انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 21–26

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 12–26في هذه الصفحة 18:08

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝٢١

وهذا خبر من الله عزّ ذكره عن قول موسى صلى الله عليه وسلم لقومه من بنـي إسرائيـل، وأمره إياهم عن أمر الله إياه، يأمرهم بدخول الأرض الـمقدسة.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الأرض التـي عناها بـالأرض الـمقدسة، فقال بعضهم: عنى بذلك: الطور وما حوله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: الأرض الـمقدسة: الطور وما حوله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـحارث بن مـحمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدَّسَةَ} قال: الطُّور وما حوله.

وقال آخرون: هو الشأم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله:{ الأرْضُ الـمقدّسة} قال: هي الشأم.

وقال آخرون: هي أرض أريحاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدَّسَة التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} قال: أريحاء.

حدثنـي يوسف بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: هي أريحاء.

حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: هي أريحاء.

وقـيـل: إن الأرض الـمقدسة: دمشق وفلسطين وبعض الأردنّ. وعنى بقوله {الـمُقَدَّسَة}: الـمطهرة الـمبـاركة. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {الأرْضَ الـمُقَدَّسَة} قال: الـمبـاركة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بـمثله.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، أن يقال: هي الأرض الـمقدسة، كما قال نبـيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم. لأن القول فـي ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تدرك حقـيقة صحته إلاَّ بـالـخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به، غير أنها لن تـخرج من أن تكون من الأرض التـي بـين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويـل والسير والعلـماء بـالأخبـار علـى ذلك. ويعنـي بقوله: {التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}: التـي أثبت فـي اللوح الـمـحفوظ أنها لكم مساكن، ومنازل دون الـجبـابرة التـي فـيها.

فإن قال قائل: فكيف قال: {التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}، وقد علـمت أنهم لـم يدخـلوها بقوله: {فإنَّها مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ}؟ فكيف يكون مثبتاً فـي اللوح الـمـحفوظ أنها مساكن لهم، ومـحرّماً علـيهم سكناها؟ قـيـل: إنها كتبت لبنـي إسرائيـل داراً ومساكن، وقد سكنوها ونزلوها، وصارت لهم كما قال الله جلّ وعزّ. وإنـما قال لهم موسى: {ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدَّسَة التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} يعنـي بها: كتبها الله لبنـي إسرائيـل وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بنـي إسرائيـل ولـم يعن صلى الله عليه وسلم أن الله تعالـى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم، ولو قال قائل: قد كانت مكتوبة لبعضهم، ولـخاصّ منهم، فأخرج الكلام علـى العموم والـمراد منه الـخاص، إذ كان يُوشَع وكالب قد دخلا، وكانا مـمن خوطب بهذا القول، كان أيضاً وجهاً صحيحاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال ابن إسحاق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة عن مـحمد بن إسحاق: {التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}: التـي وهب الله لكم.

وكان السديّ يقول: معنى «كتب» فـي هذا الـموضع بـمعنى «أمر».

حدثنا بذلك موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدَّسَة التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}: التـي أمركم الله بها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلا تَرْتَدُّوا علـى أدْبـارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ}.

وهذا خبر من الله عزّ ذكره عن قـيـل موسى علـيه السلام لقومه من بنـي إسرائيـل، إذ أمرهم عن أمر الله عزّ ذكره إياه بدخول الأرض الـمقدسة، أنه قال لهم: امضوا أيها القوم لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض الـمقدسة، {وَلا تَرْتَدُّوا} يقول: لا ترجعوا القهقري مرتدين {علـى أدْبَـارِكُمْ} يعنـي: إلـى ورائكم، ولكن امضوا قدماً لأمر الله الذي أمركم به من الدخول علـى القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم علـيهم فـي أرضهم، وأن الله عزّ ذكره قد كتبها لكم مسكناً وقراراً.

ويعنـي بقوله: {فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ}: أنكم تنصرفوا خائبـين هكذا. وقد بـينا معنى الـخسارة فـي غير هذا الـموضع بشواهده الـمغنـية عن إعادته فـي هذا الـموضع.

فإن قال قائل: وما كان وجه قـيـل موسى لقومه إذ أمرهم بدخول الأرض الـمقدسة لا ترتدّوا علـى أدْبـارِكُمْ فتنقلبوا خاسرين؟ أو يستوجب الـخسارة من لـم يدخـل أرضاً جعلت له؟ قـيـل: إن الله عزّ ذكره كان أمره بقتال من فـيها من أهل الكفر به وفرض علـيهم دخولها، فـاستوجب القوم الـخسارة بتركهم. إذا فرض الله علـيهم من وجهين: أحدهما تضيـيع فرض الـجهاد الذي كان الله فرضه علـيهم. والثانـي: خلافهم أمر الله فـي تركهم دخول الأرض، وقولهم لنبـيهم موسى صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم «ادخـلوا الأرض الـمقدسة»: {إنَّا لَنْ نَدْخُـلَها حتـى يَخْرُجُوا مِنْها فإنْ يَخْرُجُوا مِنْها فإنَّا دَاخِـلُونَ}.

وكان قتادة يقول فـي ذلك بـما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا قَوْمِ ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدَّسَة التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} أمروا بها كما أمروا بـالصلاة والزكاة والـحجّ والعمرة.

