انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 4–5

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 1–11في هذه الصفحة 19:47

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝٤

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: يسألك يا مـحمد أصحابك ما الذي أُحلّ لهم أكله من الـمطاعم والـمآكل، فقل لهم: أحلّ لكم منها الطيبـات، وهي الـحلال الذي أذن لكم ربكم فـي أكله من الذبـائح، وأحلّ لكم أيضاً مع ذلك صيد ما علـمتـم من الـجوارح، وهن الكواسب من سبـاع البهائم والطير، سميت جوارح لـجرحها لأربـابها وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد، يقال منه: جرح فلان لأهله خيراً: إذا أكسبهم خيراً، وفلان جارحة أهله: يعنـي بذلك: كاسبهم، ولا جارحة لفلانة إذا لـم يكن لها كاسب، ومنه قول أعشى بنـي ثعلبة:

ذَاتَ خَدّ مُنْضِجٍ مِيسَمُهُ يُذْكِرُ الـجارحَ ما كانَ اجْتَرَحْ

يعنـي: اكتسب. وترك من قوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ}: «وصيد» ما علـمتـم من الـجوارح اكتفـاء بدلالة ما ذكر من الكلام علـى ما ترك ذكره. وذلك أن القوم فـيـما بلغنا كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بقتل الكلاب عما يحلّ لهم اتـخاذه منها وصيده، فأنزل الله عزّ ذكره فـيـما سألوا عنه من ذلك هذه الآية فـاستثنى مـما كان حرم اتـخاذه منها، وأمر بقُنـية كلاب الصيد وكلاب الـماشية وكلاب الـحرث، وأذن لهم بـاتـخاذ ذلك. ذكر الـخبر بذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيد بن حبـاب العكلـي، قال: ثنا موسى بن عبـيدة، قال: أخبرنا صالـح عن القعقاع بن حكيـم، عن سلـمى أم رافع، عن أبـي رافع، قال: جاء جبريـل إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم يستأذن علـيه، فأذن له، فقال:

قد أذنّا لَكَ يا رَسُولَ اللّه، قال: أجل، ولكنا لا ندخـل بـيتاً فـيه كلب. قال أبو رافع: فأمرنـي أن أقتل كل كلب بـالـمدينة، فقتلت حتـى انتهيت إلـى امرأة عندها كلب ينبح علـيها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فأمرنـي، فرجعت إلـى الكلب فقتلته، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحلّ لنا من هذه الأمة التـي أمرتَ بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {يَسْئَلُونَكَ ماذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَـاتُ وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعث أبـا رافع فـي قتل الكلاب، فقتل حتـى بلغ العوالـي، فدخـل عاصم بن عديّ وسعد بن خيثمة وعويـم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أُحلّ لنا يا رسول الله؟ فنزلت: {يَسْئَلُونَكَ ماذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبـاتُ وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مكَلِّبِـينَ}.

حدثنـي الـمثنى، ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، قال: حدثونا عن مـحمد بن كعب القرظيّ، قال: لـما أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، قالوا: يا رسول الله، فماذا يحلّ لنا من هذه الأمة؟ فنزلت: {يَسْئَلُونَكَ ماذَا أُحِلَّ لَهُمْ}... الآية.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الـجوارح التـي عنى الله بقوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ} فقال بعضهم هو كلّ ما علِّـم الصيد فتعلـمه من بهيـمة أو طائر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن إسماعيـل بن مسلـم، عن الـحسن فـي قوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ} قال: كل ما عُلِّـم فصاد: من كلب، أو صقر، أو فَهِد، أو غيره.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن إسماعيـل بن مسلـم، عن الـحسن: {مُكَلِّبِـينَ} قال: كلّ ما علـم فصاد من كلب أو فهد أو غيره.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي صيد الفهد، قال: هو من الـجوارح.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزّة، عن مـجاهد فـي قوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ} قال: الطير، والكلاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن الـحجاج، عن عطاء، عن القاسم بن أبـي بزّة، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن حميد، عن مـجاهد: {مُكَلِّبِـينَ} قال: من الكلاب والطير.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ} قال: من الطير والكلاب.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا شعبة (ح) وثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن الهيثم، عن طلـحة بن مصرف، قال: قال: خيثمة بن عبد الرحمن: هذا ما قد بـينت لك أن الصقر والبـازي من الـجوارح.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت الهيثم يحدّث عن طلـحة الإيامي، عن خيثمة، قال: أنبئت أن الصقر، والبـاز، والكلب: من الـجوارح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن علـيّ بن حسين، قال: البـاز والصقر من الـجوارح.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن شريك، عن جابر، عن أبـي جعفر، قال: البـاز والصقر من الـجوراح الـمكلّبـين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ} يعنـي بـالـجوارح: الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشبـاهها.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبـيه: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِح مُكَلِّبِـينَ} قال: من الكلاب وغيرها، من الصقور والبِـيزان وأشبـاه ذلك مـما يعلَّـم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ} الـجوارح: الكلاب والصقور الـمعلـمة.

حدثنـي سعيد بن الربـيع الرازي، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو بن دينار سمع عبـيد بن عمير يقول فـي قوله: {مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ} قال: الكلاب والطير.

وقال آخرون: إنـما عنى الله جلّ ثناؤه بقوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ} الكلاب دون غيرها من السبـاع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تـميـلة، قال: ثنا عبـيد، عن الضحاك: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ} قال: هي الكلاب.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ} يقول: أحلّ لكم صيد الكلاب التـي علـمتـموهن.

حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أما ما صاد من الطير والبُزاة من الطير، فما أدركت فهو لك، وإلا فلا تطعَمه.

وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول من قال: كلّ ما صاد من الطير والسبـاع فمن الـجوارح، وإن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعلـيـم، لأن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ}: كلّ جارحة، ولـم يخصص منها شيئاً، فكل جارحة كانت بـالصفة التـي وصف الله من كل طائر وسبع فحلال أكل صيدها. وقد روِيَ عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، بنـحو ما قلنا فـي ذلك خبر، مع ما فـي الآية من الدلالة التـي ذكرنا علـى صحة ما قلنا فـي ذلك، وهو ما:

حدثنا به هناد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن مـجالد، عن الشعبـيّ عن عديّ بن حاتـم، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البـازيّ، فـقال:

ما أَمْسَكَ عَلَـيْكَ فَكُلْ.

فأبـاح صلى الله عليه وسلم صيد البـازي وجعله من الـجوارح، ففـي ذلك دلالة بـينة علـى فساد قول من قال: عنى الله بقوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ}: ما علـمنا من الكلاب خاصة دون غيرها من سائر الـجوارح.

فإن ظنّ ظانّ أن فـي قوله {مُكَلِّبِـينَ} دلالة علـى أن الـجوارح التـي ذكرت فـي قوله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ}: هي الكلاب خاصة، فقد ظنّ غير الصواب، وذلك أن معنى الآية: قل أحلّ لكم أيها الناس فـي حال مصيركم أصحاب كلاب الطيبـات وصيد ما علَّـمتـموه الصيد من كواسب السبـاع والطير. فقوله: {مُكَلِّبِـينَ} صفة للقانص، وإن صاد بغير الكلاب فـي بعض أحيانه، وهو نظير قول القائل يخاطب قوماً: أحلّ لكم الطيبـات، وما علـمتـم من الـجوارح مكلبـين مؤمنـين فمعلوم أنه إنـما عنى قائل ذلك إخبـار القوم أن الله جلّ ذكره أحلّ لهم فـي حال كونهم أهل إيـمان الطيبـات، وصيد الـجوارح التـي أعلـمهم أنه لا يحلّ لهم منه إلا ما صادوه بها، فكذلك قوله: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبـاتُ وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مكَلِّبِـينَ} لذلك نظيره فـي أن التكلـيب للقانص بـالكلاب كان صيده أو بغيرها، لا أنه إعلام من الله عزّ ذكره أنه لا يحلّ من الصيد إلا ما صادته الكلاب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {تُعَلِّـمُونَهُنَّ مِـمَّا عَلَّـمَكُمُ اللّهُ}.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {تُعَلِّـمُونَهُنَّ}: تؤدّبون الـجوارح، فتعلـمونهنّ طلب الصيد لكم مـما علـمكم الله، يعنـي بذلك: من التأديب الذي أدبكم الله والعلـم الذي علـمكم.

