انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النمل

تفسير البغويالآيات 39–93

تفسير سورة النمل آية آية، من تفسير البغوي.

قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ ۝٣٩ قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ ۝٤٠

{قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ}، وهو المارد القوي، قال وهب: اسمه كوذى، وقيل: ذكوان، قال ابن عباس: العفريت الداهية. وقال الضحاك: هو الخبيث. وقال الربيع: الغليظ، وقال الفرّاء: القوي الشديد، وقيل: هو صخرةُ الجنيُّ، وكان بمنزلة الجبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، {أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ}، أي من مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس: وكان له كل غداة مجلس يقضي فيه إلى منتهى النهار، {وَإِنِّى عَلَيْهِ}، أي على حمله {لَقَوِىٌّ أَمِينٌ}، على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان: أريد أسرع من هذا.

فـ {قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ}، واختلفوا فيه فقال بعضهم: هو جبريل. وقيل: هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان عليه السلام

وقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا، وكان صدّيقاً يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى.

وروى جويبر، ومقاتل، عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن آصف قال لسليمان حين صلى: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك، فمدّ سليمان عينيه، فنظر نحو اليمين، ودعا آصف فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدون به خداً حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان.

وقال الكلبي: خرّ آصف ساجداً ودعا باسم الله الأعظم فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان. وقيل: كانت المسافة مقدار شهرين.

واختلفوا في الدعاء الذي دعا به آصف، فقال مجاهد، ومقاتل: يا ذا الجلال والإِكرام. وقال الكلبي: يا حي يا قيوم. وروي ذلك عن عائشة. وروي عن الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت ائتني بعرشها.

وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان، قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علماً وفهماً: {أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفك}، قال سليمان هات، قال: أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك، فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، فقال: صدقت، ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.

وقوله تعالى: {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفك}، قال سعيد بن جبير: يعني: من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قال قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مدّ البصر. وقال مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئاً. قال وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه، حتى أمثله بين يديك، {فَلَمَّا رَءَاهُ}، يعني رأى سليمان العرش، {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ}، محمولاً إليه من مأرب إلى الشام في قدرِ ارْتدادِِ الطرف، {قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىۤ أَءَشْكُرُ}، نعمته، {أَمْ أَكْفُرُ}، فلا أشكرها، {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}، أي يعود نفع شكره إليه، وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها، لأن الشكر قَيْدُ النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ}، عن شكره، {كَرِيمٌ}، بالإفضال على من يكفر نعمه.

قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ۝٤١

قوله تعالى: {قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا}، يقول غيّروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته، قال قتادة ومقاتل: هو أن يزاد فيه وينقص. وروى أنه جعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر، {نَنظُرْ أَتَهْتَدِىۤ}، إلى عرشها فتعرفه، {أَمْ تَكُونُ مِنَ}، الجاهلين، {ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ}، إليه, وإنما حمل سليمان على ذلك كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما: أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن وذلك أن أمها كانت جنية، وإذا ولدت له ولداً لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده، فأساؤا الثناء عليها ليزهدوه فيها، وقالوا: إن في عقلها شيئاً وإن رجلها كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر إلى قدميها ببناء الصرح.

فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُۥ هُوَ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ۝٤٢ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ۝٤٣

{فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ}، قال مقاتل: عرفته لكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها. وقال عكرمة: كانت حكيمة لم تقل نعم، خوفاً من أن تكذب، ولم تقل لا، خوفاً من التكذيب، قالت: كأنه هو، فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر.

وقيل اشتبه عليها أمر العرش، لأنها تركته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها، وقيل لها: فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب، فقالت: {وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ}، بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدية والرسل، {مِن قَبْلِهَا}، من قبل الآية في العرش {وَكُنَّا مُسْلِمِينَ}، منقادين طائعين لأمر سليمان.

وقيل: قوله "وأوتينا العلم من قبلها" قاله سليمان، يقول: وأوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وكنّا مسلمين، هذا قول مجاهد.

وقيل: معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنّا مسلمين طائعين لله عزّ وجلّ.

