انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 110–120

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 109–120في هذه الصفحة 13:05

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝١١٠

يقول تعالى ذكره لعباده: احذروا يوم يجمع الله الرسل فيقول لهم: ماذا أجابتكم أممكم في الدنيا {إذ قالَ اللَّهُ يا عيِسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى وَالِدَتِكَ إذْ أيَّدتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ} ف «إذْ» من صلة «أجبتم»، كأن معناها: ماذا أجابت عيسى الأمم التي أرسل إليها عيسى.

فإن قال قائل: وكيف سئلت الرسل عن إجابة الأمم إياها في عهد عيسى، ولم يكن في عهد عيسى من الرسل إلا أقلّ ذلك؟ قيل: جائز أن يكون الله تعالى عنى بقوله: فيقول ماذا أجبتم الرسل الذين كانوا أرسلوا في عهد عيسى. فخرج الخبر مخرج الجميع، والمراد منهم من كان في عهد عيسى، كما قال تعالى:

{ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ }والمراد: واحد من الناس، وإن كان مخرج الكلام على جميع الناس.

ومعنى الكلام: {إذْ قالَ اللّهُ} حين قال{ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ} يقول: يا عيسى، اذكر أياديّ عندك وعند والدتك، إذ قوّيتك بروح القدس وأعنتك به.

وقد اختلف أهل العربية في أيدتك ما هو من الفعل، فقال بعضهم: هو فعلتك، كما في قولك: قوّيتك فعلت من القوّة.

وقال آخرون: بل هو فاعلتك من الأيد. ورُوِي عن مجاهد أنه قرأ: «إذْ آيَدْتُكَ» بمعنى: أفعلتك من القوّة والأيد. وقوله: {بِرُوحِ القُدسِ} يعني بجبريل، يقول: إذ أعنتك بجبريل. وقد بينت معنى ذلك وما معنى القُدُس فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

القول في تأويل قوله تعالى: {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وكَهْلاً وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْرَاةَ والإنْجِيلَ وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بإذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ بإذْنِي وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بإذْنِي وَإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهُمْ بالبَيِّناتِ فقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ}.

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قِيله لعيسى: {اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ} في حال تكليمك الناس في المهد وكهلاً. وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره أنه أيَّده بروح القُدس صغيراً في المهد وكهلاً كبيراً، فردّ «الكهل» على قوله في «المهد» لأن معنى ذلك: صغيراً، كما قال الله تعالى ذكره: دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِداً أو قائماً. وقوله: {وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْرَاةَ والإنْجِيلَ} يقول: واذكر أيضاً نعمتي عليك إذ علمتك الكتاب: وهو الخط، والحكمة: وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك وهو الإنجيل. {وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةٍ الطَّيْرِ} يقول: كصورة الطير، {بإذْنِي} يعني بقوله {تَخْلُقُ}: تعمل وتصلح من الطين، {كَهِيْئَةِ الطَّيْرِ بإذْنِي} يقول: بعوني على ذلك وعلم مني. {فَتَنْفُخُ فِيها} يقول: فتنفخ في الهيئة، فتكون الهيئة والصورة {طَيْراً بإذْنِي وتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ} يقول: وتشفي الأكمه: وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئاً المطموس البصر، {والأبْرَصَ بإذْنِي}. وقد بينت معاني هذه الحروف فيما مضى من كتابنا هذا مفسراً بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: {وَإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهُمْ بالبَيِّناتِ} يقول: واذكر أيضاً نعمتي عليك، بكّفي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك وقد هّموا بقتلك، {إذْ جِئْتَهُمْ بالبَيِّنَاتِ} يقول: إذ جئتهم بالأدلة والأعلام المعجزة على نبوّتك وحقية ما أرسلتك به إليهم. {فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} يقول تعالى ذكره: فقال الذين جحدوا نبوّتك وكذّبوك من بني إسرائيل: {إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ}.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء أهل المدينة وبعض أهل البصرة: {إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} يعني: يبين عما أتى به لمن رآه ونظر إليه أنه سحر لا حقيقة له. وقرأ ذلك عامَّة قراء الكوفة: «إنْ هَذَا إلاَّ ساحِرٌ مُبِينٌ» بمعنى: ما هذا، يعني به عيسى، إلا ساحر مبين، يقول: يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه أنه ساحر لا نبيّ صادق.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متفقتان غير مختلفتين، وذلك أن كلّ من كان موصوفاً بفعل السحر فهو موصوف بأنه ساحر، ومن كان موصوفاً بأنه ساحر فإنه موصوف بفعل السحر، فالفعل دالّ على فاعله والصفة تدلّ على موصوفها، والموصوف يدلّ على صفته والفاعل يدلّ على فعله فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب الصواب في قراءته.

