انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير الطبريالآيات 1–16

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة طه

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:01:48

  1. 1 الآيات 1–54في هذه الصفحة 19:10
  2. 2 الآيات 55–82 14:40
  3. 3 الآيات 83–110 13:35
  4. 4 الآيات 111–135 14:23

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

طه ۝١ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ۝٢ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ۝٣

قال أبو جعفر مـحمد بن جرير: اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {طَهَ} فقال بعضهم: معناه يا رجل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تـميـلة، عن الـحسن بن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: طه: بـالنَّبَطية: يا رجل.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {طه ما أنْزَلْنا عَلَـيْكَ القُرآنَ لِتَشْقَـى} فإن قومه قالوا: لقد شَقِـي هذا الرجل بربه، فأنزل الله تعالـى ذكره {طَهَ} يعنـي: يا رجل {ما أنْزَلْنا عَلَـيْكَ القُرآنَ لِتَشْقَـى}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن مسلـم، أو يعلـى بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير أنه قال: طه: يا رجل بـالسريانـية.

قال ابن جريج: وأخبرنـي زمعة بن صالـح، عن سلـمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، بذلك أيضا. قال ابن جُرَيج، وقال مـجاهد، ذلك أيضاً.

حدثنا عمران بن موسى القزّاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا عُمارة، عن عكرمة، فـي قوله: {طَهَ} قال: يا رجل، كلـمه بـالنبطية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الله، عن عكرمة، فـي قوله {طَهَ} قال: بـالنبطية: يا إنسان.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن قرة بن خالد، عن الضحاك، فـي قوله {طَه} قال: يا رجل بـالنبطية.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حُصَين، عن عكرمة فـي قوله {طَهَ} قال: يا رجل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {طَهَ} قال: يا رجل، وهي بـالسريانـية.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والـحسن فـي قوله: {طَهَ} قالا: يا رجل.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد، يعنـي ابن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {طَهَ} قال: يا رجل.

وقال آخرون: هو اسم من أسماء الله، وقَسَم أقسم الله به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {طَهَ} قال: فإنه قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله.

وقال آخرون: هو حروف هجاء.

وقال آخرون: هو حروف مقطَّعة يدلّ كلّ حرف منها علـى معنى، واختلفوا فـي ذلك اختلافهم فـي الـم، وقد ذكرنا ذلك فـي مواضعه، وبـيَّنا ذلك بشواهده.

والذي هو أولـى بـالصواب عندي من الأقوال فـيه: قول من قال: معناه: يا رجل، لأنها كلـمة معروفة فـي عكَ فـيـما بلغنـي، وأن معناها فـيهم: يا رجل، أنشدت لـمتـمـم بن نُويرة:

هَتَفْتُ بطَهَ فِي القِتالِ فَلَمْ يُجبْفخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكونَ مُوَائِلا

وقال آخر:

إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْلابارَكَ اللّهُ فِـي القَوْمِ الـمَلاعِينِ

فإذا كان ذلك معروفـاً فـيهم علـى ما ذكرنا، فـالواجب أن يوجه تأويـله إلـى الـمعروف فـيهم من معناه، ولا سيـما إذا وافق ذلك تأويـل أهل العلـم من الصحابة والتابعين.

فتأويـل الكلام إذاً: يا رجل ما أنزلنا علـيك القرآن لتشقـى، ما أنزلناه علـيك فنكلفك ما لا طاقة لك به من العمل. وذُكر أنه قـيـل له ذلك بسبب ما كان يـلقـى من النَّصَب والعناء والسهر فـي قـيام اللـيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {ما أنْزَلْنا عَلَـيْكَ القُرآنَ لِتَشْقَـى} قال: هي مثل قوله:

{ فـاقْرَءُوا ما تَـيَسَّرَ مِنْهُ }فكانوا يعلقون الـحبـال فـي صدورهم فـي الصلاة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {ما أنْزَلْنا عَلَـيْكَ القُرآنَ لِتَشْقَـى} قال: فـي الصلاة كقوله: {فـاقْرَءُوا ما تَـيَسَّرَ مِنْهُ} فكانوا يعلقون الـحبـال بصدورهم فـي الصلاة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما أنْزَلْنا عَلَـيْكَ القُرآنَ لِتَشْقَـى} لا والله ما جعله الله شقـياً، ولكن جعله رحمة ونوراً، ودلـيلاً إلـى الـجنة.

وقوله: {إلاَّ تَذْكِرَةً لِـمَنْ يَخْشَى} يقول تعالـى ذكره: ما أنزلنا علـيك هذا القرآن إلاَّ تذكرة لـمن يخشى عقاب الله، فـيتقـيه بأداء فرائض ربه واجتناب مـحارمه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلاَّ تَذْكِرَةً لِـمَنْ يَخْشَى} وإن الله أنزل كتبه، وبعث رسله رحمة رحم الله بها العبـاد، لـيتذكر ذاكر، وينتفع رجل بـما سمع من كتاب الله، وهو ذكر له أنزل الله فـيه حلاله وحرامه، فقال:

{ تَنْزِيلاً مِـمَّنْ خَـلَقَ الأرْضَ والسَّمَوَاتِ العُلَـى }

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إلاَّ تَذْكِرَةً لِـمَنْ يَخْشَى} قال: الذي أنزلناه علـيك تذكرة لـمن يخشى.

فمعنى الكلام إذاً: يا رجل ما أنزلنا علـيك هذا القرآن لتشقـى به، ما أنزلناه إلاَّ تذكرة لـمن يخشى.

