انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 13–20

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 12–26في هذه الصفحة 18:08

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٣

يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد، لا تعجبنّ من هؤلاء الـيهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إلـيك وإلـى أصحابك، ونكثوا العهد الذي بـينك وبـينهم، غدراً منهم بك وأصحابك، فإن ذلك من عاداتهم وعادات سلفهم ومن ذلك أنى أخذت ميثاق سلفهم علـى عهد موسى صلى الله عليه وسلم علـى طاعتـي، وبعثت منهم اثنـي عشر نقـيبـاً وقد تُـخيروا من جميعهم لـيتـجسسوا أخبـار الـجبـابرة، ووعدتهم النصر علـيهم، وأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، بعد ما أريتهم من العبر والآيات بإهلاك فرعون وقومه فـي البحر وفَلْق البحر لهم وسائر العبر ما أريتـم، فنقضوا ميثاقهم الذي واثقونـي ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم فإذا كان ذلك من فعل خيارهم مع أياديّ عندهم، فلا تستنكروا مثله من فعل آراذلهم. وفـي الكلام مـحذوف اكتفـي بدلالة الظاهر علـيه، وذلك أن معنى الكلام: فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبـيـل، فنقضوا الـميثاق، فلعنتهم، فـبـما نقضهم ميثاقهم لعناهم، فـاكتفـى بقوله: {فَبِـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ} من ذكر «فنقضوا». ويعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {فبـما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} فبنقضهم ميثاقهم. كماقال قتادة.

حدثنا كثير قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَبِـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {فَبـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ} قال: هو ميثاق أخذه الله علـى أهل التوراة فنقضوه.

وقد ذكرنا معنى اللعن فـي غير هذا الـموضع. والهاء والـميـم من قوله: {فَبِـما نَقْضِهِمْ} عائدتان علـى ذكر بنـي إسرائيـل قبل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً}.

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة: {قاسِيَةً} بـالألف، علـى تقدير فـاعلة، من قسوة القلب، من قول القائل: قسا قلبه، فهو يقسو وهو قاس، وذلك إذا غلظ واشتدّ وصار يابساً صلبـاً، كما قال الراجز:

وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتـي

فتأويـل الكلام علـى هذه القراءة: فلعنا الذين نقضوا عهدي ولـم يفوا بـميثاقـي من بنـي إسرائيـل بنقضهم ميثاقهم الذي واثقونـي، وجعلنا قلوبهم قاسية غلـيظة يابسة عن الإيـمان بـي والتوفـيق لطاعتـي، منزوعة منها الرأفة والرحمة. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: «وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قَسِيةً».

ثم اختلف الذين قرؤا ذلك كذلك فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى ذلك: معنى القسوة، لأن فعيـلة فـي الذمّ أبلغ من فـاعلة، فـاخترنا قراءتها قسيَّة علـى قاسية لذلك.

وقال آخرون منهم: بل معنى «قسية» غير معنى القسوة وإنـما القسية فـي هذا الـموضع القلوب التـي لـم يخـلص إيـمانها بـالله، ولكن يخالط إيـمانها كفر كالدراهم القَسِية، وهي التـي يخالط فضتها غش من نـحاس أو رصاص وغير ذلك، كما قال أبو زُبـيْد الطائي:

لَهَا صَوَاهِلُ فـي صُمّ السِّلامِ كمَاصاحَ القَسِيَّاتُ فـي أيدِي الصَّيارِيفِ

يصف بذلك وقع مساحي الذين حفروا قبر عثمان علـى الصخور، وهي السِّلام.

وأعجب القراءتـين إلـيّ فـي ذلك قراءة من قرأ: «وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً» علـى فعـيلة، لأنها أبلغ فـي ذمّ القوم من قاسية.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من تأوّله فعيـلة من القسوة، كما قـيـل: نفس زكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة لأن الله جلّ ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به، ولـم يصفهم بشيء من الإيـمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيـمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التـي يخالط فضتها غشّ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}.

يقول عزّ ذكره: وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودنا من بنـي إسرائيـل قسية، منزوعاً منها الـخير، مرفوعاً منها التوفـيق، فلا يؤمنون، ولا يهتدون، فهم لنزع الله عزّ وجلّ التوفـيق من قلوبهم والإيـمان يحرّفون كلام ربهم الذي أنزله علـى نبـيهم موسى صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة، فـيبدّلونه ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله جلّ وعزّ علـى نبـيهم ويقولون لـجهال الناس: هذا هو كلام الله الذي أنزله علـى نبيه موسى صلى الله عليه وسلم والتوراة التـي أوحاها إلـيه. وهذا من صفة القرون التـي كانت بعد موسى من الـيهود مـمن أدرك بعضهم عصر نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عزّ ذكره أدخـلهم فـي عداد الذين ابتدأ الـخبر عنهم مـمن أدرك موسى منهم، إذ كانوا من أبنائهم وعلـى منهاجهم فـي الكذب علـى الله والفرية علـيه ونقض الـمواثـيق التـي أخذها علـيهم فـي التوراة. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} يعنـي: حدود الله فـي التوراة، ويقولون: إن أمركم مـحمد بـما أنتـم علـيه فـاقبلوه، وإن خالفكم فـاحذروا.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَنَسُوا حَظًّا مِـمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَنَسُوا حَظَّا}: وتركوا نصيبـاً، وهو كقوله: {نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} أي تركوا أمر الله فتركهم الله وقد مضى بـيان ذلك بشواهده فـي غير هذا الـموضع فأغنـي ذلك عن إعادته.

وبـالذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَنَسُوا حَظًّا مِـمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} يقول: تركوا نصيبـاً.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا مبـارك بن فضالة، عن الـحسن فـي قوله: {وَنَسُوا حَظًّا مِـمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} قال: تركوا عُرَى دينهم ووظائف الله جلّ ثناؤه التـي لا تقبل الأعمال إلا بها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ علـى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إلاَّ قَلِـيلاً مِنْهُمْ}.