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ۝٢٢

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن جواب قوم موسى علـيه السلام، إذا أمرهم بدخول الأرض الـمقدسة، أنهم أبوا علـيه إجابة إلـى ما أمرهم به من ذلك، واعتلُّوا علـيه فـي ذلك بأن قالوا: إن فـي الأرض الـمقدسة التـي تأمرنا بدخولها قوماً جبـارين لا طاقة لنا بحربهم ولا قوّة لنا بهم. وسموهم جبـارين، لأنهم كانوا بشدّة بطشهم وعظيـم خـلقهم فـيـما ذُكر لنا قد قهروا سائر الأمـم غيرهم. وأصل الـجبـار: الـمصلـح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل فـي كل من اجترّ نفعاً إلـى نفسه بحقّ أو بـاطل طلب الإصلاح لها حتـى قـيـل للـمتعدي إلـى ما لـيس له بغياً علـى الناس وقهراً لهم وعتوًّا علـى ربه: جبـار، وإنـما هو فعّال من قولهم: جبر فلان هذا الكسر إذا أصلـحه ولأمه، ومنه قول الراجز:

قَدْ جَبَرَ الدّينَ الإلَهُ فَجَبَرْوعَوَّرَ الرَّحْمَنُ مَنْ وَلَّـى العَوَرْ

يريد: قد أصلـح الدين الإله فصلـح ومن أسماء الله تعالـى ذكره الـجبـار، لأنه الـمصلـح أمر عبـاده القاهر لهم بقدرته. ومـما ذكرته من عظم خـلقهم ما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ فـي قصة ذكرها من أمر موسى وبنـي إسرائيـل، قال: ثم أمرهم بـالسير إلـى أريحاء، وهي أرض بـيت الـمقدس، فساروا حتـى إذا كانوا قريبـاً منهم، بعث موسى اثنـي عشر نقـيبـاً من جميع أسبـاط بنـي إسرائيـل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الـجبـارين، فلقـيهم رجل من الـجبـارين، يقال له: عوج، فأخذ الاثنـي عشر فجعلهم فـي حجزته، وعلـى رأسه حملة حطب، وانطلق بهم إلـى امرأته، فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا فطرحهم بـين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلـي؟ فقالت امرأته: لا، بل خـلّ عنهم حتـى يخبروا قومهم بـما رأوا، ففعل ذلك.

حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: أمِرَ موسى أن يدخـل مدينة الـجبـارين، قال: فسار موسى بـمن معه حتـى نزل قريبـاً من الـمدينة، وهي أريحاء. فبعث إلـيهم اثنـي عشر عيناً، من كلّ سبط منهم عيناً، لـيأتوه بخبر القوم. قال: فدخـلوا الـمدينة، فرأوا أمراً عظيماً من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخـلوا حائطاً لبعضهم، فجاء صاحب الـحائط لـيجتنـي الثمار من حائطه، فجعل يجتنـي الثمار وينظر إلـى آثارهم وتتبعهم، فكلـما أصاب واحداً منهم أخذه، فجعله فـي كمه مع الفـاكهة. وذهب إلـى ملكهم فنثرهم بـين يديه، فقال الـملك: قد رأيتـم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم قال: فرجعوا إلـى موسى فأخبروه بـما عاينوا من أمرهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: {إنَّ فِـيها قَوْما جَبَّـارِينَ} ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخـلق لـيست لغيرهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: إن موسى علـيه السلام قال لقومه: إنـي سأبعث رجالاً يأتوننـي بخبرهم وإنه أخذ من كلّ سبط رجلاً، فكانوا اثنـي عشر نقـيبـاً، فقال: سيروا إلـيهم وحدثونـي حديثهم وما أمرهم ولا تـخافوا إن الله معكم ما أقمتـم الصلاة، وآتـيتـم الزكاة، وآمنتـم برسله، وعزّرتـموهم، وأقرضتـم الله قرضاً حسناً. ثم إن القوم ساروا حتـى هجموا علـيهم، فرأوا أقواماً لهم أجساماً عجبٌ، عظماً وقوّة، وأنه فـيـما ذكر أبصرهم أحد الـجبـارين، وهم لا يألون أن يخفوا أنفسهم حين رأوا العجب، فأخذ ذلك الـجبـار منهم رجالاً، فأتـى رئيسهم، فألقاهم قدامه، فعجبوا وضحكوا منهم، فقال قائل منهم: إن هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم، وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقتلوا. وإنهم رجعوا إلـى موسى علـيه السلام فحدثوه العجب.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله:

{ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً }[المائدة: 12] من كلّ سبط من بنـي إسرائيـل رجل أرسلهم موسى إلـى الـجبـارين، فوجدوهم يدخـل فـي كمّ أحدهم اثنان منهم، يـلقونهم إلقاء، ولا يحمل عنقود عنهم إلاَّ خمسة أنفس بـينهم فـي خشبة، ويدخـل فـي شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حديفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنـي مـحمد بن الوزير بن قـيس، عن أبـيه، عن جويبر، عن الضحاك: {إنَّ فِـيها قَوْما جَبَّـارِينَ} قال: سِفْلة لا خلاق لهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وإنَّا لَنْ نَدْخُـلَها حتـى يَخْرُجُوا مِنْها فإنْ يَخْرُجُوا مِنْها فإنَّا داخِـلونَ}.

