انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 27–32

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 27–40في هذه الصفحة 13:36

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واتل علـى هؤلاء الـيهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إلـيكم، علـيك وعلـى أصحابك معك، وعرّفهم مكروه عاقبة الظلـم والـمكر، وسوء مغبة الـجور ونقض العهد، وما جزاء الناكث وثواب الوافـي، خَبَرَ ابنـي آدم هابـيـل وقابـيـل، وما آل إلـيه أمر الـمطيع منهما ربه الوافـي بعهده، وما إلـيه صار أمر العاصي منهما ربه الـجائر الناقض عهده فلتعرف بذلك الـيهود وخامة غبّ عدوهم، ونقضهم ميثاقهم بـينك وبـينهم، وهمهم بـما هموا به من بسط أيديهم إلـيك وإلـى أصحابك. فإن لك ولهم فـي حسن ثوابـي وعظم جزائي علـى الوفـاء بـالعهد الذي جازيت الـمقتول الوافـيَ بعهده من ابنـي آدم، وعاقبت به القاتل الناكث عهده عزاء جميلاً.

واختلف أهل العلـم فـي سبب تقريب ابنـي آدم القربـان، وسبب قبول الله عزّ وجلّ ما تقبل منه، ومن اللذان قرَّبـا؟ فقال بعضهم: كان ذلك عن أمر الله جلّ وعزّ إياهما بتقريبه. وكان سبب القبول أن الـمتقبل منه قرب خير ماله وقرّب الآخر شرّ ماله، وكان الـمقرّبـان ابنـي آدم لصلبه أحدهما: هابـيـل، والآخر قابـيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن هشام بن سعيد، عن إسماعيـل بن رافع، قال: بلغنـي أن ابنـي آدم لـما أمرا بـالقربـان، كان أحدهما صاحب غنـم، وكان أُنِتـج له حَمَل فـي غنـمه، فأحبه حتـى كان يؤثره بـاللـيـل، وكان يحمله علـى ظهره من حبه، حتـى لـم يكن له مال أحبّ إلـيه منه فلـما أمر بـالقربـان، قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يرتع فـي الـجنة حتـى فدَى به ابن إبراهيـم صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن أبـي الـمغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن ابنـي آدم اللذين قرّبـا قربـاناً فتقبل من أحدهما ولـم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنـم، وأنهما أمرا أن يقرّبـا قربـاناً وإن صاحب الغنـم قرّب أكرم غنـمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الـحرث قرّب شرّ حرثه الكَوْزَن والزُّوَان غير طيبة بها نفسه وإن الله تقبل قربـان صاحب الغنـم ولـم يتقبل قربـان صاحب الـحرث. وكان من قصتهما ما قصّ الله فـي كتابه، وقال: ايْـمُ الله إن كان الـمقتول لأشدّ الرجلـين، ولكن منعه التـحرّج أن يبسط يده إلـى أخيه

وقال آخرون: لـم يكن ذلك من أمرهما عن أمر الله إياهما به. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: كان من شأنهما أنه لـم يكن مسكين فـيتصدّق علـيه، وإنـما كان القربـان يقربه الرجل. فبَـيْنا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا: لو قربنا قربـاناً وكان الرجل إذا قرّب قربـاناً فرضيه الله أرسل إلـيه ناراً فأكلته، وإن لـم يكن رضيه الله خبت النار. فقرّبـا قربـاناً، وكان أحدهما راعياً، وكان الآخر حراثاً، وإن صاحب الغنـم قرّب خير غنـمه وأسمنها وقرّب الآخر أبغض زرعه، فجاءت النار، فنزلت بـينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع. وإن ابن آدم قال لأخيه: أتـمشي فـي الناس وقد علـموا أنك قرّبت قربـاناً فتقبل منك وردّ علـيّ؟ فلا والله، لا تنظر الناس إلـيّ وإلـيك وأنت خير منـي فقال: لأقتلنك فقال له أخوه: ما ذنبـي، إنـما يتقبل الله من الـمتقـين.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {إذْ قَرَبـا قُرْبـاناً} قال: ابنا آدم هابـيـل وقابـيـل لصلب آدم، فقرّب أحدهما شاة وقرّب الآخر بقلاً، فقبل من صاحب الشاة، فقتله صاحبه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد فـي قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحِّق إذْ قَرَّبـا قُرْبـاناً} قال: هابـيـل وقابـيـل، فقرب هابـيـل عَنَاقاً من أحسن غنـمه، وقرّب قابـيـل زرعاً من زرعه. قال: فأكلت النار العناق، ولـم تأكل الزرع، فـ {قال لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إنَّـما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الـمُتَّقِـينَ}.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل سمع مـجاهداً فـي قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحِّق إذْ قَرَّبـا قُرْبـاناً} قال: هو هابـيـل وقابـيـل لصلب آدم، قرّبـا قربـاناً، قرب أحدهما شاة من غنـمه وقرّب الآخر بقلاً، فتقبل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه: لأقتلنك فقتله، فعقل الله إحدى رجلـيه بساقها إلـى فخذها إلـى يوم القـيامة، وجعل وجهه إلـى الشمس حيثما دارت علـيه حظيرة من ثلـج فـي الشتاء وعلـيه فـي الصيف حظيرة من نار، ومعه سبعة أملاك كلـما ذهب ملك جاء الآخر.

حدثنا سفـيان، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان (ح). وحدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن عبد الله بن عثمان بن خثـيـم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحِّق إذْ قَرَّبـا قُرْبـاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أحَدِهِما ولَـمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ} قال: قرّب هذا كبشاً وقرّب هذا صُبْرة من طعام فتقبل من أحدهما. قال: تقبّل من صاحب الشاة ولـم يتقبل من الآخر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحِّق إذْ قَرَّبـا قُرْبـاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أحَدهِما وَلـمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ} كان رجلان من بنـي آدم، فتقبل من أحدهما ولـم يتقبل من الآخر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبـيد الله، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحِّق} قال: كان أحدهما اسمه قابـيـل والآخر هابـيـل أحدهما صاحب غنـم، والآخر صاحب زرع، فقرّب هذا من أمثل غنـمه حَمَلاً، وقرّب هذا من أردإ زرعه. قال: فنزلت النار، فأكلت الـحَمَل، فقال لأخيه: لأقتلنك

