انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 7–12

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 1–11في هذه الصفحة 19:47
  2. 2 الآيات 12–26في هذه الصفحة 18:08

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٧

يعنـي جلّ ثناؤه بذلك: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَـيْكُمْ} أيها الـمؤمنون بـالعقود التـي عقدتـموها لله علـى أنفسكم، واذكروا نعمته علـيكم فـي ذلكم، بأن هداكم من العقود لـما فـيه الرضا، ووفقكم لـما فـيه نـجاتكم من الضلالة والردى فـي نعم غيرها جمة. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَـيْكُمْ} قال: النعم: آلاء الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وأما قوله: {وَمِيثاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} فإنه يعنـي: واذكروا أيضاً أيها الـمؤمنون فـي نعم الله التـي أنعم علـيكم ميثاقه الذي واثقكم به، وهو عهده الذي عاهدكم به.

واختلف أهل التأويـل فـي الـميثاق الذي ذكر الله فـي هذه الآية، أيّ مواثـيقه عنـي؟ فقال بعضهم: عنـي به ميثاق الله الذي واثق به الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بـايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى السمع والطاعة له فـيـما أحبوا وكرهوا، والعمل بكلّ ما أمرهم الله به ورسوله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَـيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إذْ قُلْتُـمْ سَمِعْنا وأطَعْنا}... الآية، يعنـي: حيث بعث الله النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأنزل علـيه الكتاب، فقالوا: آمنا بـالنبـيّ وبـالكتاب، وأقررنا بـما فـي التوراة. فذكرهم الله ميثاقه الذي أقرّوا به علـى أنفسهم، وأمرهم بـالوفـاء به.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَـيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إذْ قُلْتُـمْ سَمِعْنا وأطَعْنا} فإنه أخذ ميثاقنا، فقلنا سمعنا وأطعنا علـى الإيـمان والإقرار به وبرسوله.

وقال آخرون: بل عنى به جلّ ثناؤه: ميثاقه الذي أخذ علـى عبـاده حين أخرجهم من صلب آدم صلى الله عليه وسلم، وأشهدهم علـى أنفسهم: ألست بربكم؟ فقالوا: بلـى شهدنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَمِيثاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} قال: الذي واثق به بنـي آدم فـي ظهر آدم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك: قول ابن عبـاس، وهو أن معناه: واذكروا أيها الـمؤمنون نعمة الله علـيكم التـي أنعمها علـيكم بهدايته إياكم للإسلام وميثاقه الذي واثقكم به، يعنـي: وعهده الذي عاهدكم به حين بـايعتـم رسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم علـى السمع والطاعة له فـي الـمنشط والـمكره، والعسر والـيسر، إذ قلتـم سمعنا ما قلت لنا، وأخذت علـينا من الـمواثـيق وأطعناك فـيـما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأنعم علـيكم أيضاً بتوفـيقكم لقبول ذلك منه بقولكم له سمعنا وأطعنا، يقول: ففوا لله أيها الـمؤمنون بـميثاقه الذي واثقكم به، ونعمته التـي أنعم علـيكم فـي ذلك بإقراركم علـى أنفسكم بـالسمع له والطاعة فـيـما أمركم به، وفـيـما نهاكم عنه، يف لكم بـما ضمن لكم الوفـاء به إذا أنتـم وفـيتـم له بـميثاقه من إتـمام نعمته علـيكم، وبـادخالكم جنته وبـانعامكم بـالـخـلود فـي دار كرامته، وإنقاذكم من عقابه وألـيـم عذابه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من قول من قال: عنـي به الـميثاق الذي أخذ علـيهم فـي صلب آدم صلوات الله علـيه، لأن الله جلّ ثناؤه ذكر بعقب تذكرة الـمؤمنـين ميثاقه الذي واثق به أهل التوراة بعد ما أنزل كتابه علـى نبـيه موسى صلى الله عليه وسلم فـيـما أمرهم به ونهاهم فـيها، فقال:

{ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً }[المائدة: 12]... الآيات بعدها، منبهاً بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مـحمد علـى مواضع حظوظهم من الوفـاء لله بـما عدهدهم علـيه، ومعرِّفهم سوء عاقبة أهل الكتاب فـي تضيـيعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به فـي أمره ونهيه، وتعزير أنبـيائه ورسله، زاجراً لهم عن نكث عهودهم، فـيحلّ بهم ما أحلّ بـالناكثـين عهوده من أهل الكتاب قبلهم، فكان إذا كان الذي ذكِّرهم فوعظهم به، ونهاهم عن أن يركبوا من الفعل مثله ميثاق قوم أخذ ميثاقهم بعد إرسال الرسول إلـيهم، وإنزال الكتاب علـيهم واجبـاً، أن يكون الـحال التـي أخذ فـيها الـميثاق والـموعوظين نظير حال الذين وعظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بـيِّناً صحة ما قلنا فـي ذلك وفساد خلافه.