قوله عزّ وجلّ: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، أي: منعها ما كانت تعبد من دون الله، وهو الشمس، أن تعبد الله، أي صدها عبادة الشمس عن التوحيد وعبادة الله، فعلى هذا التأويل يكون «ما» في محل الرفع.

وقيل: معناه صدها عن عبادة الله لا نقصان عقلها كما قالت الجن: إن في عقلها شيئاً، بل ما كانت تعبد من دون الله.

وقيل: معناه وصدها سليمان ما كانت تعبد من دون الله، أي: منعها من ذلك وحال بينها وبينه، فيكون محل «ما» نصباً.

{إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ}، هذا استئناف، أخبر الله تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس.

قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٤

قوله عزّ وجلّ: {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ} الآية، وذلك أن سليمان أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفها، لمّا قالت الشياطين: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شَعْراء الساقين، أمر الشياطين فبنوا له صرحاً أي: قصراً من زجاج، وقيل بيتاً من زجاج كأنه الماء بياضاً، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى تحته الماء، وألقى فيه كل شيء من دواب البحر السمك والضفادع وغيرهما، ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإِنس. وقيل: اتخذ صحناً من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع، فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء.

وقيل: إنما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها كما فعلت هي بالوصفاء والوصائف فلما جلس على السرير دعا بلقيس، فلما جاءت قيل لها ادخلي الصرح.

{فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً}، وهي معظم الماء، {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا}، لتخوضه إلى سليمان، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدماً وساقاً إلاّ أنها كانت شعراء الساقين، فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنه وناداها، {قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ}، مملس مستو، {مِّن قَوارِيرَ}، وليس بماء، ثم إن سليمان دعاها إلى الإِسلام، وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت، {قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى}، بالكفر، وقال مقاتل: لما رأت السرير والصرح علمت أن ملك سليمان من الله فقالت: ربِّ إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك، {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، أي أخلصت له التوحيد.

وقيل: إنها لما بلغت الصرح فظنته لجة، قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن يغرقني، وكان القتل على أهون من هذا، فقولها: "ظلمت نفسي" تعني بذلك الظن.

واختلفوا في أمرها بعد إسلامها، فقال عون بن عبد الله: سأل رجل عبد الله بن عتبة: هل تزوجها سليمان؟ فقال: انتهى أمرها إلى قولها: أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، يعني: لا علم لنا وراء ذلك.

وقال بعضهم: تزوجها، ولما أراد أن يتزوجها كره لما رأى من كثرة شعر ساقيها، فسأل الإِنس: ما يذهب هذا؟ قالوا الموسى، فقالت المرأة: لم تمسني حديدة قط، فكره سليمان الموسى، وقال: إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين فقالوا: إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء، فاتخذوا النورة والحمام، فكانت النورة والحمامات من يومئذٍ، فلما تزوجها سليمان أحبها حباً شديداً، وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم يرَ الناسُ مثلها ارتفاعاً وحسناً، وهي سلحين، وبينون، وعمدان. ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة بعد أن ردها إلى ملكها ويقيم عندها ثلاثة أيام يبتكر من الشام إلى اليمن ومن اليمن إلى الشام، وولدت له فيما ذكر. وروي عن وهب قال: زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان: اختاري رجلاً من قومك أزوجكه، قالت: ومثلي يا نبي الله تنكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان؟ قال: نعم، إنه لا يكون في الإِسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك، فقالت: زوجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تُبَّع ملك همدان فزوجها إياه، ثم ردها إلى اليمن، وسلط زوجها ذا تبع على اليمن ودعا زوبعة أمير الجن باليمن، فقال: اعمل لذي تبع ما استعملك فيه، فلم يزل بها ملكاً يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان، فلما أن حال الحول، وتبينت الجن موتَ سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات، فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا، وانقضى ملك ذي تبع، وملك بلقيس مع ملك سليمان.