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم بـالكتاب الأوّل: أن آدم أمر ابنه قابـيـل أن ينكح أخته توأمة هابـيـل، وأمر هابـيـل أن ينكح أخته توأمة قابـيـل. فسلـم لذلك هابـيـل ورضى، وأبـى قابـيـل ذلك وكرهه، تكرماً عن أخت هابـيـل، ورغب بأخته عن هابـيـل، وقال: نـحن ولادة الـجنة وهما من ولادة الأرض، وأنا أحقّ بأختـي ويقول بعض أهل العلـم بـالكتاب الأوّل: كانت أخت قابـيـل من أحسن الناس، فضنّ بها علـى أخيه وأرادها لنفسه، فـالله أعلـم أيّ ذلك كان. فقال له أبوه: يا بنـيّ إنها لا تـحلّ لك فأبى قابـيـل أن يقبل ذلك من قول أبـيه، فقال له أبوه: يا بنـيّ فقرّب قربـاناً، ويقرّب أخوك هابـيـل قربـاناً، فأيكما قبل الله قربـانه فهو أحقّ بها. وكان قابـيـل علـى بَذْر الأرض، وكان هابـيـل علـى رعاية الـماشية، فقرّب قابـيـل قمـحاً وقرّب هابـيـل أبكاراً من أبكار غنـمه وبعضهم يقول: قرّب بقرة فأرسل الله ناراً بـيضاء، فأكلت قربـان هابـيـل وتركت قربـان قابـيـل، وبذلك كان يقبل القربـان إذا قبله.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـيـما ذكر عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس. وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوّج جارية هذا البطن غلام البطن هذا الآخر. حتـى ولد له ابنان يقال لهما: قابـيـل، وهابـيـل، وكان قابـيـل صاحب زرع، وكان هابـيـل صاحب ضرع. وكان قابـيـل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابـيـل. وإن هابـيـل طلب أن ينكح أخت قابـيـل، فأبى علـيه وقال: هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحقّ أن أتزوّجها. فأمره أبوه أن يزوّجها هابـيـل فأبى. وإنهما قرّبـا قربـاناً إلـى الله أيهما أحقّ بـالـجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلـى مكة ينظر إلـيها، قال الله لآدم: يا آدم، هل تعلـم أن لـي بـيتاً فـي الأرض؟ قال: اللهمّ لا قال: فإن لـي بـيتاً بـمكة فأته فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بـالأمانة، فأبت. وقال للأرض فأبت، وقال للـجبـال فأبت، وقال لقابـيـل، فقال: نعم تذهب وترجع وتـجد أهلك كما يسرّك. فلـما انطلق آدم قرّبـا قربـاناً، وكان قابـيـل يفخر علـيه، فقال: أنا أحقّ بها منك، هي أختـي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيّ والديّ. فلـما قرّبـا، قرّب هابـيـل جذعة سمينة، وقرّب قابـيـل حُزمة سنبل، فوجد فـيها سنبلة عظيـمة ففركها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربـان هابـيـل، وتركت قربـان قابـيـل، فغضب وقال: لأقتلنك حتـى لا تنكح أختـي فقال هابـيـل {إنَّـمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الـمُتَّقِـينَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحَقِّ} ذكر لنا أنهما هابـيـل وقابـيـل. فأما هابـيـل فكان صاحب ماشية، فعمد إلـى خير ماشيته، فتقرّب بها، فنزلت علـيه نار فأكلته. وكان القربـان إذا تقبل منهم نزلت علـيه نار فأكلته، وإذا ردّ علـيهم أكلته الطير والسبـاع. وأما قابـيـل فكان صاحب زرع، فعمد إلـى أردإ زرعه، فتقرّب به، فلـم تنزل علـيه النار، فحسد أخاه عند ذلك فقال: {لاَءَقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّـمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الـمُتَّقِـينَ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحَقِّ قال: هما قابـيـل وهابـيـل. قال: كان أحدهما صاحب زرع والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخير ماله وجاء الآخر بشرّ ماله، فجاءت النار، فأكلت قربـان أحدهما وهو هابـيـل، وتركت قربـان الآخر، فحسده فقال: لأقتلنك

حدثنا سفـيان، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {إذْ قَرّبـا قُرْبـاناً} قال: قرّب هذا زرعاً وذا عناقاً، فتركت النار الزرع وأكلت العناق.

وقال آخرون: اللذان قرّبـا قربـاناً وقصّ الله عزّ ذكره قصصهما فـي هذه الآية، رجلان من بنـي إسرائيـل لا من ولد آدم لصلبه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الـحسن، قال: كان الرجلان اللذان فـي القرآن، اللذان قال الله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحِّق} من بـني إسرائيـل، ولـم يكونا ابنـي آدم لصلبه، وإنـما كان القربـان فـي بنـي إسرائيـل، وكان آدم أوّل من مات.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، أن اللذين قرّبـا القربـان كان ابنـي آدم لصلبه، لا من ذريته من بنـي إسرائيـل. وذلك أن الله عزّ وجلّ يتعالـى عن أن يخاطب عبـاده بـما لا يفـيدهم به فـائدة، والـمخاطبون بهذه الآية كانوا عالـمين أن تقريب القربـان لله لـم يكن إلا فـي ولد آدم دون الـملائكة والشياطين وسائر الـخـلق غيرهم. فإذا كان معلوماً ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لـم يكن معنـياً بـابنـي آدم اللذين ذكرهما الله فـي كتابه ابناه لصلبه، لـم يفدْهم بذكره جلّ جلاله إياهما فـائدة لـم تكن عندهم. وإذا كان غير جائز أن يخاطبهم خطابـاً لا يفـيدهم به معنى، فمعلوم أنه عنى ابنـي آدم لصلبه، لا ابنـي بنـيه الذين بَعُد منه نسبهم مع إجماع أهل الأخبـار والسير والعلـم بـالتأويـل علـى أنهما كانا ابنـي آدم لصلبه وفـي عهد آدم وزمانه، وكفـى بذلك شاهداً. وقد ذكرنا كثـيراً مـمن نصّ عنه القول بذلك، وسنذكر كثـيراً مـمن لـم يذكر إن شاء الله.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حسام بن مصكّ، عن عمار الدهنـيّ، عن سالـم بن أبـي الـجعد، قال: لـما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزيناً لا يضحك، ثم أتـى فقـيـل له: حيّاك الله وبـيّاك فقال: بـيَّاك: أضحكك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن أبـي إسحاق الهمدانـي، قال: قال علـيّ بن أبـي طالب رضوان الله علـيه: لـما قتل ابن آدم أخاه، بكى آدم فقال:

تَغَيَّرَتِ البلادُ وَمَنْ عَلَـيْهافَلَوْنُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبـيحُ تَغَيَّرَ كلُّ ذي لوْنٍ وطَعْمٍوَقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ الـمَلِـيحَ

فأجيب آدم علـيه السلام:

أبـا هابِـيـلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعاًوصَارَ الـحَيُّ كالـمَيْتِ الذَّبِـيحِ وجاءَ بِشَرّةٍ قدْ كانَ مِنْهاعلـى خَوْفٍ فجاءَ بها يصيحُ

وأما القول فـي تقريبهما ما قرّبـا، فإن الصواب فـيه من القول أن يقال: إن الله عزّ ذكره أخبر عبـاده عنهما أنهما قد قرّبـا، ولـم يخبر أن تقريبهما ما قرّبـا كان عن أمر الله إياهما به ولا عن غير أمره. وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك، وجائز أن يكون عن غير أمره. غير أنه أيّ ذلك كان فلـم يقرّبـا ذلك إلا طلب قربة إلـى الله إن شاء الله.

