انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 34–41

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 27–40في هذه الصفحة 13:36
  2. 2 الآيات 41–50في هذه الصفحة 16:23

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٤

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: إلاَّ الذين تابوا من شركهم ومناصبتهم الـحرب لله ولرسوله، والسعي فـي الأرض بـالفساد بـالإسلام، والدخول فـي الإيـمان من قبل قدرة الـمؤمنـين علـيهم، فإنه لا سبـيـل للـمؤمنـين علـيهم بشيء من العقوبـات التـي جعلها الله جزاء لـمن حاربه ورسوله وسعى فـي الأرض فساداً، من قَتْل، أو صَلْب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفـي من الأرض، فلا تِبـاعة قِبَله لأحد فـيـما كان أصاب فـي حال كفره وحربه الـمؤمنـين فـي مال ولا دم ولا حرمة قالوا: فأما الـمسلـم إذا حارب الـمسلـمين أو الـمعاهدين وأتـى بعض ما يجب علـيه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبة ذنبه، بل توبته فـيـما بـينه وبـين الله، وعلـى الإمام إقامة الـحدّ الذي أوجبه الله علـيه وأخذه بحقوق الناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة والـحسن البصريّ، قالا: قوله:

{ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ }[المائدة: 33]... إلـى قوله: {فـاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ} نزلت هذه الآية فـي الـمشركين، فمن تاب منهم من قبل أن يُقْدَر علـيه لـم يكن علـيه سبـيـل، ولـيس تـحرز هذه الآية الرجل الـمسلـم من الـحدّ إن قتل أو أفسد فـي الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لـحق بـالكفـار قبل أن يُقْدَر علـيه، ذلك يقام علـيه الـحدّ الذي أصاب.

حدثنا بشار، قال: ثنا روح بن عبـادة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَـيْهِمْ فـاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيـمٌ} قال: هذا لأهل الشرك إذا فعلوا شيئاً فـي شركهم، فإن الله غفور رحيـم إذا تابوا وأسلـموا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:

{ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً }[المائدة: 33] بـالزنا، والسرقة وقتل النفس، وإهلاك الـحرث والنسل {إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَـيْهِمْ} علـى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: كان قوم بـينهم وبـين الرسول صلى الله عليه وسلم ميثاق، فنقضوا العهد وقطعوا السبـيـل وأفسدوا فـي الأرض، فخير الله نبـيه صلى الله عليه وسلم فـيهم، فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فمن تاب من قبل أن تقدروا علـيه قُبِل ذلك منه.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّـمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ...} الآية، فذكر نـحو قول الضحاك، إلاَّ أنه قال: فإن جاء تائبـاً فدخـل فـي الإسلام قُبِل منه ولـم يؤاخذ بـما سلف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إلاَّ الَّذِينَ تابوامِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَـيْهِمْ} قال: هذا لأهل الشرك إذا فعلوا شيئاً من هذا فـي شركهم ثم تابوا وأسلـموا، فإن الله غفور رحيـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن عطاء الـخراسانـي وقتادة، أما قوله: {إلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَـيْهِمْ} فهذه لأهل الشرك، فمن أصاب من الـمشركين شيئاً من الـمسلـمين وهو لهم حرب، فأخذ مالاً أو أصاب دماً ثم تاب قبل أن تقدروا علـيه، أُهدر عنه ما مضى.

وقال آخرون: بل هذه الآية معنـيٌّ بـالـحكم بها الـمـحاربون الله ورسوله الـحُرَّابُ من أهل الإسلام، من قطع منهم الطريق وهو مقـيـم علـى إسلامه، ثم استأمن فأومن علـى جناياته التـي جناها وهو للـمسلـمين حرب. ومن فعل ذلك منهم مرتدّاً عن الإسلام ثم لـحق بدار الـحرب، ثم استأمن فأومن قالوا: فإذا أمنه الإمام علـى جناياته التـي سلفت لـم يكن قبله لأحد تبعة فـي دم ولا مال أصابه قبل توبته وقبل أمان الإمام إياه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد، قال: أخبرنـي أبو أسامة عن أشعث بن سوار، عن عامر الشعبـي: أن حارثة بن بدر خرج مـحاربـاً، فأخاف السبـيـل، وسفك الدم، وأخذ الأموال، ثم جاء تائبـاً من قبل أن يُقدر علـيه، فقبل علـيّ بن أبـي طالب علـيه السلام توبته، وجعل له أماناً منشوراً علـى ما كان أصاب من دم أو مال.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن مـجالد، عن الشعبـيّ: أن حارثة بن بدر حارب فـي عهد علـيّ بن أبـي طالب، فأتـى الـحسن بن علـيّ رضوان الله علـيهما، فطلب إلـيه أن يستأمن له من علـيّ، فأبى. ثم أتـى ابن جعفر، فأبى علـيه. فأتـى سعيد بن قـيس الهمدانـي فأمنه، وضمه إلـيه، وقال له: استأمن إلـى أمير الـمؤمنـين علـيّ بن أبـي طالب قال: فلـما صلَّـى علـيّ الغداة، أتاه سعيد بن قـيس، فقال: يا أمير الـمؤمنـين، ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله؟ قال: أن يقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. قال: ثم قال: إلاَّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا علـيهم. قال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: وإن كان حارثة بن بدر قال: فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائبـاً فهو آمن؟ قال: نعم. قال: فجاء به فبـايعه، وقَبِل ذلك منه، وكتب له أماناً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغرْاء، عن مـجالد، عن الشعبـيّ، قال: كان حارثة بن بدر قد أفسد فـي الأرض وحارب ثم تاب، وكُلّـم له علـيّ فلـم يؤمنه. فأتـى سعيد بن قـيس فكلـمه، فـانطلق سعيد بن قـيس إلـى علـيّ، فقال: يا أمير الـمؤمنـين، ما تقول فـيـمن حارب الله ورسوله؟ فقرأ الآية كلها، فقال: أرأيت من تاب من قبل أن تقدر علـيه؟ قال: أقول كما قال الله. قال: فإنه حارثة بن بدر. قال: فأمنه علـيّ، فقال حارثة:

ألا أبْلِغَنْ همَدانَ إمَّا لَقـيتَهاعلـى النَّأْيِ لا يسْلَـمْ عدُوٌّ يَعيبُها لعَمْرُ أبـيها إنَّ هَمْدَانَ تَتَّقِـي الإِ لَه ويَقْضِي بـالكِتابِ خَطِيبُها

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {إلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَـيْهِمْ} وتوبته من قبل أن يقدر علـيه أن يكتب إلـى الإمام يستأمنه علـى ما قتل وأفسد فـي الأرض: فإن لـم يومنـي علـى ذلك ازددت فساداً وقتلاً وأخذا الأموال أكثر مـما فعلت ذلك قبل. فعلـى الإمام من الـحقّ أن يؤمنه علـى ذلك، فإذا أمنه الإمام جاء حتـى يضع يده فـي يد الإمام. فلـيس لأحد من الناس أن يتبعه ولا يأخذه بدم سفكه ولا مال أخذه، وكلّ مال كان له فهو له، لكيلا يقتل الـمؤمنـين أيضاً ويفسده. فإذا رجع إلـى الله جلّ وعزّ فهو ولـيه يأخذه بـما صنع. وتوبته فـيـما بـينه وبـين الإمام والناس، فإذا أخذه الإمام وقد تاب فـيـما يزعم إلـى الله جلّ ثناؤه قبل أن يؤمنه الإمام فلـيقم علـيه الـحدّ.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، عن سعيد بن عبد العزيز، أخبرنـي مكحول، أنه قال: إذا أعطاه الإمام أماناً، فهو آمن ولا يقام علـيه الـحدّ ما كان أَّصاب.

