انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير البغويالآيات 1–85

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

طه ۝١ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ۝٢

{طه}، قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، ويكسرهما حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما.

قيل: هو قَسَمٌ. وقيل: اسم من أسماء الله تعالى

وقال مجاهد، والحسن، وعطاء، والضحاك: معناه يا رجل.

وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانية.

وقال الكلبي: هو يا إنسان بلغة عك.

وقال مقاتل بن حيان: معناه طأِ الأرضَ بقدميك، يريد: في التهجد.

وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله عزّ وجلّ بَطْوله وهدايته.

قال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه الطاهر، والهاء افتتاح اسمه هادٍ.

وقال الكلبي: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كلَّه، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يخفف على نفسه فقال: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}.

وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت: {مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ } أي لتتعنى وتتعب، وأصل الشقاء في اللغة العناء.

إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ۝٣ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ۝٤ ٱلرَّحْمَٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ۝٥ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ۝٦

{إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}، [أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى. وقيل: تقديره ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى].

{تَنزِيلاً}، بدل من قوله "تذكرةً"، {مِّمَّنْ خَلَق ٱلأَرْضَ} أي: من الله الذي خلق الأرض، {وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى}، يعني: العالية الرفيعة، وهي جمع العليا كقوله: كبرى وكُبَر، وصغرى وصُغَر.

{ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}.

{لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُما}، يعني الهواء، {وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ}، والثرى هو: التراب الندي. قال الضحاك: يعني ما وراء الثرى من شيء.

وقال ابن عباس: إن الأرضين على ظهر النون، والنون على بحر، ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء، خضرةُ السماءِ منها، وهي الصخرة التي ذكر الله في قصة لقمان "فتكن في صخرة"، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما تحت الثرى لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عزّ وجلّ البحار بحراً واحداً سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست.

وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ۝٧ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۝٨ وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ۝٩

{وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ}، [أي تعلن به]، {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَىٰ}، قال الحسن: "السرّ": ما أسرَّ الرجل إلى غيره، "وأخفى" من ذلك: ما أسَّر في نفسه.

وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير: "السّر" ما تُسِرُّ في نفسك "وأخفى" من السر: ما يلقيه الله عزّ وجلّ في قلبك من بُعْدٍ، ولا تعلم أنك ستحدّث به نفسك، لأنك تعلم ما تسرُّ به اليوم ولا تعلم ما تسرُّ به غداً، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسرُّ به غداً.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "السّر": ما أسرَّ ابن آدم في نفسه، "وأخفىٰ" ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعمله.

وقال مجاهد: "السرّ" العمل الذي تسرون من الناس، "وأخفى": الوسوسة.

وقيل: "السرُّ": هو العزيمة ["وأخفى": ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه.

وقال زيد بن أسلم: "يعلم السر] وأخفى": أي يعلم أسرار العباد، وأخفى سرَّه عن عباده، فلا يعلمه أحد.

ثم وحَّدَ نفسه، فقال:

{ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}.

قوله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ}، أي: قد أتاك، استفهام بمعنى التقرير.

إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ۝١٠ فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَٰمُوسَىٰٓ ۝١١ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ۝١٢

{إِذْ رَأَى نَاراً}، وذلك أن موسى استأذن شعيباً في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة والدته وأخته، فأذن له فخرج بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء، فأخذ على غير الطريق مخافةَ ملوكِ الشام، وامرأته في سقمها، لا تدري أليلاً أم نهاراً، فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، وأخذ امرأته الطَّلْقُ، فقدح زنده فلم يُوره.

وقيل: إن موسى كان رجلاً غيوراً وكان يصحب الرفقة بالليل ويفارقهم بالنهار، لئلا ترىٰ امرأتَه، فأخطأ مرةً الطريق في ليلة مظلمةٍ شاتية، لما أراد الله عزّ وجلّ من كرامته، فجعل يقدح الزند فلا يورى، فأبصر ناراً من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور، {فَقَالَ لأَِهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ}، أقيموا، قرأ حمزة بضم الهاء هاهنا وفي القصص، {إِنِّىۤ ءَانَسْتُ} أي: أبصرت، {نَاراً لَّعَلِّىۤ آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ}، شعلة من نار، والقبس قطعة من النار تأخذها في طرف عمود من معظم النار، {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى}، أي: أجد عند النار من يدلني على الطريق.

{فَلَمَّآ أَتَاهَا}، رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها، أطافت بها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون، فلا ضوء النار يغيّر خضرة الشجرة، ولا خضرة الشجرة تغيِّر ضوء النار.