وأما تأويـل قوله: {قالَ لأقْتُلَنَّكَ} فإن معناه: قال الذي لـم يتقبل منه قربـانه للذي تقبل منه قربـانه: لأقتلنك فترك ذكر الـمتقبل قربـانه والـمردود علـيه قربـانه، استغناء بـما قد جرى من ذكرهما عن إعادته، وكذلك ترك ذكر الـمقبل قربـانه مع قوله: {قالَ إنَّـمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الـمُتَّقِـينَ}.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك رُوِى الـخبر عن ابن عبـاس:

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {قالَ لاَءَقْتُلَنَّكَ} فقال له أخوه: ما ذنبـي {إنَّـمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الـمُتَّقِـينَ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {إنَّـمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الـمُتَّقِـينَ} قال: يقول: إنك لو اتقـيت الله فـي قربـانك تقبل منك، جئت بقربـان مغشوش بأشرّ ما عندك، وجئت أنا بقربـان طيب بخير ما عندي قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل منـي.

ويعنـي بقوله: {مِنَ الـمُتَّقِـينَ}: من الذين اتقوا الله وخافوه بأداء ما كلفهم من فرائضه واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته.

وقد قال جماعة من أهل التأويـل: الـمتقون فـي هذا الـموضع الذين اتقوا الشرك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، عن الضحاك، قوله: {إنَّـمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الـمُتَّقِـينَ} الذين يتقون الشرك.

وقد بـينا معنى القربـان فـيـما مضى، وأنه الفعلان من قول القائل: قرَّب، كما الفرقان: الفعلان من فرّق، والعدوان من عدا. وكانت قرابـين الأمـم الـماضية قبل أمتنا كالصدقات والزكوات فـينا، غير أن قرابـينهم كان يعلـم الـمتقبَّل منها وغير الـمتقبل فـيـما ذكر بأكل النار ما تقبل منها وترك النار ما لـم يتقبل منها. والقربـان فـي أمَّتنا: الأعمال الصالـحة: من الصلاة، والصيام، والصدقة علـى أهل الـمسكنة، وأداء الزكاة الـمفروضة، ولا سبـيـل لها إلـى العلـم فـي عاجل بـالـمتقبل منها والـمردود.

وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبري، أنه حين حضرته الوفـاة بكى، فقـيـل له: ما يبكيك، فقد كنت وكنت؟ فقال: يبكينـي أنـي أسمع الله يقول: {إنَّـمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الـمُتَّقِـينَ}.

حدثنـي بذلك مـحمد بن عمر الـمقدمي، قال: ثنـي سعيد بن عامر، عن همام، عمن ذكره، عن عامر.

وقد قال بعضهم: قربـان الـمتقـين: الصلاة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، عن عمران بن سلـيـم، عن عديّ بن ثابت، قال: كان قربـان الـمتقـين: الصلاة.

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٨

وهذا خبر من الله تعالـى ذكره عن الـمقتول من ابنـي آدم أنه قال لأخيه لـما قال له أخوه القاتل لأقتلنك: والله {لَئِنْ بَسَطْتَ إلـيَّ يَدَكَ} يقول: مددت إلـيّ يدك {لِتَقْتُلَنِـي ما أنا بِبـاسِطٍ يَديَ إلَـيك}. يقول: ما أنا بـمادّ يدي إلـيك {لأقْتُلَكَ}.

وقد اختلف فـي السبب الذي من أجله قال الـمقتول ذلك لأخيه ولـم يـمانعه ما فعل به، فقال بعضهم: قال ذلك إعلاماً منه لأخيه القاتل أنه لا يستـحلّ قتله ولا بسط يده إلـيه بـما لـم يأذن الله به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا عوف عن أبـي الـمغيرة، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: وايـم الله إن كان الـمقتول لأشدّ الرجلـين، ولكن منعه التـحرّج أن يبسط إلـى أخيه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {لَئِنْ بَسَطْتَ إلـيّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِـي ما أنا بِبـاسِطٍ يَدِيَ إلَـيْكَ} لا أنا بـمنتصر، ولأمسكنّ يدي عنك.

وقال آخرون: لـم يـمنعه مـما أراد من قتله، وقال ما قال له مـما قصّ الله فـي كتابه. أن الله عزّ ذكره فرض علـيهم أن لا يـمتنع من أريد قتله مـمن أراد ذلك منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل، سمع مـجاهداً يقول فـي قوله: {لَئِنْ بَسَطْتَ إلـيّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِـي ما أنا بِبـاسِطٍ يَدِيَ إلَـيْكَ لأقُتُلَكَ} قال مـجاهد: كان كتب الله علـيهم: إذا أراد الرجل أن يقتل رجلاً تركه ولا يـمتنع منه.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عزّ ذكره قد كان حرّم علـيهم قتل نفس بغير نفس ظلـماً، وأن الـمقتول قال لأخيه: ما أنا ببـاسط يدي إلـيك إن بسطت إلـيّ يدك لأنه كان حراماً علـيه من قتل أخيه مثل الذي كان حراماً علـى أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة علـى أن القاتل حين أراد قتله وعزم علـيه كان الـمقتول عالـماً بـما هو علـيه عازم منه ومـحاولٌ من قتله، فتَرَك دَفْعَه عن نفسه بل قد ذكر جماعة من أهل العلـم أنه قتله غيـلة، اغتاله وهو نائم، فشدخ رأسه بصخرة. فإذا كان ذلك مـمكناً، ولـم يكن فـي الآية دلالة علـى أنه كان مأموراً بترك منع أخيه من قتله، لـم يكن جائزاً ادّعاء ما لـيس فـي الآية إلا ببرهان يجب تسلـيـمه.

وأما تأويـل قوله: {إنّى أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَـمِينَ}: فإنى أخاف الله فـي بسط يدي إلـيك إن بسطتها لقتلك. {رَبّ العَالَـمِينَ} يعنـي: مالك الـخلائق كلها أن يعاقبنـي علـى بسط يدي إلـيك.

إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٢٩

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إنـي أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي وإثمك فـي معصيتك الله بغير ذلك من معاصيك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي محمد بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي حديثه عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس. وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنّى أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ} يقول: إثم قتلـي إلـى إثمك الذي فـي عنقك {فَتَكُونَ مِنْ أصَحابِ النَّارِ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنّى أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ} يقول بقتلك إياي، وإثمك قبل ذلك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {إنّى أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ} قال: بإثم قتلـي وإثمك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {إنّى أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ} يقول: إنـي أريد أن يكون علـيك خطيئتك ودمي، تبوء بهما جميعاً.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ} يقول: إنـي أريد أن تبوء بقتلك إياي. {وإثْمِكَ} قال: بـما كان منك قبل ذلك.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنـي عبـيد بن سلـيـم، عن الضحاك، قوله: {إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ} قال: أما إثمك، فهو الإثم الذي عمل قبل قتل النفس، يعنـي أخاه. وأما إثمه: فقتله أخاه.