وأما قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِـيـمٌ بِذَاتِ الصدُورِ} فإنه وعيد من الله جلّ اسمه للـمؤمنـين الذين أطافوا برسوله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، وتهديداً لهم أن ينقضوا ميثاق الله الذي واثقهم به فـي رسله وعهدهم الذي عاهدوه فـيه، بأن يضمروا له خلاف ما أبدوا له بألسنتهم. يقول لهم جلّ ثناؤه: واتقوا الله أيها الـمؤمنون، فخافوه أن تبدّلوا عهده وتنقضوا ميثاقه الذي واثقكم به، أو تـخالفوا ما ضمنتـم له بقولكم: سمعنا وأطعنا، بأن تضمروا له غير الوفـاء بذلك فـي أنفسكم، فإن الله مطلع علـى ضمائر صدوركم، وعالـم بـما تـخفـيه نفوسكم لا يخفـى علـيه شيء من ذلك، فـيحلّ بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به، كالذي حلّ بـمن قبلكم من الـيهود من الـمسخ وصنوف النقم، وتصيروا فـي معادكم إلـى سخط الله وألـيـم عقابه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝٨

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بـالله وبرسوله مـحمد، لـيكن من أخلاقكم وصفـاتكم القـيام لله، شهداء بـالعدل فـي أولـيائكم وأعدائكم، ولا تـجوروا فـي أحكامكم وأفعالكم، فتـجاوزوا ما حددت لكم فـي أعدائكم لعدواتهم لكم، ولا تقصروا فـيـما حددت لكم من أحكامي وحدودي فـي أولـيائكم لولايتهم، ولكن انتهوا فـي جميعهم إلـى حدّي، واعملوا فـيه بأمري.

وأما قوله: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئآنُ قَوْمٍ علـى ألاَّ تَعْدِلُوا} فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوة قوم علـى ألا تعدلوا فـي حكمكم فـيهم وسيرتكم بـينهم، فتـجوروا علـيهم من أجل ما بـينكم وبـينهم من العداوة.

وقد ذكرنا الرواية عن أهل التأويـل فـي معنى قوله: {كُونُوا قَوَّامِينَ بـالقِسْطِ شُهَدَاءِ لِلّهِ} وفـي قوله: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} واختلاف الـمختلفـين فـي قراءة ذلك والذي هو أولـى بـالصواب من القول فـيه والقراءة بـالأدلة الدالة علـى صحته بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقد قـيـل: إن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين همت الـيهود بقتله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير: {يا أيُها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بـالقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ علـى ألاَّ تَعْدِلُوا اعْدلُوا هُوا أقْرَبُ للتَّقْوَى} نزلت فـي يهود خيبر، أرادوا قتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج: قال عبد الله بن كثـير: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى يهود يستعينهم فـي دية، فهموا أن يقتلوه، فذلك قوله: {وَلا يَجِرْمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ علـى ألاَّ تَعْدِلُوا}... الآية.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {اعْدِلُوا هُوَ أقْرَبُ للتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إنَّ الله خَبِـيرٌ بِـما تَعْمَلُونَ}.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {اعْدِلُوا} أيها الـمؤمنون علـى كلّ أحد من الناس ولـيًّا لكم كان أو عدوّاً، فـاحملوهم علـى ما أمرتـكم أن تـحملوهم علـيه من أحكامي، ولا تـجوروا بأحد منهم عنه.

وأما قوله: {هُوَ أقْربُ للتَّقْوَى} فإنه يعنـي بقوله: هو العدل علـيهم أقرب لكم أيها الـمؤمنون إلـى التقوى، يعنـي: إلـى أن تكونوا عند الله بـاستعمالكم إياه من أهل التقوى، وهم أهل الـخوف والـحذر من الله أن يخالفوه فـي شيء من أمره، أو يأتوا شيئاً من معاصيه. وإنـما وصف جلّ ثناؤه العدل بـما وصف به من أنه أقرب للتقوى من الـجور، لأن من كان عادلاً كان لله بعدله مطيعاً، ومن كان لله مطيعاً كان لا شكّ من أهل التقوى، ومن كان جائراً كان لله عاصياً، ومن كان لله عاصياً كان بعيداً من تقواه. وإنـما كنى بقوله: {هُوَ أقْرَبُ} عن الفعل، والعرب تكنـي عن الأفعال إذا كنَت عنها بـ «هو» وبـ «ذلك»، كما قال جلّ ثناؤه

{ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ }[النحل: 95] و { ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ }[البقرة: 232] ولـو لـم يكن فـي الكلام «هو» لكان أقرب «نصبـاً»، ولقـيـل: اعدلوا أقربَ للتقوى، كما قـيـل: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ.

وأما قوله: {وَاتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ خَبِـيرٌ بِـمَا تَعْمَلُونَ} فإنه يعنـي: واحذروا أيها الـمؤمنون أن تـجوروا فـي عبـاده، فتـجاوزوا فـيهم حكمه وقضاءه الذي بـين لكم، فـيحلّ بكم عقوبته، وتستوجبوا منه ألـيـم نكاله. {إنَّ اللّهَ خَبِـيرٌ بِـمَا تَعْمَلُونَ} يقول: إن الله ذو خبرة وعلـم بـما تعملون أيها الـمؤمنون فـيـما أمركم به وفـيـما نهاكم عنه من عمل به أو خلاف له، مُـحْصٍ ذلكم علـيكم كله، حتـى يجازيكم به جزاءكم الـمـحسن منكم بإحسانه، والـمسيء بـاساءته، فـاتقوا أن تسيئوا.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ۝٩

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِـحاتِ} وعد الله أيها الناس الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بـما جاءهم به من عند ربهم، وعملوا بـما واثقهم الله به، وأوفّوا بـالعقود التـي عاقدهم علـيها بقولهم: لنسمعنّ ولنطيعنّ الله ورسوله. فسمعوا أمر الله ونهيه، وأطاعوه فعملوا بـما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه. ويعنـي بقوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ}: لهؤلاء الذين وَفَّوْا بـالعقود والـميثاق الذي واثقهم به ربهم مغفرة، وهي ستر ذنوبهم السالفة منهم علـيهم، وتغطيتها بعفوه لهم عنها، وتركه عقوبتهم علـيها وفضيحتهم بها. {وأجْرٌ عَظِيـمٌ} يقول: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم جزاء علـى أعمالهم التـي عملوها ووفـائهم بـالعقود التـي عاقدوا ربهم علـيها أجر عظيـم، والعظيـم من خير غير مـحدود مبلغه ولا يعرف منتهاه غيره تعالـى ذكره.