وقيل: إن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ۝٤٥ قَالَ يَٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝٤٦ قَالُوا۟ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَٰٓئِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ۝٤٧

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحاً أَنِ}, أي: أنِ، {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}, وحده، {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ}, مؤمن وكافر, {يَخْتَصِمُونَ}, في الدين، قال مقاتل: واختصامهم ما ذكر في سورة الأعراف:

{ { قَالَ ٱلْمَلاَُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ } } [الأعراف: 75 ]. إلى قوله: { يَـٰصـٰلح ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنا إِنْ كُنتَ من ٱلمرسلين }[الأعراف: 77].

فـ {قَالَ}، لهم صالح، {يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ}، بالبلاء والعقوبة، {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ}، العافية والرحمة، {لَوْلاَ}، هلا {تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ}، بالتوبة من كفركم، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.

{قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا}، أي تشاءمنا، وأصله: تطيرنا، {بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ}، قيل: إنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم. وقيل: لأنه أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك. {قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ}، أي: ما يصيبكم من الخير والشر عند الله بأمره، وهو مكتوب عليكم، سمي طائراً لسرعة نزوله بالإِنسان فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم، قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله لكفركم.

وقيل: طائركم أي: عملكم عند الله، سمي طائراً لسرعة صعوده إلى السماء.

{بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}، قال ابن عباس: تختبرن بالخير والشر، نظيره قوله تعالى:

{ { وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } } [الأنبياء: 35]، وقال محمد بن كعب القرظي: تعذبون.

وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ۝٤٨ قَالُوا۟ تَقَاسَمُوا۟ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ۝٤٩ وَمَكَرُوا۟ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٥٠ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٥١

قوله تعالى: {وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ} يعني: مدينة ثمود، وهي الحِجْر، {تِسْعَةُ رَهْطٍ}، من أبناء أشرافهم، {يُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ}، وهم الذين اتفقوا على عقر الناقة، وهم غواة قوم صالح، ورأسهم قدار بن سالف، وهو الذي تولى عقرها، كانوا يعملون بالمعاصي.

{قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ}، تحالفوا، يقول بعضهم لبعض: احلفوا بالله أيها القوم. وموضع "تقاسموا" جزم على الأمر، وقال قوم: محله نصب على الفعل الماضي، يعني: أنهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، {لَنُبَيِّتَنَّهُ}، أي: لنقتلنّه بَيَاتاً أي ليلاً، {وَأَهْلَهُ}، أي: قومه الذين أسلموا معه، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي «لتبيتنه» و«لتقولن» بالتاء فيهما وضم لام الفعل على الخطاب، وقرأ الآخرون بالنون فيهما وفتح لام الفعل، {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ}، أي: لولي دمه، {مَا شَهِدْنَا}، ما حضرنا، {مَهْلِكَ أَهْلِهِ}، أي: إهلاكهم، ولا ندري من قتله، ومن فتح الميم فمعناه هلاك أهله، {وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ}، في قولنا ما شهدنا ذلك.

{وَمَكَرُواْ مَكْراً}، غدروا غدراً حين قصدوا تبييت صالح والفتك به، {وَمَكَرْنَا مَكْراً}، جزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}.

{فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا}، قرأ أهل الكوفة «أنا» بفتح الألف رداً على العاقبة، أي أنا دمرناهم، وقرأ الآخرون «إنا» بالكسر على الاستئناف، { دَمَّرْنَـٰهُمْ}، أي أهلكناهم التسعة.

واختلفوا في كيفية هلاكهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة، فقتلتهم. قال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينظر بعضهم بعضاً ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم.

{وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ}، أهلكهم الله بالصيحة.

فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٥٢ وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ۝٥٣ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ۝٥٤ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ۝٥٥ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ۝٥٦ فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَٰهَا مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٥٧ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝٥٨ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٥٩

{فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً}، نصب على الحال أي: خالية، {بِمَا ظَلَمُوۤاْ}، أي: بظلمهم وكفرهم، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لاََيَةً}، لعبرة، {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، قدرتنا.

{وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}، يقال: كان الناجون منهم أربعة آلاف.

قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ}، وهي الفعلة القبيحة، {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}، أي تعلمون أنها فاحشة. وقيل: معناه يرى بعضكم بعضاً وكانوا لا يستترون عُتُوّاً منهم.

{أَءِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنْتُم قَومٌ تَجْهَلُونَ}.