وكأن قائلـي هذه الـمقالة وجهوا تأويـل قوله: {إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ}: أي إنـي أريد أن تبوء بإثم قتلـي، فحذف القتل واكتفـى بذكر الإثم، إذ كان مفهوماً معناه عند الـمخاطبـين به.

وقال آخرون: معنى ذلك: إنـي أريد أن تبوء بخطيئتـي فتتـحمل وزرها وإثمك فـي قتلك إياي. وهذا قول وجدته عن مـجاهد، وأخشى أن يكون غلطاً، لأن الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ} يقول: إنـي أريد أن تكون علـيك خطيئتـي ودمي، فتبوء بهما جميعاً.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن تأويـله: إنـي أريد أن تنصرف بخطيئتك فـي قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: {إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي}. وأما معنى {وإثْمِكَ}: فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصية الله جلّ ثناؤه فـي أعمال سواه.

وإنـما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويـل علـيه، لأن الله عزّ ذكره قد أخبرنا أن كلّ عامل فجزاء عمله له أو علـيه، وإذا كان ذلك حكمه فـي خـلقه فغير جائز أن يكون آثام الـمقتول مأخوذاً بها القاتل وإنـما يؤخذ القاتل بإثمه بـالقتل الـمـحرّم وسائر آثام معاصيه التـي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتـيـله.

فإن قال قائل: أو لـيس قتل الـمقتول من بـين آدم كان معصية لله من القاتل؟ قـيـل: بلـى، وأعْظِمْ بها معصية

فإن قال: فإذا كان لله جلّ وعزّ معصية، فكيف جاز أن يريد ذلك منه الـمقتول ويقول: {إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي} وقد ذكرت أن تأويـل ذلك: إنـي أريد أن تبوء بإثم قتلـي؟ فمعناه: إنـي أريد أن تبوء بإثم قتلـي إن قتلتنـي لأنـي لا أقتلك، فإن أنت قتلتنـي فإنـي مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله فـي قتلك إياي. وهو إذا قتله، فهو لا مـحالة بـاء به فـي حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبة له الدخول فـي الـخطأ.

ويعنـي بقوله: {فَتَكُونَ مِنْ أصَحابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِـمينَ} يقول: فتكون بقتلك إياي من سكان الـجحيـم، ووقود النار الـمخـلدين فـيها. {وذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِـمِينَ} يقول: والنار ثواب التاركين طريق الـحقّ الزائلـين عن قصد السبـيـل، الـمتعدين ما جعل لهم إلـى ما لـم يجعل لهم. وهذا يدلّ علـى أن الله عزّ ذكره قد كان أمر ونهى آدم بعد أن أهبطه إلـى الأرض، ووعد وأوعد، ولولا ذلك ما قال الـمقتول للقائل: فتكون من أصحاب النار بقتلك إياي، ولا أخبره أن ذلك جزاء الظالـمين. فكان مـجاهد يقول: علقت إحدى رجلـي القاتل بساقها إلـى فخذها من يومئذ إلـى يوم القـيامة، ووجهه فـي الشمس حيثما دارت دار، علـيه فـي الصيف حظيرة من نار وعلـيه فـي الشتاء حظيرة من ثلـج.

حدثنا بذلك القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد ذلك. قال: وقال عبد الله بن عمرو: {إنا لنـجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذابَ، علـيه شطرُ عذابهم.

وقد رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو ما رُوي عن عبد الله بن عمرو خبر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، وحدثنا سفـيان، قال: ثنا جرير وأبو معاوية (ح)، وحدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، ووكيع جميعاً، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْـماً إلاَّ كانَ علـى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْها، ذَلِكَ بأنه أَوَّل مَنْ سَنَّ القَتْلَ

حدثنا سفـيان، قال: ثنا أبـي (ح). وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن جميعاً، عن سفـيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم نـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن حسن بن صالـح، عن إبراهيـم بن مهاجر، عن إبراهيـم النـخعي، قال: ما من مقتول يقتل ظلـماً، إلا كان علـى ابن آدم الأوّل والشيطان كِفْلٌ منه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن حكيـم بن حكيـم، أنه حدّث عن عبد الله بن عمرو، أنه كان يقول: إن أشقـى الناس رجلاً لابن آدم الذي قتل أخاه، ما سفك دم فـي الأرض منذ قتل أخاه إلـى يوم القـيامة إلا لـحق به منه شيء، وذلك أنه أوّل من سنّ القتل.

وبهذا الـخبر الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبـين أن القول الذي قاله الـحسن فـي ابنـي آدم اللذَين ذكرهما الله فـي هذا الـموضع أنهما لـيسا بـابنـي آدم لصلبه، ولكنهما رجلان من بنـي إسرائيـل، وأن القول الذي حكي عنه، أن أوّل من مات آدم، وأن القربـان الذي كانت النار تأكله لـم يكن إلا فـي بنـي إسرائيـل خطأ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذي قتل أخاه أنه أوّل من سنّ القتل، وقد كان لا شكّ القتل قبل إسرائيـل، فكيف قبل ذرّيته وخطأ من القول أن يقال: أوّل من سنّ القتل رجل من بنـي إسرائيـل. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال: هو ابن آدم لصلبه، لأنه أوّل من سنّ القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٣٠

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله {فَطَوَّعَتْ}: فأقامته وساعدته علـيه. وهو «فَعَّلْت» من الطوع، من قول القائل: طاعنـي هذا الأمر: إذا انقاد له.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: فشجعت له نفسه قتل أخيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي نصر بن عبد الرحمن الأودي ومـحمد بن حميد، قالا: ثنا حكام بن سلـم، عن عنبسة بن أبـي لـيـلـى، عن القاسم بن أبـي بزة، عن مـجاهد: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} قال: شجعت.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} قال: فشجعته.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ} قال: شجعته علـى قتل أخيه.

وقال آخرون: معنى ذلك: زينت له. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} قال: زينت له نفسه قتل أخيه، فقتله.

ثم اختلفوا فـي صيغة قتله إياه كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله. فقال بعضهم: وجده نائماً فشَدَخ رأسه بصخرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـيـما ذكر عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس. وعن مرّة، عن عبد الله. وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلُ أخيهِ} فطلبه لـيقتله، فراغ الغلام منه فـي رؤوس الـجبـال. وأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنـماً له فـي جبل وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه، فمات، فتركه بـالعراء.