وقد اختلف أهل العربـية فـي وجه نصب تذكرة، فكان بعض نـحويـي البصرة يقول: قال: إلاَّ تذكرة بدلاً من قوله لتشقـى، فجعله: ما أنزلنا علـيك القرآن إلاَّ تذكرة. وكان بعض نـحويـي الكوفة يقول: نصبت علـى قوله: ما أنزلناه إلاَّ تذكرة. وكان بعضهم ينكر قول القائل: نصبت بدلاً من قوله {لِتَشْقَـى}، ويقول: ذلك غير جائز، لأن {لِتَشْقَـى} فـي الـجحد، و {إلاَّ تَذْكِرَةً} فـي التـحقـيق، ولكنه تكرير. وكان بعضهم يقول: معنى الكلام: ما أنزلنا علـيك القرآن إلاَّ تذكرة لـمن يخشى، لا لتشقـى.

تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ۝٤ ٱلرَّحْمَٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ۝٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: هذا القرآن تنزيـل من الربّ الذي خـلق الأرض والسموات العلـى. والعُلَـى: جمع علـيا.

واختلف أهل العربـية فـي وجه نصب قوله: {تَنْزِيلاً} فقال بعض نـحويـي البصرة: نصب ذلك بـمعنى: نزّل الله ذلك تنزيلاً. وقال بعض من أنكر ذلك من قـيـله هذا من كلامين، ولكن الـمعنى: هو تنزيـل، ثم أسقط هو، واتصل بـالكلام الذي قبله، فخرج منه، ولـم يكن من لفظه.

قال أبو جعفر: والقولان جميعاً عندي غير خطأ.

وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلـى العَرْشِ اسْتَوَى} يقول تعالـى ذكره: الرحمن علـى عرشه ارتفع وعلا.

وقد بـيَّنا معنى الاستواء بشواهده فـيـما مضى وذكرنا اختلاف الـمختلفـين فـيه فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع. وللرفع فـي الرحمن وجهان: أحدهما بـمعنى قوله: تنزيلاً، فـيكون معنى الكلام: نزله من خـلق الأرض والسموات، نزله الرحمن الذي علـى العرش استوى. والآخر بقوله: {عَلـى العَرْشِ اسْتَوَى} لأن فـي قوله استوى، ذكراً من الرحمن.

لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ۝٦

يقول تعالـى ذكره: لله ما فـي السموات وما فـي الأرض وما بـينهما، وما تـحت الثرى، ملكاً له، وهو مدبر ذلك كله، ومصرّف جميعه. ويعنـي بـالثرى: الندى. يقال للتراب الرطب الـمبتلّ: ثرى منقوص، يقال منه: ثريت الأرض تثرى، ثرى منقوص، والثرى: مصدر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما تَـحْتَ الثَّرَى} والثَّرَى: كلّ شيء مبتلّ.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَما تَـحْتَ الثَّرَى} ما حفر من التراب مبتلاً.

وإنـما عنى بذلك: وما تـحت الأرضين السبع. كالذي:

حدثنـي مـحمد بن إبراهيـم السلـيـمي الـمعروف بـابن صدران، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا مـحمد بن رفـاعة، عن مـحمد بن كعب {وَما تَـحْتَ الثَّرَى} قال: الثرى: سبع أرضين.

وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ۝٧ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: وإن تـجهر يا مـحمد بـالقول، أو تـخف به، فسواء عند ربك الذي له ما فـي السموات وما فـي الأرض {فإنَّهُ يَعْلَـمُ السِّرَّ} يقول: فإنه لا يخفـى علـيه ما استسررته فـي نفسك، فلـم تبده بجوارحك ولـم تتكلـم بلسانك، ولـم تنطق به وأخفـى.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله {وأخْفَـى} فقال بعضهم: معناه: وأخفـى من السرّ، قال: والذي هو أخفـى من السرّ ما حدّث به الـمرء نفسه ولـم يعمله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} قال: السرّ: ما عملته أنت وأخفـى: ما قذف الله فـي قلبك مـما لـم تعمله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} يعنـي بأخفـى: ما لـم يعمله، وهو عامله وأما السرّ: فـيعنـي ما أسرّ فـي نفسه.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {يَعْلَـمُ السِّر وأخْفَـى} قال: السرّ: ما أسرّ ابن آدم فـي نفسه. وأخفـى: قال: ما أخفـى ابن آدم مـما هو فـاعله قبل أن يعمله، فـالله يعلـم ذلك، فعلـمه فـيـما مضى من ذلك، وما بقـي علـم واحد، وجميع الـخلائق عنده فـي ذلك كنفس واحدة، وهو قوله:

{ ما خَـلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ }

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس: السرّ: ما أسرّ الإنسان فـي نفسه وأخفـى: ما لا يعلـم الإنسان مـما هو كائن.

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة ومـحمد بن عمرو، قالا: ثنا أبو عاصم، عن عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} قال: أخفـى: الوسوسة. زاد ابن عمرو والـحارث فـي حديثـيهما: والسرّ: العمل الذي يسرّون من الناس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {وأخْفَـى} قال: الوسوسة.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، فـي قوله {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} قال: أخفـى حديث نفسك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا الـحسين بن الـحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} قال: السرّ: ما يكون فـي نفسك الـيوم. وأخفـى: ما يكون فـي غد وبعد غد، لا يعلـمه إلاَّ الله.

وقال آخرون: بل معناه: وأخفـى من السرّ ما لـم تـحدِّث به نفسك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الفضل بن الصبـاح، قال: ثنا ابن فضيـل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبـير، فـي قوله: {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} قال: السرّ: ما أسررت فـي نفسك وأخفـى من ذلك: ما لـم تـحدّث به نفسك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَإنْ تَـجْهَرْ بـالقَوْلِ فإنَّهُ يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} كنا نـحدث أن السرّ ما حدّثت به نفسك، وأن أخفـى من السرّ: ما هو كائن مـما لـم تـحدِّث به نفسك.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا سلـيـمان بن حرب، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا أبو قتادة، قوله فـي {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} قال: يعلـم ما أسررت فـي نفسك، وأخفـى: ما لـم يكن وهو كائن.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} قال: أخفـى من السرّ: ما حدّثت به نفسك، وما لـم تحدث به نفسك أيضاً مـما هو كائن.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} أما السرّ: فما أسررت فـي نفسك. وأما أخفـى من السرّ: فما لـم تعمله وأنت عامله، يعلـم الله ذلك كله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه يعلـم سرّ العبـاد، وأخفـى سرّ نفسه، فلـم يطلع علـيه أحداً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {يَعْلَـمُ السِّرَّ وأخْفَـى} قال: يعلـم أسرار العبـاد، وأخفـى سرّه فلا يعلـم.