وهذا خبر من الله عزّ ذكره عن قول قوم موسى لـموسى جوابـاً لقوله لهم:

{ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ }[المائدة: 21] فقالوا: {إنَّا لَنْ نَدْخُـلَها حتـى يَخْرُجُوا مِنْها} يعنون: من الأرض الـمقدسة الـجبـارون الذين فـيها، جبناً منهم وجزعاً من قتالهم. وقالوا له: إن يخرج منها هؤلاء الـجبـارون دخـلناها، وإلاَّ فإنا لا نطيق دخولها وهم فـيها، لأنه لا طاقة لنا بهم ولا يد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، أن كالب بن يوقنا، أسكت الشعب عن موسى صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثها، وإن لنا بهم قوّة. وأما الذين كانوا معه، فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلـى ذلك الشعب من أجل أنهم أجرأ منا. ثم إن أولئك الـجواسيس أخبروا بنـي إسرائيـل الـخبر، وقالوا: إنا مررنا فـي أرض وأحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالها جساماً، ورأينا الـجبـابرة بنـي الـجبـابرة، وكنا فـي أعينهم مثل الـجراد. فأرجفت الـجماعة من بنـي إسرائيـل، فرفعوا أصواتهم بـالبكاء. فبكى الشعب تلك اللـيـلة، ووسوسوا علـى موسى وهارون، فقالوا لهما: يا لـيتنا متنا فـي أرض مصر، ولـيتنا نـموت فـي هذه البرية ولـم يدخـلنا الله هذه الأرض لنقع فـي الـحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنـيـمة، ولو كنا قعوداً فـي أرض مصر، كان خيراً لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نـجعل علـينا رأساً وننصرف إلـى مصر.

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٢٣

وهذا خبر من الله عزّ ذكره عن الرجلـين الصالـحين من قوم موسى: يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، أنهما وفـيا لـموسى بـما عهد إلـيهما من ترك إعلام قومه بنـي إسرائيـل الذين أمرهم بدخول الأرض الـمقدسة علـى الـجبـابرة من الكنعانـيـين، بـما رأيا وعاينا من شدة بطش الـجبـابرة وعظم خـلقهم، ووصفهما الله بأنهما مـمن يخاف الله ويراقبه فـي أمره ونهيه كما:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان. ح، وحدثنا ابن وكيع، قال ثنا أبـي، عن سفـيان. ح، وحدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: {رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} قال: كلاب بن يوقنا ويوشع بن نون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبـي قـيس، عن منصور، عن مـجاهد، قال: {رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} قال: يوشع بن نون، وكلاب بن يوقنا، وهما من النقبـاء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قصة ذكرها، قال: فرجع النقبـاء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم، إلاَّ يوشع بن نون، وكلاب بن يوقنا، يأمران الأسبـاط بقتال الـجبـارين ومـجاهدتهم، فعصوهما، وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله علـيهما.

حدثنا ابن حميد، وسفـيان بن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، مثل حديث ابن بشار، عن ابن مهدي، إلاَّ أن ابن حميد قال فـي حديثه: هما من الاثنى عشر نقـيبـاً.

حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قصة ذكرها، قال: فرجعوا يعنـي النقبـاء الاثنـي عشر إلـى موسى، فأخبروه بـما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتـموا شأنهم ولا تـخبروا به أحداً من أهل العسكرة فإنكم إن أخبرتـموهم بهذا الـخبر فشلوا ولـم يدخـلوا الـمدينة. قال: فذهب كلّ رجل منهم، فأخبر قريبه وابن عمه، إلاَّ هذين الرجلـين يوشع بن نون وكلاب بن يوقنا، فإنهما كتـما ولـم يخبرا به أحداً، وهما اللذان قال الله: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما}... إلـى قوله:

{ وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ }[المائدة: 25].

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} وهما اللذان كتـماهم: يوشع بن نون فتـى موسى، وكالوب بن يوقنة ختن موسى.

حدثنا سفـيان، قال: ثنا عبـيد الله، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} كالوب ويوشع بن نون فتـى موسى.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} والرجلان اللذان أنعم الله علـيهما من بنـي إسرائيـل: يوشع بن نون، كالوب بن يوقنة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} ذُكر لنا أن الرجلـين: يوشع بن نون، وكالب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: أن موسى قال للنقبـاء لـما رجعوا فحدّثوه العجب: لا تـحدِّثوا أحداً بـما رأيتـم، إن الله سيفتـحها لكم ويظهركم علـيها من بعد ما رأيتـم وإن القوم أفشوا الـحديث من بنـي إسرائيـل، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم الله علـيهما: كان أحدهما فـيـما سمعنا يوشع بن نون وهو فتـى موسى، والآخر كالب، فقالا: ادخـلوا علـيهم البـاب إن كنتـم مؤمنـين.

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ}. قرأ ذلك قرّاء الـحجاز والعراق والشام: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} بفتـح الـياء من «يخافون»، علـى التأويـل الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه آنفـاً، أنهما يوشع بن نون وكالب من قوم موسى، مـمن يخاف الله، وأنعم علـيهما بـالتوفـيق. وكان قتادة يقول فـي بعض القراءة: «قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة. ح، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} فـي بعض الـحروف: «يخافون الله أنعم الله علـيهما».

وهذا أيضاً مـما يدلّ علـى صحة تأويـل من تأوّل ذلك علـى ما ذكرنا عنه أنه قال: يوشع، وكالب. ورُوي عن سعيد بن جبـير أنه كان يقرأ ذلك: «قال رَجُلانِ منَ الَّذِينَ يُخافونَ» بضم الـياء «أنعم اللّهُ عَلَـيْهِما».

حدثنـي بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيـم، عن القاسم بن أبـي أيوب، ولا نعلـمه أنه سمع منه، عن سعيد بن جبـير أنه كان يقرؤها بضم الـياء من: «يُخافُونَ».