وقال بعضهم، ما:

حدثنـي مـحمد بن عمر بن علـيّ، قال: سمعت أشعث السجِستانـي يقول: سمعت ابن جريج قال: ابن آدم الذي قتل صاحبه لـم يدر كيف يقتله، فتـمثل إبلـيس له فـي هيئة طير، فأخذ طيراً فقصع رأسه، ثم وضعه بـين حجرين فشدَخَ رأسه، فعلَّـمه القتل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قتله حين يرعى الغنـم، فأتـى فجعل لا يدري كيف يقتله، فَلَوى برقبته وأخذ برأسه. فنزل إبلـيس، وأخذ دابة أو طيراً، فوضع رأسه علـى حجر، ثم أخذ حجراً آخر فرضخ به رأسه، وابن آدم القاتل ينظر، فأخذ أخاه، فوضع رأسه علـى حجر وأخذ حجراً آخر فرضخ به رأسه.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل سمع مـجاهداً يقول، فذكر نـحوه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: لـما أكلت النار قربـان ابن آدم الذي تقبِّل قربـانه، قال الآخر لأخيه: أتـمشي فـي الناس وقد علـموا أنك قرّبت قربـاناً فتقبل منك وردّ علـيّ؟ والله لا تنظر الناس إلـيّ وإلـيك وأنت خير منـي فقال: لأقتلنك فقال له أخوه: ما ذنبـي

{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ }[المائدة: 27]؟ فخوّفه بـالنار، فلـم ينته ولـم ينزجر، فطوّعت له نفسه قتل أخيه، فقتله فأصبح من الـخاسرين.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن عثمان بن خثـيـم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبـير أرمي الـجمرة وهو متقنع متوكىء علـى يديّ، حتـى إذا وازينا بـمنزل سمرة الصرّاف، وقـف يحدثنـي عن ابن عبـاس، قال: نُهي أن ينكح الـمرأة أخوها توأمها وينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد فـي كلّ بطن رجل وامرأة، فولدت امرأة وسيـمة، وولدت امرأة دميـمة قبـيحة، فقال أخو الدميـمة: أنكحنـي أختك وأنكحك أختـي قال: لا، أنا أحقّ بأختـي. فقرّبـا قربـاناً فتقبل من صاحب الكبش، ولـم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلـم يزل ذلك الكبش مـحبوساً عند الله حتـى أخرجه فـي فداء إسحاق، فذبحه علـى هذا الصفـا فـي ثَبِـيِر عند منزل سَمُرة الصراف، وهو علـى يـمينك حين ترمي الـجمار. قال ابن جريج: وقال آخرون بـمثل هذه القصة. قال: فلـم يزل بنو آدم علـى ذلك حتـى مضى أربعة آبـاء، فنكح ابنة عمه، وذهب نكاح الأخوات.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عزّ ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفته قتله إياه. وجائز أن يكون علـى نـحو ما قد ذكر السديّ فـي خبره، وجائز أن يكون كان علـى ما ذكره مـجاهد، والله أعلـم أيّ ذلك كان، غير أن القتل قد كان لا شكّ فـيه.

وأما قوله: {فأصْبَحَ مِنَ الـخاسِرِينَ} فإن تأويـله: فأصبح القاتل أخاه من ابنـي آدم من حزب الـخاسرين، وهم الذين بـاعوا آخرتهم بدنـياهم بإيثارهم إياها علـيها فوُكسوا فـي بـيعهم وغُبنوا فـيه، وخابوا فـي صفقتهم.

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ۝٣١

قال أبو جعفر: وهذا أيضاً أحد الأدلة علـى أن القول فـي أمر ابنـي آدم بخلاف ما رواه عمرو عن الـحسن لأن الرجلـين اللذين وصف الله صفتهما فـي هذه الآية لو كانا من بنـي إسرائيـل لـم يجهل القاتل دفن أخيه ومواراة سوأة أخيه، ولكنهما كانا من ولد آدم لصلبه. ولـم يكن القاتل منهما أخاه علـم سنة الله فـي عادة الـموتـى، ولـم يدر ما يصنع بأخيه الـمقتول، فذكر أنه كان يحمله علـى عاتقه حيناً حتـى أراحت جِيفته، فأحبّ الله تعريفه السنة فـي موتـى خـلقه، فقّـيض له الغرابـين اللذين وصف صفتهما فـي كتابه.

ذكر الأخبـار عن أهل التأويـل بـالذي كان من فعل القاتل من ابنـي آدم بأخيه الـمقتول بعد قتله إياه:

حدثنا سفـيان ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن أبـي رَوْق الهَمْدانـي، عن أبـيه، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: مكث يحمل أخاه فـي جراب علـى رقبته سنة، حتـى بعث الله جلّ وعزّ الغرابَـين، فرآهما يبحثان، فقال: أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟ فدفن أخاه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابـاً يَبْحَثُ فِـي الأرْضِ لِـيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أخيهِ} بعث الله جلّ وعزّ غرابـاً حياً إلـى غراب ميت، فجعل الغراب الـحيّ يواري سوأة الغراب الـميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: {يَا وَيْـلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أكُونَ مِثَلَ هَذَا الغُرابِ}... الآية.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـيـما ذكر عن أبـي مالك. وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس. وعن مرّة، عن عبد الله. وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: لـما مات الغلام تركه بـالعَراء ولا يعلـم كيف يُدْفن، فبعث الله غرابـين أخوين، فـاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثا علـيه، فلـما رآه قال: {يَا وَيْـلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أكُونَ مِثَلَ هَذَا الغُرابِ فَأُوارِىَ سَوْءَةَ أخِي} فهو قول الله: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابـاً يَبْحَثُ فِـي الأرْضِ لِـيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أخيهِ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يَبْحَثُ} قال: بعث الله غرابـاً حتـى حفر لآخر إلـى جنبه ميت وابن آدم القاتل ينظر إلـيه، ثم بحث علـيه حتـى غيَّبه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {غُرابـاً يَبْحَثُ فـي الأَرْضِ} حتـى حفر لآخر ميت إلـى جنبه، فغيّبه، وابن آدم القاتل ينظر إلـيه حيث يبحث علـيه، حتـى غيبه فقال: {يَا وَيْـلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أكُونَ مِثَلَ هَذَا الغُرابِ}... الآية.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قوله: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابـاً يَبْحَثُ فِـي الأرْضِ} قال: بعث الله غرابـاً إلـى غراب، فـاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فجعل يَحْثِـي علـيه التراب، فقال: {يَا وَيْـلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أكُونَ مِثَلَ هَذَا الغُرابِ فَأُوَارِىَ سَوْأةَ أخِي فأصْبَحَ منَ النَّادِمِينَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنـي عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابـاً يَبْحَثُ فِـي الأرْضِ قال: جاء غراب إلـى غراب ميت، فحثـي علـيه من التراب حتـى واراه، فقال الذي قتل أخاه: {يَا وَيْـلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أكُونَ مِثَلَ هَذَا الغُرابِ}... الآية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية، قال: لـما قتله ندم، فضمه إلـيه حتـى أرْوَح، وعكفت علـيه الطير والسبـاع تنتظر متـى يرمي به فتأكلَه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابـاً يَبْحَثُ فِـي الأرْضِ لِـيُرِيَهُ} أنه بعثه الله عزّ ذكره يبحث فـي الأرض ذُكِر لنا أنهما غرابـان اقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، وذلك يعنـي ابن آدم ينظر، وجعل الـحيّ يحثـي علـى الـميت التراب، فعند ذلك قال ما قال: {يَا وَيْـلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أكُونَ مِثَلَ هَذَا الغُرابِ}... الآية، إلـى قوله: {مِنَ النَّادِمِينَ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: أما قوله: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابـاً} قال: قتل غراب غرابـاً، فجعل يحثو علـيه، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه حين رآه: {يَا وَيْـلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أكُونَ مِثَلَ هَذَا الغُرابِ فَأُوَارِىَ سَوْءَةَ أخِي فأصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد فـي قوله: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابـاً يَبْحَثُ فِـي الأرْضِ لِـيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أخيهِ} قال: وارى الغرابُ الغرابَ. قال: كان يحمله علـى عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلـى الأرض حتـى رأى الغرابُ يدفن الغرابَ، فقال: {يَا وَيْـلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أكُونَ مِثَلَ هَذَا الغُرابِ فَأُوَارِىَ سَوأة أخِي فأصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا معلـى بن أسد، قال: ثنا خالد، عن حصين، عن أبـي مالك فـي قول الله: {يَا وَيْـلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أكُونَ مِثَلَ هَذَا الغُرابِ} قال: بعث الله غرابـاً، فجعل يبحث علـى غراب ميت التراب، قال: فقال عند ذلك: {أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوأة أخِي فأصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابـاً يَبْحَثُ فـي الأرْضِ}: بعث الله غرابـاً حياً إلـى غراب ميت، فجعل الغراب الـحيّ يواري سوأة الغراب الـميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: {يَا وَيْـلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ}... الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـيـما يذكر عن بعض أهل العلـم بـالكتاب الأوّل، قال: لـما قتله سُقِط فـي يديه، ولـم يد ركيف يواريه، وذلك أنه كان فـيـما يزعمون أوّل قتـيـل من بـين آدم، وأول ميت (قال) {يا وَيْـلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوأةَ أخي}... الآية (إلـى قوله:

{ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }[المائدة: 32] قال:) ويزعم أهل التوراة أن قابـيـل حين قتل أخاه هابـيـل، قال له جلّ ثناؤه: يا قابـيـل أين أخوك هابـيـل؟ قال: ما أدري ما كنت علـيه رقـيبـاً. فقال الله جلّ وعزّ له: إن صوت دم أخيك لـيَنُادينـي من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرض التـي فتـحت فـاها فبلعت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت فـي الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتـى تكون فزعاً تائها فـي الأرض. قال قابـيـل: عظمت خطيئتـي عن أن تغفرها، قد أخرجتنـي الـيوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قدّامك، وأكون فزعاً تائهاً فـي الأرض، وكلّ من لقـينـي قتلنـي فقال جلّ وعزّ: لـيس ذلك كذلك، ولا يكون كل قاتل قتـيلاً يجزى واحداً، ولكن يجزي سبعة، وجعل الله فـي قابـيـل آية، لئلا يقتله كلّ من وجده. وخرج قابـيـل من قدّام الله عزّ وجلّ، من شرقـي عَدَن الـجنة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن خيثمة، قال: لـما قتل ابن آدم أخاه نَشفَت الأرض دمه، فُلعنت، فلـم تنشف الأرض دماً بعد.

فتأويـل الكلام: فأثار الله للقاتل إذ لـم يدر ما يصنع بأخيه الـمقتول غرابـاً يبحث فـي الأرض، يقول: يحفر فـي الأرض، فـيثـير ترابها لـيريه كيف يواري سوءة أخيه، يقول: لـيريه كيف يواري جيفة أخيه. وقد يحتـمل أن يكون عنى بـالسوءة الفَرْج، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الـجِيفة، وبذلك جاء تأويـل أهل التأويـل. وفـي ذلك مـحذوف ترك ذكره، استغناء بدلالة ما ذكر منه، وهو: فأراه بأن بحث فـي الأرض لغراب آخر ميت، فواراه فـيها، فقال القاتل أخاه حينئذٍ: {يا وَيْـلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ} الذي وارى الغرابَ الآخر الـميت {فَأُوارِيَ سَوأةَ أخِي}؟ فواراه حينئذٍ {فأصْبَحَ منَ النَّادِمينَ} علـى ما فَرَط منه من معصية الله عزّ ذكره فـي قتله أخاه. وكلّ ما ذكر الله عزّ وجلّ فـي هذه الآيات، مَثَل ضَرَبَهُ الله لبنـي آدم، وحرّض به الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى استعمال العفو والصفح عن الـيهود، الذين كانوا هَمُّوا بقتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وقتلهم من بنـي النضير، إذ أتوهم يستعينونهم فـي دية قتـيـلـي عمرو بن أمية الضَّمْرِي، وعرَّفهم جلّ وعزّ رداءة سجية أوائلهم وسوء استقامتهم علـى منهج الـحقّ مع كثرة أياديه وآلائه عندهم، وضرب مثلهم فـي عدوّهم ومثل الـمؤمنـين فـي الوفـاء لهم والعفو عنهم بـابَنْـي آدم الـمقرِّبَـين قرابـينهما اللذين ذكرهما الله فـي هذه الآيات. ثم ذلك مَثَل لهم علـى التأسِّي بـالفـاضل منهما دون الطالـح، وبذلك جاء الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: قلت لبكر بن عبد الله: أما بلغك أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنّ الله جلّ وَعَزَّ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَـيْ آدَمَ مَثَلاً، فخُذُوا خَيْرَهُما وَدَعُوا شَرَّهُما؟ قال: بلـى.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق،، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ ابْنَـيْ آدَمَ ضُرِبـا مَثَلاً لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَخُذُوا بـالـخَيْرِ مِنْهُما

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن عاصم الأحول، عن الـحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللّهَ ضَرَبَ لَكُمْ ابْنَـيْ آدَمَ مَثَلاً، فَخُذُوا مِنْ خَيْرِهِمْ وَدَعُوا الشَّرَّ».

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ۝٣٢

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {مِنْ أجْلِ ذَلِكَ} من جَرَّ ذلك وجريرته وجنايته، يقول: من جرّ القاتل أخاه من ابنـي آدم اللذَين اقتصصنا قصتهما الـجريرة التـي جرّها وجنايته التـي جناها، كتبنا علـى بنـي إسرائيـل. يقال منه: أجَلْتُ هذا الأمر: أي جررته إلـيه وكسبته آجُلُه له أجْلاً، كقولك: أخذته أخذاً، ومن ذلك قول الشاعر:

وأهْلِ خِبـاءٍ صَالـحٍ ذاتُ بَـيْنِهِمْ قَد احْتَرَبوا فِـي عاجِلٍ أنا آجِلُهْ

يعنـي بقوله: أنا آجله: آنا الـجارّ ذلك علـيهم والـجانـي.