قال أبو جعفر: وكأن الذين وجَّهوا ذلك إلـى أن السرّ هو ما حدّث به الإنسان غيره سرّاً، وأن أخفـى: معناه: ما حدّث به نفسه، وجهوا تأويـل أخفـى إلـى الـخفـيّ. وقال بعضهم: قد توضع أفعل موضع الفـاعل، واستشهدوا لقـيـلهم ذلك بقول الشاعر:

تَـمَنَّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وَإنْ أمُتْفتلكَ طَرِيقٌ لَسْتُ فِـيها بأوْحَدِ

والصواب من القول فـي ذلك، قول من قال: معناه: يعلـم السرّ وأخفـى من السرّ، لأن ذلك هو الظاهر من الكلام ولو كان معنى ذلك ما تأوّله ابن زيد، لكان الكلام: وأخفـى الله سرّه، لأن أخفـى: فعل واقع متعدّ، إذ كان بـمعنى فعل علـى ما تأوّله ابن زيد، وفـي انفراد أخفـى من مفعوله، والذي يعمل فـيه لو كان بـمعنى فعل الدلـيـل الواضح علـى أنه بـمعنى أفعل، وأن تأويـل الكلام: فإنه يعلـم السرّ وأخفـى منه. فإذ كان ذلك تأويـله، فـالصواب من القول فـي معنى أخفـى من السرّ أن يقال: هو ما علـم الله مـما أخفـى عن العبـاد، ولـم يعلـموه مـما هو كائن ولـما يكن، لأن ما ظهر وكان فغير سرّ، وأن ما لـم يكن وهو غير كائن فلا شيء، وأن ما لـم يكن وهو كائن فهو أخفـى من السرّ، لأن ذلك لا يعلـمه إلاَّ الله، ثم من أعلـمه ذلك من عبـاده. وأما قوله تعالـى ذكره: {اللّهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ} فإنه يعنـي به: الـمعبود الذي لا تصلـح العبـادة إلاَّ له. يقول: فإياه فـاعبدوا أيها الناس دون ما سواه من الآلهة والأوثان {لَهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى} يقول جلّ ثناؤه: لـمعبودكم أيها الناس الأسماء الـحسنى، فقال: الـحسنى، فوحَّد، وهو نعت للأسماء، ولـم يقل الأحاسن، لأن الأسماء تقع علـيها هذه، فـيقال: هذه أسماء، وهذه فـي لفظة واحدة ومنه قول الأعشى:

وَسَوْفَ يُعْقِبُنِـيهِ إنْ ظَفِرْتُ بِهِرَبٌّ غَفُورٌ وَبِيضٌ ذاتُ أطْهارِ

فوحد ذات، وهو نعت للبـيض لأنه يقع علـيه هذه، كما قال: حَدائقَ ذاتَ بهجةٍ ومنه قوله جلّ ثناؤه: { مآرِبُ أُخْرَى } فوحد أخرى، وهي نعت لـمآرب، والـمآرب: جمع، واحدتها: مأربة، ولـم يقل أُخر، لـما وصفنا، ولو قـيـل: أُخَر، لكان صوابـاً.

وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ۝٩ إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ۝١٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم مسلـيه عما يـلقـى من الشدّة من مشركي قومه، ومعرفه ما إلـيه صائر أمره وأمرهم، وأنه معلـيه علـيهم، وموهن كيد الكافرين، ويحثه علـى الـجدّ فـي أمره، والصبر علـى عبـادته، وأن يتذكر فـيـما ينوبه فـيه من أعدائه من مُشركي قومه وغيرهم، وفـيـما يزاول من الاجتهاد فـي طاعته ما ناب أخاه موسى صلوات الله علـيه من عدوّه، ثم من قومه، ومن بنـي إسرائيـل وما لقـي فـيه من البلاء والشدّة طفلاً صغيراً، ثم يافعاً مترعرعاً، ثم رجلاً كاملاً: {وَهَل أتاكَ} يا مـحمد {حَدِيثُ مُوسَى} ابن عمران {إذْ رأى ناراً}؟ ذكر أن ذلك كان فـي الشتاء لـيلاً، وأن موسى كان أضلّ الطريق فلـما رأى ضوء النار {قالَ لأَهْلِهِ} ما قال. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، قال: لـما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضلّ الطريق. قال عبد الله بن عبـاس: كان فـي الشتاء، ورُفعت لهم نار فلـما رآها ظنّ أنها نار، وكانت من نور الله {قالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنّـي آنَسْتُ ناراً}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه الـيـمانـي، قال: لـما قضى موسى الأجل، خرج ومعه غنـم له، ومعه زند له، وعصاه فـي يده يهشّ بها علـى غنـمه نهارا، فإذا أمسى اقتدح بزنده ناراً، فبـات علـيها هو وأهله وغنـمه، فإذا أصبح غدا بأهله وبغنـمه، فتوكأ علـى عصاه، فلـما كانت اللـيـلة التـي أراد الله بـموسى كرامته، وابتداءه فـيها بنبوّته وكلامه، أخطأ فـيه الطريق حتـى لا يدري أين يتوجه، فأخرج زنده لـيقتدح ناراً لأهله لـيبـيتوا علـيها حتـى يصبح، ويعلـم وجه سبـيـله، فأصلد زنده فلا يورى له ناراً، فقدح حتـى أعياه، لاحت النار فرآها، ف {قَالَ لأهلهِ امْكُثُوا إنّـي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّـي آتِـيكُمْ مِنْها بقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلـى النَّارِ هُدًى}. وعنى بقوله: {آنَسْتُ ناراً} وجدت، ومن أمثال العرب: بعد اطلاع إيناس، ويقال أيضا: بعد طلوع إيناس، وهو مأخوذ من الأنس.