{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتكُمْ إنَهم أُناس يَتَطَهَّرُونَ}، من أدبار الرجال.

{فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَـٰهَا}، قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا، {مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ}، أي الباقين في العذاب.

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً}، وهي الحجارة، {فَسَآءَ}، فبئس، {مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ}.

قوله تعالى: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ}، هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية. وقيل: على جميع نعمه. {وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ}، قال مقاتل: هم الأنبياء والمرسلون، دليله قوله عزّ وجلّ: {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ}.

وقال ابن عباس في رواية أبي مالك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقيل: هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين.

{ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}، قرأ أهل البصرة وعاصم: «يشركون» بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، يخاطب أهل مكة، وفيه إلزام الحجة على المشركين بعد هلاك الكفار، يقول: آلله خير لمن عبده، أم الأصنام خير لمن عبدها؟ والمعنى: أن الله ينجي مَنْ عَبَدَهَ مِنَ الهلاك، والأصنام لم تُغْنِ شيئاً عن عابديها عند نزول العذاب.

أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَآ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ۝٦٠ أَمَّن جَعَلَ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنْهَٰرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٦١

{أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}، معناه آلهتكم خيرٌ أمِ الذي خلق السموات والأرض، {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}، يعني المطر، {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ}؟ بساتين جمع حديقة، قال الفرَّاء: الحديقة البستان المحاط عليه، فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة، {ذَاتَ بَهْجَةٍ}، أي: منظر حسن، والبهجة: الحُسن يبتهج به من يراه، {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا}، أي ما ينبغي لكم، لأنكم لا تقدرون عليها. {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ}، استفهام على طريق الإِنكار، أي: هل معه معبود سواه أعانه على صنعه؟ بل ليس معه إله. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ}، يعني كفار مكة، {يَعْدِلُونَ}، يشركون.

{أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً}، لا تميد بأهلها، {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ}، وسطها {أَنْهَاراً}، تطرد بالمياه، {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ} جبالاً ثوابت، {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ}، العذب والمالح، {حَاجِزاً}، مانعاً لئلا يختلط أحدهما بالآخر، {أَءِلـٰهٌ مَّعَ ٱللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، توحيد ربهم وسلطانه.

أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ۝٦٢ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦٓ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٦٣ أَمَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٦٤ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ۝٦٥

{أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ}، المكروب المجهود، {إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ}، الضر، {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ}، سكانها يهلك قرناً وينشيء آخر. وقيل: يجعل أولادكم خلفاءكم وقيل: جعلكم خلفاء الجن في الأرض. {أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}، قرأ أبو عمرو بالياء والآخرون بالتاء.

{أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}، إذا سافرتم، {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ}، أي: قدام المطر، { أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

{أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ}، بعد الموت، {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ}، أي: من السماء المطر ومن الأرض النبات. {أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ}، حجتكم على قولكم أنّ مع الله إلهاً آخر. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}.

{قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}، نزلت في المشركين حيث سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة، {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}.

بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ۝٦٦ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ۝٦٧ لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٦٨

{بَلِ ٱدَٰرَكَ عِلْمُهُمْ}، قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: «أدرك» على وزن أفعل أي: بلغ ولحق، كما يقال: أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، يريد ما جهلوا في الدنيا وسقط علمُه عنهم علِمُوه في الآخرة. وقال مجاهد: يدرك علمهم، {فِى ٱلآخِرَةِ}، ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم. قال مقاتل: بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوّا وعمُوا عنه في الدنيا وهو قوله: {بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّنْهَا}، يعني هم اليوم في شك من الساعة، وقرأ الآخرون: "بل ادّراك" موصولاً مشدداً مع ألف بعد الدال المشددة، أي: تدارك وتتابع علمهم في الآخرة وتلاحق.

وقيل: معناه اجتمع علمهم في الآخرة أنها كائنة، وهم في شك في وقتهم، فيكون بمعنى الأول. وقيل: هو على طريق الاستفهام، معناه: هل تدارك وتتابع علمهم بذلك في الآخرة؟ أي: لم يتتابع وضل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه، لأن في الاستفهام ضرباً من الجحد يدل عليه. قراءة ابن عباس «بلى» بإثبات الياء، «أدّارك» بفتح الألف على الاستفهام، أي: لم يدرك، وفي حرف أُبيّ «أم تدرك علمهم»، والعرب تضع "بل" موضع "أم" و"أم" موضع "بل".