وقد قال بعض أهل التأويـل: معنى قوله: {مِـمَّا عَلَّـمَكُمُ اللّهُ}: كما علـمكم الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {تُعَلِّـمُونَهُنَّ مِـمَّا عَلَّـمَكُمُ اللّهُ} يقول: تعلـمونهنّ من الطلب كما علـمكم الله.

ولسنا نعرف فـي كلام العرب «من» بـمعنى الكاف، لأن «من» تدخـل فـي كلامهم بـمعنى التبعيض، والكاف بـمعنى التشبـيه. وإنـما يوضع الـحرف مكان آخر غيره إذا تقارب معنـياهما، فأما إذا اختلفت معانـيهما فغير موجود فـي كلامهم وضع أحدهما عقـيب الآخر، وكتاب الله وتنزيـله أحرى الكلام أن يجنب ما خرج عن الـمفهوم والغاية فـي الفصاحة من كلام من نزل بلسانه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسماعيـل بن صبـيح، قال: ثنا أبو هانىء، عن أبـي بشر، قال: ثنا عامر، أن عديّ بن حاتـم الطائي، قال: أتـى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن صيد الكلاب، فلـم يدر ما يقول له، حتـى نزلت هذه الآية: {تُعَلِّـمُونَهُنَّ مِـمَّا عَلَّـمَكُمُ اللّهُ}.

قـيـل: اختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم: هو أن يُسْتَشْلَـى لطلب الصيد إذا أرسله صاحبه، ويـمسك علـيه إذا أخذه فلا يأكل منه، ويستـجيب له إذا دعاه، ولا يفرّ منه إذا أراده، فإذا تتابع ذلك منه مراراً كان معلَّـما. وهذا قول جماعة من أهل الـحجاز وبعض أهل العراق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عصام، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: كل شيء قتله صائدك قبل أن يعلَّـم ويـمسك ويصيد فهو ميَتة، ولا يكون قتله إياه ذكاة حتـى يعلَّـم ويُـمسك ويصيد، فإن كان ذلك ثم قَتَل فهو ذكاته.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: الـمعلَّـم من الكلاب أن يـمسك صيده فلا يأكل منه حتـى يأتـيه صاحبه، فإن أكل من صيده قبل أن يأتـيه صاحبه فـيدرك ذكاته، فلا يأكل من صيده.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيـينة، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عبـاس، قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، فإنـما أمسك علـى نفسه.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيـم، قالا: ثنا إسماعيـل بن إبراهيـم، قال: ثنا أبو الـمعلـى، عن سعيد بن جبـير، قال: قال ابن عبـاس: إذا أرسل الرجل الكلب فأكل من صيده فقد أفسده، وإن كان ذكر اسم الله حين أرسله فزعم أنه إنـما أمسك علـى نفسه والله يقول {مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ تُعَلـمُوَنهنَّ مِـمَّا عَلَّـمَكُمُ اللّهُ}. فزعم أنه إذا أكل من صيده قبل أن يأتـيه صاحبه أنه لـيس بـمعلـم، وأنه ينبغي أن يضرب ويعلـم حتـى يترك ذلك الـخـلق.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معمر الرقـي، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عبـاس، قال: إذا أخذ الكلب فقتل فأكل، فهو سبع.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عبـاس، قال: لا يأكل منه، فإنه لو كان معلـماً لـم يأكل منه ولـم يتعلـم ما علـمته، إنـما أمسك علـى نفسه ولـم يـمسك علـيك.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود، عن الشعبـيّ، عن ابن عبـاس، بنـحوه.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حماد، عن إبراهيـم، عن ابن عبـاس، قال: إذا أكلت الكلاب فلا تأكل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن الشعبـي، عن ابن عبـاس، بـمثله.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا ابن عون، قال: قلت لعامر الشعبـيّ: الرجل يرسل كلبه فـيأكل منه، أنأكل منه؟ لا، لـم يتعلـم الذي علـمته.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد، عن ابن عمر، قال: إذا أكل الكلب من صيد فـاضربه، فإنه لـيس بـمعلَّـم.

حدثنا سوّار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبـيه، قال: إذا أكل الكلب فهو ميتة، فلا تأكله.

حدثنا الـحسن بن عرفة، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير وسيار، عن الشعبـيّ ومغيرة، عن إبراهيـم أنهم قالوا فـي الكلب: إذا أكل من صيده فلا تأكل، فإنـما أمسك علـى نفسه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: إن وجدت الكلب قد أكل من الصيد، فما وجدته ميتاً فدعه، فإنه مـما لـم يـمسك علـيك صيداً، إنـما هو سبع أمسك علـى نفسه ولـم يـمسك علـيك، وإن كان قد علـم.

حدثنا مـحمد بن الـحسن، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: بنـحوه.

وقال آخرون نـحو هذه الـمقالة، غير أنهم حدّوا لـمعرفة الكَلاَّب بأن كلبه قد قبل التعلـيـم، وصار من الـجوارح الـحلال صيدها أن يفعل ذلك كلبه مرّات ثلاثاً، وهذا قول مـحكيّ عن أبـي يوسف ومـحمد بن الـحسن.

وقال آخرون مـمن قال هذه الـمقالة: لا حدّ لعلـم الكلاّب بذلك من كلبه أكثر من أن يفعل كلبه ما وصفنا أنه له تعلـيـم قالوا: فإذا فعل ذلك فقد صار معلَّـماً حلالاً صيده. وهذا قول بعض الـمتأخرين.

وفرّق بعض قائلـي هذه الـمقالة بـين تعلـيـم البـازي وسائر الطيور الـجارحة، وتعلـيـم الكلب وضاري السبـاع الـجارحة، فقال: جائز أكل ما أكل منه البـازي من الصيد. قالوا: وإنـما تعلـيـم البـازي أن يطير إذا استُشْلـي، ويجب إذا دُعي، ولا ينفر من صاحبه إذا أراد أخذه. قالوا: ولـيس من شروط تعلـيـمه أن لا يأكل من الصيد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم وحجاج، عن عطاء، قال: لا بأس بصيد البـازي وإن أكل منه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أسبـاط، قال: ثنا أبو إسحاق، الشبـيانـيّ، عن حماد، عن إبراهيـم، عن ابن عبـاس أنه قال فـي الطير: إذا أرسلته فقتل فكل، فإن الكلب إذا ضربته لـم يعُد وإن تعلـيـم الطير: أن يرجع إلـى صاحبه، ولـيس يضرب فإذا أكل من الصيد ونتف من الريش فكُلْ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن جابر، عن الشعبـي، قال: لـيس البـازي والصقر كالكلب، فإذا أرسلتهما فأمسكا فأكلا فدعوتهما فأتـياك، فكُلْ منه.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو زبـيد، عن مطرِّف، عن حماد، قال إبراهيـم: كُل صيد البـازي وإن أكل منه.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن حماد، عن إبراهيـم، وجابر عن الشعبـيّ، قالا: كل من صيد البـازي وإن أكل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيـم: إذا أكل البـازي والصقر من الصيد، فكل، فإنه لا يعُلَّـم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حماد، عن إبراهيـم، قال: لا بأس بـما أكل منه البـازي.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن حماد، أنه قال فـي البـازي: إذا أكل منه فكُلْ.