وقال آخرون: معنى ذلك: كلّ من جاء تائبـاً من الـحراب قبل القدرة علـيه، استأمن الإمام فأمنه أو لـم يستأمنه بعد أن يجيء مستسلـماً تاركاً للـحرب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن أشعث، عن عامر، قال: جاء رجل من مراد إلـى أبـي موسى وهو علـى الكوفة فـي إمرة عثمان بعد ما صلـى الـمكتوبة، فقال: يا أبـا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان ابن فلان الـمرادي، كنت حاربت الله ورسوله وسعيت فـي الأرض، وإنـي تبت من قبل أن يُقْدَر علـيّ. فقام أبو موسى فقال: هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى فـي الأرض فساداً، وإنه تاب قبل أن يقدر علـيه، فمن لقـيه فلا يعرض له إلاَّ بخير. فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج، فأدركه الله بذنوبه فقتله.

حدثنـي الـحارث بن مـحمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن إسماعيـل السديّ، عن الشعبـيّ قال: جاء رجل إلـى أبـي موسى، فذكر نـحوه.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، قال: قلت لـمالك: أرأيت هذا الـمـحارب الذي قد أخاف السبـيـل وأصاب الدم والـمال، فلـحق بدار الـحرب أو تـمنّع فـي بلاد الإسلام، ثم جاء تائبـاً من قبل أن يُقْدَر علـيه؟ قال: تقبل توبته. قال: قلت: فلا يتّبع بشيء من أحداثه؟ قال: لا، إلاَّ أن يوجد معه مال بعينه فـيردّ إلـى صاحبه، أو يطلبه ولـيّ من قتل بدم فـي حربه يثبت ببـينة أو اعتراف فـيقاد به وأما الدماء التـي أصابها ولـم يطلبها أولـياؤها فلا يتبعه الإمام بشيء. قال علـيّ: قال الولـيد: فذكرت ذلك لأبـي عمرو، فقال: تقبل توبته إذا كان مـحاربـاً للعامة والأئمة قد آذاهم بحربه فشهر سلاحه وأصاب الدماء والأموال، فكانت له منعة أو فئة يـلـجأ إلـيهم، أو لـحق بدار الـحرب فـارتدّ عن الإسلام، أو كان مقـيـماً علـيه ثم جاء تائبـاً من قبل أن يُقْدَر علـيه، قُبِلت توبته ولـم يُتّبع بشيء منه.

حدثنـي علـي، قال: ثنا الولـيد، قال: قال أبو عمرو: سمعت ابن شهاب الزهري يقول ذلك.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد، قال: فذكرت قول أبـي عمرو ومالك للـيث بن سعد فـي هذه الـمسألة، فقال: إذا أعلن بـالـمـحاربة للعامة والأئمة وأصاب الدماء والأموال، فـامتنع بـمـحاربته من الـحكومة علـيه، أو لـحق بدار الـحرب ثم جاء تائبـاً من قبل أن يُقْدَر علـيه، قُبلت توبته ولـم يتبع بشيء من أحداثه فـي حربه من دم خاصة ولا عامة وإن طلبه ولـيه.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا الولـيد، قال: قال اللـيث: وكذلك ثنـي موسى بن إسحاق الـمدنـيّ، وهو الأمير عندنا: أن علـياً الأسدي حارب وأخاف السبـيـل وأصاب الدم والـمال، فطلبته الأئمة والعامة، فـامتنع ولـم يُقْدَر علـيه، حتـى جاء تائبـاً وذلك أنه سمع رجلاً يقرأ هذه الآية:

{ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ }[الزمر: 53] الآية، فوقـف علـيه فقال: يا عبد الله، أعد قراءتها فأعادها علـيه. فغمد سيفه، ثم جاء تائبـاً، حتـى قدم الـمدينة من السَّحَر، فـاغتسل، ثم أتـى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلَّـى الصبح، ثم قعد إلـى أبـي هريرة فـي غمار أصحابه فلـما أسفر عرفه الناس وقاموا إلـيه، فقال: لا سبـيـل لكم علـيّ، جئت تائبـاً من قبل أن تقدروا علـيّ فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بـيده أبو هريرة حتـى أتى مروان بن الـحكم فـي إمرته علـى الـمدينة فـي زمن معاوية، فقال: هذا علـيّ جاء تائبـاً ولا سبـيـل لكم علـيه ولا قتل. قال: فتُرك من ذلك كله. قال: وخرج علـيٌّ تائبـاً مـجاهداً فـي سبـيـل الله فـي البحر، فلقُوا الروم، فقرّبوا سفـينته إلـى سفـينة من سفنهم، فـاقتـحم علـى الروم فـي سفـينتهم، فهُزموا منه إلـى سفـينتهم الأخرى، فمالت بهم وبه فغرقوا جميعاً.

حدثنـي أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا مُطَرِّف بن مَعْقل، قال: سمعت عطاء قال فـي رجل سرق سرقة فجاء بها تائبـاً من غير أن يؤخذ: فهل علـيه حدّ؟ قال: لا، ثم قال: {إلاَّ الَّذِينَ تابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَـيْهِمْ}... الآية.

حدثنا ابن البرقـي، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: ثنـي أبو صخرة، عن مـحمد بن كعب القرظي، وعن أبـي معاوية، عن سعيد بن جبـير، قالا: إن جاء تائبـاً لـم يقتطع مالاً ولـم يسفك دماً تُرك، فذلك الذي قال الله: {إلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَـيْهِمْ} يعنـي بذلك: أنه لـم يسفك دماً ولـم يقتطع مالاً.

وقال آخرون: بل عنى بـالاستثناء فـي ذلك التائبَ من حربه الله ورسوله والسعي فـي الأرض فساداً، بعد لـحاقه فـي حربه بدار الكفر فأما إذا كانت حرابته وحربه وهو مقـيـم فـي دار الإسلام وداخـل فـي غمار الأمة، فلـيست توبته واضعة عنه شيئاً من حدود الله ولا من حقوق الـمسلـمين والـمعاهدين، بل يؤخذ بذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، قال: أخبرنـي إسماعيـل، عن هشام بن عروة: أنه أخبره أنهم سألوا عروة عمن تلصص فـي الإسلام فأصاب حدوداً ثم جاء تائبـاً، فقال: لا تقبل توبته، لو قُبِل ذلك منهم اجترءوا علـيه وكان فساداً كبـيراً، ولكن لو فرّ إلـى العدو ثم جاء تائبـاً، لـم أر علـيه عقوبة.

وقد رُوي عن عروة خلاف هذا القول، وهو ما:

حدثنـي به علـيّ، قال: ثنا الولـيد، قال: أخبرنـي من سمع هشام بن عروة، عن عروة قال: يقام علـيه حدّ ما فرّ منه، ولا يجوز لأحد فـيه أمان يعنـي: الذي يصيب حدًّا ثم يفرّ فـيـلـحق الكفـار، ثم يجيء تائبـاً.

