انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 45–48

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 41–50في هذه الصفحة 16:23

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره: وكتبنا علـى هؤلاء الـيهود الذين يحكمونك يا مـحمد، وعندهم التوراة فـيها حكم الله. ويعنـي بقوله: {وكَتَبْنا}: فرضنا علـيهم فـيها أن يحكموا فـي النفس إذا قتلت نفساً بغير حقّ بـالنفس، يعنـي: أن تقتل النفس القاتلة بـالنفس الـمقتولة. {والعَيْنَ بـالعَيْن} يقول: وفرضنا علـيهم فـيها أن يفقئوا العين التـي فقأ صاحبها مثلها من نفس أخرى بـالعين الـمفقوءة، ويجدع الأنف بـالأنف، ويقطع الأذن بـالأذن، ويقلع السنّ بـالسنّ، ويقتصّ من الـجارح غيره ظلـماً للـمـجروح. وهذا إخبـار من الله تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم عن الـيهود، وتعزية منه له عن كفر من كفر منهم به بعد إقراره بنبوّته وإدبـاره عنه بعد إقبـاله، وتعريف منه له جراءتهم قديـماً وحديثاً علـى ربهم وعلـى رسل ربهم وتقدمهم علـى كتاب الله بـالتـحريف والتبديـل يقول تعالـى ذكره له: وكيف يرضى هؤلاء الـيهود يا مـحمد بحكمك إذا جاءوا يحكمونك وعندهم التوراة التـي يقرّون بها أنها كتابـي ووحـيي إلـى رسولـي موسى صلى الله عليه وسلم فـيها حكمي بـالرجم علـى الزناة الـمـحصَنـين، وقضائي بـينهم أن من قتل نفساً ظلـماً فهو بها قَوَد، ومن فقأ عيناً بغير حقّ فعينه بها مفقوءة قصاصاً، ومن جدع أنفـاً فأنفه به مـجدوع، ومن قلع سنَا فسنه بها مقلوعة، ومن جرح غيره جرحاً فهو مقتصّ منه مثل الـجرح الذي جرحه، ثم هم مع الـحكم الذي عنده فـي التوراة من أحكامي يتولون عنه ويتركون العمل به يقول: فهم بترك حكمك وبسخط قضائك بـينهم أحرى وأولـى.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: لـما رأت قُرَيظة النبـيّ صلى الله عليه وسلم قد حكم بـالرجم وكانوا يخفونه فـي كتابهم، نهضت قريظة، فقالوا: يا مـحمد اقض بـيننا وبـين إخواننا بنـي النضير وكان بـينهم دم قبل قدوم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وكانت النضير يتعزّزون علـى بنـي قريظة ودياتهم علـى أنصاف ديات النضير، وكانت الدية من وُسُوق التـمر أربعين ومئة وسق لبنـي النضير وسبعين وسقاً لبنـي قريظة. فقال:

دَمُ القُرَضِيِّ وَفَـاءٌ مِنْ دَمه النُّضِيريِّ. فغضب بنو النضير، وقالوا: لا نطيعك فـي الرجم، ولكن نأخذ بحدودنا التـي كنا علـيها فنزلت: { أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ }[المائدة: 50]، ونزل: {وكَتَبْنا عَلَـيْهِمْ فِـيها أنَّ النَّفْسَ بـالنَّفْسِ}... الآية.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {وَكَتَبْنا عَلَـيْهِمْ فِـيها أنَّ النَّفْسَ بـالنَّفْسِ وَالَعيْنَ بـالعَيْنِ وَالأنْفَ بـالأنْفِ وَالأُذُنَ بـالأُذُنِ وَالسِّنَّ بـالسِّنِّ وَالـجُرُوحَ قِصَاصٌ} قال: فما بـالهم يخالفون، يقتلون النفسين بـالنفس، ويفقئون العينـين بـالعين؟.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا خلاد الكوفـيّ، قال: ثنا الثوريّ، عن السديّ، عن أبـي مالك، قال: كان بـين حَيَّـين من الأنصار قتال، فكان بـينهم قتلـى، وكان لأحد الـحَيَّـين علـى الآخر طَوْلٌ. فجاء النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل يجعل الـحرّ بـالـحرّ، والعبد بـالعبد، والـمرأة بـالـمرأة فنزلت: الـحُرُّ بـالـحُرّ وَالعَبْدُ بـالعَبْدِ. قال سفـيان: وبلغنـي عن ابن عبـاس أنه قال: نسختها: {النَّفْسَ بـالنَّفس}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قا: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَكَتَبْنا عَلَـيْهِمْ فِـيها أنَّ النَّفْسَ بـالنَّفْسِ} فـيها فـي التوراة، {وَالعينَ بـالعينِ} حتـى: {وَالـجُرُوحَ قِصَاصٌ} قال مـجاهد عن ابن عبـاس، قال: كان علـى بنـي إسرائيـل القصاص فـي القتلـى، لـيس بـينهم دية فـي نفس ولا جرح. قال: وذلك قول الله تعالـى ذكره: {وكَتَبْنـا عَلَـيْهِمْ فِـيها} فـي التوراة، فخفف الله عن أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم، فجعل علـيـم الدية فـي النفس والـجراح، وذلك تـخفـيف من ربكم ورحمة، فمن تصدّق به فهو كفـارة له.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَكَتَبْنا عَلَـيْهِمْ فِـيها أنَّ النَّفْسَ بـالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بـالعَيْنِ وَالأنْفَ بـالأنْف والأُذُن بـالأذُن وَالسَّنِّ بـالسَّنّ والـجُرُوحَ قِصَاصٌ} قال: إن بنـي إسرائيـل لـم يجعل لهم دية فـيـما كتب الله لـموسى فـي التوراة من نفس قتلت، أو جرح، أو سنّ، أو عين، أو أنف، إنـما هو القصاصُ أو العفو.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكَتَبْنا عَلَـيْهِمْ فِـيها} أي فـي التوراة، {أنَّ النَّفْسَ بـالنَّفْسِ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وكَتَبْنا عَلَـيْهِمْ فِـيها} أي فـي التوراة، {أنَّ النَّفْسَ بـالنَّفْسِ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وكَتَبْنا عَلَـيْهِمْ فِـيهَا أنَّ النَّفْسَ بـالنَّفْسِ}... حتـى بلغ: {والـجُرُوحَ قَصَاصٌ} بعضها ببعض.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {أن النَّفْسَ بالنفس} قال: يقول: تقتل النفس بالنفس وتفقأ العين بالعين ويقطع الانف بالانف، وتنزع السن بالسن، وتَقْتَصُّ الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم، رجالهم ونسائهم إذا كان في النفس وما دون النفس ويستوى فيه العبيد رجالهم ونسائهم فيما بينهم اذا كان عمداً فى النفس ومادون النفس.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ}.