وقال آخرون منهم: سواء تعلـيـم الطير والبهائم والسبـاع، لا يكون نوع من ذلك معلَّـماً إلا بـما يكون به سائر الأنواع معلـماً. وقالوا: لا يحلّ أكل شيء من الصيد الذي صادته جارحة فأكلت منه، كائنة ما كانت تلك الـجارحة بهيـمة أو طائراً. قالوا: لأن من شروط تعلـيـمها. الذي يحلّ به صيدها، أن تـمسك ما صادت علـى صاحبها فلا تأكل منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: ثنا ابن أبـي زائدة، قال: ثنا مـحمد بن سالـم، عن عامر، قال: قال علـيّ: إذا أكل البـازي من صيده فلا تأكل.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن جعفر، عن شعبة، عن مـجالد بن سعيد، عن الشعبـي، قال: إذا أكل البـازي منه فلا تأكل.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير، قال: إذا أكل البـازي فلا تأكل.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع عن عمرو بن الولـيد السهميّ، قال: سمعت عكرمة، قال: إذا أكل البـازي فلا تأكل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: الكلب والبـازي كلّه واحد، لا تأكل ما أكل منه من الصيد إلا أن تدرك ذكاته فتذكيه. قال: قلت لعطاء: البـازي ينتف الريش؟ قال: فما أدركته ولـم يأكل، فكُلْ. قال ذلك غير مرّة.

وقال آخرون: تعلـيـم كل جارحة من البهائم والطير واحد، قالوا: وتعلـيـمه الذي يحلّ به صيده أن يُشْلَـى علـى الصيد فـيَسْتَشْلِـي ويأخذ الصيد، ويدعوه صاحبه فـيجيب، أو لا يفرّ منه إذا أخذه. قالوا: فإذا فعل الـجارح ذلك كان معلـماً داخلاً فـي الـمعنى الذي قال الله: {وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ تُعْلِّـمونهُنَّ مِـمَّا عَلَّـمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ} قالوا: ولـيس من شرط تعلـيـم ذلك أن لا يأكل من الصيد، قالوا: وكيف يجوز أن يكون ذلك من شرطه وهو يؤدّب بأكله؟ ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد أو سعد، عن سلـمان، قال: إذا أرسلت كلبك علـى صيد، وذكرت اسم الله فأكل ثلثـيه وبقـي ثلثه، فكل ما بقـي.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا حميد، قال: ثنـي القاسم بن ربـيعة، عمن حدّثه، عن سلـمان وبكر بن عبد الله، عمن حدثه، عن سلـمان: أن الكلب يأخذ الصيد فـيأكل منه، قال: كُلْ وإن أكل ثلثـيه إذا أرسلته وذكرت اسم الله وكان معلَّـماً.

حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى، قالا: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن سعيد بن الـمسيب، قال: قال سلـمان: كل وإن أكل ثلثـيه يعنـي: الصيد إذا أكل منه الكلب.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب، عن سلـمان، نـحوه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ وعبد العزيز بن عبد الصمد، عن شعبة (ح) وحدثنا هناد قال: ثنا عبدة جميعاً، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب، قال: قال سلـمان: إذا أرسلت كلبك الـمعلـم وذكرت اسم الله فأكل ثلثه فكُلْ.

حدثنا هناد، قال: ثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد، عن سلـمان، نـحوه.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، عن بكر بن عبد الله الـمزنـي والقاسم، أن سلـمان قال: إذا أكل الكلب فكل، وإن أكل ثلثـيه.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن داود بن أبـي الفرات، عن مـحمد بن زيد، عن سعيد بن الـمسيب، قال: قال سلـمان: إذا أرسلت كلبك الـمعلـم أو بـازك، فسميتَ، فأكَل نصفه أو ثلثـيه، فكل بقـيته.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي مخرمة بن بكير، عن أبـيه، عن حميد بن مالك بن خثـيـم الدؤلـي، أنه سأل سعد بن أبـي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب، فقال: كُلْ وإن لـم يبق منه إلا حذْية، يعنـي بَضْعة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنى عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، قال: سمعت بكير بن الأشج يحدّث عن سعد، قال: كل وإن أكل ثلثـيه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا سعيد بن الربـيع، قال: ثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، قال: سمعت بكير بن الأشجّ، عن سعيد بن الـمسيب قال شعبة، قلت: سمعته من سعيد؟ قال: لا قال: كل وإن أكل ثلثـيه. قال: ثم إن شعبة قال فـي حديثه عن سعد، قال: كل وإن أكل نصفه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنى عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن أبـي هريرة، قال: إذا أرسلت كلبك فأكل منه، فإن أكل ثلثـيه وبقـي ثلثه فكُلْ.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبـي هند، عن الشعبـيّ، عن إبـي هريرة، بنـحوه.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، عن داود بن أبـي هند، عن الشعبـيّ، عن أبـي هريرة، نـحوه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي سالـم بن نوح العطار، عن عمر، يعنـي ابن عامر، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب، عن سلـمان، قال: إذا أرسلت كلبك الـمعلـم فأخذ فقتل، فكُلْ وإن أكل ثلثـيه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت عبد الله (ح)

وحدثنا هناد، قال: ثنا عبدة، عن عبـيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: إذا أرسلت كلبك الـمعلـم وذكرت اسم الله فكُلْ ما أمسك علـيك، أكل أو لـم يأكل.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا عبـيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، بنـحوه.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي ابن أبـي ذئب أن نافعاً حدثهم: أن عبد الله بن عمر كان لا يرَى بأكل الصيد بأساً، إذا قتله الكلب أكل منه.

حدثنـي يونس به مرة أخرى، فقال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي عبـيد الله بن عمر وابن أبـي ذئب وغير واحد، أن نافعاً حدثهم عن عبد الله بن عمر، فذكر نـحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا مـحمد بن أبـي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان لا يرى بأساً بـما أكل الكلب الضاري.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن ابن أبـي ذئب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن حميد بن عبد الله، عن سعد، قال: قلت: لنا كلاب ضوار يأكلن ويبقـين؟ قال: كل وإن لـم يبق إلا بَضْعة.