وقال آخرون: إن كانت حرابته وحربه فـي دار الإسلام، وهو فـي غير منعة من فئة يـلـجأ إلـيها، ثم جاء تائبـاً قبل القدرة علـيه، فإن توبته لا تضع عنه شيئاً من العقوبة ولا من حقوق الناس. وإن كانت حرابته وحربه فـي دار الإسلام أو هو لاحق بدار الكفر، غير أنه فـي كل ذلك كان يـلـجأ إلـى فئة تـمنعه مـمن أراده من سلطان الـمسلـمين، ثم جاء تائبـاً قبل القدرة علـيه، فإن توبته تضع عنه كلّ ما كان من أحداثه فـي أيام حرابته تلك، إلاَّ أن يكون أصاب حدًّا أو أمر الرُّفقة بـما فـيه عقوبة أو غُرْم لـمسلـم أو معاهد، وهو غير ملتـجىء إلـى فئة تـمنعه، فإنه يؤخذ بـما أصاب من ذلك وهو كذلك، ولا يضع ذلك عنه توبته. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد، قال: قال أبو عمرو: إذا قطع الطريق لصّ أو جماعة من اللصوص، فأصابوا ما أصابوا من الدماء والأموال ولـم يكن لهم فئة يـلـجؤون إلـيها ولا منعة ولا يأمنون إلاَّ بـالدخول فـي غمار أمتهم وسواد عامتهم، ثم جاء تائبـاً من قبل أن يُقْدر علـيه، لـم تُقبل توبته وأقـيـم علـيه حدّه ما كان.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا الولـيد، قال: ذكرت لأبـي عمرو قول عروة: يقام علـيه حدّ ما فرّ منه، ولا يجوز لأحد فـيه أمان. فقال أبو عمرو: إن فرّ من حدثه فـي دار الإسلام فأعطاه إمام أماناً، لـم يجز أمانه. وإن هو لـحق بدار الـحرب، ثم سأل إماماً علـى أحداثه، لـم ينبغ للإمام أن يعطيه أماناً، وإن أعطاه الإمام أماناً وهو غير عالـم بأحداثه، فهو آمن، وإن جاء أحد يطلبه بدم أو مال، رُدّ إلـى مأمنه، فإن أبى أن يرجع فهو آمن، ولا يتعرّض له. قال: وإن أعطاه أماناً علـى أحداثه وهو يعرفها، فـالإمام ضامن واجب علـيه عَقْل ما كان أصاب من دم أو مال، وكان فـيـما عطَّل من تلك الـحدود والدماء آثماً، وأمره إلـى الله جلّ وعزّ. قال: وقال أبو عمرو: فإذا أصاب ذلك وكانت له منعة أو فئة يـلـجأ إلـيها، أو لـحق بدار الـحربِ فـارتدّ عن الإسلام، أو كان مقـيـماً علـيه ثم جاء تائبـاً من قبل أن يُقْدَر علـيه، قُبِلت توبته، ولـم يُتَّبع بشيء من أحداثه التـي أصابها فـي حربه، إلاَّ أن يوجد معه شيء قائم بعينه فـيردّ إلـى صاحبه.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا الولـيد، قال: أخبرنـي ابن لهيعة، عن ربـيعة، قال: تقبل توبته، ولا يتبع بشيء من أحداثه فـي حربه إلاَّ أن يطلبه أحد بدم كان أصابه فـي سلـمه قبل حربه فإنه يُقاد به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا معمر الرَّقِّـي، قال: ثنا الـحجاج، عن الـحكم بن عتـيبة، قال: قاتل الله الـحجاج إن كان لـيفقه أمّن رجلاً من مـحاربته، فقال: انظروا هل أصاب شيئاً قبل خروجه؟

وقال آخرون تضع توبته عنه حدّ الله الذي وجب علـيه بـمـحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بنـي آدم. ومـمن قال ذلك الشافعي، حدثنا بذلك عنه الربـيع.

وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي قول من قال: توبة الـمـحارب الـمـمتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القدرة علـيه، تضع عنه تبعات الدنـيا التـي كانت لزمته فـي أيام حربه وحِرابته من حدود الله، وغرم لازم وقَوَد وقِصاص، إلاَّ ما كان قائماً فـي يده من أموال الـمسلـمين والـمعاهدين بعينه، فـيردّ علـى أهله لإجماع الـجميع علـى أن ذلك حكم الـجماعة الـمـمتنعة الـمـحاربة لله ولرسوله الساعية فـي الأرض فساداً علـى وجه الردّة عن الإسلام، فكذلك حكم كلّ مـمتنع سعى فـي الأرض فساداً، جماعة كانوا أو واحداً، فأما الـمستـخفـي بسرقته والـمتلصص علـى وجه إغفـال من سرقه، والشاهر السلاح فـي خلاء علـى بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر علـى الامتناع، فإن حكم الله علـيه تاب أو لـم يتب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب ولـيه بدم أو خَتْل مأخوذ، وتوبته فـيـما بـينه وبـين الله قـياساً علـى إجماع الـجميع علـى أنه لو أصاب شيئاً من ذلك وهو للـمسلـمين سِلْـم ثم صار لهم حربـاً، أن حربه إياهم لن يضع عنه حقاً لله عزّ ذكره ولا لآدميّ، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك فـي خلاء أو بـاستـخفـاء وهو غير مـمتنع من السلطان بنفسه إن أراده ولا له فئة يلجأ إليها مانعة منه وفي قوله {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} دليل واضح لمن وفق لفهمه أن الحكم الذي ذكره الله في المحاربين يجري في المسلمين والمعاهدين دون المشركين الذين قد نصبوا للمسلمين حرباً وذلك أن ذلك لو كان حكماً فـي أهل الـحرب من الـمشركين دون الـمسلـمين ودون ذمتهم لوجب أن لا يسقط إسلامهم عنهم إذا أسلـموا أو تابوا بعد قدرتنا علـيهم ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل وما للـمسلـمين فـي أهل الـحرب من الـمشركين. وفـي إجماع الـمسلـمين أن إسلام المشرك الـحربـي يضع عنه بعد قدرة الـمسلـمين علـيه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل القدرة علـيه، ما يدلّ علـى أن الصحيح من القول فـي ذلك قول من قال: عنـي بآية الـمـحاربـين فـي هذا الـموضع: حُرَّاب أهل الإسلام أو الذمة دون من سواهم من مشركي أهل الـحرب.