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنّى به: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} فقال بعضهم: عُنـي بذلك الـمـجروحُ وولـىّ القتـيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب، عن الهثـيـم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: يُهدم عنه يعنـي الـمـجروح مثل ذلك من ذنوبه.

حدثنا سفـيان، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب، عن الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو بنـحوه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب، عن الهيثم بن الأسود أبـي العريان، قال: رأيت معاوية قاعداً علـى السرير وإلـى جنبه رجل آخر كأنه مولـى، وهو عبد الله بن عمرو، فقال فـي هذه الآية: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِه فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: يُهدم عنه من ذنوبه مثل ما تصدّق به.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم فـي قوله: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: للـمـجروح.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن عمارة بن أبـي حفصة، عن أبـي عقبة، عن جابر بن زيد: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: للـمـجروح.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي حِرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنـي عمارة، عن رجل قال حرمي: نسيت اسمه عن جابر بن زيد بـمثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيـم: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: للـمـجروح.

حدثنا زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: ثنا ابن فضيـل، عن يونس بن أبـي إسحاق، عن أبـي السفر، قال: دفع رجل من قريش رجلاً من الأنصار، فـاندقت ثَنِـيَّته، فرفعه الأنصاري إلـى معاوية. فلـما ألـحّ علـيه الرجل، قال معاوية: شأنَك وصاحَبك قال: وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ما مِنْ مُسْلِـمٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فَـيَهَبُهُ إلاَّ رَفَعَهُ اللّهُ بِهِ دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً. فقال له الأنصاريّ: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعتْه أذنانـي ووعاه قلبـي. فخَّـلـى سبـيـل القرشيّ، فقال معاوية: مروا له بـمال.

حدثنا مـحمود بن خِداش، قال: ثنا هشيـم بن بشير، قال: أخبرنا مغيرة، عن الشعبـيّ، قال: قال ابن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

مَنْ جُرِحَ فِـي جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَتَصَدَّقَ بِها، كُفِّرَ عَنْهُ ذُنُوبُهُ بِـمِثْلِ ما تَصَدَّقَ بِهِ

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفـيان بن حسين، عن الـحسن فـي قوله: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: كفـارة للـمـجروح.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن زكريا، قال: سمعت عامراً يقول: كفـارة لـمن تصدّق به.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} يقول: لولـيّ القتـيـل الذي عفـا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي شبـيب بن سعيد، عن شعبة بن الـحجاج، عن قـيس بن مسلـم، عن الهيثم أبـي العريان، قال: كنت بـالشام، وإذا برجل مع معاوية قاعد علـى السرير كأنه مولـى، قال: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال فمن تصدّق به هدم الله عنه مثله من ذنوبه. فإذا هو عبد الله بن عمرو.

وقال آخرون: عَنَى بذلك الـجارحَ، وقالوا معنى الآية: فمن تصدّق بـما وجب له من قَوَدَ أو قصاص علـى من وجب ذلك له علـيه، فعفـا عنه، فعفوه ذلك عن الـجانـي كفـارة لذنب الـجانـي الـمـجرم، كما القصاص منه كفـارة له قالوا: فأما أجر العافـي الـمتصدّق فعلـى الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفـيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: كفـارة للـجارح، وأجر الذي أصبب علـى الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت مـجاهداً يقول لأبـي إسحاق: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِه فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} يا أبـا إسحاق؟ قال أبو إسحاق: للـمتصدّق. فقال مـجاهد: للـمذنب الـجارح.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: قال مغيرة، قال مـجاهد: للـجارح.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا هناد وسفـيان بن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم ومـجاهد: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قالا: الذي تصدّق علـيه، وأجر الذي أصـيب علـى الله. قال هناد فـي حديثه، قالا: كفـارة للذي تصدّق به علـيه.