وجملة القول فيه: أن الله أخبر أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يستوي علمهم في الآخرة وما وعدوا فيها من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا.

وذكر علي بن عيسى أن معنى «بل» هاهنا: "لو" ومعناه: لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكوا. قوله عزّ وجلّ: {بَلْ همْ فِى شَكٍ مِنْهَا}، بل هم اليوم في الدنيا في شك من الساعة. {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ}، جمع عمٍ، وهو الأعمى القلب. قال الكلبي: يقول هم جهلة بها.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}، يعني مشركي مكة، {أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً وَءَابَآؤُنَآ أَءِنَّا لَمُخْرَجُونَ}، من قبورنا أحياء، قرأ أهل المدينة «إذا» غير مستفهم «أئنَّا» بالاستفهام، وقرأ ابن عامر، والكسائي: «أإذا» بمهزتين «أإننا» بنونين، وقرأ الآخرون باستفهامها.

{لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا}، أي هذا البعث، {نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْل}، أي: من قبل محمد، وليس ذلك بشيء {إِنَّ هَـٰذَآ}، ما هذا {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها.

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٦٩ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ۝٧٠ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٧١ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ ۝٧٢ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ۝٧٣ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ۝٧٤ وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٧٥ إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝٧٦

{قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ}.

{وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}، على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك، {وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}، نزلت في المستهزئين الذين اقتسموا أعقاب مكة.

{وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }.

{قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ}، أي دنا وقرب، {لَكُم}، وقيل: تَبِعَكُم، والمعنى: ردفكم، أدخل اللام كما أدخل في قوله:

{ { لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } } [الأعراف: 154]، قال الفراء: اللام صلاة زائدة، كما تقول: نقدته مائة، ونقدت له {بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ}، من العذاب، فحلَّ بهم ذلك يوم بدر.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ}، قال مقاتل: على أهل مكة حيث لم يعجل عليهم العذاب، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ}، ذلك.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ}، ما تخفي، {صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ}.

{وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ}، أي: جملة غائبة من مكتوم سرٍ، وخفيًّ أمرٍ، وشيءٍ غائب، {فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ}، أي: في اللوح المحفوظ.

{إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ}، أي يبيّن لهم، {أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفونَ}، من أمر الدين، قال الكلبي: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزاباً يطعن بعضهم على بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه.

وَإِنَّهُۥ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۝٧٧ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِۦ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ۝٧٨ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ ۝٧٩ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ ۝٨٠ وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَٰلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ۝٨١

{وَإِنَّهُ}، يعني القرآن، {لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ}.

{إِن رَبَّكَ يَقْضِى }، يفصل، {بَيْنَهُم}، أي: بين المختلفين في الدين يوم القيامة، {بِحُكْمِهِ}، الحق، {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ}، المنيع فلا يرد له أمر، {ٱلْعَلِيمُ}، بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء.

{فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ}، البيّن.

{إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}، يعني الكفار، {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ}، قرأ ابن كثير: "لا يَسْمَع" بالياء وفتحها وفتح الميم "الصُّمُّ" رفع، وكذلك في سورة الروم، وقرأ الباقون بالتاء وضمها وكسر الميم، "الصُّمَّ" نصب. {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ}، معرضين.

فإن قيل ما معنى قوله: {وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ}، وإذا كانوا صماً لا يسمعون سواء ولّوا أو لم يولوا؟.

قيل: ذكره على سبيل التأكيد والمبالغة.

وقيل: الأصم إذا كان حاضراً فقد يسمع برفع الصوت ويفهم بالإِشارة، فإذا ولّى لم يسمع ولم يفهم. قال قتادة: الأصم إذا ولى مدبراً ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإِيمان.

ومعنى الآية أنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت الذي لا سبيل إلى إسماعه، والأصم الذي لا يسمع.