حدثنا هناد، قال: ثنا قبـيصة، عن سفـيان، عن ابن أبـي ذئب، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشجّ، عن حميد، قال: سألت سعداً، فذكر نـحوه.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندنا فـي تأويـل قوله: {تُعَلِّـمُونَهُنَّ مِـمَّا عَلَّـمَكُمُ اللّهُ} أن التعلـيـم الذي ذكره الله فـي هذه الآية للـجوارح، إنـما هو أن يعلـم الرجل جارحه الاستشلاء إذا أُشلـي علـى الصيد، وطلبه إياه أغري، أو إمساكه علـيه إذا أَخذه من غير أن يأكل منه شيئاً، وألا يفرّ منه إذا أراده، وأن يجيبه إذا دعاه، فذلك هو تعلـيـم جميع الـجوارح طيرها وبهائمها. وإن أكل من الصيد جارحة صائد، فجارحه حينئذٍ غير معلـم. فإن أدرك صاحبه حيًّا فذكّاه حلّ له أكله، وإن أدركه ميتاً لـم يحلّ له، لأنه مـما أكله السبع الذي حرّمه الله تعالـى بقوله: {وَما أكَلَ السَّبُع} ولـم يدرك ذكاته.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بـما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن عاصم بن سلـيـمان الأحول، عن الشعبـيّ، عن عديّ بن حاتـم، أنه سأل النبـيّ صلى الله عليه وسلم عن الصيد، فقال:

إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ فـاذْكُرِ اسْمَ اللّه عَلَـيْهِ، فإنْ أدْرَكْتَهُ وقد قَتَلَ وأَكَلَ مِنْهُ، فلا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئاً، فإنَّـما أمْسَكَ علـى نَفْسِهِ

حدثنا أبو كريب، وأبو هشام الرفـاعي، قالا: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن بـيان بن بشر، عن عامر، عن عديّ بن حاتـم، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب؟ فقال:

إذَا أرْسَلْتَ كِلابَكَ الـمُعَلَّـمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللّهِ عَلَـيْها، فَكُلْ ما أمْسَكْنَ عَلَـيْكَ وَإنْ قَتَلْنَ، إلاَّ أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فإنْ أكَلَ فلا تَأْكُلْ، فإنّـي أخافُ أنْ يَكُونَ إنَّـمَا حَبَسَهُ علـى نَفْسِهِ

فإن قال قائل: فما أنت قائل فـيـما:

حدثك به عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا عبد العزيز بن موسى، قال: ثنا مـحمد بن دينار، عن أبـي إياس، عن سعيد بن الـمسيب، عن سلـمان الفـارسي، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

إذَا أرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ علـى الصَّيْدِ فَأدْرَكَهُ وَقَدْ أكَلَ مِنْهُ، فَلـيْأكُلْ ما بَقِـيَ

قـيـل: هذا خبر فـي إسناده نظر، فإن سعيداً غير معلوم له سماع من سلـمان، والثقات من أهل الآثار يقـفون هذا الكلام علـى سلـمان ويروونه عنه من قِبَله غير مرفوع إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم. والـحفـاظ الثقات إذا تتابعوا علـى نقل شيء بصفة فخالفهم واحد منفرد لـيس له حفظهم، كانت الـجماعة الأثبـات أحقّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي لـيس له حفظهم. وإذا كان الأمر فـي الكلب علـى ما ذكرت من أنه إذا أكل من الصيد فغير معلّـم، فكذلك حكم كلّ جارحة فـي أن ما أكل منها من الصيد فغير معلَّـم، لا يحلّ له أكل صيده إلا أن يدرك ذكاته.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ}.

يعنـي بقوله: {فَكُلُوا مِـما أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ}: فكلوا أيها الناس مـما أمسكتْ علـيكم جوارحكم.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: ذلك علـى الظاهر والعموم كما عمـمه الله حلال أكل كل ما أمسكت علـينا الكلاب والـجوارح الـمعلـمة من الصيد الـحلال أكله، أكل منه الـجارح والكلاب أو لـم يأكل منه، أدركت ذكاته فذُكي أو لـم تدرك ذكاته حتـى قتلته الـجوارح، بجرحها إياه أو بغير جرح. وهذا قول الذين قالوا: تعلـيـم الـجوارح الذي يحلّ به صيدها أن تعلَّـم الاستشلاء علـى الصيد وطلبه إذا أُشلـيت علـيه وأخذَه، وترك الهرب من صاحبها دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته. وقد ذكرنا قول قائلـي هذه الـمقالة والرواية عنهم بأسانـيدها الواردة آنفـاً.

وقال آخرون: بل ذلك علـى الـخصوص دون العموم، قالوا: ومعناه: فكلوا مـما أمسكن علـيكم من الصيد جميعه دون بعضه. قالوا: فإن أكلت الـجوارح منه بعضاً وأمسكت بعضاً، فـالذي أمسكت منه غير جائز أكله وقد أكلت بعضه لأنها إنـما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه علـى أنفسها لا علـينا، والله تعالـى ذكره إنـما أبـاح لنا كل ما أمسكته جوارحنا الـمعلَّـمة علـيه بقوله: {فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ} دون ما أمسكته علـى أنفسها، وهذا قول من قال: تعلـيـم الـجوارح الذي يحلّ به صيدها، أن تَسْتَشْلـي للصيد إذا أُشلـيت فتطلبه وتأخذه، فتـمسكه علـى صاحبها فلا تأكل منه شيئاً، ولا تفرّ من صاحبها وقد ذكرنا مـمن قال ذلك فـيـما مضى منهم جماعة كثـيرة، ونذكر منهم جماعة آخرين فـي هذا الـموضع.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ} يقول: كلوا مـما قتلن. قال علـيّ: وكان ابن عبـاس يقول: إن قتل وأكل فلا تأكل، وإن أمسك فأدركته حيًّا فذَكّه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: إن أكل الـمعلـم من الكلاب من صيده قبل أن يأتـيه صاحبه فـيدرك ذكاته، فلا يأكل من صيده.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَكُلوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ} إذا صاد الكلب فأمسكه وقد قتله ولـم يأكل منه، فهو حلّ، فإن أكل منه، فـيقال: إنـما أمسك علـى نفسه، فلا تأكل منه شيئاً، إنه لـيس بـمعلَّـم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يَسْئَلُونَكَ ماذَا أُحلَّ لَهُمْ} إلـى قوله: {فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَـيْهِ} قال: إذا أرسلت كلبك الـمعلـم أو طيرك أو سهمك، فذكرت اسم الله، فأخذ أو قتل، فكل.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: إذا أرسلت كلبك الـمعلَّـم فذكرت اسم الله حين ترسله فأمسك أو قتل فهو حلال، فإذا أكل منه فلا تأكله، فإنـما أمسكه علـى نفسه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الشعبـيّ، عن عديّ، قوله: {فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ} قال: قلت يا رسول الله إن أرضى أرض صيد؟ قال:

إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فكُلْ مـما أَمْسَكَ عَلَـيْكَ كَلْبَكَ، وإنْ قَتَلَ، فإنْ أَكَلَ فلا تَأْكُلْ فإنَّه إنَّـما أمْسَكَ علـى نَفْسِهِ

وقد بـينا أولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قبل، فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره.

فإن قال قائل: وما وجه دخول «مِن» فـي قوله: {فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ}، وقد أحلّ الله لنا صيد جوارحنا الـحلال، «ومن» إنـما تدخـل فـي الكلام مبعضة لـما دخـلت فـيه؟ قـيـل: قد اختلف فـي معنى دخولها فـي هذا الـموضع أهل العربـية، فقال بعض نـحويـي البصرة حين دخـلت «من» فـي هذا الـموضع لغير معنى، كما تدخـله العرب فـي قولهم: كان من مطر، وكان من حديث. قال: ومن ذلك قوله:

{ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ }[البقرة: 271]، وقوله: { وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ }[النور: 43]. قال: وهو فـيـما فسر: وينزل من السماء جبـالاً فـيها برد. قال: وقال بعضهم: وُينزّل مِنَ السَّماء مِنْ جِبـالٍ فـيها مِنْ بَرَدٍ أي من السماء من برد، بجعل الـجبـال من برد فـي السماء، وبجعل الإنزال منها. وكان غيره من أهل العربـية يُنكر ذلك ويقول: لـم تدخـل «من» إلا لـمعنى مفهوم لا يجوز الكلام ولا يصلـح إلا به، وذلك أنها دالة علـى التبعيض. وكان يقول: معنى قولهم: «قد كان من مطر، وكان من حديث»: هل كان من مَطَرٍ مَطَر عندكم، وهل من حَدِيثٍ حديث عندكم. ويقول: معنى وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ أي ويكفر عنكم من سيئاتكم ما يشاء ويريد، وفـي قوله: ويُنَزّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبـالٍ فِـيها مِنْ بَرَدٍ فـيجيز حذف «مِنْ» مِنْ بَرَدٍ ولا يجيز حذفها من «الـجبـال»، ويتأوّل معنى ذلك: وينزّل من السماء أمثال جبـال بردَ، ثم أدخـلت «من» فـي البرَد، لأن البرَد مفسر عنده عن الأمثال: أعنـي: أمثال الـجبـال، وقد أقـيـمت الـجبـال مقام الأمثال، والـجبـال وهي جبـال برَد، فلا يجيز حذف «من» من الـجبـال، لأنها دالة علـى أن الذي فـي السماء الذي أنزل منه البرد أمثال جبـال برد، وأجاز حذف «مِنْ» من «البرد»، لأن «البرد» مفسر عن الأمثال، كما تقول: عندي رطلان زيتاً، وعندي رطلان من زيت، ولـيس عندك الرطل وإنـما عندك الـمقدار، فـ«مِنْ» تدخـل فـي الـمفسر وتـخرج منه. وكذلك عند قائل هذا القول: من السماء، من أمثال جبـال، ولـيس بجبـال. وقال: وإن كان أنزل من جبـال فـي السماء من برد جبـالاً، ثم حذف «الـجبـال» الثانـية و«الـجبـال» الأوّل فـي السماء جاز، تقول: أكلت من الطعام، تريد: أكلت من الطعام طعاماً، ثم تـحذف الطعام ولا تسقط «من».

والصواب من القول فـي ذلك، أن «مِنْ» لا تدخـل فـي الكلام إلا لـمعنى مفهوم، وقد يجوز حذفها فـي بعض الكلام وبـالكلام إلـيها حاجة لدلالة ما يظهر من الكلام علـيها، فأما أن تكون فـي الكلام لغير معنى أفـادته بدخولها، فذلك قد بـينا فـيـما مضى أنه غير جائز أن يكون فـيـما صحّ من الكلام. ومعنى دخولها فـي قوله: {فَكُلُوا مـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ} للتبعيض إذ كانت الـجوارح تـمسك علـى أصحابها ما أحلّ الله لهم لـحومه وحرم علـيهم فرثه ودمه، فقال جلّ ثناؤه: {فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ} جوارحكم الطيبـات التـي أحللت لكم من لـحومها دون ما حرّمت علـيكم من خبـائثه من الفَرْث والدم وما أشبه ذلك مـما لـم أطيبه لكم، فذلك معنى دخول «من» فـي ذلك.

وأما قوله:

{ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ } [البقرة: 271] فقد بـينا وجه دخولها فـيه فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. وأما دخولها فـي قوله: { وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ }[النور: 43] فسنبـينه إذا أتـينا علـيه إن شاء الله تعالـى:

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَـيْهِ}.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {واذْكُرُوا اسْمَ الله} علـى ما أمسكت علـيكم جوارحكم من الصيد. كما:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس، قوله: {واذكُرُوا اسْمَ الله عَلَـيْهِ} يقول: إذا أرسلت جوارحك فقل: بسم الله، وإن نسيت فلاحرج.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَـيْهِ} قال: إذا أرسلته فسمّ علـيه حين ترسله علـى الصيد.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَاتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ سَرِيعُ الـحِسابِ}.

يعنـي جلّ ثناؤه: واتقوا الله أيها الناس فـيـما أمركم به وفـيـما نهاكم عنه، فـاحذروه فـي ذلك أن تقدموا علـى خلافه، وأن تأكلوا من صيد الـجوارح غير الـمعلَّـمة أو مـما لـم تـمسك علـيكم من صيدها وأمسكته علـى أنفسها، أو تَطعَموا ما لـم يسمّ الله علـيه من الصيد والذبـائح مـما صاده أهل الأوثان وعبدة الأصنام ومن لـم يوحد الله من خـلقه، أو ذبحوه، فإن الله قد حرّم ذلك علـيكم فـاجتنبوه. ثم خوّفهم إن هم فعلوا ما نهاهم عنه من ذلك ومن غيره فقال: اعلـموا أن الله سريع حسابه لـمن حاسبه علـى نعمته علـيه منكم وشكر الشاكر منكم ربه، علـى ما أنعم به علـيه بطاعته إياه فـيـما أمر ونهى، لأنه حافظ لـجميع ذلك فـيكم فـيحيط به، لا يخفـى علـيه منه شيء، فـيجازي الـمطيع منكم بطاعته والعاصي بـمعصيته، وقد بـين لكم جزاء الفريقـين.

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٥

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {الـيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبـاتُ}: الـيوم أحلّ لكم أيها الـمؤمنون الـحلال من الذبـائح والـمطاعم، دون الـخبـائث منها. قوله: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ} وذبـائح أهل الكتاب من الـيهود والنصارى، وهم الذين أوتوا التوراة والإنـجيـل، وأنزل علـيهم، فدانوا بهما أو بأحدهما {حِلٌّ لَكُمْ} يقول: حلال لكم أكله دون ذبـائح سائر أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام، فإن من لـم يكن منهم مـمن أقرّ بتوحيد الله عزّ ذكره ودان دين أهل الكتاب، فحرام علـيكم ذبـائحهم.

ثم اختلف فـيـمن عنى الله عزّ ذكره بقوله: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابِ} من أهل الكتاب، فقال بعضهم: عنى الله بذلك ذبـيحة كلّ كتابيّ مـمن أنزل علـيه التوراة والإنـجيـل، أو مـمن دخـل فـي ملتهم فدان دينهم وحرّم ما حرّموا وحلل ما حللوا منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الـملك بن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خَصيف، قال: ثنا عكرمة، قال: سئل ابن عبـاس عن ذبـائح نصارى بنـي تغلب، فقرأ هذه الآية:

{ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ }[المائدة: 51]... إلـى قوله: { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }[المائدة: 51]... الآية.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشر، عن قتادة، عن الـحسن وعكرمة: أنهما كانا لا يريان بأساً بذبـائح نصارى بنـي تغلب وبتزوّج نسائهم، ويتلوان:

{ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } [المائدة: 51].

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن الـحسن وسعيد بن الـمسيب: أنهما كانا لا يريان بأساً بذبـيحة نصارى بنـي تغلب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي حصين، عن الشعبـيّ: أنه كان لا يرى بأساً بذبـائح نصارى بنـي تغلب، وقرأ:

{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } [مريم: 64].

حدثنـي ابن بشار وابن الـمثنى، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: ثنـي ابن شهاب عن ذبـيحة نصارى العرب، قال: تؤكل من أجل أنهم فـي الدين أهل كتاب، ويذكرون اسم الله.

حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج: قال: قال عطاء: إنـما يقرءون ذلك الكتاب.

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا شعبة، قال: سألت الـحكم وحماداً وقتادة عن ذبـائح نصارى بنـي تغلب، فقالوا: لا بأس بها. قال: وقرأ الـحكم:

{ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ } [البقرة: 78].