حدثنا هناد، قال: ثنا عبد بن حميد، عن منصور، عن مـجاهد بنـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بشر، عن زكريا، عن عامر، قال: كفـارة لـمن تصدق به علـيه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد وإبراهيـم، قالا: كفـارة للـجارح، وأجر الذي أصيب علـى الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، قال: سمعت زيد بن أسلـم يقول: إن عفـا عنه أو اقتصّ منه، أو قبل منه الدية، فهو كفـارة له.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: كفـارة للـجارح وأجر للعافـي، لقوله: فَمَنْ عَفـا وأصْلَـحَ فَأجْرُهُ علـى اللّهِ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: كفـارة للـمتصدّق علـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا معلـى بن أسد، قال: ثنا خالد، قال: ثنا حصين، عن ابن عبـاس: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: هي كفـارة للـجارح.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِه فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} قال: فـالكفـارة للـجارح، وأجر الـمتصدّق علـى الله.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، أنه كان يقول: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} يقول: للقاتل، وأجر للعافـي.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عمران بن ظبـيان، عن عديّ بن ثابت، قال: هُتِـم رجل علـى عهد معاوية، فأُعطي دية فلـم يقبل، ثم أُعطي ديتـين فلـم يقبل، ثم أُعطي ثلاثاً فلـم يقبل. فحدّث رجل من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

فمن تَصَدّقَ بِدَمٍ فما دُونَهُ، كانَ كَفَّـارَةً له مِنْ يَوْمِ تَصَدَّقَ إلـى يَوْمِ وُلِدَ. قال: فتصدّق الرجل.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {والـجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّـارَةٌ لَهُ} يقول: من جُرح فتصدّق بـالذي جرح به علـى الـجارح، فلـيس علـى الـجارح سبـيـل ولا قود ولا عقل ولا جرح علـيه من أجل أنه تصدّق علـيه الذي جرح، فكان كفـارة له من ظلـمه الذي ظلـم.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: عنـي به: فمن تصدّق به فهو كفـارة له الـمـجروح، فلأن تكون الهاء فـي قوله «له» عائدة علـى من أولـى من أن تكون من ذكر من لـم يجر له ذكر إلا بـالـمعنى دون التصريح وأحرى، إذ الصدقة هي الـمكفرة ذنب صاحبها دون الـمتصدّق علـيه فـي سائر الصدقات غير هذه، فـالواجب أن يكون سبـيـل هذه سبـيـل غيرها من الصدقات.

فإن ظنّ ظانّ أن القصاص إذ كان يكفر ذنب صاحبه الـمقتصّ منه الذي أتاه فـي قتل من قتله ظلـماً، كقول النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذا أخذ البـيعة علـى أصحابه:

أنْ لا تَقْتُلُوا وَلا تَزْنُوا وَلا تَسْرِقوا ثم قال: فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَأُقِـيـمَ عَلَـيْهِ حَدُّهُ، فَهُوَ كَفَّـارَتُه. فـالواجب أن يكون عفو العافـي الـمـجنـي علـيه أو ولـيّ الـمقتول عنه نظيره فى أن ذلك له كفارة فان ذلك لو وجب أن يكون كذلك لوجب أن يكون عفو المقذوف عن قاذفه بالزنا وتركه أخذه بالواجب له من الحد وقد قذفه قاذفه وهو عفيف مسلم محصن كفـارة للقاذف من ذنبه الذي ركبه، ومعصيته التـي أتاها، وذلك ما لا نعلـم قائلاً من أهل العلـم يقوله. فإذ كان غير جائز أن يكون ترك الـمقذوف الذي وصفنا أمره أخذ قاذفهُ بـالواجب له من الـحدّ كفـارة للقاذف من ذنبه الذي ركبه، كان كذلك غير جائز أن يكون ترك الـمـجروح أخذ الـجارح بحقه من القصاص كفـارة للـجارح من ذنبه الذي ركبه.

فإن قال قائل: أو لـيس للـمـجروح عندك أخذ جارحه بدية جرحه مكان القصاص؟ قـيـل له: بلـى. فإن قال: أفرأيت لو اختار الدية ثم عفـا عنها، أكانت له قِبَله فـي الآخرة تبعة؟ قـيـل له: هذا كلام عندنا مـحال، وذلك أنه لا يكون عندنا مختار الدية إلا وهو لها آخذ. فأما العفو فإنـما هو عفو عن الدم. وقد دللنا علـى صحة ذلك فـي موضع غير هذا بـما أغنى عن تكريره فـي هذا الـموضع. إلا أن يكون مراداً بذلك هبتها لـمن أخذت منه بعد الأخذ، مع أن عفوه عن الدية بعد اختـياره إياها لو صحّ لـم يكن فـي صحة ذلك ما يوجب أن يكون الـمعفوّ له عنها بريئاً من عقوبة ذنبه عند الله لأن الله تعالـى ذكره أو عد قاتل الـمؤمن بـما أوعده به، إن لـم يتب من ذنبه، والدية مأخوذة منه، أحبّ أم سَخِط، والتوبة من التائب إنـما تكون توبة إذا اختارها وأرادها وآثرها علـى الإصرار. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك وإن كان كذلك، فقد يجب أن يكون له كفـارة كما جاز القصاص كفَّـارة فإنا إنـما جعلنا القصاص له كفَّـارة مع ندمه وبذله نفسه لأخذ الـحقّ منها تنصلاً من ذنبه، بخبر النبـيّ صلى الله عليه وسلم. فأما الدية إذا اختارها الـمـجروح ثم عفـا عنها فلـم يُقْض علـيه بحدّ ذنبه، فـيكون مـمن دخـل فـي حكم النبـيّ صلى الله عليه وسلم وقوله:

فمن أُقـيـم علـيه الـحَدُّ فهو كَفَّـارَتُهُ. ثم مـما يؤكد صحة ما قلنا فـي ذلك، الأخبـار التـي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: فمن تَصَدَّق بدَمٍ، وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي قد ذكرناها قبل. وقد يجوز أن يكون القائلون أنه عنى بذلك الـجارح، أرادوا الـمعنى الذي ذكر عن عروة بن الزبـير، الذي:

حدثنـي به الـحرث بن مـحمد، قال: ثنا ابن سلام، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قال: إذا أصاب رجل رجلاً ولا يعلـم الـمصاب من أصابه فـاعترف له الـمصيب، فهو كفارة للمصيب قال: وكان مـجاهد يقول عند هذا: أصاب عروة ابن الزبـير عين إنسان عند الركن فـيـما يستلـمون، فقال له: يا هذا أنا عروة بن الزبـير، فإن كان بعينك بأس فأنا بها.

وإذا كان الأمر من الـجارح علـى نـحو ما كان من عروة من خطأ فعل علـى غير عمد ثم اعترف للذي أصابه بـما أصابه فعفـا له الـمصاب بذلك عن حقه قبله، فلا تبعة له حينئذٍ قبل الـمصيب فـي الدنـيا ولا فـي الآخرة لأن الذي كان وجب له قبله مال لا قصاص وقد أبرأه منه، فإبراؤه منه كفَّـارة له من حقه الذي كان له أخذه به، فلا طلبة له بسبب ذلك قبله فـي الدنـيا ولا فـي الآخرة، ولا عقوبة نلزمه بها بـما كان منه إلى من أصابه، لأنه لـم يتعمد إصابته بـما أصابه به فـيكون بفعله إنـما يستـحقّ به العقوبة من ربه لأن الله عزّ وجلّ قد وضع الـجُناح عن عبـاده فـيـما أخطؤا فـيه ولـم يتعمدوه من أفعالهم، فقال فـي كتابه:

{ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ }[الأحزاب: 5]. وقد يراد فـي هذا الـموضع بـالدم: العفو عنه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَنْ لـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: ومن لـم يحكم بـما أنزل الله فـي التوارة من قود النفس القائلة قصاصاً بـالنفس الـمقتولة ظلـماً. ولـم يفقأ عين الفـاقـيء بعين الـمفقوء ظلـماً قصاصاً مـمن أمره الله به بذلك فـي كتابه، ولكن أقاد من بعض ولـم يُقِد من بعض، أو قتل فـي بعضِ اثنـين بواحد، وإن من يفعل ذلك من الظالـمين، يعنـي مـمن جار علـى حكم الله ووضع فعله ما فعل من ذلك فـي غير موضعه الذي جعله الله له موضعاً.

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ۝٤٦

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وقَـفَّـيْنا علـى آثارِهِمْ} أتبعنا، يقول: أتبعنا عيسى ابن مريـم علـى آثار النبـيـين الذين أسلـموا من قبلك يا مـحمد، فبعثناه نبـياً مصدّقاً لكتابنا الذي أنزلناه إلـى موسى من قبله أنه حقّ وأن العمل بـما لـم ينسخه الإنـجيـل منه فرض واجب. {وآتَـيْناهُ الإنـجيـلَ} يقول: وأنزلنا إلـيه كتابنا الذي اسمه الإنـجيـل. {فِـيهِ هُدًى وَنُورٌ} يقول: فـي الإنـجيـل هدى، وهو بـيان ما جهله الناس من حكم الله فـي زمانه، {وَنُورٌ} يقول: وضياء من عمى الـجهالة، {وَمُصَدّقا لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ} يقول: أوحينا إلـيه ذلك، وأنزلناه إلـيه بتصديق ما كان قبله من كتب الله التـي كان أنزلها علـى كل أمة أنزل إلـى نبـيها كتاب للعمل بـما أنزل إلـى نبـيهم فـي ذلك الكتاب من تـحلـيـل ما حلل وتـحريـم ما حرّم. {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً} يقول: أنزلنا الإنـجيـل إلـى عيسى مصّدقاً للكتب التـي قبله، وبـياناً لـحكم الله الذي ارتضاه لعبـاده الـمتقـين فـي زمان عيسى وموعظة لهم، يقول: وزجراً لهم عما يكرهه الله إلـى ما يحبه من الأعمال، وتنبـيهاً لهم علـيه. والـمتقون: هم الذين خافوا الله وحذروا عقابه، فـاتقوه بطاعته فـيـما أمرهم وحَذِروه بترك ما نهاهم عن فعله، وقد مضى البـيان عن ذلك بشواهده قبل فأغنـي ذلك عن إعادته.