وأما قوله: {فـاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيـمٌ} فإن معناه: فـاعلـموا أيها الـمؤمنون أن الله غير مؤاخذ من تاب من أهل الـحرب لله ولرسوله الساعين فـي الأرض فساداً وغيرهم بذنوبه، ولكنه يعفو عنه فـيسترها علـيه ولا يفضحه بها بـالعقوبة فـي الدنـيا والآخرة، رحيـم به فـي عفوه عنه وتركه عقوبته علـيها.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٣٥

يعنـي جلّ ثناؤه بذلك: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فـيـما أخبرهم ووعدهم من الثواب، وأوعد من العقاب {اتَّقُوا اللّهَ} يقول: أجيبوا الله فـيـما أمركم ونهاكم بـالطاعة له فـي ذلك، وحققوا إيـمانكم وتصديقكم ربكم ونبـيكم بـالصالـح من أعمالكم. {وَابْتَغُوا إلَـيْهِ الوَسِيـلَةَ} يقول: واطلبوا القربة إلـيه بـالعمل بـما يرضيه. والوسيـلة: هي الفعلـية من قول القائل: توسلت إلـى فلان بكذا، بـمعنى: تقرّبت إلـيه، ومنه قول عنترة:

إنَّ الرِّجالَ لهُمْ إلَـيْكِ وَسِيـلَةٌ أنْ يأْخُذُوكِ تَكَحَّلِـي وتَـخَضَّبِـي

يعنـي بـالوسيـلة: القُرْبة. ومنه قول الآخر:

إذا غَفَلَ الوَاشُونَ عُدْنا لِوَصْلِناوَعادَ التَّصَافِـي بَـيْنَنا وَالوَسائِلُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان (ح)، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن الـحبـاب، عن سفـيان، عن منصور، عن أبـي وائل: {وَابْتَغُوا إلَـيْهِ الوَسِيـلةَ} قال: القربة فـي الأعمال.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع (ح)، وحدثنا سفـيان، قال: ثنا أبـي، عن طلـحة، عن عطاء: {وَابْتَغُوا إلَـيْهِ الوَسِيـلَةَ} قال: القُربة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إلَـيْهِ الوَسِيـلَةَ} قال: هي الـمسألة والقربة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَابْتَغُواإلَـيْهِ الوَسِيـلَةَ}: أي تقرّبوا إلـيه بطاعته والعمل بـما يرضيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَابْتَغُوا إلَـيْهِ الوَسِيـلَةَ}: القربة إلـى الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن فـي قوله: {وَابْتَغُوا إلَـيْهِ الوَسِيـلَةَ} قال: القربة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، قوله: {وَابْتَغُوا إلَـيْهِ الوَسِيـلَةَ} قال: القربة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَابْتَغُوا إلَـيْهِ الوَسِيـلَةَ} قال: الـمـحبة، تـحببوا إلـى الله. وقرأ:

{ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ }

[الإسراء: 57]. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَجاهِدُوا فِـي سَبِـيـلِهِ لَعَلكُمْ تُفْلِـحُونَ}.

يقول جلّ ثناؤه للـمؤمنـين به وبرسوله: وجاهدوا أيها الـمؤمنون أعدائي وأعداءكم فـي سبـيـلـي، يعنـي: فـي دينه وشريعته التـي شرعها لعبـاده، وهي الإسلام، يقول: أتعبوا أنفسكم فـي قتالهم وحملهم علـى الدخول فـي الـحنـيفـية الـمسلـمة {لَعَلَّكُمْ تُفْلِـحُونَ} يقول: كيـما تنـجحوا فتدركوا البقاء الدائم، والـخـلود فـي جنانه. وقد دللنا علـى معنى الفلاح فـيـما مضى بشواهده بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٣٦

يقول عزّ ذكره: إن الذين جحدوا ربوبـية ربهم وعبدوا غيره من بنـي إسرائيـل الذين عبدوا العجل ومن غيرهم الذين عبدوا الأوثان والأصنام، وهلكوا علـى ذلك قبل التوبة، لو أنّ لهم ملك ما فـي الأرض كلها وضِعفه معه لـيفتدوا به من عقاب الله إياهم علـى تركهم أمره وعبـادتهم غيره يوم القـيامة، فـافتدوا بذلك كله ما تقبل الله منهم ذلك فداء وعوضاً من عذابهم وعقابهم، بل هو معذّبهم فـي حميـم يوم القـيامة عذابـاً موجعاً لهم. وإنـما هذا إعلام من الله جلّ ثناؤه للـيهود الذين كانوا بـين ظهرانَـيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم وغيرهم من سائر الـمشركين به سواء عنده فـيـما لهم من العذاب الألـيـم والعقاب العظيـم، وذلك أنهم كان يقولون: {لَنْ تَـمَسَّنا النَّارُ إلاَّ أيَّاماً مَعْدُودَةً} واغتراراً بـالله وكذبـاً علـيه. فكذبهم تعالـى ذكره بهذه الآية وبـالتـي بعدها، وحسم طمعهم، فقال لهم ولـجميع الكفرة به وبرسوله:{إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهُمْ ما فِـي الأرْضِ جَميعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِـيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القِـيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلهُمْ عَذَابٌ مُقِـيـمٌ} يقول لهم جل ثناؤه: فلا تطمعوا أيها الكفرة فـي قبول الفدية منكم ولا فـي خروجكم من النار بوسائل آبـائكم عندي بعد دخولكموها إن أنتـم متـم علـى كفركم الذي أنتـم علـيه، ولكن توبوا إلـى الله توبة نَصُوحاً.

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٣٧

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {يُرِيدُونَ أنْ يَخْرَجُوا مِنَ النَّارِ} يريد: هؤلاء الذين كفروا بربهم يوم القـيامة أن يخرجوا من النار بعد دخولها، {وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلهُمْ عَذَابٌ مُقِـيـمٌ} يقول: لهم عذاب دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبداً، كما قال الشاعر:

فإنَّ لكمْ بِـيَوْمِ الشِّعْبِ مِنِّـيعَذَابـاً دائماً لَكُمُ مُقِـيـمَا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحوّي، عن عكرمة، أن نافع بن الأزرق قال لابن عبـاس: يا أعمى البصر، أعمى القلب، تزعم أن قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله جلّ وعزّ: {وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها}؟ فقال ابن عبـاس: ويحك، اقرأ ما فوقها هذه للكفـار.

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٣٨

يقول جلّ ثناؤه: ومن سرق من رجل أو امرأة، فـاقطعوا أيها الناس يده. ولذلك رفع السارق والسارقة، لأنهما غير معينـين، ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان وجه الكلام النصب. وقد رُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: «والسارقو ن والسارقات».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيـم، قال: فـي قراءتنا قال: وربـما قال فـي قراءة عبد الله: «والسارقون والسارقات فـاقطعوا أيـمانهما».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن عون، عن إبراهيـم: فـي قراءتنا: «والسارقون والسارقات فـاقطعوا أيـمانهما».

وفـي ذلك دلـيـل علـى صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فـيه، وأن السارق والسارقة مرفوعان بفعلهما علـى ما وصفت للعلل التـي وصفت. وقال تعالـى ذكره: {فـاقْطَعُوا أيْدِيَهُما} والـمعنى أيديهما الـيـمنى كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فـاقْطَعُوا أيْدِيَهُما}: الـيـمنى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن جابر، عن عامر، قال: فـي قراءة عبد الله: «والسارق والسارقة فـاقطعوا أيـمانهما».

ثم اختلفوا فـي السارق الذي عناه الله، فقال بعضهم: عنـي بذلك سارق ثلاثة دراهم فصاعداً وذلك قول جماعة من أهل الـمدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتـجوا لقولهم ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قطع فـي مـجنّ قـيـمته ثلاثة دراهم».