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كلوا من ذبـائح بنـي تغلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله قال فـي كتابه:

{ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }[المائدة: 51] فلو لـم يكونوا منهم إلا بـالولاية لكانوا منهم.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن أبـي عروبة، عن قتادة: أن الـحسن كان لا يرى بأساً بذبـائح نصارى بنـي تغلب، وكان يقول: انتـحلوا ديناً فذاك دينهم.

وقال آخرون: إنـما عَنَى بـالذين أوتوا الكتاب فـي هذه الآية، الذين أنزل علـيهم التوراة والإنـجيـل، من بنـي إسرائيـل وأبنائهم، فأما من كان دخيلاً فـيهم من سائر الأمـم مـمن دان بدينهم وهم من غير بنـي إسرائيـل، فلـم يُعْنَ بهذه الآية ولـيس هو مـمن يحلّ أكل ذبـائحه لأنه لـيس مـمن أوتـى الكتاب من قَبْل الـمسلـمين. وهذا قول كان مـحمد بن إدريس الشافعيّ يقوله حدثنا بذلك عنه الربـيعّ ويتأوّل فـي ذلك قول من كره ذبـائح نصارى العرب من الصحابة والتابعين. ذكر من حرّم ذبـائح نصارى العرب:

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن أيوب، عن مـحمد، عن عبـيدة قال: قال علـيّ رضوان الله علـيه: لا تأكلوا ذبـائح نصارى بنـي تغلب، فإنهم إنـما يتـمسكون من النصرانـية بشرب الـخمر.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبـيدة، عن علـيّ، قال: لا تأكلوا ذبـائح نصارى بنـي تغلب، فإنهم لـم يتـمسكوا بشيء من النصرانـية إلا بشرب الـخمر.

حدثنا الـحسن بن عرفة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا هشام، عن مـحمد بن سيرين، عن عبـيدة، قال: سألت علـيًّا عن ذبـائح نصارى العرب، فقال: لا تؤكل ذبـائحهم، فإنهم لـم يتعلقوا من دينهم إلا بشرب الـخمر.

حدثنـي علـي بن سعيد الكندي، قال: ثنا علـيّ بن عابس، عن عطاء بن السائب، عن أبـي البختري، قال: نهانا علـيّ عن ذبـائح نصارى العرب.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي حمزة القصاب، قال: سمعت مـحمد بن علـيّ يحدثّ عن علـيّ: أنه كان يكره ذبـائح نصارى بنـي تغلب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لا تأكلوا ذبـائح نصارى العرب وذبـائح نصارى أرمينـية.

وهذه الأخبـار عن علـيّ رضوان الله علـيه، إنـما تدلّ علـى أنه كان ينهي عن ذبـائح نصارى بنـي تغلب من أجل أنهم لـيسوا علـى النصرانـية، لتركهم تـحلـيـل ما تـحلل النصارى وتـحريـم ما تـحرّم غير الـخمر. من كان منتـحلاً ملة هو غير متـمسك منها بشيء، فهو إلـى البراءة منها أقرب إلـى اللـحاق بها وبأهلها، فلذلك نهى علـيّ عن أكل ذبـائح نصارى بنـي تغلب، لا من أجل أنهم لـيسوا من بنـي إسرائيـل. فإذا كان ذلك كذلك، وكان إجماعاً من الـحجة إحلال ذبـيحة كلّ نصرانـيّ ويهوديّ، إن انتـحل دين النصاري أو الـيهود، فأحلّ ما أحلوا، وحرّم ما حرّموا من بنـي إسرائيـل كان أو من غيرهم، فبِّـين خطأ ما قال الشافعي فـي ذلك وتأويـله الذي تأوّله فـي قوله: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ}: أنه ذبـائح الذين أوتوا الكتاب التوراة والإنـجيـل من بنـي إسرائيـل، وصواب ما خالف تأويـله ذلك، وقول من قال: إن كل يهوديّ ونصرانـيّ فحلال ذبـيحته من أيّ أجناس بنـي آدم كان.

وأما الطعام الذي قال الله: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ} فإنه الذبـائح. وبـمثل ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ} قال: الذبـائح.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزة، عن مـجاهد فـي قوله: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ} قال: ذبـائحهم.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم وقبـيصة، قالا: ثنا سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن سلـيـمان الرازي، عن أبـي سنان، عن لـيث، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَطَعامُ الَّذينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ} قال: ذبـيحة أهل الكتاب.

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم فـي قوله: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ} قال: ذبـائحهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان عن الـمغيرة، عن إبراهيـم، بـمثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن مغيرة، عن إبراهيـم، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيـم، مثله.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم وقبـيصة، قالا: ثنا سفـيان، عن مغيرة، عن إبراهيـم مثله.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ} قال: ذبـائحهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـمعلـى بن أسد، قال: ثنا خالد، عن يونس، عن الـحسن، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ}: أي ذبـائحهم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتاب حِلّ لَكُمْ} أما طعامهم فهو الذبـائح.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ} قال: أحلّ الله لنا طعامهم ونساءهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس أما قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتاب حِلّ لَكُمْ} فإنه أحلّ لنا طعامهم ونساءهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألته يعنـي ابن يزيد عما ذُبح للكنائس وسُمي علـيها فقال: أحلّ الله لنا طعام أهل الكتاب، ولـم يستثن منه شيئاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي معاوية، عن أبـي الزاهرية حدير بن كريب، عن أبـي الأسود، عن عمير بن الأسود: أنه سأل أبـا الدرداء عن كبش ذبح لكنـيسة يقال لها جرجس أهدوه لها، أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء: اللهمّ عفواً إنّما هم أهل كتاب، طعامهم حلّ لنا وطعامنا حلّ لهم. وأمره بأكله.

وأما قوله {وَطَعامُكُمْ حِلّ لَهُمْ} فإنه يعنـي: ذبـائحكم أيها الـمؤمنون حل لأهل الكتاب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤْمِنات والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَاب مِنْ قَبْلِكُمْ إذا آتَـيْتُـمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {والـمُـحْصَنَاتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ} أحلّ لكم أيها الـمؤمنون الـمـحصنات من الـمؤمنات وهنّ الـحرائر منهنّ أن تنكحوهنّ. {والـمُـحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِين أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يعنـي: والـحرائر من الذين أعطوا الكتاب، وهم الـيهود والنصارى الذين دانوا بـما فـي التوراة والإنـجيـل من قبلكم أيها الـمؤمنون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم من العرب وسائر الناس، أن تنكحوهنّ أيضاً {إذا آتَـيْتُـمُوهُنَّ أجُورَهُنَّ} يعنـي: إذا أعطيتـم من نكحتـم من مـحصناتكم ومـحصناتهم أجورهنّ، وهي مهورهن.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمـحصنات اللاتـي عناهنّ الله عزّ ذكره بقوله: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِين أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} فقال بعضهم: عنـي بذلك الـحرائر خاصة، فـاجرة كانت أو عفـيفة. وأجاز قائلوا هذه الـمقالة نكاح الـحرّة مؤمنة كانت أو كتابـية من الـيهود والنصارى من أيّ أجناس كانت، بعد أن تكونَ كتابـية فـاجرة كانت أو عفـيفة، وحرّموا إماء أهل الكتاب أن نتزوّجهنّ بكل حال لأن الله جلّ ثناؤه شرط في نكاح الإماء الإيـمان بقوله:

{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ }[النساء: 25] ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود، عن سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَالـمُـحْصَنات مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ} قال: الـحرائر.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {والـمُـحْصَنات مِنَ الَّذِينَ أُتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: الـحرائر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب: إن رجلاً طلق امرأته وخطبت إلـيه أخته، وكانت قد أحدثت، فأتـى عمر فذكر ذلك له منها، فقال عمر: ما رأيتَ منها؟ قال: ما رأيت منها إلاَّ خيراً فقال: زوّجها ولا تُـخْبر.