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٤٧

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَلْـيَحْكُمْ أهْلُ الإنْـجِيـلِ} فقرأ قرّاء الـحجاز والبصرة وبعض الكوفـيـين: {ولْـيَحْكُمْ} بتسكين اللام علـى وجه الأمر من الله لأهل الإنـجيـل أن يحكموا بـما أنزل الله فـيه من أحكامه. وكأنّ من قرأ ذلك كذلك أراد: وآتـيناه الإنـجيـل فـيه هدى ونور، ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة، وأمرنا أهله أن يحكموا بـما أنزل الله فـيه. فـيكون فـي الكلام مـحذوف ترك استغناء بـما ذكر عما حذف.

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: «وَلِـيَحْكُمَ أهْلُ الإنْـجيـلِ» بكسر اللام من «لـيحكم»، بـمعنى: كي يحكم أهل الإنـجيـل. وكأن معنى من قرأ ذلك كذلك: وآتـيناه الإنـجيـل فـيه هدى ونور، ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة، وكي يحكم أهله بـما فـيه من حكم الله. والذي يتراءى فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، فبأيّ ذلك قرأ قارىء فمصيب فـيه الصواب وذلك أن الله تعالـى لـم ينزل كتابـاً علـى نبـيّ من أنبـيائه إلا لـيعمل بـما فـيه أهله الذين أمروا بـالعمل بـما فـيه، ولـم ينزله علـيهم إلا وقد أمرهم بـالعمل بـما فـيه، فللعمل بـما فـيه أنزله، وأمر بـالعمل بـما فـيه أهله. فكذلك الإنـجيـل، إذ كان من كتب الله التـي أنزلها علـى أنبـيائه، فللعمل بـما فـيه أنزله علـى عيسى، وأمر بـالعمل به أهله. فسواء قرىء علـى وجه الأمر بتسكين اللام أو قرىء علـى وجه الـخبر بكسرها لاتفـاق معنـيـيهما. وأما ما ذكر عن أبـيّ بن كعب من قراءته ذلك: «وأن احْكُمْ» علـى وجه الأمر، فذلك مـما لـم يصحّ به النقل عنه، ولو صحّ أيضاً لـم يكن فـي ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه مـحظورة، إذ كان معناها صحيحاً، وكان الـمتقدمون من أئمة القرّاء قد قرءوا بها. وإذ كان الأمر فـي ذلك ما بـينا، فتأويـل الكلام إذا قرىء بكسر اللام من «لِـيحكم»: وآتـينا عيسى ابن مريـم الإنـجيـل، فـيه هدى ونور، ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة وهدىً وموعظة للمتقين، وكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزلنا فيه فبدلوا حكمه، وخالفوا، فضلوا بخلافهم إياه، إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه وخالفوا {فأولئك هم الفاسقون} يعني: الخارجين عن أمر الله فيه بن مريم الإنجيل، فيه هدى ونور، ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وأمرنا أهله أن يحكموا بـما أنزلنا فـيه، فلـم يطيعونا فـي أمرنا إياهم بـما أمرناهم به فـيه، ولكنهم خالفوا أمرنا الذي أمرناهم به فـيه هم الفـاسقون. وكان ابن زيد يقول: الفـاسقون فـي هذا الـموضع وفـي غيره: هم الكاذبون.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلـيَحْكُمْ أهْلُ الإنْـجِيـلِ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فِـيهِ وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفـاسِقُون} قال: ومن لـم يحكم من أهل الإنـجيـل أيضاً بذلك، {فأولئك هم الفـاسقون} قال: الكاذبون بهذا. قال: وقال ابن زيد: كلّ شيء فـي القرآن إلا قلـيلاً «فـاسق» فهو كاذب وقرأ قول الله:

{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فـاسِقٌ بِنَبَأٍ }قال: الفـاسق ههنا: كاذب.

وقد بـينا معنى الفسق بشواهده فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٤٨

وهذا خطاب من الله تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، يقول تعالـى ذكره: {وأنْزَلْنا إلَـيْكَ} يا مـحمد {الكِتابَ}، وهو القرآن الذي أنزله علـيه. ويعنـي بقوله: {بـالـحَقّ}: بـالصدق، ولا كذب فـيه، ولا شكّ أنه من عند الله. {مُصَدّقاً لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ} يقول: أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التـي أنزلها إلـى أنبـيائه. {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} يقول: أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إلـيك يا مـحمد مصدقاً للكتب قبله، وشهيداً علـيها أنها حقّ من عند الله، أميناً علـيها، حافظاً لها. وأصل الهيـمنة: الـحفظ والارتقاب، يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيـمن فلان علـيه، فهو يهيـمن هيـمنةً، وهو علـيه مهيـمن!.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. إلا أنهم اختلفت عبـاراتهم عنه، فقال بعضهم: معناه: شهيداً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} يقول: شهيداً.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَمُهَيْـمِنا عَلَـيْهِ} قال: شهيداً علـيه.

حدثنـي بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ مُصَدّقاً لِـما بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ} يقول: الكتب التـي خـلت قبله، {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ}: أميناً وشاهداً علـى الكتب التـي خـلت قبله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ}: مؤتـمناً علـى القرآن وشاهداً ومصدّقاً. وقال ابن جريج وآخرون: القرآن أمين علـى الكتب فـيـما إذ أخبرنا أهل الكتاب فـي كتابهم بأمر إن كان فـي القرآن فصدَقوا، وإلا فكذَبوا.