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ۝١١١

يقول تعالى ذكره: واذكر أيضاً يا عيسى إذ ألقيت إلى الحواريين، وهم وزراء عيسى على دينه. وقد بينا معنى ذلك ولم قيل لهم الحواريون فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

وقد اختلف ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله: {وَإذْ أوْحَيْتُ} وإن كانت متفقة المعاني، فقال بعضهم بما:

حدثني به محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوَارِيِّينَ} يقول قذفت في قلوبهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: ألهمتهم.

فتأويل الكلام إذن: وإذ ألقيت إلى الحواريين أن صدّقوا بي وبرسولي عيسى، فقالوا: آمَّنا: أي صدّقنا بما أمرتنا أن نؤمن يا ربنا. {واشْهَدْ} علينا {بأنّنا مُسْلِمُونَ} يقول: واشهد علينا بأننا خاضعون لك بالذلة سامعون، مطيعون لأمرك.

إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١١٢

يقول تعالى ذكره: واذكر يا عيسى أيضاً نعمتي عليك، إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي، إذ قالوا لعيسى ابن مريم: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ} فـ «إذ» الثانية من صلة «أوحيت».

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: «هَلْ تَسْتَطِييِعُ» بالتاء «رَبَّكَ» بالنصب، بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك، وهل تستطيع أن تدعو ربك أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكِّين أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟

حدثنا ابن وكيع قال: ثنا محمد بن بشر، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكُّون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة، ولكن قالوا: يا عيسى، هل تستطيع ربَّك؟

حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا ابن مهدي، عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن حيان بن مخارق، عن سعيد بن جبير أنه قرأها كذلك: «هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ» وقال: تستطيع أن تسأل ربك؟ وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟

وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والعراق: {هَلْ يَسْتَطِيعُ} بالياء {رَبُّكَ} بمعنى: أن ينزّل علينا ربُّك، كما يقول الرجل لصاحبه: أتستطيع أن تنهض معنا في كذا؟ وهو يعلم أنه يستطيع، ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ وقد يجوز أن يكون مراد قارئه كذلك: هل يستجيب لك ربك ويطيعك أن تنزّل علينا؟

وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك: {هَلْ يَسْتَطِيعُ} بالياء {رَبُّكَ} برفع الربّ، بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟

وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله: {إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ} من صلة «إذ أوحيت»، وأن معنى الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي {إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ يا عيِسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}. فبين إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قيلهم ذلك، والإقرار لله بالقدرة على كلّ شيء، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاماً منه لما قالوا: {اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ففي استتابة الله إياهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم، الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الربّ إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو كانوا قالوا له: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء؟ أن تستكبر هذا الاستكبار.

فإن ظنّ ظانّ أن قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم، لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياء من كان بها مكذّباً، ليتقرّر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحوّل لهم الصفا ذهباً ويفجِّر فجاج مكة أنهاراً من سأله من مشركي قومه، وكما كانت مسألة صالح الناقة من مكذّبي قومه، ومسألة شعيب أن يسقط كِسْفاً من السماء من كفار من أرسل إليهم. وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزّل عليهم مائدة من السماء، على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الربّ محلاًّ أعظم من المحلّ الذي ظنوا أنهم نزّهوا ربهم عنه، أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبيّ مبعوث ورسول مرسل، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر. فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إياه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيه، إذا كان فقيراً أن يسأل له ربه أن يغنيه، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فأنَّى ذلك من مسألة الآية في شيء؟ بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله تعالى عن القوم ينبىء بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى، إذ قال لهم:

{ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أنْ نَأكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا }}. فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشكّ في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختباراً.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس، أنه كان يحدّث عن عيسى صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً، ثم تسألوه فيعطيَكم ما سألتم؟ فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا حين نفرغ طعاماً {فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قال} عيسى {اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمِئَنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ}... إلى قوله:

{ لا أعَذّبُهُ أحَداً مِنَ العَالِميَن }قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ} قالوا: هل يطيعك ربك إن سألته؟ فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطعام إلا اللحم فأكلوا منها.