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا سلـيـمان الشيبـانـيّ، قال: ثنا عامر، قال: زَنَت امرأة منا من هَمْدان، قال: فجلدها مصدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم الـحدّ، ثم تابت. فأتَوا عمر، فقالوا: نزوّجها وبئس ما كان من أمرها قال عمر: لئن بلغنـي أنكم ذكرتـم شيئاً من ذلك لأعاقبنكم عقوبة شديدة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب: أن رجلاً أراد أن يزوّج أخته، فقالت: إنـي أَخْشَى أن أفضح أبـي، فقد بغيت. فأتـى عمر فقال: ألـيس قد تابت؟ قال: بلـى. قال: فزوّجها.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن الشعبـي: أن نبـيشة امرأة من همدان بغت، فأرادت أن تذبح نفسها، قال: فأدركوها فداووها فبرئت، فذكروا ذلك لعمر، فقال: أنكحوها نكاح العفـيفة الـمسلـمة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر: أن رجلاً من أهل الـيـمن أصابت أخته فـاحشة، فأمرت الشفرة علـى أوداجها، فأدركت، فدُووي جرحها حتـى برئت. ثم إن عمها انتقل بأهله حتـى قدم الـمدينة، فقرأت القرآن ونسكت، حتـى كانت من أنسك نسائهم. فخطبت إلـى عمها، وكان يكره أن يدلِّسها، ويكره أن يفشي علـى ابنة أخيه، فأتـى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: لو أفشيت علـيها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالـح ترضاه فزوّجها إياه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر: أن جارية بـالـيـمن يقال لها نبـيشة، أصابت فـاحشة، فذكر نـحوه.

حدثنا تـميـم بن الـمنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيـل عن عامر، قال: أتـى رجل عمر فقال: إن ابنة لـي كانت وُئدت فـي الـجاهلـية، فـاستـخرجتها قبل أن تـموت، فأدركت الإسلام، فلـما أسلـمت أصابت حدًّا من حدود الله، فعمدت إلـى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتـى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تـخطب إلـيّ يا أمير الـمؤمنـين، فأُخبر من شأنها بـالذي كان؟ فقال عمر: أتـخبر بشأنها؟ تعمد إلـى ما ستره الله فتبدينه والله لئن أخبرت بشأنها أحداً من الناس، لأجعلنك نكالاً لأهل الأمصار بل أنكحها بنكاح العفـيفة الـمسلـمة.

حدثنا أحمد بن منـيع، قال: ثنا مروان، عن إسماعيـل، عن الشعبـيّ، قال: جاء رجل إلـى عمر. فذكر نـحوه.

حدثنا مـجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن أبـي الزبـير: أن رجلاً خطب من رجل أخته، فأخبره أنها قد أحدثت. فبلغ ذلك عمر بن الـخطاب، فضرب الرجل، وقال: مالك والـخبر؟ أنكح واسكت.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سلـيـمان بن حرب، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الـحسن، قال: قال عمر بن الـخطاب: لقد همـمت أن لا أدع أحداً أصاب فـاحشة فـي الإسلام أن يتزوّج مـحصنة. فقال له أبـيّ بن كعب: يا أمير الـمؤمنـين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب.

وقال آخرون: إنـما عنى الله بقوله: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤْمِنَاتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: العفـائف من الفريقـين، إماءكنّ أو حرائر. فأجاز قائلو هذه الـمقالة نكاح إماء أهل الكتاب الدائنات دينهم بهذه الآية، وحرّموا البغايا من الـمؤمنات وأهل الكتاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد فـي قوله: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: العفـائف.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير عن مطرف، عن عامر: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أوتوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: إحصان الـيهودية والنصرانـية: أن لا تزنـي وأن تغتسل من الـجنابة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن مطرف، عن عامر: {والـمُـحْصَناتُ مَنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: إحصان الـيهودية والنصرانـية: أن تغتسل من الـجنابة، وأن تـحصن فرجها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مطرف، عن رجل، عن الشعبـيّ فـي قوله: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: إحصان الـيهودية والنصرانـية: أن لا تزنـي، وأن تغتسل من الـجنابة.

حدثنا الـمثنى قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن مطرِّف، عن الشعبـي فـي قوله: {والـمـحصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: إحصانها أن تغتسل من الـجنابة، وأن تـحصن فرجها من الزنا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا معلـى بن أسد، قال: ثنا خالد، قال: أخبرنا مطرف عن عامر، بنـحوه.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، قال: سمعت سفـيان يقول فـي قوله: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ} قال: العفـائف.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: أما الـمـحصنات: فهنّ العفـائف.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أن امرأة اتـخذت مـملوكها وقالت: تأوّلت كتاب الله:

{ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ }[النساء: 36]. قال: فَأُتِـيَ بها عمر بن الـخطاب، فقال له ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: تأوّلت آية من كتاب الله علـى غير وجهها. قال: فقرب العبد وجزّ رأسه، وقال: أنت بعده حرام علـى كلّ مسلـم.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيـم: أنه قال فـي التـي تسرى قبل أن يُدخـل بها، قال: لـيس لها صداق ويفرّق بـينهما.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا أشعث، عن الشعبـيّ فـي البكر تهجر، قال: تضرب مائة سوط، وتنفـي سنة، وتردّ علـى زوجها ما أخذت منه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا أشعث، عن أبـي الزبـير، عن جابر، مثل ذلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الـحسن، مثل ذلك.

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن يونس أن الـحسن كان يقول: إذا رأى الرجل من امرأته فـاحشة فـاستـيقن فإنه لا يـمسكها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبـي ميسرة، قال: مـملوكات أهل الكتاب بـمنزلة حرائرهم.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي حكم قوله عزّ ذكره: {والـمُـحْصَنات مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أعامّ أم خاصّ؟ فقال بعضهم: هو عامّ فـي العفـائف منهنّ، لأن الـمـحصنات العفـائف، وللـمسلـم أن يتزوّج كلّ حرّة وأمة كتابـية حربـية كانت أو ذمية. واعتلوا فـي ذلك بظاهر قوله تعالـى: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وأن الـمعنـيّ بهنّ العفـائف كائنة من كانت منهن. وهذا قول من قال: عنـي بـالـمـحصنات فـي هذا الـموضع: العفـائف.

وقال آخرون: بل اللواتـي عنى بقوله جلّ ثناؤه: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: الـحرائر منهنّ، والآية عامة فـي جميعهنّ، فنكاح جميع الـحرائر الـيهود والنصارى جائز، حربـيات كنّ أو ذميات، من أيّ أجناس الـيهود والنصارى كنّ وهذا قول جماعة من الـمتقدمين والـمتأخرين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب والـحسن: أنهما كانا لا يريان بأساً بنكاح نساء الـيهود والنصارى، وقالا: أحله الله علـى علـم.

وقال آخرون منهم: بل عنـي بذلك: نكاح بنـي إسرائيـل الكتابـيات منهنّ خاصة دون سائر أجناس الأمـم الذين دانوا بـالـيهودية والنصرانـية. وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله.