وقوله: {لَعَلِّـي آتِـيكُمْ مِنْها بقَبسٍ} يقول: لعلـي أجيئكم من النار التـي آنست بشُعْلة. والقَبَس: هو النار فـي طَرَف العود أو القصبة. يقول القائل لصاحبه: أقبسنـي نارا، فـيعطيه إياها فـي طرف عود أو قصبة. وإنـما أراد موسى بقوله لأهله: {لَعَلِّـي آتِـيكُمْ مِنْها بقَبَسٍ} لعلـي آتـيكم بذلك لتصطلوا به، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه {لَعَلِّـي آتِـيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ} قال: بقبس تَصْطَلون.

وقوله: {أوْ أجِدُ عَلـى النَّارِ هُدًى} دلالة تدلّ علـى الطريق الذي أضللناه، إما من خبر هاد يهدينا إلـيه، وإما من بـيان وعلـم نتبـينه به ونعرفه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أوْ أجِدُ عَلـى النَّارِ هُدًى} يقول: من يدلّ علـى الطريق.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {أوْ أجِدُ عَلـى النَّارِ هُدًى} قال: هادياً يهديه الطريق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {أوْ أجِدُ عَلـى النَّارِ هُدًى}: أي هداة يهدونه الطريق.

حدثنـي أحمد بن الـمقدام، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت أبـي يحدّث، عن قتادة، عن صاحب له، عن حديث ابن عبـاس، أنه زعم أنها أَيـلة {أوْ أجِدُ عَلـى النَّارِ هُدًى}. وقال أبـيّ: وزعم قتادة أنه هدى الطريق.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {أوْ أجِدُ عَلـى النَّارِ هُدًى} قال: من يهدينـي إلـى الطريق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه {أوْ أجِدُ عَلـى النَّارِ هُدًى} قال: هدى عن علـم الطريق الذي أضللنا بنعت من خبر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا سفـيان، عن أبـي سعيد، عن عكرمة، قال: قال ابن عبـاس {لَعَلِّـي آتِـيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلـى النَّارِ هُدًى} قال: كانوا أضلوا عن الطريق، فقال: لعلـي أجد من يدلنـي علـى الطريق، أو آتـيكم بقبس لعلكم تصطلون.

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَٰمُوسَىٰٓ ۝١١ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: فلـما أتـى النار موسى، ناداه ربه: {يا مِوسَى إنّـي رَبُّك فـاخْـلَعْ نَعْلَـيْكَ} كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه، قال: خرج موسى نـحوها، يعنـي نـحو النار، فإذا هي فـي شجر من العلـيق، وبعض أهل الكتاب يقول فـي عوسجة فلـما دنا استأخرت عنه فلـما رأى استئخارها رجع عنها، وأوجس فـي نفسه منها خيفة فلـما أراد الرجعة، دنت منه ثم كلـم من الشجرة، فلـما سمع الصوت استأنس، وقال الله تبـارك وتعالـى: {يا مُوسَى اخْـلَعْ نَعْلَـيْكَ إنَّكَ بـالوَادِى الـمُقَدَّسِ طُوًى} فخلعها فألقاها.

واختلف أهل العلـم فـي السبب الذي من أجله أمر الله موسى بخـلع نعلـيه، فقال بعضهم: أمره بذلك، لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، فكره أن يطأ بهما الوادي الـمقدّس، وأراد أن يـمسه من بركة الوادي. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عاصم، عن أبـي قلابة، عن كعب، أنه رآهم يخـلعون نعالهم في الصلاة فقال أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فقرىء عليه {اخْـلَعْ نَعْلَـيْكَ إنَّكَ بـالوَادِى الـمُقَدَّسِ طُوى} فقال: كانت من جلد حمار ميت، فأراد الله أن يـمسه القدس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة، فـي قوله {فـاخْـلَعْ نَعْلَـيْكَ} قال: كانتا من جلد حمار ميت.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعد، عن قَتادة، قال: حدثنا، أن نعلـيه كانتا من جلد حمار، فخـلعهما ثم أتاه.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {فـاخْـلَعْ نَعْلَـيْكَ} قال: كانتا من جلد حمار، فقـيـل له اخـلعهما.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج. قال: وأخبرنـي عمر بن عطاء عن عكرمة وأبو سفـيان، عن معمر، عن جابر الـجعفـي، عن علـيّ بن أبـي طالب {فـاخْـلَعْ نَعْلَـيْكَ} قال: كانتا من جلد حمار، فقـيـل له اخـلعهما. قال: وقال قَتادة مثل ذلك.

وقال آخرون: كانتا من جلد بقر، ولكن الله أراد أن يطأ موسى الأرض بقدميه، لـيصل إلـيه بركتها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال الـحسن: كانتا، يعنـي نعلـي موسى، من بقر، ولكن إنـما أراد الله أن يبـاشر بقدميه بركة الأرض، وكان قد قدس مرّتـين. قال ابن جُرَيْج: وقـيـل لـمـجاهد: زعموا أن نعلـيه كانتا من جلد حمار أو ميتة، قال: لا، ولكنه أمر أن يبـاشر بقدميه بركة الأرض.