وقال آخرون: بل عنى بذلك: سارق ربع دينار أو قـيـمته. ومـمن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله. واحتـجوا لقولهم ذلك بـالـخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

القَطْعُ فـي رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِداً

وقال آخرون: بل عنـي بذلك سارق عشرة دراهم فصاعداً. ومـمن قال ذلك أبو حنـيفة وأصحابه. واحتـجوا فـي ذلك بـالـخبر الذي رُوي عن عبد الله بن عمر وابن عبـاس، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم «قطع فـي مـجنّ قـيـمته عشرة دراهم».

وقال آخرون: بل عنـي بذلك سارق القلـيـل والكثـير. واحتـجوا فـي ذلك بأن الآية علـى الظاهر، وأنه لـيس لأحد أن يخصّ منها شيئاً إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها. وقالوا: لـم يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بأن ذلك فـي خاصّ من السُّرَّاق. قالوا: والأخبـار فـيـما قَطَع فـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربة مختلفة، ولـم يرو عنه أحد أنه أُتِـي بسارق درهم فخـلَّـى عنه، وإنـما رووا عنه أنه قطع فـي مـجنّ قـيـمته ثلاثة دراهم. قالوا: ومـمكن أن يكون لو أتـى بسارق ما قـيـمته دانق أن يقطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبـير فـي درهم. ورُوي عن ابن عبـاس أنه قال: الآية علـى العموم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، عن نـجدة الـحنفـي، قال: سألت ابن عبـاس عن قوله: {وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ} أخاصّ أم عامّ؟ فقال: بل عامّ.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا قول من قال: الآية معنـيّ بها خاصّ من السراق، وهو سراق ربع دينار فصاعداً أو قـيـمته، لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

القَطْعُ فـي رُبعِ دِينَارٍ فصَاعِداً. وقد استقصيت ذكر أقوال الـمختلفـين فـي ذلك مع عللهم التـي اعتلوا بها لأقوالهم، والتلـميح عن أوْلاها بـالصواب بشواهده فـي كتابنا كتاب السرقة، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك فـي هذا الـموضع. وقوله: {جَزَاءً بِـمَا كَسَبـا نَكالاً مِنَ اللّهِ} يقول: مكافأة لهما علـى سرقتهما وعملهما فـي التلصص بـمعصية الله. {نَكَالاً مِنَ الله} يقول: عقوبة من الله علـى لصوصيتهما. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فـاقْطَعُوا أيدِيَهُما جَزَاءً بِـمَا كَسَبـا نِكالاً مِنَ اللّهِ وَالله عَزَيزٌ حَكيـمٌ}: لا تَرْثُوا لهم أن تقـيـموا فـيهم الـحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمر قطُّ إلاَّ وهو صلاح، ولا نهى عن أمر قطُّ إلاَّ وهو فساد.

وكان عمر بن الـخطاب يقول: اشتدّوا علـى السُّراق فـاقطعوهم يداً يداً ورِجلاً رجلاً. وقوله: {وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكيـمٌ} يقول جلّ ثناؤه: والله عزيز فـي انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه، حكيـم فـي حكمه فـيهم وقضائه علـيهم. يقول: فلا تفرطوا إيها الـمؤمنون فـي إقامة حكمي علـى السراق وغيرهم من أهل الـجرائم الذين أوجبت علـيهم حدوداً فـي الدنـيا عقوبة لهم، فإنـي بحكمي قضيت ذلك علـيهم، وعلـمي بصلاح ذلك لهم ولكم.

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٩

يقول جلّ ثناؤه {فمَنْ تَابَ} من هؤلاء السرّاق، يقول: من رجع منهم عما يكرهه الله من معصيته إياه إلـى ما يرضاه من طاعته من بعد ظلـمه وظلـمُه: هو اعتداؤه وعمله ما نهاه الله عنه من سرقة أموال الناس. يقول: وأصلـح نفسه بحملها علـى مكروهها فـي طاعة الله والتوبة إلـيه مـما كان علـيه من معصيته. وكان مـجاهد فـيـما ذكر لنا يقول: توبته فـي هذا الـموضع، الـحدّ الذي يقام علـيه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْـمِهِ وأصْلَـحَ} يقول: فتاب علـيه بـالـحدّ.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا ابـن لهيعة، عن حُيـي بن عبد الله، عن أبـي عبد الرحمن الـحُبْلـي، عن عبد الله بن عمرو، قال: سرقت امرأة حلـيًّا، فجاء الذين سرقهم، فقالوا: يا رسول الله سرقتنا هذه الـمرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اقْطَعُوا يَدَها الـيُـمْنَى فقالت الـمرأة: هل من توبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنْتِ الـيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمَ وَلَدَتْك أُمُّكِ. قال: فأنزل الله جل وعزّ: {فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْـمِهِ وأصْلَـحَ فإنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَـيْهِ}.

وقوله: {فإنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَـيْهِ} يقول: فإن الله جلّ وعزّ يرجعه إلـى ما يحبّ ويرضى عما يكرهه ويسخط من معصيته. وقوله: {إنَّ اللّهَ عَفُورٌ رَحيـمٌ} يقول: إن الله عزّ ذكره ساتر علـى من تاب وأناب عن معاصيه إلـى طاعته ذنوبه بـالعفو عن عقوبته علـيها يوم القـيامة وتركه فضيحته بها علـى رؤوس الأشهاد، رحيـم به وبعبـاده التائبـين إلـيه من ذنوبهم.

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٤٠

يقول جل ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ألـم يعلـم هؤلاء القائلون:

{ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً }[البقرة: 80] الزّاعمون أنهم أبناء الله وأحبـاؤه، أن الله مدبر ما فـي السموات وما فـي الأرض، ومصرّفه وخالقه، لا يـمتنع شيء مـما فـي واحدة منهما مـما أراده لأن كلّ ذلك ملكه وإلـيه أمره، ولا نسب بـينه وبـين شيء مـما فـيهما ولا مـما فـي واحدة منهما فـيحابـيه بسبب قرابته منه فـينـجيه من عذابه وهو به كافر ولأمره ونهيه مخالف، أو يدخـله النار وهو له مطيع لبعد قرابته منه ولكنه يعذّب من يشاء من خـلقه فـي الدنـيا علـى معصيته بـالقتل والـخسف والـمسخ وغير ذلك من صنوف عذابه، ويغفر لـمن يشاء منهم فـي الدنـيا بـالتوبة علـيه من كفره ومعصيته، فـينقذه من الهَلَكة وينـجيه من العقوبة. {وَاللّهُ علـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول: والله علـى تعذيب من أراد تعذيبه من خـلقه علـى معصيته وغفران ما أراد غفرانه منهم بـاستنقاذه من الهكة بـالتوبة علـيه وغير ذلك من الأمور كلها قادر، لأن الـخـلق خـلقه والـملك ملكه والعبـاد عبـاده. وخرج قوله: {ألَـمْ تَعْلَـمْ أن اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} خطابـاً له صلى الله عليه وسلم، والـمعنـيّ به من ذكرت من فرق بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حوالـيها. وقد بـينا استعمال العرب نظير ذلك فـي كلامها بشواهده فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٤١

اختلف أهل التأويـل فـيـمن عُنـي بهذه الآية، فقال بعضهم: نزلت فـي أبـي لُبـابة بن عبد الـمنذر بقوله لبنـي قريظة حين حاصرهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم: «إنـما هو الذبح، فلا تنزلوا علـى حكم سعد». ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لا يحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِم ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} قال: نزلت فـي رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لُبـابة أشارت إلـيه بنو قُريظة يوم الـحصار ما الأمر؟ وعلام ننزل؟ فأشار إلـيهم: إنه الذبح.