فمعنى الكلام: من جناية ابن آدم القاتل أخاه ظلـماً، حكمنا علـي بنـي إسرائيـل أنه من قتل منهم نفساً ظلـماً بغير نفس قَتَلت فُقِتل بها قصاصاً {أو فَسَادٍ فـي الأرْضِ} يقول: أو قتل منهم نفساً بغير فساد كان منها فـي الأرض، فـاستـحقت بذلك قتلها. وفسادها فـي الأرض إنـما يكون بـالـحرب لله ولرسوله وإخافة السبـيـل.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنـي عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا علـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ} يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلـماً.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله جلّ ثناؤه: {مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ فَكأنـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أحْياها فَكأنَّـما أحيْا النَّاس جَمِيعاً} فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن قتل نبـياً أو إمام عدل، فكأنـما قتل الناس جميعاً، ومن شدّ علـى عضد نبـيّ أو إمام عدل، فكأنـما أحيا الناس جميعاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو عمار حسين بن حُرَيْثٍ الـمَرْوَزِيّ، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن الـحسين بن واقد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قوله: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ فَكأنـمَا قَتَلَ النَّاسع جَمِيعاً وَمَنْ أحْياها فَكأنـمَا أحيْا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: من شدّ علـى عضد نبـيّ أو إمام عدل فكأنـما أحيا الناس جميعاً. ومن قتل نبـياً أو إمام عدل فكأنـما قتل الناس جميعاً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس فـي قوله: {مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا علـى بَنِـي إْسرَائِيـلَ أنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ فَكأنَّـما قَتَلَ النَّاس جَمِيعاً} يقول: من قتل نفساً واحدة حرّمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعاً. {وَمَنْ أحْياها} يقول: من ترك قتل نفس واحدة حرّمتها مخافتـي واستـحياها أن يقتلها، فهو مثل استـحياء الناس جميعاً يعنـي بذلك الأنبـياء عليهم السلام.

وقال آخرون: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ فَكأنَـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} عند الـمقتول فـي الإثم {وَمَنْ أحيْاها} فـاستنقذها من هلكة {فَكأنـمَا أحيْا النَّاسَ جَمِيعاً} عند الـمستنقذ. ذكر من قال ذلك):

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـيـما ذكر عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرّة الهمدانـي، عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوله: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ فَكأنَـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} عند الـمقتول، يقول فـي الإثم: ومن أحياها فـاستنقذها من هلكة، فكأنـما أحيا الناس جميعاً عند الـمستنقَذ.

وقال آخرون: معنى ذلك: أن قاتل النفس الـمـحرّم قتلها يصلـي النار كما يصلاها لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها: من سلـم من قتلها فقد سلـم من قتل الناس جميعاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن خَصِيف، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: {مَنْ أحْياها فَكأنَـمَا أحيْا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: من كفّ عن قتلها فقد أحياها، ومن قتل نفساً بغير نفس فكأنـما قتل الناس جميعاً. قال: ومن أوبقها.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن خصيف، عن مـجاهد، قال: من أوبق نفساً فكما لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها وسلـم من طلبها فلـم يقتلها فقد سلـم من قتل الناس جميعاً. حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن شريك، عن خصيف، عن مـجاهد: {فَكأنَـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أحْياها فَكأنَـما أحيْا النَّاسَ جَمِيعاً} لـم يقتلها، وقد سلـم منه الناس جميعاً لـم يقتل أحداً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن الأوزاعي، قال: أخبرنا عبدة ابن أبـي لُبـابة، قال: سألت مـجاهداً، أو سمعته يُسْئل عن قوله: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ فَكأنَـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} قال: لو قتل الناس جميعاً كان جزاؤه جهنـم خالداً فـيها، وغضب الله علـيه ولعنه، وأعدّ له عذابـاً عظيـماً.

حدثنـي الـمثنى، قال:ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن ابن جريج قراءة، عن الأعرج، عن مـجاهد فـي قوله: {فَكأنَـما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} قال: الذي يقتل النفس الـمؤمنة متعمداً، جعل الله جزاءه جهنـم، وغضب الله علـيه ولعنه، وأعدّ له عذابـاً عظيـماً يقول: لو قتل الناس جميعاً لـم يزد علـى مثل ذلك من العذاب قال ابن جريج، قال مـجاهد: {وَمَنْ أحْياها فَكأنَـما أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: من لـم يقتل أحداً فقد استراح الناس منه.

حدثنا سفـيان، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن خصيف، عن مـجاهد، قال: أوبق نفساً.

حدثنا سفـيان، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: فـي الإثم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ فَكأنـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}، وقوله:

{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ } [النساء: 93] قال: يصير إلـى جهنـم بقتل الـمؤمن، كما أنه لو قتل الناس جميعاً لصار إلـى جهنـم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا علـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ أنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ فَكأنَـما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} قال: هو كما قال. وقال: {وَمَنْ أحيْاها فَكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} فإحياؤها لا يقتل نفساً حرّمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعاً، يعنـي أنه من حرّم قتلها إلا بحقّ حيـي الناس منه جميعاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن العلاء بن عبد الكريـم، عن مـجاهد: {وَمَنْ أحيْاها} قال: ومن حرّمها فلـم يقلتها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن العلاء، قال: سمعت مـجاهداً يقول: {مَنْ أحْياها فَكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: من كفّ عن قتلها فقد أحياها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {فَكأنـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} قال: هي كالتـي فـي النساء:

{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ } [النساء: 93] فـي جزائه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَكأنـمَا قَتَل النَّاسَ جَمِيعاً كالتـي فـي سورة النساء:

{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً } [النساء: 93] فـي جزائه {وَمَنْ أحْياها} ولـم يقتل أحداً فقد حيـي الناس منه.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، عن العلاء بن عبد الكريـم، عن مـجاهد فـي قوله: {وَمَنْ أحياها فَكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: التفت إلـى جلسائه فقال: هو هذا وهذا.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن قتل نفساً بغير نفس أو فساد فـي الأرض فكأنـما قتل الناس جميعاً، لأنه يجب علـيه من القصاص به والقود بقتله، مثل الذي يجب علـيه من القود والقصاص لو قتل الناس جميعاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا علـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ أنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ فَكأنـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} قال: يجب علـيه من القتل مثل لو أنه قتل الناس جميعاً. قال: كان أبـي يقول ذلك.

وقال آخرون: معنى قوله: {وَمَنْ أحيْاها} من عفـا عمن وجب له القصاص منه فلـم يقتله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَمنْ أحيْاها فَكأنـمَا أحيْا النَّاسَ جَمِيعاً} يقول: من أحياها أعطاه الله جلّ وعزّ من الأجر مثلَ لو أنه أحيا الناس جميعاً. أحياها فلـم يقتلها وعفـا عنها. قال: وذلك ولـيّ القتـيـل، والقتـيـل نفسه يعفو عنه قبل أن يـموت. قال: كان أبـي يقول ذلك.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن يونس، عن الـحسن فـي قوله: {وَمَنْ أحياها فَكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيَعاً} قال: من عفـا.

