيرة. وأما السقب فلا يأكل نساؤهم منه، وهو خالص لرجالهم، فإن ماتت الناقة أو نتـجوها ميتاً فرجالهم ونساؤهم فـيه سواء يأكلون منه. وأما السائبة: فكان يسيب الرجل من ماله من الأنعام، فـيهمل فـي الـحمى فلا ينتفع بظهره ولا بولده، ولا بلبنه، ولا بشعره، ولا بصوفه. وأما الوصيـلة، فكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن ذبحوا السابع إذا كان جدياً، وإن كان عناقاً استـحيوه، وإن كان جدياً وعناقاً استـحيوهما كلـيهما، وقالوا: إن الـجدي وصلته أخته، فحرمته علـينا. وأما الـحامي: فـالفحل إذا ركبوا أولاد ولده، قالوا: قد حمى هذا ظهره، وأحرز أولاد ولده، فلا يركبونه، ولا يـمنعونه من حمى شجر، ولا حوض مَّا شرع فـيه، وإن لـم يكن الـحوض لصاحبه، وكانت من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله علـيها فـي شيء من شأنهم، لا إن ركبوا، ولا إن حملوا، ولا إن حلبوا، ولا إن نتـجوا، ولا إن بـاعوا، ففـي ذلك أنزل الله تعالـى: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ}... إلـى قوله: {وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيـلَةٍ وَلا حامٍ} قال: هذا شيء كانت تعمل به أهل الـجاهلـية، وقد ذهب. قال: البحيرة: كان الرجل يجدع أذنى ناقته ثم يعتقها، كما يعتق جاريته وغلامه، لا تـحلب، ولا تركب. والسائبة: يسيبها بغير تـجديع. والـحام: إذا نتـج له سبع إناث متوالـيات قد حمى ظهره، ولا يركب ولا يعمل عليه. والوصيلة من الغنم: إذا ولدت سبع إناث متواليات حمت لـحمها أن يؤكل.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا اللـيث بن سعد، قال: ثنـي ابن الهاد، عن ابن شهاب، قال: قال سعيد بن الـمسيب: السائبة: التـي كانت تسيب فلا يحمل علـيها شيء. والبحيرة: التـي يـمنع درّها للطواغيت فلا يحلبها أحد. والوصيـلة: الناقة البكر تبكر أوّل نتاج الإبل بأنثى، ثم تثنـي بعد بأنثى، وكانوا يسمونها للطواغيت، يدعونها الوصيـلة، إن وصلت إحداهما بـالأخرى. والـحامي: فحل الإبل يضرب العشر من الإبل، فإذا نقص ضرابه يدعونه للطواغيت، وأعفوه من الـحمل، فلـم يحملوا علـيه شيئاً، وسموه الـحامي.

وهذه أمور كانت فـي الـجاهلـية فأبطلها الإسلام، فلا نعرف قوماً يعملون بها الـيوم. فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما كانت الـجاهلـية تعمل به لا توصل إلـى عـمله إذ لـم يكن له فـي الإسلام الـيوم أثر، ولا فـي الشرك نعرفه إلا بخبر، وكانت الأخبـار عما كانوا يفعلون من ذلك مختلفة الاختلاف الذي ذكرنا فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال: أما معانـي هذه الأسماء، فما بـينا فـي ابتداء القول فـي تأويـل هذه الآية. وأما كيفـية عمل القوم فـي ذلك، فما لا علـم لنا به. وقد وردت الأخبـار بوصف عملهم ذلك علـى ما قد حكينا، وغير ضائر الـجهل بذلك إذا كان الـمراد من علـمه الـمـحتاج إلـيه، موصلاً إلـى حقـيقته، وهو أن القوم كانوا مـحرمين من أنعامهم علـى أنفسهم ما لـم يحرمه الله اتبـاعاً منهم خطوات الشيطان، فوبخهم الله تعالـى بذلك، وأخبرهم أن كلّ ذلك حلال، فـالـحرام من كلّ شيء عندنا، ما حرّم الله تعالـى ورسوله صلى الله عليه وسلم، بنصّ أو دلـيـل. والـحلال منه: ما أحلَّه الله ورسوله كذلك.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ علـى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}.

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بـالذين كفروا فـي هذا الـموضع والـمراد بقوله: {وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}. فقال بعضهم: الـمعنـيّ بـالذين كفروا: الـيهود، وبـالذين لا يعقلون: أهل الأوثان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفـيان، عن دواد بن أبـي هند، عن مـحمد بن أبـي موسى: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ علـى اللَّهِ الكَذِبَ} قال: أهل الكتاب. {وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} قال: أهل الأوثان.

وقال آخرون: بل هم أهل ملة واحدة، ولكن «الـمفترين» الـمتبوعون، و«الذين لا يعقلون»: الأتبـاع. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا خارجة، عن داود بن أبـي هند، عن الشعبـيّ فـي قوله: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ علـى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} هم الأتبـاع. وأما «الذين افتروا»، يعقلون أنهم افتروا.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب أن يقال: إن الـمعنـيـين بقوله: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ علـى اللَّهِ الكَذِبَ} الذين بحروا البحائر، وسيبوا السوائب، ووصلوا الوصائل، وحموا الـحوامي مثل عمرو بن لـحي وأشكاله، مـمن سنوا لأهل الشرك السنن الرديئة وغيروا دين الله دين الـحقّ وأضافوا إلـى الله تعالـى أنه هو الذي حرّم ما حرّموا وأحلّ ما أحلوا، افتراء علـى الله الكذب وهم يعلـمون، واختلافاً علـيه الإفك وهم يعمهون. فكذّبهم الله تعالـى فـي قـيـلهم ذلك، وإضافتهم إلـيه ما أضافوا من تـحلـيـل ما أحلوا وتـحريـم ما حرموا، فقال تعالـى ذكره: ما جعلت من بحيرة ولا سائبة، ولكن الكفـار هم الذين يفعلون ذلك ويفترون علـى الله الكذب. وأن يقال: إن الـمعنـيـين بقوله {وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} هم أتبـاع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة الـمشركين، فهم لا شكّ أنهم أكثر من الذين سنوا ذلك لهم فوصفهم الله تعالـى بأنهم لا يعقلون، لأنهم لـم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن، وأخبروهم أنها من عند الله كذبة فـي إخبـارهم أفكة، بل ظنوا أنهم فـيـما يقولون مـحقون فـي إخبـارهم صادقون. وإنـما معنى الكلام: وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التـحريـم الذي حرّمه هؤلاء الـمشركون وأضافوه إلـى الله تعالـى كذب وبـاطل. وهذا القول الذي قلنا فـي ذلك نظير قول الشعبـيّ الذي ذكرناه، ولا معنى لقول من قال: عنـى بـالذين كفروا: أهل الكتاب، وذلك أن النكير فـي ابتداء الآية من الله تعالـى علـى مشركي العرب، فـالـختـم بهم أولـى من غيرهم، إذ لـم يكن عرض فـي الكلام ما يصرف من أجله عنهم إلـى غيرهم. وبنـحو ذلك كان يقول قتادة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} يقول: لا يعقلون تـحريـم الشيطان الذي يحرّم علـيهم، إنـما كان من الشيطان ولا يعقلون.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