يقول تبـارك وتعالـى لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ولا تزال يا مـحمد تطلع من الـيهود الذين أنبأتك نبأهم من نقضهم ميثاقـي، ونكثهم عهدي، مع أياديّ عندهم، ونعمتـي علـيهم، علـى مثل ذلك من الغدر والـخيانة، إلا قلـيلاً منهم. والـخائنة فـي هذا الـموضع: الـخيانة، وهو اسم وضع موضع الـمصدر، كما قـيـل خاطئة: للـخطأة، وقائلة: للقـيـلولة.

وقوله: {إلاَّ قَلِـيلاً مِنْهُمْ} استثناء من الهاء والـميـم اللتـين فـي قوله: {علـى خائِنَةٍ مِنْهُمْ}.

وبنـحو الذين قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {ولاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ علـى خائنَةٍ مِنْهُمْ} قال: علـى خيانة وكذب وفجور.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ علـى خائِنَةٍ مِنْهُمْ} قال: هم يهود مثل الذي همُّوا به من النبـيّ صلى الله عليه وسلم يوم دخـل حائطهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا القاسم، ثنا الـحسين، قال:ثني حجاج قال: ابن جريج، قال مـجاهد وعكرمة: قوله: {وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ علـى خائِنَةٍ مِنْهُمْ} من يهود مثل الذي همُّوا بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم يوم دخـل علـيهم.

وقال بعض القائلـين: معنى ذلك: ولا تزال تطلع علـى خائن منهم، قال: والعرب تزيد الهاء فـي آخر الـمذكر كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علامة، وأنشد:

حَدَّثْتَ نفسَكَ بـالوَفـاءِ ولـم تكُنْ للغدْرِ خائنةً مُغِلَّ الإصْبَعِ

فقال خائنة، وهو يخاطب رجلاً.

والصواب من التأويـل فـي ذلك القول الذي رويناه عن أهل التأويـل، لأن الله عنى بهذه الآية القوم من يهود بنـي النضير الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم فـي دية العامريـين، فأطلعه الله عزّ ذكره علـى ما قد همُّوا به. ثم قال جلّ ثناؤه بعد تعريفه أخبـار أوائلهم وإعلامه منهج أسلافهم وأن آخرهم علـى منهاج أوّلهم فـي الغدر والـخيانة، لئلا يكبر فعلهم ذلك علـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فقال جلّ ثناؤه: ولا تزال تطلع من الـيهود علـى خيانة وغدر ونقض عهد. ولـم يرد أنه لا يزال يطلَّع علـى رجل منهم خائن، وذلك أن الـخبر ابتدىء به عن جماعتهم، فقـيـل:

{ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ }[المائدة: 11]، ثم قـيـل: {وَلا تَزَالَ تَطَّلِعُ علـى خائِنَةٍ مِنْهُمْ}، فإذ كان الابتداء عن الـجماعة فلتـختـم بـالـجماعة أولـى.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ الـمُـحْسِنـينَ}.

وهذ أمر من الله عزّ ذكره نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم بـالعفو عن هؤلاء القوم الذين همّوا أن يبسطوا أيديهم إلـيه من الـيهود، يقول الله جلّ وعزّ له: اعف يا مـحمد عن هؤلاء الـيهود الذين همّوا بـما همّوا به من بسط أيديهم إلـيك وإلـى أصحابك بـالقتل، واصفح لهم عن جرمهم بترك التعرّض لـمكروههم، فإنـي أحبّ من أحسن العفو والصفح إلـى من أساء إلـيه. وكان قتادة يقول: هذه منسوخة، ويقول: نسختها آية براءة:

{ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }[التوبة: 29]... الآية.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {فـاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} قال: نسختها:

{ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَلا بـالـيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرّمونَ ما حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } [التوبة: 29].

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج بن الـمنهال، قال: ثنا همام، عن قتادة: {فـاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ الـمُـحْسِنِـينَ} ولـم يؤمر يؤمئذٍ بقتالهم، فأمره الله عزّ ذكره أن يعفو عنهم ويصفح، ثم نسخ ذلك فـي براءة فقال:

{ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَلا بـالـيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرّمونَ ما حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }[التوبة: 29] وهم أهل الكتاب. فأمر الله جلَّ ثناؤه نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم حتـى يسلـموا، أو يقرّوا بـالـجزية.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سلـيـم، قال: قرأت علـى ابن أبـي عروبة، عن قتادة نـحوه.

والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانه، غير أن الناسخ الذي لا شكّ فـيه من الأمر، هو ما كان نافـياً كلّ معانـي خلافه الذي كان قبله. فأما ما كان غير ناف جميعه، فلا سبـيـل إلـى العلـم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جلّ وعزّ، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم. ولـيس فـي قوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَلا بـالـيَوْمِ الآخِرِ دلالة علـى الأمر بنفـي معانـي الصفح والعفو عن الـيهود. وإذ كان ذلك كذلك، وكان جائزاً مع إقرارهم بـالصَّغار وأدائهم الـجزية بعد القتال، الأمر بـالعفو عنهم فـي غدرة هموا بها أو نكثة عزموا علـيها، ما لـم يصيبوا حربـاً دون أداء الـجزية، ويـمتنعوا من الأحكام اللازمة منهم، لـم يكن واجبـاً أن يحكم لقوله:

{ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَلا بـالـيَوْمِ الآخِرِ... }[التوبة: 29] الآية، بأنه ناسخ قوله: {فـاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ الـمُـحْسِنِـينَ.}