وأما المائدة فإنها الفاعلة، من ماد فلان القوم يَمِيدُهم مَيْداً: إذا أطعمهم ومارهم ومنه قول رؤبة:

نُهْدِي رُءُوسَ المُتْرَفِينَ الأنْدادْإلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتادْ

يعني بقوله: الممتاد: المُسْتَعْطَى، فالمائدة المطعِمة الخِوانَ سميت بذلك، لأنها تطعم الآكل مما عليها. والمائد: المدارُ به في البحر، يقال: ماد يَمِيدُ مَيْداً.

وأما قوله: {قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فإنه يعني: قال عيسى للحواريين القائلين له: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ}: راقبوا الله أيها القوم، وخافوا أن ينزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده، وفي شككم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء كفر به، فاتقوا الله أن ينزل بكم نقمته إن كنتم مؤمنين يقول: إن كنتم مصدقيّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ}.

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝١١٣

يعني تعالى ذكره بذلك: قال الحواريون مجيبي عيسى على قوله لهم:

{ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }في قولكم { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ }}: أنّا إنما قلنا ذلك وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة، فنعلم يقيناً قدرته على كلّ شيء {وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا} يقول: وتستكن قلوبنا وتستقرّ على وحدانيته وقدرته على كلّ ما شاء وأراد، ونعلم أن قد صدقتنا، ونعلم أنك لم تكذّبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل ونبيّ مبعوث. {ونَكُونَ عَلَيْها} يقول: ونكون على المائدة، {مِنَ الشَّاهِدِينَ} يقول: ممن يشهد أن الله أنزلها حجة لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء ولك على صدقك في نبوّتك.

قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝١١٤

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم أنه أجاب القوم إلى ما سألوه من مسألة ربه مائدة تنزل عليهم من السماء.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:{تَكُونُ لَنا عِيداً لأَوَّلِنا وآخِرِنا} فقال بعضهم: معناه: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنا وآخِرِنا} يقول: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا.

حدثنا بشر بن معاذ،قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {تَكُونُ لَنا عِيدا لأَوَّلِنا وآخِرِنا} قال: أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لأَوَّلِنا} قال: الذين هم أحياء منهم يومئذ {وآخِرِنا} مَن بعدهم منهم.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: قال سفيان: {تَكُونُ لَنا عِيداً} قالوا: نصلي فيه نزلت مرّتين.

وقال آخرون: معناه: نأكل منها جميعاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس، أنه قال: أكل منها يعني من المائدة حين وضعت بين أيديهم آخر الناس كما أكل منها أوّلهم.

وقال آخرون: معنى قوله {عِيداً} عائدة من الله تعالى علينا حجة وبرهاناً.

وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: تكون لنا عيداً، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه ونصلي له فيه، كما يعيِّد الناس في أعيادهم. لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في العيد ما ذكرنا دون القول الذي قاله من قال معناه: عائدة من الله علينا وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به أولى من توجيهه إلى المجهول منه ما وجد إليه السبيل.

وأما قوله: {لأَوَّلِنا وآخِرِنا} فإن الأولى من تأويله بالصواب قول من قال: تأويله للأحياء منا اليوم ومن يجيء بعدنا منا للعلة التي ذكرناها في قوله: {تَكُونُ لَنا عِيداً} لأن ذلك هو الأغلب من معناه.

وأما قوله: {وآيَةً مِنْكَ} فإن معناه: وعلامة وحجة منك يا ربّ على عبادك في وحدانيتك، وفي صدقي على أني رسول إليهم بما أرسلتني به. {وَارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}: وأعطنا من عطائك، فإنك يا ربّ خير من يعطي وأجود من تفضّل، لأنه لا يدخل عطاءه منّ ولا نكد.

وقد اختلف أهل التأويل في المائدة، هل أنزلت عليهم أم لا؟ وما كانت؟ فقال بعضهم: نزلت وكانت حوتاً وطعاماً، فأكل القوم منها، ولكنها رفعت بعد ما نزلت بأحداث منهم أحدثوها فيما بينهم وبين الله تعالى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: نزلت المائدة خبزاً وسمكاً.

حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثنا أبي، عن الفضيل، عن عطية، قال: المائدة سمكة فيها طعم كلّ طعام.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن فضيل، عن مسروق، عن عطية، قال: المائدة: سمك فيه من طعم كلّ طعام.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن، قال: نزلت المائدة خبزاً وسمكاً.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاءوا.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا المنذر بن النعمان، أنه سمع وهب بن منبه يقول في قوله: {أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً} قال: نزل عليهم قِرصَة من شعير وأحوات. قال الحسن: قال أبو بكر: فحدّثت به عبد الصمد بن معقل، فقال: سمعت وهباً وقيل له: وما كان ذلك يغني عنهم؟ فقال: لا شيء ولكن الله حثا بين أضعافهنّ البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ويجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكلوا جميعهم وأفضلوا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، قال: هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {مائدَةً مِنَ السَّماءِ} قال: مائدة عليها طعام أبَوْها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا فأبوا أن تنزل عليهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن إسحاق بن عبد الله: أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاءوا. قال: فسرق بعضهم منها، وقال: لعلها لا تنزل غداً فرفعت.

حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن سماك بن حرب، عن رجل من بني عجل قال: صليت إلى جنب عمار بن ياسر، فلما فرغ، قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: فقلت لا. قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني أعذّبكم عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين. قال: فما تمّ يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا، فعُذّبوا عذاباً لم يعذّبه أحداً من العالمين. وإنكم معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولاً من أنفسكم تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم على لسان نبيكم أنكم ستظهرون على العرب، ونهاكم أن تكنزوا الذهب والفضة، وأيم الله لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذّبكم عذاباً أليماً

حدثنا الحسن بن قزعة البصريّ، قال: ثنا سفيان بن حبيب، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن جلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

نَزَلَتِ المَائدَةُ خُبْزاً ولَحْماً، وأُمِرُوا أنْ لا يَخُونُوا وَلا يَدَّخِرُوا وَلا يَرْفَعُوا لِغَد، فَخانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنازِيرَ».

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يوسف بن خالد، قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة عن ابن عباس في المائدة، قال: كانت طعاماً ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن جلاس بن عمرو، عن عمار، قال: نزلت المائدة، وعليها ثمر من ثمر الجنة، فأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدّخروا. قال: فخان القوم وخبئوا وادخروا، فحوّلهم الله قردة وخنازير.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمر من ثمار الجنة، وأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدّخروا لغد، بلاء ابلاهم الله (به)، وكانوا إذا فعلوا شيئاً من ذلك أنبأهم به عيسى، فخان القوم فيه فخبئوا وادّخروا لغد.

وقال آخرون: كان عليها من كلّ طعام إلا اللحم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل، اختلفت عليها الأيدي بكلّ طعام.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عطاء، عن ميسرة وزاذان، قالا: كانت الأيدي تختلف عليها بكل طعام.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن زاذان وميسرة في: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ} قالا: رأوا الأيدي تختلف عليها بكلّ شيء إلا اللحم.

وقال آخرون: لم ينزل الله على بني إسرائيل مائدة: ثم اختلف قائلو هذه المقالة فقال بعضهم: إنما هذا مثل ضربه الله تعالى لخلقه نهاهم به عن مسألة نبيّ الله الآيات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدةً مِنَ السَّماءِ} قال: مثل ضرب، لم ينزل عليهم شيء.

وقال آخرون: إن القوم لما قيل لهم:

{ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فإنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً لا أعذّبُه أحَداً مِنَ العالَمِينَ }استعْفَوا منها فلم تنزل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول لما قيل لهم:

{ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ } إلى آخر الآية، قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن أنه قال في المائدة: لم تنزل.

حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبَوْا أن تنزل عليهم.

والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربه. وإنما قلنا ذلك للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم غير من انفرد بما ذكرنا عنه. وبعد، فإن الله تعالى لا يخلف وعده ولا يقع في خبره الخلف، وقد قال تعالى مخبراً في كتابه عن إجابة نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم حين سأله ما سأله من ذلك: {إنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره إني منزلها عليكم، ثم لا ينزلها لأن ذلك منه تعالى خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول: إني منزلها عليكم، ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول:

{ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فإنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذّبُهُ أحَداً مِن العالَمِينَ } ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة، وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى بذلك.

وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون كان سمكاً وخبزاً، وجائز أن يكون كان ثمراً من ثمر الجنة وغير نافع العلم به ولا ضارّ الجهل به إذا أقرّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١١٥

وهذا جواب من الله تعالى للقوم فيما سألوا نبيهم عيسى مسألة ربهم من إنزاله مائدة عليهم، فقال تعالى ذكره: إني منزلها عليكم أيها الحواريون فمطعمكموها. {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ} يقول: فمن يجحد بعد إنزالها عليكم وإطعامكموها منكم رسالتي إليه وينكر نبوّة نبي عيسى صلى الله عليه وسلم ويخالف طاعتي فيما أمرته ونهيته، فإني أعذّبه عذاباً لا أعذّبه أحداً من عالمي زمانه. ففعل القوم، فجحدوا وكفروا بعد ما أنزلت عليهم فيما ذكر لنا، فعذّبوا فيما بلغنا بأن مسخوا قردة وخنازير. كالذي:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}.... الآية، ذكر لنا أنهم حوّلوا خنازير.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب ومحمد بن أبي عديّ، ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن أبي المغيرة القوّاس، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن أشدّ الناس عذاباً ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن عوف، قال: سمعت أبا المغيرة القوّاس يقول: قال عبد الله بن عمرو: إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة: مَنْ كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ} بعد ما جاءته المائدة، {فإنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذّبُهُ أحَداً مِنَ العالَمِينَ} يقول: أعذّبه بعذاب لا أعذّبه أحداً من العالمين غير أهل المائدة.

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝١١٦

يقول تعالى ذكره: يوم يجمع الله الرسل، فيقول ماذا أجبتم، إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ وقيل: إن الله قال هذا القول لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَإذْ قالَ اللَّه يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مَنْ دُونِ اللَّهِ} قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم إليه، قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله عن قوله، فـ {قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}.... إلى قوله:

{ وأنْتَ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ }

وقال آخرون: بل هذا خبر من الله تعالى ذكره عن أنه يقول لعيسى ذلك في القيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج:

{ {وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ }قال: والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، وأقرّ له بالعبودية على نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول أنه إنما كان يقول باطلاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال:

{ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ }فأرعدت مفاصله، وخشي أن يكون قد قال، فـ{قَالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}... الآية.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {يا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} متى يكون ذلك؟ قال: يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول:

{ هَذَا يَومُ يَنْفَعُ الصَّادقِينَ صِدْقُهُمْ }}.

فعلى هذا التأويل الذي تأوّله ابن جريج يجب أن يكون «وإذْ» بمعنى «وإذا»، كما قال في موضع آخر: وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا، بمعنى: يفزعون. وكما قال أبو النجم:

ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إذْ جَزَىجَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلاليِّ العُلا

والمعنى: إذا جزى. وكما قال الأسود:

فالآنَ إذْ هازَلْتُهُنَّ فإنَّمَايَقُلْنْ ألا لم يذْهَبِ الشَّيخُ مَذْهَبا

بمعنى: إذا هازلتهنّ. وكأنّ من قال في ذلك بقول ابن جريج هذا، وجَّه تأويل الآية إلى: { فَمَنْ يَكْفُرْ بعدُ مِنْكُمْ فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالِمينَ }في الدنيا وأعذّبه أيضاً في الآخرة، {إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}.

وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك، قول من قال بقول السدّيّ: وهو أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه، وأن الخبر خبر عما مضى لعلتين: إحداهما: أن «إذ» إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضي من الفعل، وإن كانت قد تدخلها أحياناً في موضع الخبر عما يحدث إذا عرف السامعون معناها وذلك غير فاشٍ ولا فصيح في كلامهم، فتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر. والأخرى: أن عيسى لم يشكّ هو ولا أحد من الأنبياء أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، فيجوز أن يتوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيباً لربه تعالى:

{ إن تعذّب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }}.

فإن قال قائل: وما كان وجه سؤال الله عيسى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك؟ قيل: يحتمل ذلك وجهين من التأويل: أحدهما: تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيه، كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ مما يعلم المقول له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له: «أفعلته» على وجه النهي عن فعله والتهديد له فيه. والآخر: إعلامه أن قومه الذين فارقهم قد خالفوا عهده وبدّلوا دينهم بعده، فيكون بذلك جامعاً إعلامه حالهم بعده وتحذيره له قيله.