حدثنـي يعقوب، قال: قال أبو بشر، يعنـي ابن علـية، سمعت ابن أبـي نـجيح، يقول فـي قوله: {فـاخْـلَعْ نَعْلَـيْكَ إنَّكَ بـالْوَادِى الـمُقَدَّسِ طُوًى} قال: يقول: أفض بقدميك إلـى بركة الوادي.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: أمره الله تعالـى ذكره بخـلع نعلـيه لـيبـاشر بقدميه بركة الوادي، إذ كان وادياً مقدساً.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويـلـين بـالصواب، لأنه لا دلالة فـي ظاهر التنزيـل علـى أنه أمر بخـلعهما من أجل أنهما من جلد حمار ولا لنـجاستهما، ولا خبر بذلك عمن يـلزم بقوله الـحجة، وإن فـي قوله {إنَّكَ بـالوَادِ الـمُقَدَّسِ} بعقبه دلـيلاً واضحاً، علـى أنه إنـما أمره بخـلعهما لـما ذكرنا. ولو كان الـخبر الذي:

حدثنا به بشر قال: ثنا خـلف بن خـلـيفة عن حميد بن عبد الله بن الـحارث، عن ابن مسعود، عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، قال:

يَوْمَ كَلَّـمَ اللّهُ مُوسَى، كانَتْ عَلَـيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وكساءُ صُوفٍ، وسَرَاوِيـلُ صُوفٍ، وَنَعْلانِ مِنْ جِلْدِ حِمارٍ غيرِ مُذَكَىصحيحاً لـم نعده إلـى غيره، ولكن فـي إسناده نظر يجب التثبت فـيه.

واختلفت القراءة فـي قراءة قوله: {إنّـي أنا رَبُّكَ} فقرأ ذلك بعض قرّاء الـمدينة والبصرة: «نُودِيَ يا مُوسَى أنّـي» بفتـح الألف من «أنـي»، فأنّ علـى قراءتهم فـي موضع رفع بقوله: نودي، فإن معناه كان عندهم: نودي هذا القول. وقرأه بعض عامة قرّاء الـمدينة والكوفة بـالكسر: {نُودِيَ يا موسى إنـي} علـى الابتداء، وأن معنى ذلك قـيـل: يا موسى إنـي.

قال أبو جعفر: والكسر أولـى القراءتـين عندنا بـالصواب، وذلك أن النداء قد حال بـينه وبـين العمل فـي أن قوله «يا موسى»، وحظ قوله «نودي» أن يعمل فـي أن لو كانت قبل قوله «يا موسى»، وذلك أن يقال: نودي أن يا موسى إنـي أنا ربك، ولا حظّ لها فـي «إن» التـي بعد موسى.

وأما قوله: {إنَّكَ بـالوَادِى الـمُقَدَّسِ} فإنه يقول: إنك بـالوادي الـمطهر الـمبـارك، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّكَ بـالوَادِى الـمُقَدَّسِ} يقول: الـمبـارك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد، قوله {إنَّكَ بـالوَادِى الـمُقَدَّسِ طُوًى} قال: قُدِّس بُورك مرّتـين.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قوله: {إنَّكَ بـالوَادِى الـمُقَدَّسِ طُوًى} قال: بـالواديى الـمبـارك.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله {طُوًى} فقال بعضهم: معناه: إنك بـالوادي الـمقدس طويته، فعلـى هذا القول من قولهم طوى مصدر خرج من غير لفظه، كأنه قال: طويت الوادي الـمقدس طوى. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: قوله: {إنَّكَ بـالوَادِى الـمُقَدَّسِ طُوًى} يعنـي الأرض الـمقدسة، وذلك أنه مرّ بواديها لـيلاً فطواه، يقال: طويت وادي كذا وكذا طوى من اللـيـل، وارتفع إلـى أعلـى الوادي، وذلك نبـيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: مرّتـين، وقال: ناداه ربه مرّتـين فعلـى قول هؤلاء طوى مصدر أيضاً من غير لفظه، وذلك أن معناه عندهم: نودي يا موسى مرّتـين نداءين. وكان بعضهم ينشد شاهداً لقوله طوى، أنه بـمعنى مرّتـين، قول عديّ بن زيد العبـادي:

أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ فِـي غَيْرِ كُنْهِهِعَلـيَّ طُوىً مِنْ غَيِّكِ الـمُتَرَدّدِ

وروى ذلك آخرون: «علـيّ ثِنىً»: أي مرّة بعد أخرى، وقالوا: طُوىً ونِثىً بـمعنى واحد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فـاخْـلَعْ نَعْلَـيْكَ إنَّكَ بـالوَادِ الـمُقَدَّسِ طُوًى} كنا نـحدّث أنه واد قدّس مرّتـين، وأن اسمه طُوَى.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه قدّس طوى مرّتـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قال الـحسن: كان قد قدّس مرّتـين.

وقال آخرون: بل طُوى: اسم الوادي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {طُوَى}: اسم للوادي.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: طُوى: قال: اسم الوادي.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {بـالوَادِ الـمُقَدَّسِ طُوًى} قال: ذاك الوادي هو طوى، حيث كان موسى، وحيث كان إلـيه من الله ما كان. قال: وهو نـحو الطور.

وقال آخرون: بل هو أمر من الله لـموسى أن يطأ الوادي بقدميه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا صالـح بن إسحاق، عن جعفر بن برقان، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس، فـي قول الله تبـارك وتعالـى: {اخْـلَعْ نَعْلَـيْكَ إنَّكَ بـالوَادِ الـمُقَدَّسِ طُوًى} قال: طأ الوادي.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا الـحسن، عن يزيد، عن عكرمة، فـي قوله: {طُوًى} قال: طأ الوادي.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن سعيد بن جبـير، فـي قول الله {طُوًى} قال: طأ الأرض حافـياً، كما تدخـل الكعبة حافـياً، يقول: من بركة الوادي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {طُوًى} طأ الأرض حافـياً.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء الـمدينة: «طُوَى» بضم الطاء وترك التنوين، كأنهم جعلوه اسم الأرض التـي بها الوادي، كما قال الشاعر:

نَصَرُوا نَبِـيَّهُمُ وَشَدُّوا أزْرَهُبِحُنَـيْنَ حِينَ تَوَاكُلِ الأبْطالِ

فلـم يجرّ حنـين، لأنه جعله اسماً للبلدة لا للوادي ولو كان جعله اسماً للوادي لأجراه كما قرأت القرّاء: { وَيَوْمَ حُنَـيْنٍ، إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ }، وكما قال الآخر:

ألَسْنا أكْرَمَ الثَّقَلَـيْنِ رَحْلاًوأعْظَمَهُمْ بِبَطْنِ حرَاءَ نارَاً

فلـم يجرّ حراء، وهو جبل، لأنه جعله اسماً للبلدة، فكدلك «طُوَى» فـي قراءة من لـم يجره جعله اسماً للأرض. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الكوفة: {طُوًى} بضم الطاء والتنوين وقارئو ذلك كذلك مختلفون فـي معناه علـى ما قد ذكرت من اختلاف أهل التأويـل فأما من أراد به الـمصدر من طويت، فلا مؤنة فـي تنوينه وأما من أراد أن يجعله اسما للوادي، فإنه إنـما ينوّنه لأنه اسم ذكر لا مؤنث، وأن لام الفعل منه ياء، فزاده ذلك خفة فأجراه كما قال الله: { وَيَوْمَ حُنَـيْنٍ } إذ كان حنـين اسم واد، والوادي مذكر.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين عندي بـالصواب قراءة من قرأه بضم الطاء والتنوين، لأنه إن يكن اسماً للوادي فحظه التنوين لـما ذكر قبل من العلة لـمن قال ذلك، وإن كان مصدراً أو مفسراً، فكذلك أيضاً حكمه التنوين، وهو عندي اسم الوادي. وإذ كان ذلك كذلك، فهو فـي موضع خفض ردّاً علـى الوادي.

وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ۝١٣ إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ۝١٤

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة القرّاء الذين قرأوا: «وأنَّا» بتشديد النون، و {أنا} بفتـح الألف من «أنا» ردّاً علـى: نودي يا موسى، كأنه معنى الكلام عندهم: نودي يا موسى إنـي أنا ربك، وأنا اخترناك، وبهذه القراءة قرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة. وأما عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة فقرأوه: {وأنا اخْتَرْتُكَ} بتـخفـيف النون علـى وجه الـخبر من الله عن نفسه أنه اختاره.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما قرّاء أهل العلـم بـالقرآن، مع اتفـاق معنـيـيهما. فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب فـيه. وتأويـل الكلام: نودي أنَّا اخترناك. فـاجتبـيناك لرسالتنا إلـى من نرسلك إلـيه {فـاسْتَـمِعْ إلـى ما يُوحَى} يقول: فـاستـمع لوحينا الذي نوحيه إلـيك وعه، واعمل به {إنَّنِـي أنا اللّهُ} يقول تعالـى ذكره: إننـي أنا الـمعبود الذي لا تصلـح العبـادة إلاَّ له، لا إلَهَ إلاَّ أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تـجوز أو تصلـح له العبـادة سواي {فـاعْبُدْنِـي} يقول: فأخـلص العبـادة لـي دون كلّ ما عبد من دونـي {وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك فقال بعضهم: معنى ذلك: أقم الصلاة لـي فإنك إذا أقمتها ذكرتنـي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} قال: إذا صلـى ذكر ربه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله {وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} قال: إذا ذكر عَبَد ربه.

قال آخرون: بل معنى ذلك: وأقم الصلاة حين تذكرها.ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن مُغيرة، عن إبراهيـم فـي قوله:{وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} قال: يصلـيها حين يذكرها.

حدثنـي أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنـي عمي عبد الله بن وهب، قال: ثنـي ويونس ومالك بن شهاب، قال: أخبرنـي سعيد بن الـمسيب، عن أبـي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْـيُصَلِّها إذَا ذَكَرَها، قال اللّهُ: أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.وكان الزهري يقرؤها:{ أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } بـمنزلة فعلـى.

قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: معناه: أقم الصلاة لتذكرنـي فـيها، لأن ذلك أظهر معنـيـيه ولو كان معناه: حين تذكرها، لكان التنزيـل: أقم الصلاة لذكركها. وفـي قوله: {لِذِكْرِي} دلالة بـينة علـى صحة ما قال مـجاهد فـي تأويـل ذلك ولو كانت القراءة التـي ذكرناها عن الزهري قراءة مستفـيضة فـي قَراءة الأمصار، كان صحيحاً تأويـل من تأوّله بـمعنى: أقم الصلاة حين تذكرها، وذلك أن الزهري وجَّه بقراءته أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرَى بـالألف لا بـالإضافة، إلـى أقم لذكراها، لأن الهاء والألف حذفتا، وهما مرادتان فـي الكلام لـيوفق بـينها وبـين سائر رؤوس الآيات، إذ كانت بـالألف والفتـح. ولو قال قائل فـي قراءة الزهري هذه التـي ذكرنا عنه، إنـما قصد الزهري بفتـحها تصيـيره الإضافة ألفـا للتوفـيق بـينه وبـين رؤوس الآيات قبله وبعده، لا انه خالف بقراءته ذلك كذلك من قرأه بـالإضافة، وقال: إنـما ذلك كقول الشاعر:

أُطَوّفُ ما أُطَوّفُ ثُمَّ آوِيإلـى أُمَّا وَيُرْوِينِـي النَّقِـيعُ

وهو يريد: إلـى أمي، وكقول العرب: يا أبـا وأما، وهي تريد: يا أبـي وأمي، كان له بذلك مقال.