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ۝١٤

يقول عزّ ذكره: وأخذنا من النصارى الـميثاق علـى طاعتـي وأداء فرائضي واتبـاع رسلـي والتصديق بهم، فسلكوا فـي ميثاقـي الذي أخذته علـيهم منهاج الأمة الضالة من الـيهود، فبدّلوا كذلك دينهم ونقضوا نقضهم وتركوا حظهم من ميثاقـي الذي أخذته علـيهم بـالوفـاء بعهدي وضيعوا أمري. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنَّا نَصَارَى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِـمَّا ذُكَّرُوا بِهِ}: نسوا كتاب الله بـين أظهرهم، وعهد الله الذي عهده إلـيه، وأمر الله الذي أمرهم به.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قالت النصارى مثل ما قالت الـيهود، ونسوا حظًّا مـما ذكِّروا به.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَأغْرَيْنا بَـيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلـى يَوْمِ القِـيامَةِ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {فَأغْرَيْنا بَـيْنَهُمْ}: حرشنا بـينهم وألقـينا، كما تُغزي الشيءَ بـالشيء. يقول جلّ ثناؤه: لـما ترك هؤلاء النصارى الذين أخذت ميثاقهم بـالوفـاء بعهدي حظهم، مـما عهدت إلـيهم من أمري ونهيـي، أغريت بـينهم العداوة والبغضاء.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي صفة إغراء الله بـينهم العداوة والبغضاء، فقال بعضهم: كان إغراؤه بـينهم بـالأهواء التـي حدثت بـينهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيـم النـخعي فـي قوله: {فَأغْرَيْنا بَـيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ} قال: هذه الأهواء الـمختلفة، والتبـاغض فهو الإغراء.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن العوّام بن حوشب، قال: سمعت النـخعي يقول: {فَأغْرَيْنا بَـيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ} قال: أغرى بعضهم ببعض بخصومات بـالـجدال فـي الدين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي هشيـم، قال: أخبرنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيـم النـخعي والتـيـمي، قوله: {فَأغْرَيْنا بَـيْنَهُمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ} قال: ما أرى الإغراء فـي هذه الآية إلا الأهواء الـمختلفة. وقال معاوية بن قرة: الـخصومات فـي الدين تـحبط الأعمال.

وقال آخرون: بل ذلك هو العداوة التـي بـينهم والبغضاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَأغْرَيْنا بَـيْنَهُمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلـى يَوْمِ القِـيامَةِ}... الآية. إن القوم لـما تركوا كتاب الله، وعَصَوا رسله، وضيعوا فرائضه، وعطلوا حدوده، ألقـى بـينهم العداوة والبغضاء إلـى يوم القـيامة بأعمالهم أعمال السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمره، ما افترقوا ولا تبـاغضوا.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك عندنا بـالـحقّ، تأويـل من قال: أغرى بـينهم بـالأهواء التـي حدثت بـينهم، كما قال إبراهيـم النـخعي لأن عداوة النصارى بـينهم، إنـما هي بـاختلافهم فـي قولهم فـي الـمسيح، وذلك أهواء لا وحي من الله.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنىّ بـالهاء والـميـم اللتـين فـي قوله: {فَأغْرَيْنا بَـيْنَهُمُ} فقال بعضهم: عنـي بذلك: الـيهود والنصارى. فمعنى الكلام علـى قولهم وتأويـلهم: فأغرينا بـين الـيهود والنصارى، لنسيانهم حظًّا مـما ذكِّروا به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: قال فـي النصارى أيضاً: فنسوا حظًّا مـما ذكِّروا به، فلـما فعلوا ذلك أغرى الله عزّ وجلّ بـينهم وبـين الـيهود العداوة والبغضاء إلـى يوم القـيامة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {فَأغْرَيْنا بَـيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ إلـى يَوْمه القـيامَةِ} قال: هم الـيهود والنصارى. قال ابن زيد: كما تغري بـين اثنـين من البهائم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {فَأغْرَيْنَا بَـيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ} قال: الـيهود والنصارى.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قال: هم الـيهود والنصارى، أغرى الله بـينهم العداوة والبغضاء إلـى يوم القـيامة.

وقال آخرون: بل عنى الله بذلك: النصارى وحدها. وقالوا: معنى ذلك: فأغرينا بـين النصارى عقوبة لها بنـيسانها حظاً مـما ذكرت به. قالوا: وعلـيها عادت الهاء والـميـم فـي بـينهم دون الـيهود. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قال: إن الله عزّ ذكره تقدّم إلـى بنـي إسرائيـل أن لا تشتروا بآيات الله ثمناً قلـيلاً، وعلِّـموا الـحكمة ولا تأخذوا علـيها أجراً. فلـم يفعل ذلك إلا قلـيـل منهم، فأخذوا الرشوة فـي الـحكم وجاوزوا الـحدود، فقال فـي الـيهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: وألْقَـيْنا بَـيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلـى يَوْمه القِـيامَةِ وقال فـي النصارى: {فَنَسُوا حَظًّا مِـمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فأغْرَيْنا بَـيْنَهُمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلـى يَوْمَ القِـيامةِ}.

وأولـى التأويـلـين بـالآية عندي ما قاله الربـيع بن أنس، وهو أن الـمعنىّ بـالإغراء بـينهم: النصارى فـي هذه الآية خاصة، وأن الهاء والـميـم عائدتان علـى النصارى دون الـيهود، لأن ذكر الإغراء فـي خبر الله عن النصارى بعد تقضي خبره عن الـيهود، وبعد ابتدائه خبره عن النصارى، فأن لا يكون ذلك معنـياً به إلا النصارى خاصة أولـى من أن يكون معنـياً به الـحزبـان جميعاً لـما ذكرنا.

فإن قال قائل: وما العداوة التـي بـين النصارى، فتكون مخصوصة بـمعنى ذلك؟ قـيـل: ذلك عداوة النَّسطورية والـيعقوبـية والـملكية النسطورية والـيعقوبـية، ولـيس الذي قاله من قال معنى بذلك: إغراء الله بـين الـيهود والنصارى ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي وأشبه بتأويـل الآية لـما ذكرنا.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِـما كانُوا يَصْنَعُونَ}.

يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: اعف عن هؤلاء الذين هموا ببسط أيديهم إلـيك وإلـى أصحابك، واصفح فإن الله من وراء الانتقام منهم، وسينبئهم الله عند ورودهم الله علـيه فـي معادهم بـما كانوا فـي الدنـيا يصنعون من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديـلهم كتابه، وتـحريفهم أمره ونهيه، فـيعاقبهم علـى ذلك حسب استـحقاقهم.