حدثنا سفـيان، قال: ثنا عبد الأعلـى، عن يونس، عن الـحسن: {وَمَنْ أحياها فَكأنَّـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: من قُتل حميـم له فعفـا عن دمه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن يونس، عن الـحسن: {وَمَنْ أحياها فَكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: العفو بعد القدرة.

وقال آخرون: معنى قوله: {وَمَنْ أحياها فَكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} ومن أنـجاها من غرق أو حرق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد: {وَمَنْ أحياها فَكأنَـما أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: من أنـجاها من غَرَقٍ أو حَرَقٍ أو هلكة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، وحدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {وَمَنْ أحياها فَكأنـمَا أحيا النَّاس جَمِيعاً} قال: من غَرَق أو حَرَق أو هَدَم.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن خصيف، عن مـجاهد: {وَمَنْ أحياها} قال: أنـجاها. وقال الضحاك بـما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن أبـي عامر، عن الضحاك، قال: {مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ} قال: من توّرع أو لـم يتورّع.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنـي عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} يقول: لو لـم يقتله لكان قد أحيا الناس، فلـم يستـحلّ مـحرّماً. وقال قتادة والـحسن فـي ذلك بـما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلـى، عن يونس، عن الـحسن: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِـي الأرْضِ} قال: عَظُم ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا علـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ أنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ}... الآية: من قتلها علـى غير نفس ولا فساد أفسدته {فَكأنـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أحياها فَكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} عظُم والله أجْرُها، وعظُم وِزْرُها فأحيها يا ابن آدم بـمالك، وأحيها بعفوك إن استطعت، ولا قوّة إلا بـالله. وإنا لا نعلـمه يحلّ دم رجل مسلـم من أهل هذه القبلة إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه فعلـيه القتل، أو زنى بعد إحصانه فعلـيه الرجم، أو قتل متعمداً فعلـيه القَوَد.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: تلا قتادة: {مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَكأنـمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أحْياها فَكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: عَظُم والله أجرُها، وَعظُم والله وِزْرُها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن سلام بن مسكين، قال: ثنـي سلـيـمان بن علـيّ الرَّبْعي، قال: قلت للـحسن: {مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا علـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ أنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ}... الآية، أهي لنا يا أبـا سعيد كما كانت لبنـي إسرائيـل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبنـي إسرائيـل وما جعل دماء بنـي إسرائيـل أكرم علـى الله من دمائنا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن سعيد بن زيد، قال: سمعت خالداً أبـا الفضل، قال: سمعت الـحسن تلا هذه الآية:

{ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ }[المائدة: 30]... إلـى قوله: {وَمَنْ أحياها فَكأنـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً} ثم قال: عَظَّم والله فـي الوزر كما تسمعون، ورغّب والله فـي الأجر كما تسمعون إذا ظننت يا ابن آدم أنك لو قتلت الناس جميعاً فإن لك من عملك ما تفوز به من النار، كَذَبَتْك والله نفسك، وكَذَبَكَ الشيطان.

حدثنا هناد، قال: ثنا ابن فضيـل، عن عاصم، عن الـحسن فـي قوله: {فَكأنَـما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} قال: وزراً {وَمَنْ أحياها فَكأنَّـمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعاً}. قال: أجراً.

وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك أنه من قتل نفساً مؤمنة بغير نفس قتلتها فـاستـحقت القود بها والقتل قصاصاً، أو بغير فساد فـي الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب الـمؤمنـين فـيها، فكأنـما قتل الناس جميعاً فـيـما استوجب من عظيـم العقوبة من الله جلّ ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله:

{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } [النساء: 93].

وأما قوله: {وَمَنْ أحيْاها فَكأنـمَا أحيْا النَّاسَ جَمِيعاً} فأولـى التأويلات به قول من قال: من حرّم قتل من حرّم الله عزّ ذكره قتَله علـى نفسه، فلـم يتقدم علـى قتله، فقد حِيـيَ الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها. وذلك نظير خبر الله عزّ ذكره عمن حاجّ إبراهيـم فـي ربه، إذ قال له إبراهيـم:

{ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ }[البقرة: 258]. فكان معنى الكافر فـي قـيـله: أنا أحيي وأميت: أنا أترك من قدرت علـى قتله وفـي قوله: وأميت: قَتْلُه من قتله. فكذلك معن الإحياء فـي قوله: {وَمَنْ أحْياها}: من سلـم الناس من قتله إياهم، إلا فـيـما أذن الله فـي قتله منهم {فَكأنـمَا أحْيا النَّاسَ جَمِيعاً}.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات بتأويـل الآية، لأنه لا نفس يقوم قتلها فـي عاجل الضرّ مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس فـي عاجل النفع، فكان معلوماً بذلك أن معنى الإحياء: سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لـم يتقدم علـى نفس واحدة، فقد سلـم منه جميع النفوس، وأن الواحدة منها التـي يقوم قتلها مقام جميعها إنـما هو فـي الوزر، لأنه لا نفس من نفوس بنـي آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها وإن كان فقد بعضها أعمّ ضرراً من فقد بعض.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ولَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بـالبَـيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِـيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فـي الأرْضِ لَـمُسْرِفُونَ}.

وهذا قسم من الله جلّ ثناؤه أقسم به، إن رسله صلوات الله علـيهم قد أتت بنـي إسرائيـل الذين قصّ الله قصصهم وذكر نبأهم فـي الآيات التـي تقدمت من قوله:

{ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ }[المائدة: 11] إلـى هذا الـموضع. {بـالبَـيِّناتِ} يعنـي: بـالآيات الواضحة، والـحجج البـينة علـى حقـية ما أرسلوا به إلـيهم وصحة ما دعوهم إلـيه من الإيـمان بهم وأداء فرائض الله علـيهم، يقول الله عزّ ذكره: {ثُمَّ إنَّ كَثِـيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِـي الأرْضِ لَـمُسْرِفُونَ} يعنـي أن كثـيراً من بنـي إسرائيـل، والهاء والـميـم فـي قوله: {ثُمَّ إنَّ كَثِـيراً مِنْهُمْ} من ذكر بنـي إسرائيـل، وكذلك ذلك فـي قوله: {وَلَقَدْ جاءتْهُمْ} بعد ذلك، يعنـي بعد مـجيـيء رسل الله بـالبـينات فـي الأرض. {لـمُسْرِفُونَ} يعنـي: أنهم فـي الأرض لعاملون بـمعاصي الله، ومخالفون أمر الله ونهيه، ومـحادوا الله ورْسلِهِ، بـاتبـاعهم أهواءهم وخلافهم علـى أنبـيائهم وذلك كان إسرافهم فـي الأرض.
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