وقال بعضهم: معناه: أمين علـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا وكيع جميعاً، عن سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} قال: مؤتـمناً علـيه.

حدثنا مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} قال: مؤتَـمناً علـيه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق بإسناده، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو،عن مطرِّف، عن أبـي إسحاق، عن رجل من تـميـم، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} قال: والـمهيـمن: الأمين، قال: القرآن أمين علـى كلّ كتاب قبله.

حدثنـي مـحمد بن سعد،قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وأنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ مُصَدّقاً لِـمَا بَـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ} وهو القرآن، شاهد علـى التوراة والإنـجيـل، مصدقاً لهما. {ومُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} يعنـي: أميناً علـيه، يحكم علـى ما كان قبله من الكتب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحن، عن قـيس، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} قال: مؤتـمناً علـيه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبـي إسحاق، عن رجل من بنـي تـميـم، عن ابن عبـاس: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} قال: مؤتـمناً علـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا يحيى الـحمانـيّ، قال: ثنا شريك، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان وإسرائيـل، عن علـيّ بن بذيـمة، عن سعيد بن جبـير: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} قال: مؤتـمناً علـى ما قبله من الكتب.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، قال: سألت الـحسين، عن قوله: {وأنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقِّ مَصَدّقاً لـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} قال: مصدّقاً لهذه الكتب وأميناً علـيها. وسئل عنها عكرمة وأنا أسمع، فقال: مؤتـمناً علـيه.

وقال آخرون: معنى الـمهيـمن الـمصدّق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} قال: مصدّقاً علـيه. كلّ شيء أنزله الله من توراة أو إنـجيـل أو زبور فـالقرآن مصدّق علـى ذلك، وكلّ شيء ذكر الله فـي القرآن فهو مصدّق علـيها وعلـى ما حدّث عنها أنه حقّ.

وقال آخرون: عنى بقوله: {مُصَدّقاً لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} مـحمد صلى الله عليه وسلم، مؤتـمن علـى القرآن.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ} قال: مـحمد صلى الله عليه وسلم، مؤتـمن علـى القرآن.

فتأويـل الكلام علـى ما تأوله مـجاهد: وأنزلنا الكتاب مصدّقاً الكتب قبله إلـيك، مهيـمناً علـيه. فـيكون قوله «مصدّقاً» حالاً من الكتاب وبعضاً منه، ويكون التصديق من صفة الكتاب، والـمهيـمن حالاً من الكاف التـي فـي «إلـيك»، وهي كناية عن ذكر اسم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، والهاء فـي قوله: {عَلَـيْهِ} عائدة علـى الكتاب. وهذا التأويـل بعيد من الـمفهوم فـي كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن الـمهيـمن عطف علـى الـمصدّق، فلا يكون إلا من صفة ما كان الـمصدّق صفة له، ولو كان معنى الكلام ما رُوي عن مـجاهد لقـيـل: وأنزلنا إلـيك الكتاب مصدّقاً لـما بـين يديه من الكتاب ومهيـمناً علـيه لأنه متقدّم من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، ولـيس بعدها شيء يكون مهيـمناً علـيه عطفـاً علـيه، وإنـما عطف به علـى الـمصدّق، لأنه من صفة «الكتاب» الذي من صفته «الـمصدّق».

فإن ظنّ ظانّ أن الـمصدّق علـى قول مـجاهد وتأويـله هذا من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، فإن قوله: {لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ} يبطل أن يكون تأويـل ذلك كذلك، وأن يكون الـمصدّق من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، لأن الهاء فـي قوله: {بـينَ يَدَيْهِ} كناية اسم غير الـمخاطب، وهو النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي قوله «إلـيك»، ولو كان الـمصدّق من صفة الكاف لكان الكلام: وأنزلنا إلـيك الكتاب مصدقاً لـما بـين يديك من الكتاب ومهيـمناً علـيه، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ كذلك.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الـحَقّ}.

وهذا أمر من الله تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بـين الـمـحتكمين إلـيه من أهل الكتاب وسائر أهل الـملل، بكتابه الذي أنزله إلـيه، وهو القرآن الذي خصه بشريعته. يقول تعالـى ذكره: احكم يا مـحمد بـين أهل الكتاب والـمشركين بـما أنزل إلـيك من كتابـي وأحكامي، فـي كلّ ما احتـمكوا فـيه إلـيك من الـحدود والـجروح والقود والنفوس، فـارجم الزانـي الـمـحصن، واقتل النفس القاتلة بـالنفس الـمقتولة ظلـماً، وافقأ العين بـالعين، واجدع الأنف بـالأنف، فإن أنزلت إلـيك القرآن مصدّقاً فـي ذلك ما بـين يديه من الكتب، ومهيـمناً علـيه، رقـيبـاً يقضي علـى ما قبله من سائر الكتب قبله. ولا تتبع أهواء هؤلاء الـيهود الذين يقولون: إن أوتـيتـم الـجلد فـي الزانـي الـمـحصن دون الرجم، وقتل الوضيع بـالشريف إذا قتله، وترك قتل الشريف بـالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لـم تُؤتوه فـاحذروا عن الذي جاءك من عند الله من الـحقّ، وهو كتاب الله الذي أنزله إلـيك. يقول له: اعمل بكتابـي الذي أنزلته إلـيك إذا احتكموا إلـيك، فـاختر الـحكم علـيهم، ولا تتركن العمل بذلك اتبـاعاً منك أهواءهم وإيثاراً لها علـى الـحقّ الذي أنزلته إلـيك فـي كتابـي. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة عن ابن عبـاس: {فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ} يقول: بحدود الله، {وَلا تَتَبِعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الـحَقّ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عامر، عن مسروق: أنه كان يحلِّف الـيهودي والنصرانـي بـالله ثم قرأ: وأنِ احْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ وأنزل الله: أنْ لا يُشْرِكُوا بِه شَيْئاً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لِكُلٍّ جَعَلنْا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً}.