فإن قال قائل: إن الله جلّ ثناؤه أخبر فـي هذه الآية أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالـحات، ولـم يخبر بـما وعدهم، فأين الـخبر عن الـموعود؟ قـيـل: بلـى، إنه قد أخبر عن الـموعود، والـموعود هو قوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيـمٌ}.

فإن قال قائل: فإن قوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيـمٌ} خبر مبتدأ، ولو كان هو الـموعود لقـيـل: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالـحات مغفرة وأجراً عظيـماً، ولـم يدخـل فـي ذلك «لهم»، وفـي دخول ذلك فـيه دلالة علـى ابتداء الكلام، وانقضاء الـخبر عن الوعد؟ قـيـل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكرت فإنه مـما اكتفـى بدلالة ما ظهر من الكلام علـى ما بطن من معناه من ذكر بعض قد ترك ذكره فـيه، وذلك أن معنى الكلام: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالـحات أن يغفر لهم، ويأجرهم أجراً عظيـماً لأن من شأن العرب أن يصحبوا «الوعد» «أن» يعملوه فـيها، فتركت «أن» إذ كان الوعد قولاً، ومن شأن القول أن يكون ما بعده من جمل الأخبـار مبتدأ وذكر بعده جملة الـخبر اجتزاء بدلالة ظاهر الكلام علـى معناه وصرفـاً للوعد الـموافق للقول فـي معناه وإن كان للفظه مخالفـاً إلـى معناه، فكأنه قـيـل: قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالـحات مغفرة وأجر عظيـم. وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: إنـما قـيـل: {وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيـمٌ} الوعد الذي وعدوا، فكان معنى الكلام علـى تأويـل قائل هذا القول: وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالـحات لهم مغفرة وأجر عظيـم.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ۝١٠

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا}: والذين جحدوا وحدانـية الله، ونقضوا ميثاقه وعقوده التـي عاقدوها إياه. {وكَذَّبُوا بآياتِنا} يقول: وكذّبوا بأدلة الله وحججه الدالة علـى وحدانـيته التـي جاءت بها الرسل وغيرها. {أولَئِكَ أصْحَابُ الـجَحِيـمِ} يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم أهل الـجحيـم، يعنـي: أهل النار الذين يخـلدون فـيها ولا يخرجون منها أبداً.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا}: أقرّوا بتوحيد الله ورسالة رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم. {اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ}: اذكروا النعمة التـي أنعم الله بها علـيكم، فـاشكروه علـيها بـالوفـاء له بـميثاقه الذي واثقكم به، والعقود التـي عاقدتـم نبـيكم صلى الله عليه وسلم علـيها. ثم وصف نعمته التـي أمرهم جلّ ثناؤه بـالشكر علـيها مع سائر نعمه، فقال: هي كفه عنكم أيدي القوم الذين هموا بـالبطش بكم، فصرفهم عنكم، وحال بـينهم وبـين ما أرادوه بكم.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي صفة هذه النعمة التـي ذكَّر الله جلّ ثناؤه أصحاب نبـيه صلى الله عليه وسلم بها وأمرهم بـالشكر له علـيها. فقال بعضهم: هو استنقاذ الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه مـما كانت الـيهود من بنـي النضير هموا به يوم أتوهم يستـحملونهم دية العامريـين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبـي بكر، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى بنـي النضير لـيستعينهم علـى دية العامريـين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري فلـما جاءهم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تـجدوا مـحمداً أقرب منه الآن، فمُروا رجلاً يظهر علـى هذا البـيت فـيطرح علـيه صخرة فـيريحنا منه فقام عمرو بن جحاش بن كعب. فأتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم الـخبر، وانصرف عنهم، فأنزل الله عزّ ذكره فـيهم وفـيـما أراد هو وقومه: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نَعْمَتَ اللّه عَلَـيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ}... الآية.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ} قال الـيهود: دخـل علـيهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم حائطاً لهم، وأصحابه من وراء جداره، فـاستعانهم فـي مَغرم دية غرمها، ثم قام من عندهم، فـائتـمروا بـينهم بقتله، فخرج يـمشي القهقري ينظر إلـيهم، ثم دعا أصحابه رجلاً رجلاً حتـى تتامّوا إلـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {اذْكُرُوا نَعْمَتَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} يهود حين دخـل النبـيّ صلى الله عليه وسلم حائطاً لهم، وأصحابه من وراء جدار لهم، فـاستعانهم فـي مغرم فـي دية غرمها، ثم قام من عندهم، فـائتـمروا بـينهم بقتله، فخرج يـمشي معترضاً ينظر إلـيهم خيفتهم، ثم دعا أصحابه رجلاً رجلاً حتـى تتاموا إلـيه. قال الله جلّ وعزّ: {فَكَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَعلـى اللّهِ فَلْـيَتَوَكَّلِ الـمُؤْمِنُونَ}.

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنـي أبو معشر، عن يزيد بن أبـي زياد، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـي النضير يستعينهم فـي عَقْل أصابه ومعه أبو بكر وعمر وعلـيّ فقال:

أعِينُونـي فـي عَقْلٍ أصَابَنـي فقالوا: نعم يا أبـا القاسم، قد آن لك أن تأتـينا وتسألنا حاجة، اجلس حتـى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ينتظرونه، وجاء حيـي ابن أخطب وهو رأس القوم، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، فقال حيـي لأصحابه: لا ترونه أقرب منه الآن، اطرحوا علـيه حجارة فـاقتلوه ولا ترون شرّاً أبداً فجاءوا إلـى رحى لهم عظيـمة لـيطرحوها علـيه، فأمسك الله عنها أيديهم، حتـى جاءه جبريـل صلى الله عليه وسلم فأقامه من ثم، فأنزل الله جلّ وعزّ: {يا أيُّها الَّذِيَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَعلـى اللّهِ فَلْـيَتَوَكَّلِ الـمُؤْمِنُونَ}، فأخبر الله عز ذكره نبـيه صلى الله عليه وسلم ما أرادوا به.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ}... الآية، قال: يهود دخـل علـيهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم حائطاً، فـاستعانهم فـي مغرم غرمه، فـائتـمروا بـينهم بقتله، فقام من عندهم، فخرج معترضاً ينظر إلـيهم خيفتهم، ثم دعا أصحابه رجلاً رجلاً حتـى تتاموا إلـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمنذر بن عمرو الأنصاري أحد بنـي النـجار وهو أحد النقبـاء لـيـلة العقبة، فبعثه فـي ثلاثـين راكبـاً من الـمهاجرين والأنصار. فخرجوا، فلقوا عامر بن الطفـيـل بن مالك بن جعفر علـى بئر معونة، وهي من مياه بنـي عامر، فـاقتتلوا، فقتل الـمنذر وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا فـي طلب ضالَّة لهم، فلـم يَرُعْهُم إلا والطير تـحوم فـي السماء، يسقط من بـين خراطيـمها عَلَقُ الدم، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا والرحمن ثم تولـى يشتدّ حتـى لقـي رجلاً، فـاختلفـا ضربتـين، فلـما خالطته الضربة، رفع رأسه إلـى السماء ففتـح عينـيه، ثم قال: الله أكبر، الـجنة وربّ العالـمين فكان يدعى «أعْنَق لـيـموتَ». ورجع صاحبـاه، فلقـيا رجلـين من بنـي سلـيـم، وبـين النبـيّ صلى الله عليه وسلم وبـين قومهما موادعة، فـانتسبـا لهما إلـى بنـي عامر، فقتلاهما. وقدم قومهما إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية، فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلـيّ وطلـحة وعبد الرحمن بن عوف، حتـى دخـلو علـى كعب بن الأشرف ويهود بنـي النضير، فـاستعانهم فـي عقلهما. قال: فـاجتـمعت الـيهود لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واعتلوا بصنـيعة الطعام، فأتاه جبريـل صلى الله عليه وسلم بـالذي اجتـمعت علـيه يهود من الغدر، فخرج ثم دعا علـيًّا، فقال:

لا تَبْرَحْ مَقَامَكَ، فَمَنْ خَرَجَ عَلَـيْكَ مِنْ أصْحَابـي فَسَألَكَ عَنِّـي فَقُلْ وَجَّه إلـى الـمدينة فأَدْرِكُوه قال: فجعلوا يـمرّون علـى علـيّ، فـيأمرهم بـالذي أمره حتـى أتـى علـيه آخرُهم، ثم تبعهم فذلك قوله: { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ } [المائدة: 13].

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن السديّ، عن أبي مالك فـي قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ}. قال: نزلت فـي كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل النعمة التـي ذكرها الله فـي هذه الآية، فأمر الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالشكر له علـيها، أن الـيهود كانت همت بقتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي طعام دعوه إلـيه، فأعلـم الله عزّ وجلّ نبـيه صلى الله عليه وسلم ما هموا به، فـانتهى هو وأصحابه عن إجابتهم إلـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ}... إلـى قوله: {فَكَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} وذلك أن قوماً من الـيهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه طعاماً لـيقتلوه إذا أتـى الطعام، فأوحى الله إلـيه بشأنهم، فلـم يأت الطعام وأمر أصحابه فأبوه.

وقال آخرون: عنى الله جلّ ثناؤه بذلك النعمة التـي أنعمها علـى الـمؤمنـين بـاطلاع نبـيه صلى الله عليه وسلم علـى ما همّ به عدوّه وعدوّهم من الـمشركين يوم بطن نـخـل من اغترارهم إياهم، والإيقاع بهم إذا هم اشتغلوا عنهم بصلاتهم، فسجدوا فـيها، وتعريفه نبـيه صلى الله عليه وسلم الـحذار من عدوّه فـي صلاته بتعلـيـمه إياه صلاة الـخوف. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ}... الآية، ذكر لنا أنها نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نـخـل فـي الغزوة السابعة، فأراد بنو ثعلبة وبنو مـحارب أن يفتكوا به، فأطلعه الله علـى ذلك. ذكر لنا أن رجلاً انتدب لقتله، فأتـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وسيفه موضوع، فقال: آخذه يا نبـيّ الله؟ قال: «خُذْهُ» قال: أستلُّه؟ قال: «نَعَمْ» فسلَّه، فقال: من يـمنعك منـي؟ قال:

الله يَـمْنَعُنِـي مِنْكَ. فهدّده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغلظوا له القول، فشام السيف، وأمر نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بـالرحيـل، فأنزل علـيه صلاة الـخوف عند ذلك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن ابن أبـي سلـمة، عن جابر: أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً، وتفرّق الناس فـي العِضَاه يستظلون تـحتها، فعلق النبـيّ صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابـيّ إلـى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه فسلّه، ثم أقبل علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: من يـمنعك منـي؟ والنبـيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «اللّهُ»، فشام الأعرابـيّ السيف، فدعا النبـيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأخبرهم خبر الأعرابـي وهو جالس إلـى جنبه لـم يعاقبه. قال معمر: وكان قتادة يذكر نـحو هذا، وذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا هذا الأعرابـيّ. وتأوّل: {اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ}... الآية.