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَٰبٌ مُّبِينٌ ۝١٥

يقول عزّ ذكره لـجماعة أهل الكتاب من الـيهود والنصارى الذين كانوا فـي عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل الكتاب من الـيهود والنصارى، قد جاءكم رسولنا، يعنـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم.، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا} وهو مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {يُبَـيِّنُ لَكُمْ كَثِـيراً مِـمَّا كُنْتُـمْ تُـخْفُونَ مِنَ الكِتابِ} يقول: يبـين لكم مـحمد رسولنا كثـيراً مـما كنتـم تكتـمونه الناس ولا تبـينونه لهم مـما فـي كتابكم. وكان مـما يخفونه من كتابهم فبـينه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: رجم الزانـين الـمـحصنـين. وقـيـل: إن هذه الآية نزلت فـي تبـيـين رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس من إخفـائهم ذلك من كتابهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحوي، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: من كفر بـالرجم فقد كفر بـالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله: {يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَـيِّنُ لَكُمْ كَثِـيراً مِـمَّا تُـخْفُونَ مِنَ الكِتابِ} فكان الرجم مـما أخَفَوْا.

حدثنا عبد الله بن أحمد بن شَبُّويَهْ، أخبرنا علـيّ بن الـحسين، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا يزيد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الوهاب الثقـفـي، عن خالد الـحذّاء، عن عكرمة فـي قوله: {يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَـينُ لَكُمْ}... إلـى قوله:

{ صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ }[المائدة: 16] قال: إن نبـيّ الله أتاه الـيهود يسألونه عن الرجم، واجتـمعوا فـي بـيت، قال: «أيّكم أَعْلَـمُ؟» فأشاروا إلـى ابن صُورِيا، فقال: «أنْتَ أعْلَـمُهُمْ؟» قال: سل عما شئت، قال: «أنْتَ أعْلَـمُهُمْ؟» قال: إنهم لـيزعمون ذلك. قال: فناشده بـالذي أنزل التوراة علـى موسى، والذي رفع الطور، وناشده بـالـمواثـيق التـي أُخذت علـيهم، حتـى أخذه أَفْكَل، فقال: إن نساءنا نساء حسان، فكثر فـينا القتل، فـاختصرنا أُخْصُورة، فجلدنا مِئة، وحلقنا الرؤوس، وخالفنا بـين الرؤوس إلـى الدّوابّ أحسبه قال: الإبل قال: فحُكِم علـيهم بـالرجْم، فأنزل الله فـيهم: {يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَـيِّـينُ لَكُمْ}... الآية، وهذه الآية: { وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ }[البقرة: 76].

وقوله: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِـيرٍ} يعنـي بقوله ويعفو: ويترك أخذكم بكثـير مـما كنتـم تـخفون من كتابكم الذي أنزله الله إلـيكم، وهو التوراة، فلا تعملون به حتـى يأمره الله بأخذكم به.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وكِتابٌ مُبِـينٌ}.

يقول جلّ ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: قد جاءكم يا أهل التوراة والإنـجيـل من الله نور، يعنـي بـالنور مـحمداً صلى الله عليه وسلم، الذي أنار الله به الـحقّ، وأظهر به الإسلام، ومـحق به الشرك فهو نور لـمن استنار به يبـين الـحقّ، ومن إنارته الـحقّ تبـيـينه للـيهود كثـيراً مـما كانوا يخفون من الكتاب. وقوله: {وكِتابٌ مُبِـينٌ} يقول جلّ ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالـى النور الذي أنار لكم به معالـم الـحقّ. {وكِتَابٌ مُبِـينٌ} يعنـي: كتابـاً فـيه بـيان ما اختلفوا فـيه بـينهم من توحيد الله وحلاله وحرامه وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله علـى نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم، يبـين للناس جميع ما بهم الـحاجة إلـيه من أمر دينهم ويوضحه لهم، حتـى يعرفوا حقه من بـاطله.

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝١٦

يعنـي عزّ ذكره: يهدي بهذا الكتاب الـمبـين الذي جاء من الله جلّ جلاله، ويَعْنِـي بقوله: {يَهْدِي بِهِ اللّهُ} يرشد به الله ويسدّد به. والهاء فـي قوله به عائدة علـى الكتاب. {مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} يقول: من اتبع رضا الله.

واختلف فـي معنى الرضا من الله جلّ وعزّ، فقال بعضهم: الرضا منه بـالشيء: القبول له والـمدح والثناء. قالوا: فهو قابل الإيـمان ومزك له، ومثن علـى الـمؤمن بـالإيـمان، وواصف الإيـمان بأنه نور وهدًى وفَضل.

وقال آخرون: معنى الرضا من الله جلّ وعزّ معنى مفهوم، هو خلاف السُّخْط، وهو صفة من صفـاته علـى ما يعقل من معانـي الرضا، الذي هو خلاف السخط، ولـيس ذلك بـالـمدح، لأن الـمدح والثناء قول، وإنـما يثنـي ويـمدح ما قدر رُضِي قالوا: فـالرضا معنى، والثناء والـمدح معنى لـيس به.

ويعنـي بقوله: سُبُلَ السَّلام: طرق السلام، والسلام هو الله عزّ ذكره.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ}: سبـيـل الله الذي شرعه لعبـاده، ودعاهم إلـيه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يَقبَل من أحد عملاً إلا به، لا الـيهودية، ولا النصرانـية، ولا الـمـجوسية.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ويُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُـماتِ إلـى النُّورِ بإذْنِهِ}.

يقول عزّ ذكره: يهدي الله بهذا الكتاب الـمبـين من اتبع رضوان الله إلـى سبل السلام، وشرائع دينه. {ويُخْرِجُهُمْ} يقول: و يخرج من اتبع رضوانه، والهاء والـميـم فـي: ويخرجهم إلـى من ذكر من الظلـمات إلـى النور، يعنـي: من ظلـمات الكفر والشرك إلـى نور الإسلام وضيائه بإذنه، يعنـي: بإذن الله جلّ وعزّ. وإذنه فـي هذا الـموضع تـحبـيبه إياه الإيـمان برفع طابعَ الكفر عن قلبه، وخاتَـم الشرك عنه، وتوفـيقه لإبصار سبل السلام.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيهْدِيهِمْ إلـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ}.