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ۝١٥ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ۝١٦

يقول تعالـى ذكره: إن الساعة التـي يبعث الله فـيها الـخلائق من قبورهم لـموقـف القـيامة جائية {أكادُ أُخْفِـيها} فعلـى ضمّ الألف من أخفـيها قراءة جميع قرّاء أمصار الإسلام، بـمعنى: أكاد أخفـيها من نفسي، لئلا يطلع علـيها أحد، وبذلك جاء تأويـل أكثر أهل العلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أكادُ أُخْفِـيها} يقول: لا أظهر علـيها أحداً غيري.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّ السَّاعَةَ آتِـيَةٌ أكادُ أُخْفِـيها} قال: لا تأتـيكم إلاَّ بغتة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد {إنَّ السَّاعَةَ آتِـيَةٌ أكادُ أُخْفِـيها} قال: من نفسي.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {أكادُ أُخْفِـيها} قال: من نفسي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {أكادُ أُخْفِـيها} قال: من نفسي.

حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل، قال: ثنا مـحمد بن عبـيد الطنافسي، قال: ثنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح، فـي قوله: {أكادُ أُخْفِـيها} قال: يخفـيها من نفسه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {أكادُ أُخْفِـيها} وهي فـي بعض القراءة: «أخفـيها من نفسي». ولعمري لقد أخفـاها الله من الـملائكة الـمقرّبـين، ومن الأنبـياء الـمرسلـين.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قال: فـي بعض الـحروف: «إنَّ السَّاعَةَ آتِـيَةٌ أكادُ أُخْفِـيها مِنْ نَفْسِي».

وقال آخرون: إنـما هو: «أكادُ أَخْفِـيها» بفتـح الألف من أَخفـيها بـمعنى: أظهرها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا مـحمد بن سهل، قال: سألنـي رجل فـي الـمسجد عن هذا البـيت.

دَابَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْراً دَمِيكاًبِأرِيكَيْنِ يَخْفـيانِ غَمِيرا

فقلت: يظهران، فقال ورقاء بن إياس وهو خـلفـي: أقرأنـيها سعيد بن جبـير: «أكادُ أَخْفِـيها» بنصب الألف.

وقد رُوي عن سعيد بن جبـير وفـاق لقول الآخرين الذين قالوا: معناه: أكاد أخفـيها من نفسي. ذكر الرواية عنه بذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير ومنصور، عن مـجاهد، قالا {إنَّ السَّاعَةَ آتِـيَةٌ أكادُ أُخْفِـيها} قالا: من نفسي.

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال: ثنا ابن فضيـل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير {أكادُ أُخْفِـيها} قال: من نفسي.

قال أبو جعفر: والذي هو أولـى بتأويـل الآية من القول، قول من قال: معناه: أكاد أخفـيها من نفسي، لأن تأويـل أهل التأويـل بذلك جاء. والذي ذُكر عن سعيد بن جبـير من قراءة ذلك بفتـح الألف قراءة لا أستـجيز القراءة بها لـخلافها قراءة الـحجة التـي لا يجوز خلافها فـيـما جاءت به نقلاً مستفـيضاً.

فإن قال قائل: ولـم وجهت تأويـل قوله {أكادُ أُخْفِـيها} بضم الألف إلـى معنى: أكاد أخفـيها من نفسي، دون توجيهه إلـى معنى: أكاد أظهرها، وقد علـمت أن للإخفـاء فـي كلام العرب وجهين: أحدهما الإظهار، والآخر الكتـمان وأن الإظهار فـي هذا الـموضع أشبه بـمعنى الكلام، إذ كان الإخفـاء من نفسه يكاد عند السامعين أن يستـحيـل معناه، إذ كان مـحالاً أن يخفـي أحد عن نفسه شيئاً هو به عالـم، والله تعالـى ذكره لا يخفـى علـيه خافـية؟ قـيـل: الأمر فـي ذلك بخلاف ما ظننت، وإنـما وجَّهنا معنى {أُخْفِـيها} بضمّ الألف إلـى معنى: أسترها من نفسي، لأن الـمعروف من معنى الإخفـاء فـي كلام العرب: الستر. يقال: قد أخفـيت الشيء: إذا سترته. وأن الذين وجَّهوا معناه إلـى الإظهار، اعتـمدوا علـى بـيت لامرىء القـيس ابن عابس الكندي.

حُدثت عن معمر بن الـمثنى أنه قال: أنشدنـيه أبو الـخطاب، عن أهله فـي بلده:

فإنْ تُدْفِنُوا الدَّاءَ لا نُـخْفِهِوإنْ تَبْعَثُوا الـحَرْبَ لا نَقْعُدُ

بضمّ النون من لا نـخفه، ومعناه: لا نظهره، فكان اعتـمادهم فـي توجيه الإخفـاء فـي هذا الـموضع إلـى الإظهار علـى ما ذكروا من سماعهم هذا البـيت، علـى ما وصفت من ضم النون من نـخفه. وقد أنشدنـي الثقة عن الفرّاء:

فإنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نَـخْفِهِ

بفتـح النون من نـخفه، من خفـيته أخفـيه، وهو أولـى بـالصواب لأنه الـمعروف من كلام العرب. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الفتـح فـي الألف من أَخفـيها غير جائز عندنا لـما ذكرنا، ثبت وصحّ الوجه الآخر، وهو أن معنى ذلك: أكاد استرها من نفسي.