وأما تأويل الكلام: فإنه: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين، أي معبودين تعبدونهما من دون الله؟ قال عيسى: تنزيهاً لك يا ربّ وتعظيماً أن أفعل ذلك أو أتكلم به، ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ يقول: ليس لي أن أقول ذلك لأني عبد مخلوق وأمي أمة لك، فهل يكون للعبد والأمة ادّعاء ربوبية؟

{ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ }}، يقول: إنك لا يخفى عليك شيء، وأنت عالم أني لم أقل ذلك ولم آمرهم به.

القول في تأويل قوله تعالى:

{ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ }}.

يقول تعالى ذكره مخبراً عن نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم أنه يبرأ إليه مما قالت فيه وفي أمه الكفرة من النصارى أن يكون دعاهم إليه أو أمرهم به، فقال: {سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} ثم قال: {تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي} يقول: إنك يا ربّ لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لم أنطلق به ولم أظهره بجوارحي، فكيف بما قد نطقت به وأظهرته بجوارحي؟ يقول: لو كنت قد قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله كنت قد علمته، لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به فكيف بما قد نطقت به. {وَلا أعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ} يقول: ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه، لأني إنما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه {إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} يقول: إنك أنت العالم بخفيات الأمور التي لا يطلع عليها سواك ولا يعلمها غيرك.

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝١١٧

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول عيسى، يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم {اعْبُدُوا الله رَبِّي ورَبَّكُمْ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهداً عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم. {فَلمَّا توفَّيْتَني} يقول: فلما قبضتني إليك، {كُنْتُ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ} يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني، لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم.

وفي هذا تبيان أن الله تعالى إنما عرّفه أفعال القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله:

{ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ }}...{وأنْتَ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ} يقول: وأنت تشهد على كل شيء، لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظَهْرُ القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيت وشهدت.

وبنحو الذي قلنا في قوله: {كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} أما الرقيب: فهو الحفيظ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} قال: الحفيظ.

وكانت جماعة من أهل العلم تقول: كان جواب عيسى الذي أجاب به ربه من الله تعالى توفيقاً منه له فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: {أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} قال: الله وفَّقه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود الحفري، قال: قرىء على سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه طاوس، قال: احتجّ عيسى والله وفَّقه: {أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}... الآية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: قال الله تعالى: {يا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}؟ قال: فأرعدت مفاصله، وخشي أن يكون قد قالها،فـ

{ قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقَ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ }

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١١٨

يقول تعالى ذكره: إن تعذّب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة بإماتتك إياهم عليها، فإنهم عبادك، مستسلمون لك، لا يمتنعون مما أردت بهم ولا يدفعون عن أنفسهم ضرّاً ولا أمراً تنالهم به. وإن تغفر لهم بهدايتك إياهم إلى التوبة منها فتستر عليهم، فإنك أنت العزيز في انتقامه ممن أراد الانتقام منه لا يقدر أحد يدفعه عنه، الحكيم في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة وتوفيقه من وفق منهم لسبيل النجاة من العقاب. كالذي:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ} فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام، {فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} وهذا قول عيسى في الدنيا.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {إنْ تُعَذُّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} قال: والله ما كانوا طعّانين ولا لعّانين.

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١١٩

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ} فقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والمدينة: "هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ" بنصب «يوم». وقرأ بعض أهل الحجاز وبعض أهل المدينة وعامَّة قرّاء أهل العراق: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ} برفع يوم. فمن رفعه رفعه بهذا، وجعل «يوم» اسماً، وإن كانت إضافته غير محضة، لأنه صار كالمنعوت. وكان بعض أهل العربية يزعم أن العرب يعملون في إعراب الأوقات مثل اليوم والليلة عملهم فيما بعدها، إن كان ما بعدها رفعاً رفعوها، كقولهم: هذا يومُ يركب الأمير، وليلةُ يصدر الحاج، ويومُ أخوك منطلق وإن كان ما بعدها نصباً نصبوها، وكذلك كقولهم: هذا يومَ خرج الجيش وسار الناس، وليلةَ قتل زيد ونحو ذلك، وإن كان معناها في الحالين: «إذ»، و«إذا». وكأنَّ من قرأ هذا هكذا رفعاً وجه الكلام إلى أنه من قيل الله يوم القيامة، وكذلك كان السديّ يقول في ذلك.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {قالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} هذا فصل من كلام عيسى، وهذا يوم القيامة.