{وَمَآ أَنتَ بِهَادِى ٱلْعُمْىِ}، قرأ الأعمش، وحمزة: «تهدي» بالتاء وفتحها على الفعل «العمي» بنصب الياء هاهنا وفي الروم. وقرأ الآخرون بهادي بالباء على الاسم، «العمي» بكسر الياء، {عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ}، أي: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإِيمان، {إِن تُسْمِعُ}، ما تسمع، {إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا}، إلاّ من يصدق بالقرآن أنه من الله، {فَهُم مُّسْلِمُونَ}، مخلصون.

وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ۝٨٢

قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم}، وجب العذاب عليهم، وقال قتادة: إذا غضب الله عليهم، {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ}، واختلفوا في كلامها، فقال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإِسلام.

وقال بعضهم: كلامها أن تقول لواحدٍ هذا: مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر.

وقيل: كلامها ما قال الله تعالى: {أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِـئَايَـٰتِنَا لاَ يُوقِنون}.

قال مقاتل تكلمهم بالعربية، فتقول أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن والبعث.

قرأ أهل الكوفة «أن الناس» بفتح الألف، أي: بأن الناس، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، أي: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون قبل خروجها.

قال ابن عمر: وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر.

وقرأ سعيد بن جبير، وعاصم الجحدري، وأبو رجاء العطاردي: «تَكْلَمهم» بفتح التاء وتخفيف اللام من "الكَلْم" وهو الجرح.

وقال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية: «تُكَلِّمهُم أو تَكْلِمُهم»؟ قال: كل ذلك تفعل، تُكَلِّم المؤمن وتُكْلِمُ الكافر.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أحبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أحبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أحبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

بادرُوا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، وخاصة أحدكم، وأمر العامة ».

أخبرنا إسماعيل بن عبدالله، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا محمد بن بشر، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن أوّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحًى وآيّهما كانت قبل صاحبتها فالأُخرى على أثرها قريباً ».

وأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد ابن فنجويه، أخبرنا أبو بكر بن خرجة، أخبرنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، أخبرنا هشيم ابن حماد، أخبرنا عمرو بن محمد العبقري، عن طلحة بن عمرو، عن عبد الله بن عمير الليثي، عن أبي سريحة الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خروجاً بأقصى اليمن فيفشو ذكرها في البادية ولا يدخل ذكرها القرية، يعني مكة، ثم تمكث زماناً طويلاً، ثم تخرج خرجة أخرى قريباً من مكة فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية ـ يعني مكة ـ فبينما الناس يوماً في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله عزّ وجلّ ـ يعني المسجد الحرام ـ لم يرعهم إلاّ وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو كذا قال ابن عمر، وما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك فارفضّ الناس عنها وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولّت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلي؟ فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاوز الناس في ديارهم ويصطحبون في أسفارهم ويشتركون في الأموال، يُعرف الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن: يا مؤمن ويقال للكافر: يا كافر".

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد، أخبرنا أبو بكر بن مالك القطيعي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، أخبرنا أبي، حدثنا بهز، حدثنا حماد، هو ابن أبي سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم، حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر ».

وروي عن علي قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية، كأنه يشير إلى أنه رجل والأكثرون على أنها دابة.

وروى ابن جريج عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس الثور وعينها عين الخنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيِّل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلاّ نكتته في مسجده بعصا موسى نكتة بيضاء يضيء لها وجهه، ولا يبقى كافر إلاّ نكتت في وجهه بخاتم سليمان فيسود لها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق: بكم يا مؤمن؟ بكم يا كافر؟ ثم تقول له الدابة: يا فلان أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ} الآية.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني عقيل بن محمد الجرجاني الفقيه، أخبرنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، أخبرنا أبو كريب، أخبرنا الأشجعي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها.

وبه عن محمد بن جرير الطبري قال: حدثني عصام بن دواد بن الجراح، حدثنا سفيان بن سعيد، أخبرنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال:

ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة، قلت: يا رسول الله من أين تخرج؟ قال: «من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضرب الأرض تحتهم، وتنشق الصفا مما يلي المشعر، وتخرج الدابة من الصفا أول ما يبدو منها رأسها ملمعة ذات وبرٍ وريش، لن يدركها طالب ولن يفوتها هارب، تُسمي الناس مؤمناً وكافراً، أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري وتكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء، وتكتب بين عينيه كافراً» ».