يعنـي عزّ ذكره بقوله: {وَيهْدِيهِمْ}: ويرشدهم ويسدّدهم {إلـى صِراطٍ مُسْتَقِـيـمٍ} يقول: إلـى طريق مسقـيـم، وهو دين الله القويـم الذي لا اعوجاج فـيه.

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٧

هذا ذمّ من الله عزّ ذكره للنصارى والنصرانـية الذين ضلوا عن سبل السلام، واحتـجاج منه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي فريتهم علـيه بـادعائهم له ولداً، يقول جلّ ثناؤه: أقسم لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو الـمسيح بن مريـم، وكفرهم فـي ذلك تغطيتهم الـحقّ فـي تركهم نفـي الولد عن الله جلّ وعزّ، وادّعائهم أن الـمسيح هو الله فرية وكذبـاً علـيه. وقد بـينا معنى الـمسيح فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ فَمَنْ يَـمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيئْاً إنْ أرَادَ أنْ يُهْلِكَ الـمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَـمَ وأُمَّهُ وَمَنْ فِـي الأرْضِ جَمِيعاً}.

يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للنصارى الذين افتروا علـيّ، وضلوا عن سواء السبـيـل، بقـيـلهم: إن الله هو الـمسيح ابن مريـم {مَنْ يَـمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً} يقول: من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جلّ وعزّ شيئاً، فـيردّه إذا قضاه من قول القائل: ملكت علـى فلان أمره: إذا صار لا يقدرأن ينفذ أمراً إلا به. وقوله: {إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ الـمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَـمَ وأُمَّهُ وَمَنْ فـي الأرْضِ جَمِيعاً} يقول: من ذا الذي يقدر أن يردّ من أمر الله شيئاً إن شاء أن يهلك الـمسيح ابْن مريـم بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريـم، وإعدام جميع من فـي الأرض من الـخـلق جميعاً. يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الـجهلة من النصارى لو كان الـمسيح كما يزعمون أنه هو الله، ولـيس كذلك لقدَر أن يردّ أمر الله إذا جاءه بـاهلاكه وإهلاك أمه، وقد أهلك أمه فلـم يقدر علـى دفع أمره فـيها إذ نزل ذلك، ففـي ذلك لكم معتبر إن اعتبرتـم، وحجة علـيكم إن عقلتـم فـي أن الـمسيح بشر كسائر بنـي آدم، وأن الله عزّ وجلّ هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يردّ له أمر، بل هو الـحيّ الدائم القـيوم الذي يُحيى ويـميت، وينشىء ويفنـي، وهو حيّ لا يـموت.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ولِلّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وما بَـيْنَهُما يَخْـلُقُ ما يَشاءُ}.

يعنـي تبـارك وتعالـى بذلك: والله له تصريف ما فـي السموات والأرض وما بـينهما، يعنـي: وما بـين السماء والأرض، يهلك من يشاء من ذلك، ويبقـى ما يشاء منه، ويوجد ما أراد، ويعدم ما أحبّ، لا يـمنعه من شيء أراد من ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع ينفذ فـيهم حكمه، ويـمضي فـيهم قضاءه، لا الـمسيح الذي إن أراد إهلاكه ربه وإهلاك أمه، لـم يـملك دفع ما أراد به ربه من ذلك. يقول جلّ وعزّ: كيف يكون إلهاً يُعبد من كان عاجزاً عن دفع ما أراد به غيره من السوء، وغير قادر علـى صرف ما نزل به من الهلاك؟ بل الإله الـمعبود الذي له ملك كلّ شيء، وبـيده تصريف كلّ من فـي السماء والأرض وما بـينهما. فقال جلّ ثناؤه: {وَما بَـيْنَهُما}، وقد ذكر السموات بلفظ الـجمع، ولـم يقل: وما بـينهنّ، لأن الـمعنى: وما بـين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي.

طَرَقاً فَتِلكَ هَمَاهِمِي أقْرِيهِماقُلُصاً لَوَاقِحَ كالقِسِيّ وحُولاً

فقال: طرقاً، مخبراً عن شيئين، ثم قال: فتلك هما همي، فرجع إلـى معنى الكلام.

وقوله: {يَخْـلُقُ ما يَشاءُ} يقول: جلّ ثناؤه: وينشيء ما يشاء ويوجده، ويخرجه من حال العدم إلـى حال الوجود، ولن يقدر علـى ذلك غير الله الواحد القهار، وإنـما يعنـي بذلك أن له تدبـير السموات والأرض وما بـينهما، وتصريفه وإفناءه وإعدامه، وإيجاد ما يشاء مـما هو غير موجود ولا منشأ، يقول: فلـيس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتـم أيها الكذبة أن الـمسيح إلـيه، وهو لا يطيق شيئاً من ذلك، بل لا يقدر علـى دفع الضرر عن نفسه، ولا عن أمه، ولا اجتلاب نفع إلـيها، إلا بإذنـي.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَاللّهُ علـى كُلّ شَيءٍ قَدِيرٌ}.

يقول عزّ ذكره: الله الـمعبود هو القادر علـى كلّ شيء، والـمالك كل شيء، الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، الـمقتدر علـى هلاك الـمسيح وأمه ومن فـي الأرض جميعاً، لا العاجز الذي لا يقدر علـى منع نفسه من ضرّ نزل به من الله ولا منع أمه من الهلاك.

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ۝١٨

وهذا خبر من الله جلّ وعزّ عن قوم من الـيهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول. وقد ذكر عن ابن عبـاس تسمية الذين قالوا ذلك من الـيهود.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـي زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير، أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحريّ بن عمرو، وشأس بن عديّ، فكلـموه، فكلّـمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلـى الله وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تـخوّفنا يا مـحمد، نـحن والله أبناء الله وأحبـاؤه كقول النصارى، فأنزل الله جلّ وعزّ فـيهم: {وَقَالَتِ الـيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَـحْنُ أبْناءُ اللّه وأحِبَّـاؤُهُ}... إلـى آخر الآية. وكان السديّ يقول فـي ذلك بـما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَقالَتِ الـيَهُودُ والنَّصَارَى نَـحْنُ أبْناءُ اللّهِ وأحبَّـاؤُهُ} أما أبناء الله فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلـى إسرائيـل أن ولداً من ولدك أدخـلهم النار فـيكونون فـيها أربعين يوماً حتـى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: أن أخرجوا كلّ مختون من ولد إسرائيـل، فأُخْرجهم. فذلك قوله:

{ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ }[آل عمران: 24]. وأما النصارى، فإن فريقاً منهم قال للـمسيح: ابن الله.