وكأنَّ سعيداً ذهب فـي قراءته هذه إلـى أن الرجلـين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبنـي إسرائيـل: ادخـلوا علـيهم البـاب فإذا دخـلتـموه فإنكم غالبون، كانا من رهط الـجبـابرة، وكانا أسلـما واتبعا موسى، فهما من أولاد الـجبـابرة، الذين يخافهم بنو إسرائيـل وإن كان لهم فـي الدين مخالفـين. وقد حُكِي نـحو هذا التأويـل عن ابن عبـاس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:

{ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ }[المائدة: 21] قال: هي مدينة الـجبـارين، لـما نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثنـي عشر رجلاً، وهم النقبـاء الذين ذكر نعتهم لـيأتوه بخبرهم. فساروا، فلقـيهم رجل من الـجبـارين، فجعلهم فـي كسائه، فحملهم حتـى أتـى بهم الـمدينة، ونادى فـي قومه، فـاجتـمعوا إلـيه، فقالوا: من أنتـم؟ فقالوا: نـحن قوم موسى، بعثنا إلـيكم لنأتـيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب بوقر الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلـى موسى وقومه، فقولوا لهم: اقدُروا قدر فـاكهتهم فلـما أتوهم، قالوا لـموسى: { ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[المائدة: 24] {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} وكانا من أهل الـمدينة أسلـما واتبعا موسى وهارون، فقالا لـموسى: {ادْخُـلُوا عَلَـيْهِمُ البـابَ فإذَا دَخَـلْتُـمُوهُ فَإنَّكُمْ غالِبونَ وَعلى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ}.

فعلـى هذه القراءة وهذا التأويـل لـم يكتـم من الاثنى عشر نقـيبـاً أحداً ما أمرهم موسى بكتـمانه بنـي إسرائيـل مـما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الـجبـابرة وشدّة بطشهم وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كله. وإنـما القائل للقوم ولـموسى: ادخـلوا علـيهم البـاب، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيـل يخافونهم ويرهبون الدخول علـيهم من الـجبـابرة، كانا أسلـما وتبعا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم.

وأولـى القراءتـين بـالصواب عندنا، قراءة من قرأ {مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} لإجماع قرّاء الأمصار عليها وأن ما استفاضت به القراءة عنهم فحجة لايجوز خلافها وما انفرد به الواحد فجائز فـيه الـخطأ والسهو. ثم فـي إجماع الـحجة فـي تأويـلها علـى أنهما رجلان من أصحاب موسى من بنـي إسرائيـل وأنهما يوشع وكلاب، ما أغنى عن الاستشهاد علـى صحة القراءة بفتـح الـياء فـي ذلك وفساد غيره، وهو التأويـل الصحيح عندنا لـما ذكرنا من أجماعها علـيه.

وأما قوله: {أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} فإنه يعنـي: أنعم الله علـيهما بطاعة الله فـي طاعة نبـيه موسى صلى الله عليه وسلم، وانتهائهم إلـى أمره، والانزجار عما زجرهما عنه صلى الله عليه وسلم، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الـجبـارين إلـى بنـي إسرائيـل الذي حذّر عنه أصحابهما الآخرين الذين كانوا معهما من النقبـاء. وقد قـيـل: إن معنى ذلك: أنعم الل علـيهما بـالـخوف. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا خـلف بن تـميـم، قال: ثنا إسحاق بن القاسم، عن سهل ابن علـيّ، قوله: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} قال: أنعم الله علـيهما بـالـخوف.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، كان الضحاك يقول وجماعة غيره.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنـي عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما} بـالهدى فهداهما، فكانا علـى دين موسى، وكانا فـي مدينة الـجبـارين.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ادْخُـلُوا عَلَـيْهِمُ البـابَ فإذَا دَخَـلْتُـمُوهُ فإنَّكُمْ غالِبُونَ}.

وهذا خبر من الله عزّ ذكره عن قول الرجلـين اللذين يخافـان الله لبنـي إسرائيـل إذ جبنوا وخافوا من الدخول علـى الـجبـارين لـما سمعوا خبرهم، وأخبرهم النقبـاء الذين أفشوا ما عاينوا من أمرهم فـيهم، وقالوا: إن فـيها قوماً جبـارين وإنا لن ندخـلها حتـى يخرجوا منها، فقالا لهم: ادخـلوا علـيهم أيها القوم بـاب مدينتهم، فإن الله معكم وهو ناصركم، وإنكم إذا دخـلتـم البـاب غلبتـموهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم بـالكتاب الأوّل، قال: لـما همّ بنو إسرائيـل بـالانصراف إلـى مصر حين أخبرهم النقبـاء بـما أخبروهم من أمر الـجبـابرة، خرّ موسى وهارون علـى وجوههما سجوداً قدام جماعة بنـي إسرائيـل، وخرَّق يوشع بن نون وكالب بن يوقنا ثـيابهما، وكانا من جواسيس الأرض، وقالا لـجماعة بنـي إسرائيـل: إن الأرض مررنا بها وجسسناها صالـحة رضيها ربنا لنا فوهبها لنا، وإنها لـم تكن تفـيض لبناً وعسلاً، ولكن افعلوا واحدة، لا تعصُوا الله، ولا تـخشوُا الشعب الذين بها، فإنهم جبناء، مدفوعون فـي أيدينا، إن حاربناهم ذهبت منهم، وإن الله معنا فلا تـخشوهم. فأراد الجماعة من بنـي إسرائيـل أن يرجموهما بـالـحجارة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنهم بعثوا اثنـي عشر رجلاً، من كل سبط رجلاً، عيوناً لهم، ولـيأتوهم بأخبـار القوم. فأما عشرة فجبَّنوا قومهم وكَرَّهُوا إلـيهم الدخول علـيهم. وأما الرجلان فأمرا قومهما أن يدخـلوها، وأن يتبعوا أمر الله، ورغبـا فـي ذلك، وأخبرا قومهما أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {عَلَـيْهِمُ البـابَ} قرية الـجبـارين.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وعلـى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنـينَ}.