وقال آخرون: بل نزلت فـي رجل من الـيهود سأل رجلاً من الـمسلـمين يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكمه فـي قتـيـل قتله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بشر، عن زكريا، عن عامر: {لا يحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ} قال: كان رجل من الـيهود قتله رجل من أهل دينه، فقال القاتل لـحلفـائهم من الـمسلـمين: سلوا لـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فإن كان يقضي بـالدية اختصمنا إلـيه، وإن كان يأمرنا بـالقتل لـم نأته.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن زكريا، عن عامر نـحوه.

وقال آخرون: بل نزلت فـي عبد الله بن صُورِيا، وذلك أنه ارتدّ بعد سلامه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي الزهريّ، قال: سمعت رجلاً من مزينة يحدّث عن سعيد بن الـمسيب، أن أبـا هريرة حدثهم، أن أحبـار يهود اجتـمعوا فـي بـيت الـمدارس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمدينة، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بـامرأة من يهود قد أحصنت. فقالوا: انطلقوا بهذا الرجل وبهذه الـمرأة إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، فـاسألوه كيف الـحكم فـيهما فولوه الـحكم علـيهما، فإن عمل فـيهما بعملكم من التـحميـم، وهو الـجلد بحبل من لـيف مطلـيّ بقارٍ، ثم يُسوّد وجوههما، ثم يُحملان علـى حمارين وتـحوّل وجوههما من قِبَل دبر الـحمار، فـاتبعوه، فإنـما هو ملك. وإن هو حكم فـيهما بـالرجم (فإنه نبـيّ) فـاحذروه علـى ما فـي أيديكم أن يسلُبكموه. قأتوه فقالوا: يا مـحمد هذا الرجل قد زنى بعد إحصانه بـامرأة قد أحصنت، فـاحكم فـيهما، فقد ولـيناك الـحكم فـيهما فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى أتـى أحبـارهم فـي بـيت الـمدارس، فقال:

يا مَعْشَرَ الـيَهُودِ أخْرِجُوا إلـى أعْلَـمَكُمْ فأخرجوا إلـيه عبد الله بن صُورِيا الأعور. وقد روي بعض بنـي قريظة أنهم أخرجوا إلـيه يومئذٍ مع ابن صوريا أبـا ياسر بن أخطب ووهب بن يهودا، فقالوا: هؤلاء علـماؤنا فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى حصل أمرهم، إلـى أن قالوا لابن صوريا: هذا أعلـم من بقـي بـالتوراة. فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلاماً شابـاً من أحدثهم سناً، فألظّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمسألة،يقول:يا ابْنَ صُورِيا أنْشُدُك الله وأذكرك أيادِيه عِنْدَ بنـي إسْرائيـل، هل تَعْلَـمُ أنَّ الله حَكَمَ فـيـمَنْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ بـالرَّجْمِ فـي التَّوْرَاة؟ فقال: اللهمَّ نعم أما والله يا أبـا القاسم إنهم لـيعلـمون أنكّ نبـيّ مرسل، ولكنهم يحسدونَك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهما فرُجما عند بـاب مسجده فـي بنـي عثمان بن غالب بن النـجار. ثم كفر بعد ذلك ابن صُوريا، فأنزل الله: {يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِمْ ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي (ح) وحدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش (ح)، وحدثنا هناد، قال: ثنا عبـيدة بن عبـيد، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب، قال: مُرّ علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـيهودي مـحمَّـم مـجلود، فدعا النبـيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً من علـمائهم، فقال:

أهَكَذا تَـجِدُونَ حَدَّ الزنـى فِـيكُمْ؟»} قال: نعم. قال: فأنْشُدُك بـالذي أنْزَلَ التَّورَاةَ علـى مُوسَى، أهَكَذا تَـجِدُونَ حَدَّ الزانـي فـيكم؟} قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَنـي بهذا لـم أحدثك، ولكن الرجم، ولكن كثر الزنا فـي أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا علـيه الـحدّ، فقلنا تعالوا نـجتـمع فنضع شيئاً مكان الرجم فـيكون علـى الشريف والوضيع، فوضعنا التـحميـم والـجلد مكان الرّجم. فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: اللهمّ إنـي أنا أوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إذْ أَماتُوه»} فأمر به فرجم، فأنزل الله: {لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ...} الآية.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن الزهريّ، قال: كنت جالساً عند سعيد بن الـمسيب وعند سعيد، رجل يوقره، فإذا هو رجل من مزينة كان أبوه شهد الـحديبـية وكان من أصحاب أبـي هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (ح)، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح كاتب اللـيث، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي عقـيـل، عن ابن شهاب، قال: أخبرنـي رجل من مزينة مـمن يتبع العلـم ويعيه، حدّث عن سعيد بن الـمسيب، أن أبـا هريرة قال: بـينا نـحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل من الـيهود، وكانوا قد أشاروا فـي صاحب لهم زنى بعد ما أحصن، فقال بعضهم لبعض: إن هذا النبـيّ قد بُعث، وقد علـمتـم أن قد فرض علـيكم الرجم فـي التوراة فكتـمتـموه واصطلـحتـم بـينكم علـى عقوبة دونه، فـانطلقوا فنسأل هذا النبـيّ، فإن أفتانا بـما فرض علـينا فـي التوراة من الرجم تركنا ذلك، فقد تركنا ذلك فـي التوراة، فهي أحقّ أن تطاع وتصدّق. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبـا القاسم إنه زنى صاحب لنا قد أحصن، فما ترى علـيه من العقوبة؟ قال أبو هريرة: فلـم يرجع إلـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى قام وقمنا معه، فـانطلق يؤمّ مدراس الـيهود حتـى أتاهم، فوجدهم يتدارسون التوراة فـي بـيت الـمدارس، فقال لهم:

يا مَعْشَرَ الـيَهُودِ أنْشُدُكُمْ بـاللّهِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ علـى مُوسَى ماذَا تَـجِدُونَ فِـي التَّوْرَاةِ مِنَ العُقُوبَةِ علـى مَنْ زَنى وَقَدْ أحْصِن؟ } قالوا: إنا نـجده يُحَمَّـم ويجلده. وسكت حبرهم فـي جانب البـيت. فلـما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صمته ألظَّ به النشدة، فقال حبرهم: اللهمّ إذ نشدتنا فإنا نـجد علـيهم الرجم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:فَمَاذَا كانَ أوَّلَ ما تَرَخَّصْتُـمْ بِهِ أمْرَ اللّهِ؟ قال: زنى ابن عمّ ملك فلـم يرجمه، ثم زنى رجل آخر فـي أسرة من الناس، فأراد ذلك الـملك رجمه، فقام دونه قومه، فقالوا: والله لا ترجمه حتـى ترجم فلاناً ابن عمّ الـملك فـاصطلـحوا بـينهم عقوبةً دون الرجم، وتركوا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنِّـي أقْضِي بِـمَا فِـي التَّوْرَاةِ.} فأنْزَلَ الله فـي ذلك: {يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ...} إلـى قوله: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ }[المائدة: 44] وقال آخرون: بل عُنـي بذلك الـمنافقون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير فـي قوله: {يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِم ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} قال: هم الـمنافقون.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {آمَنَّا بأفْوَاهِهِمْ} قال: يقول هم الـمنافقون.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: عُنِـي بذلك: {لا يحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِم ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ}: قوم من الـمنافقـين. وجائز أن يكون كان مـمن دخـل فـي هذه الآية ابن صُوريا، وجائز أن يكون أبو لُبـابة، وجائز أن يكون غيرهما. غير أن أثبت شيء رُوي فـي ذلك ما ذكرناه من الرواية قبل عن أبـي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيح من القول فـيه أن يقال: عُنـي به عبد الله بن صُورِيا. وإذا صحّ ذلك كان تأويـل الآية: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فـي جحود نبوّتك والتكذيب بأنك لـي نبـيّ من الذين قالوا: صدّقنا بك يا مـحمد أنك لله رسول مبعوث، وعلـمنا بذلك يقـيناً بوجودنا صفتك فـي كتابنا وذلك أن فـي حديث أبـي هريرة الذي رواه ابن إسحاق، عن الزهري، أن ابن صوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله يا أبـا القاسم إنهم لـيعلـمون أنك نبـيّ مرسل، ولكنهم يحسدونك. فذلك كان علـى هذا الـخبر من ابن صوريا إيـماناً برسول الله صلى الله عليه وسلم بفـيه، ولـم يكن مصدّقاً لذلك بقلبه، فقال الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم مطلعه علـى ضمير ابن صوريا وأنه لـم يؤمن بقلبه، يقول: ولـم يصدّق قلبه بأنك لله رسول مرسل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يأْتُوكَ}.

يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها الرسول، لا يحزنك تسرّع من تسرّع من هؤلاء الـمنافقـين الذين يظهرون بألسنتهم تصديقك، وهم معتقدون تكذيبك إلـى الكفر بك، ولا تسرع الـيهود إلـى جحود نبوّتك. ثم وصف جلّ ذكره صفتهم ونعتهم له بنعوتهم الذميـمة وأفعالهم الرديئة، وأخبره معزّياً له علـى ما يناله من الـحزن بتكذيبهم إياه مع علـمهم بصدقه أنهم أهل استـحلال الـحرام والـمآكل الرديئة والـمطاعم الدنـيئة من الرُشَا والسُحْت، وأنهم أهل إفك وكذب علـى الله وتـحريف كتابه. ثم أعلـمه أنه مـحلّ بهم خزيه فـي عاجل الدنـيا، وعقابه فـي آجل الآخرة، فقال: همْ {سَمَّاعُونَ للكَذِبِ} يعنـي هؤلاء الـمنافقـين من الـيهود، يقول: هم يسمعون الكذب، وسمعهم الكذب: سمعهم قول أحبـارهم أن حكم الزانـي الـمـحْصن فـي التوراة: التـحميـم والـجلد، {سَمَّاعُونَ لَقْومٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ} يقول: يسمعون لأهل الزانـي الذين أرادوا الاحتكام إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم القوم الآخرون الذين لـم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا مصرّين علـى أن يأتوه، كما قال مـجاهد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال مـجاهد: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ}: مع من أتوك.

واختلف أهل التأويـل فـي السمّاعين للكذب السمّاعين لقوم آخرين، فقال بعضهم: سماعون لقوم آخرين يهود فدك، والقوم الآخرون الذين لـم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود الـمدينة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، قال: ثنا زكريا ومـجالد، عن الشعبـيّ، عن جابر فـي قوله: {وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} قال: يهود الـمدينة {لَـمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} قال: يهود فدك يقولون لـيهود الـمدينة: إن أوتـيتـم هذا فخذوه.

وقال آخرون: الـمعنىّ بذلك قوم من الـيهود كان أهل الـمرأة التـي بغت بعثوا بهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الـحكم فـيها، والبـاعثون بهم هم القوم الآخرون، وهم أهل الـمرأة الفـاجرة، لـم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ} كان بنو إسرائيـل أنزل الله علـيهم: إذا زنى منكم أحد فـارجموه. فلـم يزالوا بذلك حتـى زنى رجل من خيارهم فلـما اجتـمعت بنو إسرائيـل يرجمونه، قام الـخيار والأشراف فمنعوه. ثم زنى رجل من الضعفـاء، فـاجتـمعوا لـيرجموه، فـاجتـمعت الضعفـاء فقالوا: لا ترجموه حتـى تأتوا بصاحبكم فترجمونهما جميعاً فقالت بنو إسرائيل: ان هذا الامر قد اشتد علينا، فتعالوا فلنصلحه، فتركوا الرجم، وجعلوا مكانه أربعين جلدة بحبل مقير ويحممونه ويحملونه على حمار، ووجهه الى ذنبه، ويسوّدون وجهه، ويطوفون به، فكانوا يفعلون ذلك حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة، فزنت امرأة من أشراف اليهود، يقال لها بُسرة، فبعث أبوها ناساً من أصحابه إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه عن الزنا وما نزل إلـيه فـيه فإنا نـخاف أن يفضحنا ويخبرنا بـما صنعنا، فإن أعطاكم الـجلد فخذوه وإن أمركم بـالرجم فـاحذروه. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال:

الرَّجْم. فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} حين حرّفوا الرجم فجعلوه جلداً.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: إن السماعين للكذب، هم السماعون لقوم آخرين. وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود الـمدينة والـمسموع لهم من يهود فدك، ويجوز أن يكونوا كانوا من غيرهم. غير أنه أيّ ذلك كان، فهو من صفة قوم من يهود سمعوا الكذب علـى الله فـي حكم الـمرأة التـي كانت بغت فـيهم وهي مـحصنة، وأن حكمها فـي التوراة التـحميـم والـجلد، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الـحكم اللازم لها، وسمعوا ما يقول فـيها قوم الـمرأة الفـاجرة قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مـحتكمين إلـيه فـيها. وإنـما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لهم لـيعلـموا أهل الـمرأة الفـاجرة ما يكون من جوابه لهم، فإن لـم يكن من حكمه الرجم رضوا به حكماً فـيهم، وإن كان من حكمه الرجم حذروه وتركوا الرضا به وبحكمه. وبنـحو الذي قلنا كان ابن زيد يقول.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {سَّماعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} قال: لقوم آخرين لـم يأتوك من أهل الكتاب، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لـم يأتوه، يقولون لهم الكذب: مـحمد كاذب، ولـيس هذا فـي التوراة، فلا تؤمنوا به.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضَعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا}.