يعني السدي بقوله: «هذا فصل من كلام عيسى» أن قوله:

{ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَق }}َ... إلى قوله: { فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }من خبر الله عزّ وجلّ عن عيسى أنه قاله في الدنيا بعد أن رفعه إليه، وأن ما بعد ذلك من كلام الله لعباده يوم القيامة. وأما النصب في ذلك، فإنه يتوجه من وجهين: أحدهما: أن إضافة «يوم» ما لم تكن إلى اسم تجعله نصباً، لأن الإضافة غير محضة، وإنما تكون الإضافة محضة إذا أضيف إلى اسم صحيح. ونظير اليوم في ذلك الحين والزمان وما أشبههما من الأزمنة، كما قال النابغة:

على حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّباوقَلْتُ أَلمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وَازِعُ

والوجه الآخر: أن يكون مراداً بالكلام هذا الأمر وهذا الشأن، «يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ» فيكون اليوم حينئذ منصوباً على الوقت والصفة، بمعنى: هذا الأمر في يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: «هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ» بنصب اليوم على أنه منصوب على الوقت والصفة، لأن معنى الكلام: أن الله تعالى أجاب عيسى حين قال:

{ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ }}.... إلى قوله: { فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }فقال له عزّ وجلّ: هذا القول النافع أو هذا الصدق النافع يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ فاليوم وقت القول والصدق النافع.

فإن قال قائل: فما موضع «هذا»؟ قيل رفع فإن قال: فأين رافعه؟ قيل مضمر، وكأنه قال: قال الله عزّ وجلّ: هذا، هذا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، كما قال الشاعر:

أما تَرَى السَّحابَ كَيْفَ يَجْرِيهَذَا وَلا خَيْلُكَ يا ابْنَ بِشْرِ

يريد: هذا هذا، ولا خيلك.

فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا لما بينا: قال الله لعيسى: هذا القول النافع في يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ في الدنيا صِدْقُهُمْ ذلك في الآخرة عند الله. {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ} يقول: للصادقين في الدنيا جناتٌ تجري من تحتها الأنهار في الآخرة ثواباً لهم من الله عزّ وجلّ، على ما كان من صدقهم الذي صدقوا الله فيما وعدوه، فوفوا به لله، فوفى الله عزّ وجلّ لهم ما وعدهم من ثوابه. {خالِدِينَ فِيها أبَداً} يقول: باقين في الجنات التي أعطاهموها أبداً دائماً لهم فيها نعيم لا ينتقل عنهم ولا يزول. وقد بينا فيما مضى أن معنى الخلود: الدوام والبقاء.

القول في تأويل قوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}.

يقول تعالى ذكره: رضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، {ورَضُوا عَنْهُ} يقول: ورضوا هم عن الله تعالى في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه، فيما أمرهم ونهاهم من جزيل ثوابه. {ذلكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} يقول: هذا الذي أعطاهم الله من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، مرضيًّا عنهم، وراضين عن ربهم، هو الظفر العظيم بالطَّلِبة وإدراك الحاجة التي كانوا يطلبونها في الدنيا، ولها كانوا يعملون فيها، فنالوا ما طلبوا وأدركوا ما أملوا.

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌۢ ۝١٢٠

يقول تعالى ذكره: أيها النصارى {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يقول: له سلطان السموات والأرض، {وَما فِيهِنَّ} دون عيسى الذين تزعمون أنه إلهكم ودون أمه، ودون جميع من في السموات ومن في الأرض فإن السموات والأرض خلق من خلقه وما فيهنّ وعيسى وأمه من بعض ذلك بالحلول والانتقال، يدلان بكونهما في المكان الذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال أنهما عبدان مملوكان لمن له ملك السموات والأرض وما فيهنّ. ينبههم وجميع خلقه على موضع حجته عليهم ليدبروه ويعتبروه، فيعقلوا عنه. {وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول تعالى ذكره: والله الذي له ملك السموات والأرض وما فيهنّ، قادر على إفنائهن وعلى إهلاكهن وإهلاك عيسى وأمه ومن في الأرض جميعاً كما ابتدأ خلقهم، لا يعجزه ذلك ولا شيء أراده لأن قدرته القدرة التي لا يشبهها قدرة وسلطانه السلطان الذي لا يشبهه سلطان ولا مملكة.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