وروي عن ابن عباس: أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه.

وعن عبد الله بن عمرو، قال: تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا، فتمر بالإِنسان يصلي فتقول: ما الصلاة من حاجتك، فتخطمه.

وعن ابن عمر قال: تخرج الدابة ليلة جَمْع، والناس يسيرون إلى مِنًى.

وعن سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"بئس الشعب شعب أجياد"، مرتين أو ثلاثاً، قيل: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: "تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها مَنْ بين الخافقين"

وقال وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير، فتخبر من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون.

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ۝٨٣ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـَٔايَٰتِى وَلَمْ تُحِيطُوا۟ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٨٤

قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً}, أي: من كل قرن جماعة، {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـئَايَـٰتِنَا}, وليس "من" هاهنا للتبعيض، لأن جميع المكذبين يحشرون، {فَهُمْ يُوزَعُونَ}, يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ثم يساقون إلى النار.

{حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوا}, يوم القيامة، {قَالَ}, الله لهم، {أَكَذَّبْتُم بِـئَايَـٰتِى وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً}، ولم تعرفوها حق معرفتها، {أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، حين لم تتفكروا فيها. ومعنى الآية: أكذبتم بآياتي غير عالمين بها، ولم تتفكروا في صحيتها بل كذبتم بها جاهلين؟.

وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا۟ فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ۝٨٥ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٨٦ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَٰخِرِينَ ۝٨٧

{وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ}، وجب العذاب، {عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ}، بما أشركوا، {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ}، قال قتادة: كيف ينطقون ولا حجة لهم، نظيره قوله تعالى:

{ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } [المرسلات: 35-36]، وقيل: لا ينطقون لأن أفواههم مختومة.

قوله عزّ وجلّ: {ألَمْ يَرَواْ أنَّا جَعَلْنَا}، خلقنا، {ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً}، مضيئاً يبصر فيه، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، يصدقون فيعتبرون.

قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ}، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل، وقال الحسن: الصور هي القرن، وأوّل بعضهم كلامه أن الأرواح تجمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد فتحيا بالأجساد. قوله: {فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ}، أي: فصعق، كما قال في آية أخرى:

{ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ } [الزمر: 68]، أي: ماتوا، والمعنى أنه يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا.

وقيل: ينفخ إسرافيل في الصور. ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين.

قوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}، اختلفوا في هذا الاستثناء. روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن قوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}، قال:هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش.

وروى سعيد بن جبير، وعطاء عن ابن عباس: هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم. وفي بعض الآثار: "الشهداء ثنية الله عزّ وجلّ"، أي: الذين استثناهم الله تعالى

وقال الكلبي، ومقاتل: يعني جبريل، ومكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، فلا يبقى بعد النفخة إلاّ هؤلاء الأربعة ثم يقبض الله روح ميكائيل، ثم روح إسرافيل، ثم روح ملك الموت، ثم روح جبريل فيكون آخرهم موتاً جبريل عليه السلام

ويُروى أن الله تعالى يقول لملك الموت: خذ نفس إسرافيل، ثم يقول: من بقي يا ملك الموت؟ فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإِكرام، بقي جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول: خذ نفس ميكائيل، فيأخذ نفسه، فيقع كالطود العظيم، فيقول من بقي؟ فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت، بقي جبريل وملك الموت، فيقول: مت يا ملك الموت، فيموت، فيقول: يا جبريل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإِكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني، قال فيقول: يا جبريل لا بد من موتك، فيقع ساجداً يخفق بجناحيه فيروى أنه فضل خلقه على فضل ميكائيل كالطود العظيم على الظرب من الظراب.

ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش، فيقبض روح جبريل وميكائيل، ثم أرواح حملة العرش، ثم روح إسرافيل، ثم روح ملك الموت.

أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن علي الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أحبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل ابن جعفر، أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله، ثم ينفخ فيه أُخرى فأكون أول من يرفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان ممن استثنى الله عزّ وجلّ أم رفع رأسه قبلي؟ ومن قال أنا خير من يونس بن مَتّى فقد كذب ».