وهذا أيضاً خبر من الله جلّ وعزّ، عن قول الرجلـين اللذين يخافـان الله أنهما قالا لقوم موسى يشجعانهم بذلك، ويرغبـانهم فـي الـمضيّ لأمر الله بـالدخول علـى الـجبـارين فـي مدينتهم: توكلوا أيها القوم علـى الله فـي دخولكم علـيهم ويقولان لهم: ثقوا بـالله فإنه معكم إن أطعتـموه فـيـما أمركم من جهاد عدوّكم. وعنـيا بقولهما {إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ}: إن كنتـم مصدّقـي نبـيكم صلى الله عليه وسلم، فـيـما أنبأكم عن ربكم من النصرة والظفر علـيهم، وفـي غير ذلك من إخبـاره عن ربه، ومؤمنـين بأن ربكم قادر علـى الوفـاء لكم بـما وعدكم من تـمكينكم فـي بلاد عدوّه وعدوّكم.

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ۝٢٤

وهذا خبر من الله جلّ ذكره عن قول الـملأ من قوم موسى لـموسى، إذ رغبوا فـي جهاد عدوّهم، ووعدوا نصر الله إياهم، إن هم ناهضوهم، ودخـلوا علـيهم بـاب مدينتهم أنهم قالوا له: {إنَّا لَنْ نَدْخُـلَها أبَداً} يعنون: إنا لن ندخـل مدينتهم أبداً. والهاء والألف فـي قوله: {إنَّا لَنْ نَدْخُـلَها} من ذكر الـمدينة. ويعنون بقولهم: {أبداً}: أيام حياتنا ما داموا فـيها، يعنـي: ما كان الـجبـارون مقـيـمين فـي تلك الـمدينة التـي كتبها الله لهم وأُمروا بدخولها. {فـاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هَهُنا قاعِدُونَ} لا نـجيء معك يا موسى إن ذهبت إلـيهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربك فتقاتلانهم.

وكان بعضهم يقول فـي ذلك: لـيس معنى الكلام: اذهب أنت ولـيذهب معك ربك فقاتلا، ولكن معناه: اذهب أنت يا موسى، ولـيُعِنْك ربك، وذلك أن الله لا يجوز علـيه الذهاب. وهذا إنـما كان يحتاج إلـى طلب الـمخرج له لو كان الـخبر عن قوم مؤمنـين، فأما قوم أهل خلاف علـى الله عزّ ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب الـمخرج لكلامهم فـيـما قالوا فـي الله عزّ وجلّ وافترَوا علـيه إلا بـما يشبه كفرهم وضلالتهم. وقد ذكر عن الـمقداد أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قال قوم موسى لـموسى.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي، وحدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن مخارق، عن طارق: أن الـمقداد بن الأسود قال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيـل: {اذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هَهُنا قاعِدُونَ} ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الـحديبـية، حين صدّ الـمشركون الهدي وحيـل بـينهم وبـين مناسكهم:

إنّى ذَاهِبٌ بـالهَدْي فَناحِرُهُ عِنْدَ البَـيْتِ. فقال له الـمقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالـملإ من بنـي إسرائيـل، إذ قالوا لنبـيهم: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون فلـما سمعها أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم تتابعوا علـى ذلك.

وكان ابن عبـاس والضحاك بن مزاحم وجماعة غيرهما يقولون: إنـما قالوا هذا القول لـموسى علـيه السلام حين تبـين لهم أمر الـجبـارين وشدة بطشهم.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: أمر الله جلّ وعزّ بنـي إسرائيـل أن يسيروا إلـى الأرض الـمقدسة مع نبـيهم موسى صلى الله عليه وسلم، فلـما كانوا قريبـاً من الـمدينة قال لهم موسى: ادخـلوها فأبوا وجبنوا، وبعثوا اثنـي عشر نقـيبـاً لـينظروا إلـيهم. فـانطلقوا فنظروا، فجاءوا بحبة فـاكهة من فـاكهتهم بوقر الرجل، فقالوا: قدروا قوّة قوم وبأسهم هذه فـاكهتهم فعند ذلك قالوا لـموسى: {اذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هَهُنا قاعِدُونَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس نـحوه.

قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٢٥

وهذا خبر من الله جلّ وعزّ عن قـيـل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا من قولهم:

{ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[المائده: 24] أنه قال عند ذلك، وغضب من قـيـلهم لهم داعيا: يا ربّ {إنّى لا أمْلِكُ إلاَّ نَفْسِي وأخِي} يعنـي بذلك: لا أقدر علـى أحد أن أحمله علـى ما أحبّ وأريد من طاعتك واتبـاع أمرك ونهيك، إلا علـى نفسي وعلـى أخي. من قول القائل: ما أملك من الأمر شيئاً إلا كذا وكذا، بـمعنى: لا أقدر علـى شيء غيره.