وأولـى الأقوال بـالصحة فـي تأويـل ذلك، قول من قال: عنى الله بـالنعمة التـي ذكر فـي هذه الآية نعمته علـى الـمؤمنـين به وبرسوله، التـي أنعم بها علـيهم فـي استنقاذه نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم، مـما كانت يهود بنـي النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إلـيهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم فـي الدية التـي كان يـحملها عن قتـيـلـي عمرو بن أمية.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصحة فـي تأويـل ذلك، لأن الله عقب ذكر ذلك برمي الـيهود بصنائعها وقبـيح أفعالها وخيانتها ربها وأنبـياءها. ثم أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم بـالعفو عنهم والصفح عن عظيـم جهلهم، فكان معلوماً بذلك أنه صلى الله عليه وسلم لـم يؤمر بـالعفو عنهم والصفح عقـيب قوله: {إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ} ومن غيره كان يبسط الأيدي إلـيهم، لأنه لو كان الذين هموا ببسط الأيدي إلـيهم غيرهم لكان حريًّا أن يكون الأمر بـالعفو والصفح عنهم لا عمن لـم يجر لهم بذلك ذكر، ولكان الوصف بـالـخيانة فـي وصفهم فـي هذا الـموضع لا فـي وصف من لـم يَجْر لـخيانته ذكر، ففـي ذلك ما ينبـيء عن صحة ما قضينا له بـالصحة من التأويلات فـي ذلك دون ما خالفه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {واتَّقُوا اللّهِ وَعَلـى اللّهِ فَلْـيَتَوَكَلَّ الـمُؤْمِنُونَ}.

يعنـي جلّ ثناؤه: واحذروا الله أيها الـمؤمنون أن تـخالفوه فـيـما أمركم ونهاكم أن تنقضوا الـميثاق الذي واثقكم به فتستوجبوا منه العقاب الذي لا قِبَل لكم به. {وَعَلـى اللّهِ فَلْـيَتَوَكَّلِ الـمُؤْمِنُونَ} يقول: وإلـى الله فلـيـلق أزمة أمورهم، ويستسلـم لقضائه، ويثق بنصرته وعونه، الـمقرّون بوحدانـية الله ورسالة رسوله، العاملون بأمره ونهيه، فإن ذلك من كمال دينهم وتـمام إيـمانهم، وأنهم إذا فعلوا ذلك كلأهم ورعاهم وحفظهم مـمن أرادهم بسوء، كما حفظكم ودافع عنكم أيها الـمؤمنون الـيهود الذين هموا بـما هموا به من بسط أيديهم إلـيكم، كلاءة منه لكم، إذ كنتـم من أهل الإيـمان به وبرسوله دون غيره، فإن غيره لا يطيق دفع سوء أراد بكم ربكم ولا اجتلاب نفع لكم لـم يقضه لكم.

وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ۝١٢

وهذه الآية أنزلت إعلاماً من الله جلّ ثناؤه نبـيه صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين به، أخلاقَ الذين هموا ببسط أيديهم إلـيهم من الـيهود. كالذي:

حدثنا الـحرث بن مـحمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبـارك، عن الـحسن فـي قوله: {ولقَدْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ} قال: الـيهود من أهل الكتاب.

وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بـينهم وبـينه من صفـاتهم وصفـات أوائلهم وأخلاقهم وأخلاق أسلافهم قديـماً، واحتـجاجاً لنبـيه صلى الله عليه وسلم علـى الـيهود بـاطلاعه إياه علـى ما كان علـمه عندهم دون العرب من خفـيّ أمورهم ومكنون علومهم، وتوبـيخاً للـيهود فـي تـماديهم فـي الغيّ، وإصرارهم علـى الكفر مع علـمهم بخطإ ما هم علـيهم مقـيـمون. يقول الله لنبـيه صلى الله عليه وسلم: لا تستعظموا أمر الذين هموا ببسط أيديهم إلـيكم من هؤلاء الـيهود بـما هموا به لكم، ولا أمر الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسلافهم، لا يعدُون أن يكونوا علـى منهاج أوّلهم وطريق سلفهم. ثم ابتدأ الـخبر عزّ ذكره عن بعض غدراتهم وخياناتهم وجراءتهم علـى ربهم ونقضهم ميثاقهم الذي واثقهم علـيه بـأدائهم، مع نعمه التـي خصهم بها، وكراماته التـي طوّقهم شكرها، فقال: ولقد أخذ الله ميثاق سلف من همّ ببسط يده إلـيكم من يهود بنـي إسرائيـل يا معشر الـمؤمنـين بـالوفـاء له بعهوده وطاعته فـيـما أمرهم ونهاهم. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم العسقلانـي، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {وَلَقَدْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ} قال: أخذ الله مواثـيقهم أن يخـلصوا له ولا يعبدوا غيره.

{وَبَعَثْنا مِنْهُمْ اثْنَى عَشَرَ نَقِـيبـا} يعنـي بذلك: وبعثنا منهم اثنـي عشر كفـيلاً، كفلوا علـيهم بـالوفـاء لله بـما واثقوه علـيه من العهود فـيـما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه. والنقـيب فـي كلام العرب، كالعريف علـى القوم، غير أنه فوق العريف، يقال منه: نَقَبَ فلان علـى بنـي فلان فهو يَنْقُب نقبـاً، فإذا أريد أنه لـم يكن نقـيبـاً فصار نقـيبـاً، قـيـل: قد نَقُب فهو يَنْقب نَقَابة، ومن العريف: عَرُف علـيهم يَعْرُف عِرَافَةً. فأما الـمناكب فإنهم كالأعوان يكونون مع العرفـاء، واحدهم مَنْكِب. وكان بعض أهل العلـم بـالعربـية يقول: هو الأمين الضامن علـى القوم. فأما أهل التأويـل فإنهم قد اختلفوا بـينهم فـي تأويـله، فقال بعضهم: هو الشاهد علـى قومه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِـي إسْرائيـل وَبَعَثْنا مِنْهُمْ اثْنَـيْ عَشَرَ نَقِـيبـاً: من كلّ سبط رجل شاهد علـى قومه.