قال الضحاك: هم رضوان، والحور، ومالك، والزبانية. وقيل: عقارب النار وحياتها.

قوله عزّ وجلّ: {وَكُلٌّ}، أي: كل الذين أحيوا بعد الموت، {أَتَوْهُ}، قرأ الأعمش، وحمزة، وحفص: «أَتوه» مقصوراً بفتح التاء على الفعل أي جاءوه، وقرأ الآخرون بالمد وضم التاء كقوله تعالى:

{ { وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً } } [مريم: 95]، {دَٰخِرِينَ}، صاغرين.

وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ ۝٨٨ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ ۝٨٩

قوله عزّ وجلّ: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً}، قائمة واقفة، {وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ}، أي: تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض. فتستوي بها وذلك أن كل شيء عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمتها كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر، {صُنْعَ ٱللَّهِ}، نصب على المصدر، {ٱلَّذِىۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ}، أي: أحكم، {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}، قرأ ابن كثير، وأهل البصرة: بالياء، والباقون بالتاء.

{مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ}، بكلمة الإِخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ولا يستثني: أن الحسنة لا إله إلا الله. وقال قتادة: بالإِخلاص. وقيل: هي كل طاعة، {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}، قال ابن عباس: فمنها يصل الخير إليه، يعني: له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإِيمان فلا، لأنه ليس شيء خيراً من قوله لا إله إلا الله. وقيل: فله خير منها يعني: رضوان الله، قال تعالى:

{ { وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } } [التوبة: 72]، وقال محمد بن كعب، وعبد الرحمن بن زيد: "فله خير منها" يعني: الأضعاف، أعطاه الله تعالى بالواحدة عشراً فصاعداً، وهذا حسن لأن للأضعاف خصائص، منها: أن العبد يسأل عن عمله ولا يسأل عن الأضعاف، ومنها: أن للشيطان سبيلاً إلى عمله وليس له سبيل إلى الأضعاف، ولا مطمع للخصوم في الأضعاف، ولأن الحسنة على استحقاق العبد والتضعيف كما يليق بكرم الرب تبارك وتعالى.

{وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ}، قرأ أهل الكوفة: «من فزعٍ» بالتنوين "يومَئذٍ" بفتح الميم، وقرأ الآخرون بالإِضافة لأنه أعم فإنه يقتضي الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وبالتنوين كأنه فزع دون فزع، ويفتح أهل المدينة الميم من يومئذٍ.

وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٩٠ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝٩١ وَأَنْ أَتْلُوَا۟ ٱلْقُرْءَانَ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ۝٩٢ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝٩٣

{وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ}، يعني الشرك، {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ}، يعني ألقوا على وجوههم، يقال: كَبَبْتُّ الرجلَ: إذا ألقيتُه على وجهه، فانكبَّ وأكبَّ، وتقول لهم خزنة جهنم: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، في الدنيا من الشرك.

قوله تعالى: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ}، يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم قل إنما أُمرت، {أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ} يعني مكة، {ٱلَّذِى حَرَّمَهَا}، جعلها الله حرماً آمناً, لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها، {وَلَهُ كُلُّ شَىءٍ}، خلقاً وملكاً، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}، لله.

{وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْءَانَ}، يعني وأُمرت أن أتلو القرآن، {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ}، أي: نفع اهتدائه يرجع إليه، {وَمَن ضَلَّ}، عن الإِيمان وأخطأ طريق الهدى، {فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ}، من المخوفين فليس عليّ إلاّ البلاغ، نسختها آية القتال.

{وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ}، على نعمه، {سَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ}، يعني: يوم بدر، من القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، نظيره قوله عزّ وجلّ:

{ { سَأُوْرِيكُمْ ءَايَـٰتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } } [الأنبياء: 37]، وقال مجاهد: سيريكم آياته في السماء والأرض وفي أنفسكم، كما قال: { { سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ وَفِىۤ أَنفُسِهِمْ } } [فصلت: 53]، {فَتَعْرِفُونَهَا}، يعني: تعرفون الآيات والدلالات، {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، وعدهم بالجزاء على أعمالهم.
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