ويعنـي بقوله: {فـافْرُقْ بَـيْنَنا وبـينَ القَوْمِ الفـاسِقِـينَ} افصل بـيننا وبـينهم بقضاء منك تقضيه فـينا وفـيهم فتبعدهم منا، من قول القائل: فَرَقت بـين هذين الشيئين، بـمعنى: فصلت بـينهما من قول الراجز:

يا رَبّ فـافْرُقْ بَـيْنَهُ وَبَـيْنـي أشَدَّ ما فَرَقْتَ بـينَ اثنَـيْنِ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فـافْرُقْ بَـيْنَنا وبـينَ القَوْمِ الفـاسِقِـينَ} يقول: اقض بـينـي وبـينهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {فـافْرُقْ بَـيْنَنا وبـينَ القَوْمِ الفـاسِقِـينَ} يقول: اقض بـيننا وبـينهم.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم:

{ ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[المائدة: 24]، فدعا علـيهم فقال: {رَبّ إنّى لا أمْلِكُ إلاَّ نَفْسِي وأخِي فـافْرُقْ بَـيْنَنا وبـينَ القَوْمِ الفـاسِقِـينَ} وكانت عجْلة من موسى عجلها.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فـافْرُقْ بَـيْنَنا وبـينَ القَوْمِ الفـاسِقِـينَ} يقول: اقض بـيننا وبـينهم، وافتـح بـيننا وبـينهم، كل هذا من قول الرجل: اقض بـيننا، فقضى الله جلّ ثناؤه بـينه وبـينهم أن سماهم فـاسقـين.

وعنى بقوله: {الفـاسِقِـينَ}: الـخارجين عن الإيـمان بـالله وبه، إلـى الكفر بـالله وبه. وقد دللنا علـى أن معنى الفسق: الـخروج من شيء إلـى شيء، فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته.

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٢٦

اختلف أهل التأويـل فـي الناصب للأربعين، فقال بعضهم: الناصب له قوله: {مُـحَرَّمَةٌ} وإنـما حرّم الله جلّ وعزّ علـى القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حرب الـجبـارين، دخولَ مدينتهم أربعين سنة، ثم فتـحها علـيهم، وأسكنوها، وأهلك الـجبـارين بعد حرب منهم لهم، بعد أن قضيت الأربعون سنة، وخرجوا من التـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: لـما قال لهم القوم ما قالوا ودعا موسى علـيهم، أوحى الله إلـى موسى: {إنَّها مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ فَلاَ تَأْسَ علـى القَوْمِ الفـاسِقِـينَ} وهم يومئذ فـيـما ذكر ستـمائة ألف مقاتل فجعلهم فـاسقـين بـما عصوا، فلبثوا أربعين سنة فـي فراسخ ستة، أو دون ذلك، يسيرون كلّ يوم جادّين لكي يخرجوا منها، حتـى يـمسوا وينزلوا، فإذا هم فـي الدار التـي منها ارتـحلوا. وإنهم اشتكوا إلـى موسى ما فعل بهم، فأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشيء فتكون معه علـى هيئته. وسأل موسى ربه أن يسقـيهم، فأتـى بحجر الطور، وهو حجر أبـيض، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه فـيخرج منه اثنتا عشرة عيناً لكلّ سبط منهم عين، قد علـم كلّ أناس مَشْربهم. حتـى إذا خـلت أربعون سنة، وكانت عذابـاً بـما اعتدوا وعصوا، أوحى إلـى موسى أن مرهم أن يسيروا إلـى الأرض الـمقدسة، فإن الله قد كفـاهم عدوّهم، وقل لهم إذا أتوا الـمسجد أن يأتوا البـاب ويسجدوا إذا دخـلوا، ويقولوا حطة. وإنـما قولهم حطة، أن يَحُطّ عنهم خطاياهم. فأبى عامة القوم، وعصوا، وسجدوا علـى خدّهم، وقالوا حنطة، فقال الله جلّ ثناؤه:

{ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ }[البقرة: 59]... إلـى: { بِـمَا كانُوا يَفْسُقُونَ }

وقال آخرون: بل الناصب للأربعين: {يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ}. قالوا: ومعنى الكلام: قال: فإنها مـحرّمة علـيهم أبداً يتـيهون فـي الأرض أربعين سنة. قالوا: ولـم يدخـل مدينة الـجبـارين أحد مـمن قال:

{ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[المائدة: 24]، وذلك أن الله عزّ ذكره حرّمها علـيهم. قالوا: وإنـما دخـلها من أولئك القوم: يوشع وكلاب اللذان قالا لهم: { ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ }[المائدة: 23] وأولاد الذين حرّم الله علـيهم دخولها، فتـيَّهم الله فلـم يدخـلها منهم أحد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا سلـيـمان بن حرب، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة فـي قول الله: {إنهَا مُـحَرَّمَةٌ عَلـيهِمْ} قال: أبداً.

حدثنا ابن بشار قال: سلـيـمان بن حرب قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة فـي قول الله: {يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ} قال: أربعين سنة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا هارون النـحوي، قال: ثنـي الزبـير بن الـخرّيت، عن عكرمة فـي قوله: {فإنَّها مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ} قال: التـحريـم لا منتهى له.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: غضب موسى علـى قومه، فدعا علـيهم، فقال:

{ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي }[المائدة: 25]... الآية، فقال الله جلّ وعزّ: {فإنَّها مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ} فلـما ضرب علـيهم التـيه، ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا يطيعونه، فقال له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فمكثوا فـي التـيه فلـما خرجوا من التـيه، رفع الـمنّ والسلوى، وأكلوا من البقول. والتقـى موسى وعوج، فوثب موسى فـي السماء عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج فقتله. ولـم يبق (أحد) مـمن أبى أن يدخـل قرية الـجبـارين مع موسى إلا مات، ولـم يشهد الفتـح. ثم إن الله لـما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبـياً، فأخبرهم أنه نبـيّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الـجبـارين، فبـايعوه وصدّقوه، فهزم الـجبـارين، واقتـحموا علـيهم يقاتلونهم، فكانت العصابة من بنـي إسرائيـل يجتـمعون علـى عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها.

حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما دعا موسى، قال الله: {فإنَّها مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ} قال: فدخـلوا التـيه، فكلّ من دخـل التـيه مـمن جاوز العشرين سنة مات فـي التـيه. قال: فمات موسى فـي التـيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا فـي تـيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بـمن بقـي معه مدينة الـجبـارين، فـافتتـح يوشع الـمدينة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: {إنَّها مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً} حرمت علـيهم (القرى)، وكانوا لا يهبطون قرية، ولا يقدرون علـى ذلك، إنـما يتبعون الأطواء أربعين سنة. وذكر لنا أن موسى صلى الله عليه وسلم مات فـي الأربعين سنة، وأنه لـم يدخـل بـيت الـمقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي بعض أهل العلـم بـالكتاب الأوّل، قال: لـما فعلت بنو إسرائيـل ما فعلت، من معصيتهم نبـيهم، وهمّهم بكالب ويوشع، إذ أمراهم بدخول مدينة الـجبـارين، وقالا لهم ما قالا، ظهرت عظمة الله بـالغمام علـى نار فـيه الرمز علـى كلّ بنـي إسرائيـل، فقال جلّ ثناؤه لـموسى: إلـى متـى يعصينـي هذا الشعب وإلـى متـى لا يصدّقون بـالآيات كلها التـي وضعت بـينهم؟ أضربهم بـالـموت فأهلكهم، وأجعل لك شعبـاً أشدّ منهم. فقال موسى يسمع أهل الـمِصر الذين أخرجت هذا الشعب بقوّتك من بـينهم، ويقول ساكنو هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله فـي هذا الشعب، فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد، لقالت الأمـم الذين سمعوا بـاسمك: إنـما قتل هذا الشعب من أجل لا يستطيع أن يدخـلهم الأرض التـي خـلق لهم، فقتلهم فـي البرية، ولكن لترتفع أياديك، ويعظم جزاؤك يا ربّ كما كنت تكلـمت وقلت لهم، فإنه طويـل صبرك، كثـيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، وإنك تـحفظ الآبـاء علـى الأبناء وأبناء الأبناء إلـى ثلاثة أجيال وأربعة، فـاغفر أي ربّ آثام هذا الشعب، بكثرة نعمك، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلـى الآن فقال الله جلّ ثناؤه لـموسى صلى الله عليه وسلم: قد غفرت لهم بكلـمتك، ولكن قد أنى لي أنا الله، وقد ملأَتِ الأرضَ مـحمدتـي كلَّها، ألاَّ يرى القوم الذين قد رأوا مـحمدتـي وآياتـي التـي فعلت فـي أرض مصر وفـي القـفـار، سَأَلونـي عشر مرات ولـم يطيعونـي، لا يرون الأرض التـي خَـلَقْتُ لآبـائهم، ولا يراها من أغضبنـي فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي، فإنـي مدخـله الأرض التـي دخـلها، ويراها خَـلَفُه. وكان العمالـيق والكنعانـيون جلوساً فـي الـجبـال، ثم غدوا فـارتـحلوا فـي القـفـار فـي طريق يحرسون، وكلـم الله عزّ وجلّ موسى وهارون، وقال لهما: إلـى متـى توسوس علـيّ هذه الـجماعة جماعة السوء؟ قد سمعت وسوسة بنـي إسرائيـل. وقال: لأفعلنّ بكم كما قلت لكم، ولَتُلْقَـيَنّ جيفكم فـي هذه القـفـار، وحسابكم من بنـي عشرين سنة فما فوق ذلك من أجل أنكم وسوستـم علـيّ، فلا تدخـلوا الأرض التـي دفعت إلـيها، ولا ينزل فـيها أحد منكم غير كالب بن يوقنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتـم الغنـيـمة. وأما بنوكم الـيوم الذين لـم يعلـموا ما بـين الـخير والشرّ، فإنهم يدخـلون الأرض، وإنـي بهم عارف لهم الأرض التـي أردت لهم وتسقط جيفكم فـي هذه القـفـار، وتتـيهون فـي هذه القـفـار علـى حساب الأيام التـي جسستـم الأرض أربعين يوماً مكان كلّ يوم سنة وتُقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلـمون أنكم وسوستـم: قد أنى لي أنا الله فـاعل بهذه الـجماعة، جماعة بنـي إسرائيـل، الذين وُعِدوا بأن يُتـيَّهوا فـي القـفـار، فـيها يـموتون فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم يتـجسسون الأرض، ثم حرِّشوا الـجماعة، فأفشوا فـيهم خبر الشرّ، فماتوا كلهم بغتة، وعاش يوشع وكالب بن يوقنا من الرهط الذين انطلقوا يتـحسسون الأرض. فلـما قال موسى علـيه السلام هذا الكلام كله لبنـي إسرائيـل، حزن الشعب حزناً شديداً، وغدوا فـارتفعوا علـى رأس الـجبل، وقالوا: نرتقـي الأرض التـي قال جل ثناؤه من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لـم تَعْتَدُون فـي كلام الله من أجل ذلك، لا يصلـح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أن الله لـيس معكم، فـالآن تنكسرون من قدام أعدائكم من أجل العمالقة والكنعانـيـين أمامكم، فلا تقعوا فـي الـحرب من أجل أنكم انقلبتـم علـى الله فلـم يكن الله معكم فأخذوا يرقون فـي الـجبل، ولـم يبرح التابوت الذي فـيه مواثـيق الله جلّ ذكره وموسى من الـمـحلة يعنـي من الـحكمة، حتـى هبط العمالـيق والكنعانـيون فـي ذلك الـحائط، فحرّقوهم وطردوهم وقتلوهم. فتـيّههم الله عزّ ذكره فـي التـيه أربعين سنة بـالـمعصية، حتـى هلك من كان استوجب الـمعصية من الله فـي ذلك. قال: فلـما شبّ النواشيء من ذراريهم، وهلك آبـاؤهم، وانقضت الأربعون سنة التـي تتـيهوا فـيها وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، وكان فـيـما يزعمون علـى مريـم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهراً قدم يوشع بن نون إلـى أريحاء فـي بنـي إسرائيـل، فدخـلها بهم، وقتل الـجبـابرة الذين كانوا فـيها، ثم دخـلها موسى ببنـي إسرائيـل، فأقام فـيها ما شاء الله أن يقـيـم، ثم قبضه الله إلـيه لا يعلـم قبره أحد من الـخلائق.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: إن الأربعين منصوبة بـالتـحريـم، وإن قوله: {مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً} معنـيّ به جميع قوم موسى لا بعض دون بعض منهم لأن الله عزّ ذكره عمّ بذلك القوم، ولـم يخصص منهم بعضاً دون بعض. وقد وفـى الله بـما وعدهم به من العقوبة، فتـيههم أربعين سنة، وحرّم علـى جميعهم فـي الأربعين سنة التـي مكثوا فـيها تائهين دخول الأرض الـمقدسة، فلـم يدخـلها منهم أحد، لا صغير ولا كبـير ولا صالـح ولا طالـح، حتـى انقضت السنون التـي حرّم الله عزّ وجلّ علـيهم فـيها دخولها. ثم أذن لـمن بقـي منهم وذراريهم بدخولها مع نبـيّ الله موسى، والرجلـين اللذين أنعم الله علـيهما. وافتتـح قرية الـجبـارين إن شاء الله نبـيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم وعلـى مقدمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلـم بأخبـار الأوّلـين أن عوج بن عنق قتله موسى صلى الله عليه وسلم، فلو كان قتله إياه قبل مصيره فـي التـيه وهو من أعظم الـجبـارين خـلقاً لـم تكن بنو إسرائيـل تـجزع من الـجبـارين الـجزع الذي ظهر منها، ولكن ذلك كان إن شاء الله بعد فناء الأمة التـي جزعت وعصت ربها وأبت الدخول علـى الـجبـارين مدينتهم. وبعد: فإن أهل العلـم بأخبـار الأوّلـين مـجمعون علـى أن بعـلم بن بـاعوراء كان مـمن أعان الـجبـارين بـالدعاء علـى موسى ومـحال أن يكون ذلك كان وقوم موسى مـمتنعون من حربهم وجهادهم، لأن الـمعونة إنـما يحتاج إلـيها من كان مطلوبـاً، فأما ولا طالب فلا وجه للـحاجة إلـيها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن نوف، قال: كان سرير عوج ثمانـمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع ووثب فـي السماء عشرة أذرع، فضرب عوجاً فأصاب كعبه، فسقط ميتاً، فكان جسراً للناس يـمرّون علـيه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا قـيس، عن أبـي إسحاق، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع ووثبته عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع، فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسراً لأهل النـيـل سنة.