يقول تعالـى ذكره: لكلّ قوم منكم جعلنا شرعة. والشرعة: هي الشريعة بعينها، تـجمع الشرعة شراعاً، والشريعة شرائع، ولو جمعت الشرعة شرائع كان صوابـاً، لأن معناها ومعنى الشريعة واحد، فـيردّها عند الـجمع إلـى لفظ نظيرها. وكلّ ما شرعت فـيه من شيء فهو شريعة، ومن ذلك قـيـل لشريعة الـماء: شريعة، لأنه يشرع منها إلـى الـماء، ومنه سميت شرائع الإسلام شرائع، لشروع أهله فـيه، ومنه قـيـل للقوم إذا تساووا فـي الشيء: هم شَرَعٌ سواء. وأما الـمنهاج، فإن أصله: الطريق البـين الواضح، يقال منه: هو طريق نَهْجٌ ومَنْهجٌ بـيِّن، كما قال الراجز:

مَنْ يَكُ فِـي شَكَ فَهَذَا فَلْـجٌ ماءٌ رَوَاءٌ وَطَرِيقٌ نَهْجٌ

ثم يستعمل فـي كلّ شيء كان بـينا واضحاً سهلاً. فمعنى الكلام لكل قوم منكم جعلنا طريقاً إلى الحق يؤمُّهُ، وسبيلاً واضحاً يعمل به.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي المعني بقوله: {لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ} فقال بعضهم: عنـي بذلك أهل الـملل الـمختلفة، أي أن الله جعل لكلّ ملة شريعة ومنهاجاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} يقول سبـيلاً وسنة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنـجيـل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلّ الله فـيها ما يشاء ويحرّم ما يشاء بلاءً، لـيعلـم من يطيعه مـمن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {لكلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} قال: الدين واحد، والشريعة مختلفة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبـي روق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ، قال: الإيـمان منذ بعث الله تعالـى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بـما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءهم من شرعة أو منهاج، فلا يكون الـمقرّ تاركاً ولكنه مطيع.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم. وقالوا: إنـما معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلـى نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم أيها الناس لكلكم: أي لكلّ من دخـل فـي الإسلام وأقرّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم أنه لـي نبـيّ، شِرعة ومنهاجاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} قال: سنة {ومنهاجاً} السبـيـل لكلكم، من دخـل فـي دين مـحمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجاً، يقول: القرآن هو له شرعة ومنهاج.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: معناه: لكلّ أهل ملة منكم أيها الأمـم جعلنا شرعة ومنهاجاً.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب لقوله: {وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} ولو كان عنـي بقوله: {لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ} أمة مـحمد وهم أمة واحدة، لـم يكن لقوله: {وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنى مفهوم، ولكن معنى ذلك علـى ما جرى به الـخطاب من الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ما كتب علـى بنـي إسرائيـل فـي التوراة، وتقدّم إلـيهم بـالعمل بـما فـيها. ثم ذكر أنه قـفـى بعيسى ابن مريـم علـى آثار الأنبـياء قبله، وأنزل علـيه الإنـجيـل، وأمر من بعثه إلـيه بـالعمل بـما فـيه. ثم ذكر نبـينا مـحمداً صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إلـيه الكتاب مصدّقاً لـما بـين يديه من الكتاب، وأمره بـالعمل بـما فـيه والـحكم بـما أنزل إلـيه فـيه دون ما فـي سائر الكتب غيره وأعلـمه أنه قد جعل له ولأمته شريعة غير شرائع الأنبـياء والأمـم قبله الذين قصّ علـيه قصصهم، وإن كان دينه ودينهم فـي توحيد الله والإقرار بـما جاءهم به من عنده والانتهاء إلـى أمره ونهيه واحداً، فهم مختلفو الأحوال فـيـما شرع لكلّ واحد منهم، ولأمته فـيـما أحلّ لهم وحرم علـيهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي الشرعة والـمنهاج من التأويـل قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا مسعر، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمّي، عن ابن عبـاس: {لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} قال: سنة وسبـيلاً.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس: {لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} قال: سنة وسبـيلاً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان وإسرائيـل وأبـيه، عن أبـي إسحاق، عن التـميـميّ، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو يحيى الرازي، عن أبـي شيبـان، عن أبـي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، قال: سألت ابن عبـاس عن قوله: {لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} قال: سنة وسبـيلاً.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـميّ، عن ابن عبـاس: {شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} قال: سنة وسبـيلاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبـي إسحاق، عن رجل من بنـي تـميـم، عن ابن عبـاس، بـمثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {لِكلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} يعنـي: سبـيلاً وسنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفـيان بن حسين، قال: سمعت الـحسن يقول: الشرعة: السنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، عن إسرائيـل، عن أبي يحيى القتات، عن مـجاهد، قال: سنة وسبـيلاً.