وقال آخرون: النقـيب: الأمين. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: النقبـاء: الأمناء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

وإنـما كان الله أمر موسى نبـيه صلى الله عليه وسلم ببعثة النقبـاء الأثنـي عشر من قومه بنـي إسرائيـل إلـى أرض الـجبـابرة بـالشام لـيتـجسسوا لـموسى أخبارهم إذ أراد هلاكهم، وأن يورّث أرضهم وديارهم موسى وقومه، وأن يجعلها مساكن لبنـي إسرائيـل بعد ما أنـجاهم من فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض مصر، فبعث موسى الذين أمره الله ببعثهم إلـيها من النقبـاء. كما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أمر الله بنـي إسرائيـل بـالسير إلـى أريحاء، وهي أرض بـيت الـمقدس، فساروا حتـى إذا كانوا قريبـاً منهم بعث موسى اثنـي عشر نقـيبـاً من جميع أسبـاط بنـي إسرائيـل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الـجبـابرة، فلقـيهم رجل من الـجبـارين يقال له عاج، فأخذ الاثنـي عشر، فجعلهم فـي حُجْزته وعلـى رأسه حزمة حطب، فـانطلق بهم إلـى امرأته، فقال: انظري إلـى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا فطرحهم بـين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلـي؟ فقالت امرأته: بل خـلّ عنهم حتـى يخبروا قومهم بـما رأوا ففعل ذلك. فلـما خرج القوم، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتـم بنـي إسرائيـل خبر القوم، ارتدّوا عن نبـيّ الله علـيه السلام، لكن اكتـموه وأخبرواني الله، فـيكونان فـيـما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم علـى بعض الـميثاق بذلك لـيكتـموه. ثم رجعوا فـانطلق عشرة منهم فنكثوا العهد، فجعل الرجل يخبر أخاه وأبـاه بـما رأى من عاج، وكتـم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون، فأخبروهما الـخبر، فذلك حين يقول الله: {وَلَقَدْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَـيْ عَشَرَ نَقِـيبـاً}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {اثْنَـيْ عَشَرَ نَقِـيبـاً} من كلّ سبط من بنـي إسرائيـل رجل أرسلهم موسى إلـى الـجبـارين، فوجدوهم يدخـل فـي كمّ أحدهم اثنان منهم يـلفونهم لفًّـا، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بـينهم فـي خشبة، ويدخـل فـي شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربع. فرجع النقبـاء كلّ منهم ينهي سبطه عن قتالهم إلا يُوشَع بن نون وكالب بن يوقنا يأمران الأسبـاط بقتال الـجبـابرة وبجهادهم، فعصوا هذين وأطاعوا الأخرين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بنـحوه، إلا أنه قال: من بنـي إسرائيـل رجال، وقال أيضاً: يـلففونهما.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: أمر موسى أن يسير ببنـي إسرائيـل إلـى الأرض الـمقدسة، وقال: إنـي قد كتبتها لكم داراً وقراراً ومنزلاً، فـاخرج إلـيها وجاهد من فـيها من العدوّ، فإنـي ناصركم علـيهم، وخذ من قومك اثنـي عشر نقـيبـاً من كلّ سبط نقـيبـاً يكون علـى قومه بـالوفـاء منهم علـى ما أمروا به، وقل لهم إن الله يقول لكم: {إنِّـي معكُمْ لِئن أقمتُـم الصَّلاةَ وآتـيتـمُ الزكاة}... إلـى قوله: {فقدْ ضلَّ سواءَ السَّبِـيـلِ}. وأخذ موسى منهم اثنـي عشر نقـيبـاً اختارهم من الأسبـاط كُفلاء علـى قومهم بـما هم فـيه علـى الوفـاء بعهده وميثاقه، وأخذ من كلّ سبط منهم خيرهم وأوفـاهم رجلاً. يقول الله عزّ وجلّ: {ولَقَدْ أَخَذَ اللّهُ ميثاقَ بَنِـي إسْرائِيـل وبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنـي عَشرَ نَقِـيبـاً} فسار بهم موسى إلـى الأرض الـمقدسة بأمر الله، حتـى إذا نزل التـيه بين مصر والشام، وهي بلاد لـيس فـيها شجر ولا ظلّ، دعا موسى ربه حين آذاهم الـحرّ، فظلَّل علـيهم بـالغمام، ودعا لهم بـالرزق، فأنزل الله علـيهم الـمنّ والسلوى. وأمر الله موسى فقال: أرسل رجالاً يتـجسسون إلـى أرض كنعان التـي وهبت لبنـي إسرائيـل، من كلّ سبط رجلاً. فأرسل موسى الرؤوس كلهم الذين فـيهم، وهذه أسماء الرهط الذين بعث الله من بنـي إسرائيـل إلـى أرض الشام، فـيـما يذكر أهل التوراة لـيجوسوها لبنـي إسرائيـل: من سبط روبـيـل: شامون بن ركون، ومن سبط شمعون سافـاط بن حربـي، ومن سبط يهوذاً كالب بن يوقنا، ومن سبط كاذ ميخائيـل بن يوسف، ومن سبط يوسف وهو سبط إفرائيـم يوشع بن نون، ومن سبط بـينامين فلط بن ذنون، ومن سبط ربـالون كرابـيـل بن سودي، ومن سبط منشا بن يوسف حدي بن سوشا، ومن سبط دان حملائل بن حمل، ومن سبط أشار سابور بن ملكيـل، ومن سبط نفتالـي مـحرّ بن وقسي، ومن سبط يساخر حولايـل بن منكد. فهذه أسماء الذين بعثهم موسى يتـجسسون له الأرض، ويومئذٍ سَمَّى يوشع بن نون: يوشع بن نون، فأرسلهم وقال لهم: ارتفعوا قبل الشمس، فـارقوا الـجبل، وانظروا ما فـي الأرض، وما الشعب الذي يسكنونه، أقوياء هم أم ضعفـاء؟ أقلـيـل هم أم كثـير؟ وانظروا أرضهم التـي يسكنون أشمسة هي أم ذات شجر؟ واحملوا إلـينا من ثمرة تلك الأرض وكان فـي أوّل ما سَمَّى لهم من ذلك ثمرة العنب.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَـيْ عَشَرَ نَقِـيبـاً} فهم من بنـي إسرائيـل، بعثهم موسى لـينظروا له إلـى الـمدينة. فـانطلقوا فنظروا إلـى الـمدينة، فجاءوا بجبةٍ من فـاكهتهم وقر رجل، فقالوا: قدروا قوة قوم وبأسهم هذه فـاكهتهم. فعند ذلك فُتنوا، فقالوا: لا نستطيع القتال:

{ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } [المائده: 24] .

حُدثت عن الـحسين بن الفرج الـمروزي، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد يقول فـي قوله: {وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَـيْ عَشَرَ نَقِـيبـاً} أمر الله بنـي إسرائيـل أن يسيروا إلـى الأرض الـمقدّسة مع نبـيهم موسى صلى الله عليه وسلم فلـما كانوا قريبـاً من الـمدينة، قال لهم موسى: ادخـلوها فأبوا وجبنوا، وبعثوا اثنـي عشر نقـيبـاً لـينظروا إلـيهم. فـانطلقوا فنظروا، فجاءوا بحبة من فـاكهتهم بوِقْر الرجل، فقالوا: قدرِّوا قوّة قوم وبأسهم، هذه فـاكهتهم فعند ذلك قالوا لـموسى: {اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقَاتِلاَ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَقالَ اللّهُ إنّـي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُـمُ الصَّلاةَ وآتَـيْتُـمُ الزَّكاةَ وآمَنْتُـمْ بِرُسُلِـي وَعَزَّرْتـمُوهُمْ وأقْرَضْتُـمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَنَاً}.

يقول الله تعالـى ذكره {وَقالَ اللّهُ} لبنـي إسرائيـل {إنّـي مَعَكُمْ} يقول: إنى ناصركم علـى عدوّكم وعدوي الذين أمرتكم بقتالهم إن قاتلتـموهم ووفـيتـم بعهدي وميثاقـي الذي أخذته علـيكم. وفـي الكلام مـحذوف استُغنـي بـما ظهر من الكلام عما حذف منه، وذلك أن معنى الكلام: وقال الله لهم: إنـي معكم، فترك ذكر «لهم»، استغناء بقوله: {وَلَقَدْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ} إذ كان متقدم الـخبر عن قوم مسمَّين بأعيانهم كان معلوماً أن سياق ما فـي الكلام من الـخبر عنهم، إذ لـم يكن الكلام مصروفـاً عنهم إلـى غيرهم. ثم ابتدأ ربنا جلّ ثناؤه القسم، فقال: قسم {لَئِنْ أقَمْتُـمْ} معشر بنـي إسرائيـل {الصَّلاةَ وآتَـيْتُـمُ الزَّكاةَ}: أي أعطيتـموها من أمرتكم بـاعطائها، {وآمَنْتُـمْ بِرُسُلِـي} يقول: وصدّقتـم بـما آتاكم به رسلـي من شرائع دينـي. وكان الربـيع بن أنس يقول: هذا خطاب من الله للنقبـاء الاثنـي عشر.

حُدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: أن موسى صلى الله عليه وسلم قال للنقبـاء الاثنـي عشر: سيروا إلـيهم يعنـي إلـى الـجبـارين فحدثونـي حديثهم، وما أمَرُهم، ولا تـخافوا إن الله معكم ما أقمتـم الصلاة وآتـيتـم الزكاة وآمنتـم برسلـي وعزّرتـموهم وأقرضتـم الله قرضاً حسناً.

ولـيس الذي قاله الربـيع فـي ذلك ببعيد من الصواب، غير أن من قضاء الله فـي جميع خـلقه أنه ناصرٌ من أطاعه، وولـىّ من اتبع أمره وتـجنب معصيته وجافـي ذنوبه. فإذ كان ذلك كذلك، وكان من طاعته: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيـمان بـالرسل، وسائر ما ندب القوم إلـيه كان معلوماً أن تكفـير السيئات بذلك وإدخال الـجنات به لـم يخصص به النقبـاء دون سائر بنـي إسرائيـل غيرهم، فكان ذلك بأن يكون ندبـاً للقوم جميعاً وحضًّا لهم علـى ما حضهم علـيه، أحقّ وأولـى من أن يكون ندبـاً لبعض وحضًّا لـخاصّ دون عام.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {وَعَزَّرْتُـمُوهُمْ} فقال بعضهُم: تأويـل ذلك: ونصرتـموهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَعَزَّرْتُـمُوهُمْ} قال: نصرتـموهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: قوله: {وَعَزَّرْتُـمُوهُمْ} قال: نصرتـموهم بـالسيف.

وقال آخرون: هو الطاعة والنصرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول فـي قوله: {وَعَزَّرْتـموهُم} قال: التعزير والتوقـير: الطاعة والنصرة.

واختلف أهل العربـية فـي تأويـله، فذكر عن يونس الـحِرمزي أنه كان يقول: تأويـل ذلك: أثنـيتـم علـيهم.

حُدثت بذلك عن أبـي عبـيدة معمر بن الـمثنى عنه.