ومعنى: {يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ}: يحارون فـيها ويضلون، ومن ذلك قـيـل للرجل الضالّ عن سبـيـل الـحقّ تائه. وكان تـيههم ذلك أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كلّ سنة يوم جادّين فـي قدر سته فراسخ للـخروج منه، فـيـمسون فـي الـموضع الذي ابتدءوا السير منه.

حدثنـي بذلك الـمثنى، قال: ثناإسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: تاهت بنو إسرائيـل أربعين سنة، يُصْبحون حيث أمسوا، ويـمسون حيث أصبحوا فـي تـيههم.

القول فـي تأويـل قوله: {فَلا تَأْسَ علـى القَوْمِ الفـاسِقِـينَ}.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {فَلاَ تَأْسَ}: فلا تـحزن، يقال منه: أَسِيَ فلان علـى كذا يَأْسَى أَسًى، وقد أسيت من كذا: أي حزنت، ومنه قول امرىء القـيس:

وُقُوفـاً بِها صَحْبِـي علـيَّ مَطِيُّهُمْ يقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَـجَمَّلِ

يعنـي: لا تهلك حزناً.

وبـالذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: فَلا تَأْسَ يقول: فلا تـحزن.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَلا تَأْسَ علـى القَوْمِ الفـاسِقـينَ} قال: لـما ضرب علـيهم التـيه، ندم موسى صلى الله عليه وسلم. فلـما ندم أوحى الله إلـيه: {فَلا تَأْسَ عَلَـى القَوْمِ الفـاسِقِـينَ}: لا تـحزن علـى القوم الذين سميتهُم فـاسقـين.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