حدثنـي مـحمد عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى ذكره: {شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} قال: الشرعة: السنة، ومنهاجاً، قال: السبـيـل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بنـحوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {لِكُلَ جَعَلنْا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} يقول: سبـيلاً وسنة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحوضي، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: سمعت رجلاً من بنـي تـميـم، عن ابن عبـاس بنـحوه.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدّي: {شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} يقول: سبـيلاً وسنة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: السنة والسبـيـل.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: {لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} يقول: سبـيلاً وسنة.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنـي عبـيد بن سلـمان قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} قال: سبـيلاً وسنة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِـيَبْلُوَكُمْ فِـيـما آتاكُمْ}.

يقول تعالـى ذكره: ولو شاء ربكم لـجعل شرائعكم واحدة، ولـم يجعل لكلّ أمة شريعة ومنهاجاً غير شرائع الأمـم الأخر ومنهاجهم، فكنتـم تكونون أمة واحدة، لا تـختلف شرائعكم ومنهاجكم. ولكنه تعالـى ذكره يعلـم ذلك، فخالف بـين شرائعكم لـيختبركم فـيعرف الـمطيع منكم من العاصي والعامل بـما أمره فـي الكتاب الذي أنزله إلـى نبـيه صلى الله عليه وسلم من الـمخالف. والابتلاء: هو الاختبـار، وقد ثبت ذلك بشواهده فـيـما مضى قبل. وقوله {فِـيـما آتاكُمْ} يعنـي: فـيـما أنزل علـيكم من الكتب. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَلَكِنْ لِـيَبْلُوكُمْ فِـيـما آتاكُمْ} قال عبد الله بن كثـير: لا أعلـمه إلا قال: لـيبلوكم فـيـما آتاكم من الكتب.

فإن قال قائل: وكيف قال: لـيبلوكم فـيـما آتاكم، ومن الـمخاطب بذلك، وقد ذكرت أن الـمعنى: لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً لكلّ نبـيّ مع الأنبـياء الذين مضوا قبله وأمـمهم الذين قبل نبـينا صلى الله عليه وسلم، والـمخاطب النبـيّ وحده؟ قـيـل: إن الـخطاب وإن كان لنبـينا صلى الله عليه وسلم، فإنه قد أريد به الـخبر عن الأنبـياء قبله وأمـمهم، ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنساناً وضمت إلـيه غائبـاً فأرادت الـخبر عنه أن تغلِّب الـمخاطب فـيخرج الـخبر عنهما علـى وجه الـخطاب، فلذلك قال تعالـى ذكره: {لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً}.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـاسْتَبِقُوا الـخَيْرَاتِ إلـى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً فَـيُنَبِّئُكُمْ بِـمَا كُنْتُـمْ فِـيهِ تَـخْتَلِفُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: فبـادروا أيها الناس إلـى الصالحات من الأعمال والقرب إلـى ربكم بإدمان العمل بـما فـي كتابكم الذي أنزله إلـى نبـيكم، فإنه إنـما أنزله امتـحاناً لكم وابتلاء، لـيتبـين الـمـحسن منكم من الـمسيء، فـيجازي جميعكم علـى عمله جزاءه عند مصيركم إلـيه، فإن مصيركم إلـيه جميعاً، فـيخبر كلّ فريق منكم بـما كان يخالف فـيه الفرق الأخرى، فـيفصل بـينهم بفصل القضاء، ويبـين الـمـحقّ بـمـجازاته إياه بجناته من الـمسيء بعقابه إياه بـالنار، فـيتبـين حينئذٍ كلّ حزب عياناً، الـمـحقّ منهم من الـمبطل.

فإن قال قائل: أو لـم ينبئنا ربنا فـي الدنـيا قبل مرجعنا إلـيه ما نـحن فـيه مختلفون؟ فقـيـل: إنه بـين ذلك فـي الدنـيا بـالرسل والأدلة والـحجج، دون الثواب والعقاب عياناً، فمصدّق بذلك ومكذّب. وأما عند الـمرجع إلـيه، فإنه ينبئهم بذلك بـالـمـجازاة التـي لا يشكون معها فـي معرفة الـمـحقّ والـمبطل، ولا يقدرون علـى إدخال اللبس معها علـى أنفسهم، فكذلك خبره تعالـى ذكره أنه يبنئنا عند الـمرجع إلـيه بـما كنا فـيه نـختلف فـي الدنـيا. وإنـما معنى ذلك: إلـى الله مرجعكم جميعاً، فتعرفون الـمـحقّ حينئذٍ من الـمبطل منكم. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حبـاب، عن أبـي سنان، قال: سمعت الضحاك يقول: {فـاسْتَبِقُوا الـخَيْرَاتِ إلـى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم البرّ والفـاجر.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