يقول تعالـى ذكره: يحرّف هؤلاء السماعون للكذب، السماعون لقوم آخرين منهم لـم يأتوك بعد من الـيهود الكَلِـم. وكان تـحريفهم ذلك: تغيـيرهم حكم الله تعالـى ذكره الذي أنزله فـي التوراة فـي الـمـحصنات والـمـحصنـين من الزناة بـالرجم إلـى الـجلد والتـحميـم، فقال تعالـى ذكره: {يَحرّفُونَ الكَلِـمَ} يعنـي: هؤلاء الـيهود، والـمعنى: حكم الكلـم، فـاكتفـى بذكر الـخبر من تـحريف الكلـم عن ذكر الـحكم لـمعرفة السامعين لـمعناه. وكذلك قوله: {مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} والـمعنى: من بعد وضع الله ذلك مواضعه، فـاكتفـى بـالـخبر من ذكر مواضعه عن ذكر وضع ذلك، كما قال تعالـى ذكره: وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ والـمعنى: ولكن البرّ برُّ من آمن بـالله واليوم الآخر. وقد يحتـمل أن يكون معناه: يحرّفون الكلـم عن مواضعه، فتكون «بعد» وُضعت موضع «عن»، كما يقال: جئتك عن فراغي من الشغل، يريد: بعد فراغي من الشغل.

ويعنـي بقوله {إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا} يقول: هؤلاء البـاغون السماعون للكذب، إن أفتاكم مـحمد بـالـجلد والتـحميـم فـي صاحبنا فخذوه، يقول: فـاقبلوه منه، وإن لـم يُفتِكم بذلك وأفتاكم بـالرجم، فـاحذروا.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي الزهري، قال: سمعت رجلاً من مزينة يحدّث سعيد بن الـمسيب، أن أبـا هريرة حدثهم فـي قصة ذكرها: {وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَـمْ يَأْتُوكَ} قال: بعثوا وتـخـلفوا، وأمروهم بـما أمروهم به من تـحريف الكلـم عن مواضعه، فقال: يحرّفون الكلـم من بعد مواضعه، يقولون: إن أوتـيتـم هذا فخذوه للتـحميـم، وإن لـم تؤتوه فـاحذروا: أي الرجم.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذا}: إن وافقكم هذا، {فَخُذُوهُ} يهود تقوله للـمنافقـين.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ}: إن وافقكم هذا فخذوه، وإن لـم يوافقكم فـاحذروه. يهود تقوله للـمنافقـين.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} حين حرّفوا الرجم فجعلوه جلداً، يقولون: {إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتُوهُ فـاحْذَرُوا}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، قال: ثنا زكريا ومـجالد، عن الشعبـيّ، عن جابر: {يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ} يهود فدك يقولون لـيهود الـمدينة: إن أوتـيتـم هذا الـجلد فخذوه، وإن لـم تؤتوه فـاحذروا الرجم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا} هُمُ الـيهود، زنت منهم امرأة، وكان الله قد حكم فـي التوراة فـي الزنا بـالرجم، فنفسوا أن يرجموها، وقالوا: انطلقوا إلـى مـحمد فعسى أن يكون عنده رخصة، فإن كانت عنده رخصة فـاقبلوها. فأتَوْه فقالوا: يا أبـا القاسم إن امرأة منا زنت، فما تقول فـيها؟ فقال لهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ فِـي التَّوْرَاةِ فـي الزّانِـي؟ فقالوا: دعنا من التوراة، ولكن ما عندك فـي ذلك فقال: ائْتُونِـي بأعْلَـمِكُمْ بـالتَّوْرَاةِ التـي أُنْزِلَتْ علـى مُوسَى. فقال لهم: بـالَّذِي نَـجَّاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَبـالَّذِي فَلَقَ لَكُمْ البَحْرَ فَأْنـجاكمْ وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ إلاَّ أخْبَرْتُـمُونِـي ما حُكْمُ اللَّهِ فِـي التَّوْرَاةِ فِـي الزَّانِـي قالوا: حكمه الرجم. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَـمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا} ذكر لنا أن هذا كان فـي قتـيـل من بنـي قريظة قتلته النضير، فكانت النضير إذا قتلت من بنـي قريظة لـم يقـيدوهم، إنـما يعطونهم الدية لفضلهم علـيهم، وكانت قريظة إذا قتلت من النضير قتـيلاً لـم يرضوا إلا بـالقود لفضلهم علـيهم فـي أنفسهم تعزّزاً. فقدم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم الـمدينة علـى هيئة فعلهم هذا، فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم رجل من الـمنافقـين: إن قتـيـلكم هذا قتـيـل عمد، متـى ما ترفعوه إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم أخشى علـيكم القود، فإن قبل منكم الدية فخذوه، وإلا فكونوا منه علـى حذر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} يقول يحرّف هؤلاء الذين لـم يأتوك الكلـم عن مواضعه، لا يضعونه علـى ما أنزله الله. قال: وهؤلاء كلهم يهود، بعضهم من بعض.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية وعبـيدة بن حميد، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب: {يَقُولُونَ إنْ أُوتِـيُتـمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَـمْ تُؤْتَوْهُ فـاحْذَرُوا} يقولون: ائتوا مـحمداً، فإن أفتاكم بـالتـحميـم والـجلد فخذوه، وإن أفتاكم بـالرجم فـاحذروا.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهِ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَـمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً}.

وهذا تسلـية من الله تعالـى ذكره نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم من حزنه علـى مسارعة الذين قصّ قصتهم من الـيهود والـمنافقـين فـي هذه الآية، يقول له تعالـى ذكره: لا يحزنك تسرّعهم إلـى جحود نبوّتك، فإنـي قد حَتَـمْتُ علـيهم أنهم لا يتوبون من ضلالتهم، ولا يرجعون عن كفرهم للسابق من غضبـي علـيهم، وغير نافعهم حزنك علـى ما ترى من تسرّعهم إلـى ما جعلته سببلاً لهلاكهم واستـحقاقهم وعيدي. ومعنى الفتنة فـي هذا الـموضع: الضلالة عن قصد السبـيـل. يقول تعالـى ذكره: ومن يرد الله يا مـحمد مرجعه بضلالته عن سبـيـل الهدى، فلن تـملك له من الله استنقاذاً مـما أراد الله به من الـحيرة والضلالة، فلا تشعر نفسك بالـحزن علـى ما فـاتك من اهتدائه للـحقّ. كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهِ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَـمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَـمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوَبهُمْ لَهُمْ فِـي الدُّنْـيا خِزْيٌ، ولَهُمْ فِـي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيـمٌ}.

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك الذين يسارعون فـي الكفر، من الـيهود الذين وصفت لك صفتهم، وإن مسارعتهم إلـى ذلك أن الله قد أراد فتنتهم وطبع على قلوبهم ولا يهتدون أبداً {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَـمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوَبهُمْ}.

يقول هؤلاء الذين لم يرد الله أن يُطَّهِرْ من دنس الكفر ووسخ الشرك قلوبهم بطهارة الاسلام ونظافة الإيمان فيتوبوا، بل أراد بهم الخزى في الدنيا، وذلك الذل والهوان، وفي الآخرة عذاب جهنـم خالدين فـيها أبداً.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى الـخزي روي القول عن عكرمة.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن علـيّ بن الأرقم وغيره، عن عكرمة: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَـمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوَبهُمْ لَهُمْ فِـي الدُّنْـيا خِزْيٌ} قال: مدينة فـي الروم تُفتـح فـيُسْبَوْن.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