والعرب قد تـخرج الـخبر إذا افتـخرت مُخْرج الـخبر عن الـجماعة، وإن كان ما افتـخرت به من فعل واحد منهم، فتقول: نـحن الأجواد الكرام، وإنـما الـجواد فـيهم واحد منهم وغير الـمتكلـم الفـاعل ذلك، كما قال جرير:

نَدسْنا أبـا مَندوسة القَـيْنَ بـالقَنَاوَما رَدَمٌ من جارِ بَـيْبَةَ ناقعُ

فقال: «ندسنا»، وإنـما النادس: رجل من قوم جرير غيره، فأخرج الـخبر مخرج الـخبر عن جماعة هو أحدهم. فكذا أخبر الله عزّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك علـى هذا الوجه إن شاء الله. وقوله: {وأحِبَّـاؤُهُ} وهو جمع حبـيب، يقول الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الكذبة الـمفترين علـى ربهم {فَلِـمَ يُعَذّبُكُمْ رَبُّكُمْ}؟ يقول: فلأيّ شيء يعذّبكم ربكم بذنوبكم إن كان الأمر كما زعمتـم أنكم أبناؤه وأحبـاؤه، فإن الـحبـيب لا يعذّب حبـيبه، وأنتـم مقرّون أنه معذّبكم. وذلك أن الـيهود قالت: إن الله معذّبنا أربعين يوماً عدد الأيام التـي عبدنا فـيه العجل، ثم يخرجنا جميعاً منها فقال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن كنتـم كما تقولون أبناءُ الله وأحبـاؤه، فلـم يعذّبكم بذنوبكم؟ يُعلـمهم عزّ ذكره أنهم أهل فِرية وكذب علـى الله جلّ وعزّ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {بَلْ أنْتُـمْ بَشَرٌ مِـمَّنْ خَـلَقَ يَغْفِرُ لِـمَنْ يَشاءُ وَيُعَذّبُ مَنْ يشاءُ}.

يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: لـيس الأمر كما زعمتـم أنكم أبناء الله وأحبـاؤه بل أنتـم بشر مـمن خـلق، يقول: خـلق من بنـي آدم، خـلقكم الله مثل سائر بنـي آدم، إن أحسنتـم جُوزيتـم بإحسانكم كما سائر بنـي آدم مَـجْزِيُّون بإحسانهم، وإن أسأتـم جوزيتـم بإساءتكم كما غيركم مـجزىّ بها، لـيس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خـلقه، فإنه يغفر لـمن يشاء من أهل الإيـمان به ذنوبه، فـيصفح عنه بفضله، ويسترها علـيه برحمته، فلايعاقبه بها. وقد بـينا معنى الـمغفرة فـي موضع غير هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع. {وَيُعَذّبُ مَنْ يَشاءُ} يقول: ويعدل علـى من يشاء من خـلقه، فـيعاقبه علـى ذنوبه، ويفضحه بها علـى رؤوس الأشهاد، فلا يسترها علـيه، وإنـما هذا من الله عزّ وجلّ وعيد لهؤلاء الـيهود والنصارى، الـمتكلـين علـى منازل سلفهم الـخيار عند الله، الذين فضلهم الله بطاعتهم إياه، واجتنابهم معصيته، لـمسارعتهم إلـى رضاه، واصطبـارهم علـى ما نابهم فـيه. يقول لهم: لا تغتروا بـمكان أولئك منـي، ومنازلهم عندي، فإنهم إنـما نالوا منـي بـالطاعة لـي، وإيثار رضاي علـى مـحابهم، لا بـالأمانـي، فجِدّوا فـي طاعتـي، وانتهوا إلـى أمري، وانزجروا عما نهيتهم عنه، فإنـي إنـما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتـي، وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتـي، لا لـمن قرُبت زلفة آبـائه منـي، وهو لـي عدوّ ولأمري ونهيـي مخالف. وكان السديّ يقول فـي ذلك بـما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: قوله: {يَغْفِرُ لِـمَنْ يَشاءُ وَيُعَذّبُ مَنْ يَشاءُ} يقول: يهدي منكم من يشاء فـي الدنـيا فـيغفر له، ويـميت من يشاء منكم علـى كفره فـيعذّبه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ولِلّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ والأرْض وَما بَـيْنَهُما وإلَـيْهِ الـمَصِيرُ}.

يقول: لله تدبـير ما فـي السموات وما فـي الأرض وما بـينهما، وتصريفه، وبـيده أمره، وله ملكه، يصرّفه كيف يشاء ويدبره كيف أحبه، لا شريك له فـي شيء منه ولا لأحد معه فـيه ملك، فـاعلـموا أيها القائلون: نـحن أبناء الله وأحبـاؤه، أنه إن عذّبكم بذنوبكم، لـم يكن لكم منه مانع ولا لكم عنه دافع لأنه لا نسب بـين أحد وبـينه فـيحابـيَه لسبب ذلك، ولا لأحد فـي شيء دونه ملك، فيحول بينه وبينه إن أراد تعذيبه بذنبه، وإليه مصير كل شيء ومرجعه. فـاتقوا أيها الـمفترون عقابه إياكم علـى ذنوبكم بعد مرجعكم إلـيه، ولا تغترّوا بـالأمانـي وفضائل الآبـاء والأسلاف.