وأما وجه صحة القول فـي ذلك، فهو أن الله تعالـى ذكره خاطب بـالقرآن العرب علـى ما يعرفونه من كلامهم وجرى به خطابهم بـينهم فلـما كان معروفـاً فـي كلامهم أن يقول أحدهم إذا أراد الـمبـالغة فـي الـخبر عن إخفـائه شيئاً هو له مسرّ: قد كدت أن أخفـي هذا الأمر عن نفسي من شدّة استسراري به، ولو قدرت أخفـيه عن نفسي أخفـيته، خاطبهم علـى حسب ما قد جرى به استعمالهم فـي ذلك من الكلام بـينهم، وما قد عرفوه فـي منطقهم. وقد قـيـل فـي ذلك أقوال غير ما قلنا، وإنـما اخترنا هذا القول علـى غيره من الأقوال لـموافقة أقوال أهل العلـم من الصحابة والتابعين، إذ كنا لا نستـجيز الـخلاف علـيهم، فـيـما استفـاض القول به منهم، وجاء عنهم مـجيئاً يقطع العذر. فأما الذين قالوا فـي ذلك غير قولنا مـمن قال فـيه علـى وجه الانتزاع من كلام العرب، من غير أن يعزوه إلـى إمام من الصحابة أو التابعين، وعلـى وجه يحتـمل الكلام غير وجهه الـمعروف، فإنهم اختلفوا فـي معناه بـينهم، فقال بعضهم: يحتـمل معناه: أريد أخفـيها قال: وذلك معروف فـي اللغة. وذُكر أنه حُكي عن العرب أنهم يقولون: أولئك أصحابـي الذين أكاد أنزل علـيهم، وقال: معناه: لا أنزل إلاَّ علـيهم. قال: وحُكي: أكاد أبرح منزلـي: أي ما أبرح منزلـي، واحتـجّ ببـيت أنشده لبعض الشعراء:

كادَتْ وكِدْتُ وَتِلكَ خَيْرُ إرَادَةٍلَوْ عادَ مِنْ عَهْد الصَّبـابَةِ ما مَضَى

وقال: يريد: بكادت: أرادت قال: فـيكون الـمعنى: أريد أخفـيها لتـجزى كلّ نفس بـما تسعى. قال: ومـما يُشبه ذلك قول زيد الـخيـل:

سَرِيعٌ إلـى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُفَمَا إنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ

وقال: كأنه قال: فما يتنفس قرنه، وإلا ضعف الـمعنى قال: وقال ذو الرُّمَّة:

إذا غَيَّرَ النَّأْيُ الـمُـحِبِّـينَ لَـمْ يَكَدْرَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبّ مَيَّةَ يَبْرَحُ

قال: ولـيس الـمعنى: لـم يكد يبرح: أي بعد يُسر، ويبرح بعد عُسر وإنـما الـمعنى: لـم يبرح، أو لـم يرد يبرح، وإلا ضعف الـمعنى قال: وكذلك قول أبـي النـجم:

وَإنْ أتاكَ نَعِيّ فـانْدُبَنَّ أبـاقَدْ كادَ يَضْطَلِعُ الأعْداءَ والـخُطَبَـا

وقال: يكون الـمعنى: قد اضطلع الأعداء، وإلاَّ لـم يكن مدحاً إذا أراد كاد ولـم يرد يفعل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الساعة آتـية أكاد، قال: وانتهى الـخبر عند قوله أكاد لأن معناه: أكاد أن آتـي بها قال: ثم ابتدأ فقال: ولكنـي أخفـيها لتـجزى كلّ نفس بـما تسعى. قال: وذلك نظير قول ابن ضابىء:

هَمَـمْتُ ولَـمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَـيْتَنِـيتَرَكْتُ علـى عُثمانَ تَبْكِي أقارِبُهُ

فقال: كدت، ومعناه: كدت أفعل.

وقال آخرون: معنى {أُخفـيها}: أظهرها، وقالوا: الإخفـاء والإسرار قد توجههما العرب إلـى معنى الإظهار، واستشهد بعضهم لقـيـله ذلك ببـيت الفرزدق:

فَلَـمَّا رأى الـحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُأسَرَّ الـحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أضْمَرَا

وقال: عَنَى بقوله: أسرّ: أظهر. قال: وقد يجوز أن يكون معنى قوله: { وأسَرُّوا النَّدَامَةَ }وأظهروها. قال: وذلك أنهم قالوا: { يا لَـيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا }. وقال جميع هؤلاء الذين حكينا قولهم جائز أن يكون قول من قال: معنى ذلك: أكاد أخفـيها من نفسي، أن يكون أراد: أخفـيها من قِبلـي ومن عندي. وكلّ هذه الأقوال التـي ذكرنا عمن ذكرنا توجيه منهم للكلام إلـى غير وجهه الـمعروف، وغير جائز توجيه معانـي كلام الله إلـى غير الأغلب علـيه من وجوهه عند الـمخاطبـين به، ففـي ذلك مع خلافهم تأويـل أهل العلـم فـيه شاهد عدل علـى خطأ ما ذهبوا إلـيه فـيه.

وقوله: {لِتُـجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِـمَا تَسْعَى} يقول تعالـى ذكره: إن الساعة آتـية لتـجزى كلّ نفس يقول: لتثاب كلّ نفس امتـحنها ربها بـالعبـادة فـي الدنـيا بـما تسعى، يقول: بـما تعمل من خير وشرّ، وطاعة ومعصية. وقوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْها} يقول تعالـى ذكره: فلا يردّنك يا موسى عن التأهُّب للساعة، من لا يؤمن بها، يعنـي: من لا يقرّ بقـيام الساعة، ولا يصدّق بـالبعث بعد الـمـمات، ولا يرجو ثوابـاً، ولا يخاف عقابـاً. وقوله: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} يقول: اتبع هوى نفسه، وخالف أمر الله ونهيه {فَترْدَى} يقول: فتهلك إن أنت أنصددت عن التأهُّب للساعة، وعن الإيـمان بها، وبأن الله بـاعث الـخـلق لقـيامها من قبورهم بعد فنائهم بصدّ من كفر بها. وكان بعضهم يزعم أن الهاء والألف من قوله {فَلا يَصُدَّنَّك عَنْها} كناية عن ذكر الإيـمان، قال: وإنـما قـيـل عنها وهي كناية عن الإيـمان كما قـيـل

{ إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ } يذهب إلـى الفعلة، ولـم يجر للإيـمان ذكر فـي هذا الـموضع، فـيجعل ذلك من ذكره، وإنـما جرى ذكر الساعة، فهو بأن يكون من ذكرها أولـى.
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