وكان أبو عبـيدة يقول: معنى ذلك نصرتـموهم وأعنتـموهم ووقرتـموهم وعظمتـموهم وأيدتـموهم، وأنشد فـي ذلك:

وكَمْ مِنْ ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيـمٍ ومِنْ لَـيْثٍ يُعَزَّزُ فـي النَّدِيِّ

وكان الفرّاء يقول: العزر الردّ عزرته رددته: إذا رأيته يظلـم، فقلت: اتق الله أو نهيته، فذلك العزر.

وأولـى هذه الأقوال عندي فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: نصرتـموهم، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال فـي سورة الفتـح:

{ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ }[الفتح: 8-9]. فـالتوقـير: هو التعظيـم. وإذا كان ذلك كذلك، كان القول فـي ذلك إنـما هو بعض ما ذكرنا من الأقوال التـي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه التعظيـم، وكان النصر قد يكون بـالـيد واللسان فأما بـالـيد فـالذبّ بها عنه بـالسيف وغيره، وأما بـاللسان فحسن الثناء، والذبّ عن العرض، صحّ أنه النصر إذ كان النصر يحوي معنى كلّ قائل قال فـيه قولاً مـما حكينا عنه.

وأما قوله: {وأقْرَضْتُـمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً} فإنه يقول: وأنفقتـم فـي سبـيـل الله، وذلك فـي جهاد عدوّه وعدوّكم، {قَرْضاً حَسَناً} يقول: وأنفقتـم ما أنفقتـم فـي سبـيـله، فأصبتـم الـحقّ فـي إنفـاقكم ما أنفقتـم فـي ذلك، ولـم تتعدّوا فـيه حدود الله وما ندبكم إلـيه وحثكم علـيه إلـى غيره.

فإن قال لنا قائل: وكيف قال: {وأقْرَضْتُـمْ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً} ولـم يقل: إقراضاً حسناً، وقد علـمت أن مصدر أقرضت: الإقراض؟ قـيـل: لو قـيـل ذلك كان صوابـاً، ولكن قوله: {قَرْضاً حَسَناً} أخرج مصدراً من معناه لا من لفظه، وذلك أن فـي قوله: أقرض معنى قرض، كما فـي معنى أعطى أخذ، فكان معنى الكلام: وقرضتـم الله قرضاً حسناً، ونظير ذلك: واللّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرضِ نَبَـاتاً إذ كان فـي أنبتكم معنى فنبتـم، وكما قال امرؤ القـيس:

وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إذْلالِ

إذ كان فـي رضت معنى أذللت، فخرج الإذلال مصدراً من معناه لا من لفظه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلأُدْخِـلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهَارُ}.

يعنـي جلّ ثناؤه بذلك بنـي إسرائيـل، يقول لهم جلّ ثناؤه: لئن أقمتـم الصلاة أيها القوم الذين أعطونـي ميثاقهم بـالوفـاء بطاعتـي، واتبـاع أمري، وآتـيتـم الزكاة، وفعلتـم سائر ما وعدتكم علـيه جنتـي {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتَكُمْ} يقول: لأغطين بعفوي عنكم وصفحي عن عقوبتكم، علـى سالف إجرامكم التـي أجرمتـموها فـيـما بـيني وبـينكم علـى ذنوبكم التـي سلفت منكم من عبـادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم {ولأدْخِـلَنَّكُمْ} مع تغطيتـي علـى ذلك منكم بفضلـي يوم القـيامة {جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأَنْهارُ} فـالـجنات: البساتـين.

وإنـما قلت: معنى قوله: {لأُكَفِّرَنَّ}: لأغطينّ، لأن الكفر معناه الـجحود والتغطية والستر، كما قال لبـيد:

فِـي لَـيْـلَةٍ كَفَرَ النُّـجومَ غَمامُها

يعنـي: «غطاها».فالتكفير التفعيـل من الكَفْر.

واختلف أهل العربـية فـي معنى «اللام» التـي فـي قوله: {لأُكَفِّرَنَّ} فقال بعض نـحويـيِّ البصرة: اللام الأولـى علـى معنى القَسَم، يعنـي اللام التـي فـي قوله: {لَئِنْ أقَمْتُـمْ الصَّلاةَ} قال: والثانـية معنى قسم آخر.

وقال بعض نـحويـيّ الكوفة: بل اللام الأولـى وقعت موقع الـيـمين، فـاكتفـى بها عن الـيـمين، يعنـي بـاللام الأولـى: لئن أقمتـم الصلاة. قال: واللام الثانـية، يعنـي قوله: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتَكُمْ} جواب لها، يعنـي للام التـي فـي قوله: {لَئِنْ أقَمْتُـمُ الصَّلاةَ}. واعتلّ لقـيـله ذلك بأن قوله: {لَئِنْ أقَمْتُـمُ الصَّلاةَ} غير تام ولا مستغن عن قوله: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز أن يكون قوله: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ قسماً مبتدأ، بل الواجب أن يكون جوابـاً للـيـمين إذ كانت غير مستغنـية عنه. وقوله: {تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ} يقول: يجري من تـحت أشجار هذه البساتـين التـي أدخـلكموها الأنهار.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِـيـلِ}.

يقول عزّ ذكره: فمن جحد منكم يا معشر بنـي إسرائيـل شيئاً مـما أمرته به، فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الـميثاق علـيه بـالوفـاء لـي بطاعتـي واجتناب معصيتـي، {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السّبِـيـلِ} يقول: فقد أخطأ قصد الطريق الواضح، وزلّ عن منهج السبـيـل القاصد. والضلال: الركوب علـى غير هدى وقد بـينا ذلك بشواهده فـي غير هذا الـموضع. وقوله: {سَوَاءَ} يعنـي به: وسط السبـيـل، وقد بـيّنا تأويـل ذلك كله فـي غير هذا الـموضع، فأغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