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٩

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {يا أهْلَ الكِتابِ} الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـيْ مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزلت هذه الآية. وذلك أنهم أو بعضهم فـيـما ذُكِر لـما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الايـمان به وبـما جاءهم به من عند الله، قالوا: ما بعث الله من نبـيّ بعد موسى، ولا أنزل بعد التوراة كتابـاً.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثـني مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال قال معاذ بن جبل وسعد بن عبـادة وعقبة بن وهب للـيهود: يا معشر الـيهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلـمون أنه رسول الله، لقد كنتـم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال رافع بن حَرْملة ووهب بن يهوذا: أما قلنا هذا لكم وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده. فأنزل الله عزّ وجلّ فـي قولهما: {يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَـيِّنُ لَكُمْ علـى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنّ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلـى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

ويعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا}: قد جاءكم مـحمد صلى الله عليه وسلم رسولنا، {يُبَـيِّنُ لَكُمْ} يقول: يعرّفكم الـحقّ، ويوضح لكم أعلام الهدى، ويرشدكم إلـى دين الله الـمرتضى. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَـينُ لَكُمْ علـى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} وهو مـحمد صلى الله عليه وسلم، جاء بـالفرقان الذي فرق الله به بـين الـحقّ والبـاطل، فـيه بـيان الله ونوره وهداه، وعصمة لـمن أخذ به.

{عَلَـى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} يقول: علـى انقطاع من الرسل. والفّترة فـي هذا الـموضع: الانقطاع، يقول: قد جاءكم رسولنا يبـين لكم الـحقّ والهدى علـى انقطاع من الرسل. والفترة: الفَعْلة، من قول القائل: فَتَر هذا الأمر يَفْتُر فتوراً، وذلك إذا هدأ وسكن، وكذلك الفَترة فـي هذا الـموضع معناها: السكون، يراد به سكون مـجِيـيء الرسُل، وذلك انقطاعها.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي قدر مدة تلك الفترة، فـاختُلف فـي الرواية فـي ذلك عن قتادة. فروى معمر عنه، ما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {علـى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} قال: كان بـين عيسى ومـحمد صلـى الله علـيهما وسلـم خمسمائة وستون سنة. وروى سعيد بن أبـي عَرُوبة عنه، ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كانت الفترة بـين عيسى ومـحمد صلى الله عليه وسلم، ذكر لنا أنها كانت ستـمائة سنة، أو ما شاء من ذلك الله أعلـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن أصحابه، قوله: {قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَـينُ لَكُمْ علـى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} قال: كان بـين عيسى ومـحمد صلـى الله علـيهما وسلـم خمسمائة سنة وأربعون سنة. قال معمر: قال قتادة: خمسمائة سنة وستون سنة. وقال آخرون بـما:

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {علـى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} قال: كانت الفترة بـين عيسى ومـحمد صلـى الله علـيهما وسلـم أربعمائة سنة وبضعاً وثلاثـين سنة.

ويعني بقوله: {أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ}: أن لا تقولوا، وكي لا تقولوا، كما قال جلّ ثناؤه:

{ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ }[النساء: 176] بـمعنى: أن لا تضلوا، وكي لا تضلوا. فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبـين لكم علـى فترة من الرسل، كي لا تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير. يُعلـمهم عزّ ذكره أنه قد قطع عذرهم برسوله صلى الله عليه وسلم، وأبلغ إلـيهم فـي الـحجة. ويعنـي بـالبشير: الـمبشر من أطاع الله وآمن به وبرسوله وعمل بـما آتاه من عند الله بعظيـم ثوابه فـي آخرته، وبـالنذير الـمنذر من عصاه وكذّب رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل بغير ما أتاه من عند الله من أمره ونهيه بـما لا قِبَل له به من ألـيـم عقابه فـي معاده وشديد عذابه فـي قـيامته.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ علـى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

يقول جلّ ثناؤه لهؤلاء الـيهود الذين وصفنا صفتهم: قد أعذرنا إلـيكم، واحتـججنا علـيكم برسولنا مـحمد صلى الله عليه وسلم إلـيكم، وأرسلناه إلـيكم، لـيبـين لكم ما أشكل علـيكم من أمر دينكم، كيلا تقولوا لـم يأتنا من عندك رسول يبـين لنا ما نـحن علـيه من الضلالة، فقد جاءكم من عندي رسول، يبشر من آمن بـي وعمل بـما أمرتُهُ، وانتهى عما نهيته عنه، ويُنذر من عصانـي وخالف أمري، وأنا القادر علـى كلّ شيء، أقدر علـى عقاب من عصانـي وثواب من أطاعنـي، فـاتقوا عقابـي علـى معصيتكم إياي وتكذيبكم رسولـي، واطلبوا ثوابـي علـى طاعتكم إياي، وتصديقكم بشيري ونذيري، فإنـي أنا الذي لا يعجزه شيء أراده ولا يفوته شيء طلبه.

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٠

وهذا أيضاً من الله تعريف لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم قديـم بتـمادي هؤلاء الـيهود فـي الغيّ وبعدهم عن الـحقّ وسوء اختبـارهم لأنفسهم وشدّة خلافهم لأنبـيائهم وبطء إنابتهم إلـى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم وتتابع أياديه وآلائه علـيهم، مسلـياً بذلك نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم عما يحلّ به من علاجهم وينزل به من مقاساتهم فـي ذات الله. يقول الله له صلى الله عليه وسلم: لا تأس علـى ما أصابك منهم، فإن الذهاب عن الله والبعد من الـحقّ وما فـيه لهم الـحظّ فـي الدنـيا والآخرة من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم، وتعزّ بـما لاقـى منهم أخوك موسى صلى الله عليه وسلم، واذكر إذ قال موسى لهم: {يا قَوْم اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ} يقول: اذكروا أياديَ الله عندكم وآلاءه قِبَلكم. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ} قال: أيادي الله عندكم وأيامه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ} يقول: عافـية الله.