وقال آخرون: بل ذلك معنىّ به نساء أهل الكتاب الذين لهم من الـمسلـمين ذمة وعهد، فأما أهل الـحرب فإن نساءهم حرام علـى الـمسلـمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مـحمد بن عقبة، قال: ثنا الفزاري، عن سفـيان بن حسين، عن الـحكم، عن مقسم، عن ابن عبـاس، قال: من نساء أهل الكتاب من يحلّ لنا، ومنهم من لا يحل لنا. ثم قرأ:

{ الـجِزْيَةَ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ }[التوبة: 29] فمن أعطى الـجزية حلّ لنا نساؤه، ومن لـم يعط الـجزية لـم يحل لنا نساؤه. قال الـحكم: فذكرت ذلك لإبراهيـم فأعجبه.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب قول من قال: عنـي بقوله: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} حرائر الـمؤمنـين وأهل الكتاب، لأن الله جلّ ثناؤه لـم يأذن بنكاح الإماء الأحرار فـي الـحال التـي أبـاحهنّ لهم إلاَّ أن يكنّ مؤمنات، فقال عزّ ذكره:

{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ }[النساء: 25] فلـم يبح منهنّ إلاَّ الـمؤمنات، فلو كان مراداً بقوله: {والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ}: العفـائف، لدخـل العفـائف من إمائهم فـي الإبـاحة، وخرج منها غير العفـائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيـمان. وقد أحل الله لنا حرائر الـمؤمنات، وإن كنّ قد أتـين بفـاحشة بقوله: { وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ }[النور: 32]، وقد دللنا علـى فساد قول من قال: لا يحلّ نكاح من أتـى الفـاحشة من نساء الـمؤمنـين وأهل الكتاب للـمؤمنـين فـي موضع غير هذا بـما أغنـى عن إعادته فـي هذا الـموضع، فنكاح حرائر الـمسلـمين وأهل الكتاب حلال للـمؤمنـين، كنّ قد أتـين بفـاحشة أو لـم يأتـين بفـاحشة، ذمية كانت أو حربـية، بعد أن تكون بـموضع لا يخاف الناكح فـيه علـى ولده أن يجبر علـى الكفر، بظاهر قول الله جلّ وعزّ: {والـمُـحْصَنَاتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}. فأما قول الذي قال: عنى بذلك نساء بنـي إسرائيـل الكتابـيات منهن خاصة، فقول لا يوجب التشاغل بـالبـيان عنه لشذوذه والـخروح عما علـيه علـماء الأمة من تـحلـيـل نساء جميع الـيهود والنصارى. وقد دللنا علـى فساد قول قائل هذه الـمقالة من جهة القـياس فـي غير هذا الـموضع بـما فـيه الكفـاية فكرهنا إعادته.

وأما قوله: {إذَا آتَـيْتُـمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فإن الأجر: العوض الذي يبذله الزوج للـمرأة للاستـمتاع بها، وهو الـمهر. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس فـي قوله: {آتَـيْتُـمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يعنـي مهورهنّ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مُـحْصِنِـينَ غيرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّـخِذِي أخْدَانٍ}. يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أحلّ لكم الـمـحصنات من الـمؤمنات،والـمـحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وأنتـم مـحصنون غير مسافحين ولا متـخذي أخدان. ويعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {مُـحْصِنِـين}: أعفـاء {غيرَ مُسافِحِينَ} يعنـي: لا معالنـين بـالسفـاح بكل فـاجرة وهو الفجور {وَلا مُتـخِذِي أخْدَانٍ} يقول: ولا منفردين ببغية واحدة قد خادنها وخادنته واتـخذها لنفسه صديقة يفجر بها. وقد بـينا معنى الإحصان ووجوهه ومعنى السفـاح والـخدن فـي غير هذا الـموضع بـما أغنـى عن إعادته فـي هذا الـموضع وهو كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {مُـحْصِنِـينَ غيرَ مُسافِحِينَ} يعنـي: ينكحوهن بـالـمهر والبـينة، {غَيْر مُسَافِحِينَ} متعالنـين بـالزنا، {وَلا مُتَّـخِذِي أخْدَانٍ} يعنـي: يُسِرُّون بـالزنا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: أحلّ الله لنا مـحصنتـين: مـحصنة مؤمنة، ومـحصنة من أهل الكتاب {وَلا مُتَّـخِذِي أخْدَانٍ} ذات الـخدن: ذات الـخـلـيـل الواحد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن سلـيـمان بن الـمغيرة، عن الـحسن، قال: سأله رجل: أيتزوّج الرجل الـمرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب وقد أكثر الله الـمسلـمات؟ فإن كان لا بد فـاعلاً، فلـيعمد إلـيها حصاناً غير مسافحة. قال الرجل: وما الـمسافحة؟ قال: هي التـي إذا لـمـح الرجل إلـيها بعينه اتبعته.

القول فـي تأويـل قوله عزّ ذكره: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عمَلُهُ وَهُوَ فِـي الآخِرَةِ مِنَ الـخاسِرِينَ}.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ} ومن يجحد ما أمر الله بـالتصديق به من توحيد الله ونبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، وهو الإيـمان الذي قال الله جلّ ثناؤه: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإِيـمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} يقول: فقد بطل ثواب عمله الذي كان يعمله فـي الدنـيا، يرجو أن يدرك به منزلة عند الله. {وَهُوَ فِـي الآخِرَةِ مِنَ الـخاسرِينَ} يقول: وهو فـي الآخرة من الهالكين الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من ثواب الله بكفرهم بـمـحمد وعملهم بغير طاعة الله. وقد ذكر أن قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ} عُنـي به أهل الكتاب، وأنه أنزل علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل قوم تـحرجّوا نكاح نساء أهل الكتاب لـما قـيـل لهم: {أُحِلَ لَكُمُ الطَّيِّبـاتُ وطَعَامُ الذّين أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌ لَكُمْ وطَعَامُكُمْ حِلٌ لَهُمْ والـمُـحْصَنَاتُ مِنَ الـمُؤْمِنَاتِ والـمُـحصَنَاتُ مِنَ الَّذين أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}. ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن ناساً من الـمسلـمين قالوا: كيف نتزوّج نساءهم يعنـي نساء أهل الكتاب وهم علـى غير ديننا؟ فأنزل الله عزّ ذكره: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِـي الآخِرَةِ مِنَ الـخاسِرِينَ} فأحلّ الله تزويجهنّ علـى علـم.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل الإيـمان قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنا مـحمد ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} قال: بـالإيـمان بـالله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن واصل، عن عطاء: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ} قال: الإيـمان: التوحيد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ} قال: بـالله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى، عن سفـيان، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزّة، عن مـجاهد فـي قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} قال: من يكفر بـالله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ} قال: من يكفر بـالله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ} قال: الكفر بـالله.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} قال: أخبر الله سبحانه أن الإيـمان هو العروة الوثقـى، وأنه لا يقبل عملاً إلاَّ به، ولا يحرّم الـجنة إلاَّ علـى من تركه.

فإن قال لنا قائل: وما وجَّه تأويـل من وجه قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بـالإيـمَانِ} إلـى معنى: ومن يكفر بـالله؟ قـيـل وجه تأويـله ذلك كذلك أن الإيـمان هو التصديق بـالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه، والكفر: جحود ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بـالإيـمان، هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلـمة بـما أريد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلـمة علـى حقـيقة ألفـاظها وظاهرها فـي التلاوة.

فإن قال قائل: فما تأويـلها علـى ظاهرها وحقـيقة ألفـاظها؟ قـيـل: تأويـلها: ومن يأبى الإيـمان بـالله ويـمتنع من توحيده والطاعة له فـيـما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله وذلك أن الكفر هو الـجحود فـي كلام العرب، والإيـمان: التصديق والإقرار، ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به فهو من الكافرين، فذلك تأويـل الكلام علـى وجهه.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