وإنـما أخترنا ما قلنا، لأن الله لـم يخصص من النعم شيئاً، بل عمّ ذلك بذكر النعم، فذلك علـى العافـية وغيرها، إذ كانت العافـية أحد معانـي النعم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إذْ جَعَلَ فِـيكُمْ أنْبِـياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً}.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه، أن موسى ذكَّر قومه من بنـي إسرائيـل بأيام الله عندهم وبآلائه قِبَلهم، فحرّضهم بذلك علـى اتبـاع أمر الله فـي قتال الـجبـارين، فقال لهم: اذكروا نعمة الله علـيكم أنْ فَضَّلَكم بأن جعل فـيكم أنبـياء يأتونكم بوحيه ويخبرونكم بآياته الغيب، ولـم يعط ذلك غيركم فـي زمانكم هذا. فقـيـل إن الأنبـياء الذين ذكرهم موسى أنهم جُعِلوا فـيهم هم الذين اختارهم موسى، إذ صار إلـى الـجبل وهم السبعون الذين ذكرهم الله، فقال:

{ وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا }[الأعراف: 155].

{وجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} سخر لكم من غيركم خدماً يخدمونكم. وقـيـل: إنـما قال ذلك لهم موسى، لأنه لـم يكن فـي ذلك الزمان أحد سواهم يخدمه أحد من بنـي آدم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذْ قال مُوسَى لقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِـيكُم أنْبِـياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} قال: كنا نـحدّث أنهم أوّل من سخر لهم الـخدم من بنـي آدم وملكوا.

وقال آخرون: كلّ من ملك بـيتاً وخادماً وامرأة، فهو مَلِك كائناً من كان من الناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أبو هانىء، أنه سمع أبـا عبد الرحمن الـحبلـي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل، فقال: ألسنا من فقراء الـمهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إلـيها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنـياء. فقال: إن لـي خادماً. قال: فأنت من الـملوك.

حدثنا الزبـير بن بكار، قال: ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: سمعت زيد بن أسلـم، يقول: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} فلا أعلـم إلاَّ أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ كانَ لَهُ بَـيْتٌ وَخادِمٌ فَهُوَ مَلِكٌ

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا العلاء بن عبد الـجبـار، عن حماد بن سلـمة، عن حميد، عن الـحسن، أنه تلا هذه الآية: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} فقال: وهل الـملكِ إلاَّ مركب وخادم ودار؟

فقال قائلو هذه الـمقالة: إنـما قال لهم موسى ذلك، لأنهم كانوا يـملكون الدور والـخدم، ولهم نساء وأزواج. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفـيان بن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، قال: أراه عن الـحكم: {وَجَعَلَكمْ مُلُوكاً} قال: كانت بنو إسرائيـل إذا كان للرجل منهم بـيت وامرأة وخادم، عدّ ملكاً.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان. ح، وحدثنا سفـيان، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن الـحكم: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} قال: الدار والـمرأة والـخادم. قال سفـيان: و اثنتـين من الثلاثة.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَجَعَلكُمْ مُلُوكاً} قال: البـيت والـخادم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن الـحكم أو غيره، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} قال: الزوجة والـخادم والبـيت.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً قال: جعل لكم أزواجاً وخدماً وبـيوتاً.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا علـيّ بن مـحمد الطنافسي، قال: ثنا أبو معاوية، عن حجاج بن نـعيـم، عن ميـمون بن مهران، عن ابن عبـاس فـي قول الله: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} قال: كان الرجل من بنـي إسرائيـل إذا كانت له الزوجة والـخادم والدار يسمى ملكاً.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدالرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً قال: ملَّكهم الـخدم. قال قتادة: كانوا أوّل من ملك الـخدم.

حدثنـي الـحرث بن مـحمد، قال: ثنا عبد العزيز بن أبـان، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن مـجاهد: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً قال: جعل لكم أزواجاً وخدماً وبـيوتاً.

وقال آخرون: إنـما عنى بقوله: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا} أنهم يـملكون أنفسهم وأهلـيهم وأموالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} يـملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ}.

اختلف فـيـمن عنُوا بهذا الـخطاب، فقال بعضهم: عُنـي به أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن السديّ، عن أبـي مالك وسعيد بن جبـير: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ} قالا: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: عُنـي به قوم موسى صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: هم قوم موسى.

حدثنـي الـحارث بن مـحمد، قال: ثنا عبد العزيز بن أبـان، قال: ثنا سفـيان عن الأعمش، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ} قال: هم بـين ظهرانـيه يومئذٍ.

ثم اختلفوا فـي الذي آتاهم الله ما لـم يؤت أحد من العالـمين، فقال بعضهم: هو الـمنّ والسلوى والـحجر والغمام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمينَ} قال: الـمنّ والسلوى والـحجر والغمام.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ} يعنـي أهل ذلك الزمان، الـمنّ والسلوى والـحجر والغمام.

وقال آخرون: هو الدار والـخادم والزوجة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشر بن السريّ، عن طلـحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عبـاس: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَـمِينَ} قال: الرجل يكون له الدار والـخادم والزوجة.

حدثنـي الـحرث. قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ} الـمنّ والسلوى والـحجر والغمام.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: وآتاكم ما لـم يؤت أحداً من العالـمين، خطاب لبنـي إسرائيـل، حيث جاء فـي سياق قوله: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ} ومعطوفـاً علـيه. ولا دلالة فـي الكلام تدلّ علـى أن قوله: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ مصروف عن خطاب الذين ابتدىء بخطابهم فـي أوّل الآية. فإن كان ذلك كذلك، فأن يكون خطابـاً لهم أولـى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلـى غيرهم. فإن ظنّ ظانّ أن قوله: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ} لا يجوز أن يكون خطابـاً لبنـي إسرائيـل، إذ كانت أمة مـحمد قد أوتـيت من كرامة الله نبـيها علـيه الصلاة والسلام مـحمداً، ما لـم يؤت أحداً غيرهم، وهم من العالـمين فقد ظنّ غير الصواب، وذلك أن قوله: {وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ} خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالـمي زمانه لا عالـمي كلّ زمان، ولـم يكن أُوتـي فـي ذلك الزمان من نعم الله وكرامته ما أُوتـي قومه صلى الله عليه وسلم أحد من العالـمين، فخرج الكلام منه صلى الله عليه وسلم علـى ذلك لا علـى جميع كلّ زمان.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