قال ابن مسعود: كانت الشجرة سَمُرَة خضراء.

وقال قتادة، ومقاتل، والكلبي: كانت من العوسج.

وقال وهب: كانت من العليق.

وقيل: كانت شجرة العناب، رُوي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وقال أهل التفسير: لم يكن الذي رآه موسى ناراً بل كان نوراً، ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه ناراً.

وقال أكثر المفسرين: إنه نور الرب عزّ وجلّ، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وغيرهما.

وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى، يدلُّ عليه: ما روينا عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

حجابُهُ النار لو كشفَها لأحرقت سُبُحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بصرهُ من خَلْقِه « .

وفي القصة أن موسى أخذ شيئاً من الحشيش اليابس وقصد الشجرة فكان كلما دنَا نَأَتْ منه النار، وإذا نأى دنتْ، فوقف متحيراً، وسمع تسبيح الملائكة، وأُلْقِيَتْ عليه السكينة.

{نُودِىَ يَٰمُوسَىٰ إِنِّى أَنَاْ رَبُّكَ}، قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، "أَني" بفتح الألف، على معنى: نودي بأني. وقرأ الآخرون بكسر الألف، أي: نودي، فقيل: إني أنا ربُّك.

قال وهب: نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعاً ما يدري مَنْ دعاه، فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكان فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك، وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك، فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله، فأيقن به.

قوله عزّ وجلّ: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ}، وكان السبب فيه ما رُوي عن ابن مسعود مرفوعاً في قوله: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ}، قال: كانتا من جلد حمار ميت. ويروى غير مدبوغ.

وقال عكرمة ومجاهد: أُمر بخلع النعلين ليباشر بقدمه تراب الأرض المقدسة، فيناله بركتها لأنها قُدِّست مرتين، فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي.

{إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ}، أي المطهر، {طُوًى}، وطوى اسم الوادي، وقرأ أهل الكوفة والشام: {طوىً} بالتنوين هاهنَا وفي سورة النازعات، وقرأ الآخرون بلا تنوين لأنه معدول عن "طاوٍ" فلما كان معدولاً عن وجهه كان مصروفاً عن إعرابه، مثل عُمَرَ، وزُفَرَ، وقال الضحاك: {طوى}: وادٍ مستدير عميق مثل الطوى في استدارته.

وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ۝١٣ إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ۝١٤ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ۝١٥

{وأَنَا اخْتَرْتُكَ}، اصطفيتك برسالاتي، قرأ حمزة: {وأنَّا} مشددة النون، "اخترناك" على التعظيم. {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ}، إليك:

{إِنَّنِىۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى}، ولا تعبد غيري، {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىۤ}، قال مجاهد: أقم الصلاة لتذكرني فيها، وقال مجاهد: إذا تركت الصلاة ثم ذكرتها، فأقمها.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، أخبرنا أبو بكر بن محمد ابن عبد الله الحفيد، أخبرنا الحسين بن الفضل البجلي، أخبرنا عفان، أخبرنا قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من نسي صلاةً فَلْيصلِّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، ثم قال: سمعته يقول بعد ذلك: {أقم الصلاة لذكري}.

{إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}، قيل معناه إن الساعة آتية أخفيها، {وأكاد} صلة. وأكثر المفسرين قالوا: معناه: أكاد أخفيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أُبّي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق.

وفي بعض القراءات: فكيف أظهرها لكم. وذكر ذلك على عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء يقولون: كتمت سرَّك من نفسي، أي: أخفيته غايةَ الإِخفاء، والله عز اسمه لا يخفى عليه شيء.

وقال الأخفش: أكاد: أي أريد، ومعنى الآية: إن الساعة آتية أريد أخفيها.

والمعنى في إخفائها التهويلُ والتخويفُ، لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذرٍ منها كلَّ وقت.

وقرأ الحسن بفتح الألف أي أظهرها، يقال: خفيت الشيء: إذا أظهرته، وأخفيته: إذا سترته.

قوله تعالى: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ}، أي بما تعمل من خير وشر.

فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ۝١٦ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝١٧ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ۝١٨

{فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا}، فلا يصرفنك عن الإِيمان بالساعة، {مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ}، مراده خالف أمر الله {فَتَرْدَىٰ}، أي: فتهلك.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ}، سؤال تقرير، والحكمة في هذا السؤال: تنبيهه وتوقيفه على أنها عصا حتى إذا قلَبها حيةً علم أنه معجزة عظيمة. وهذا على عادة العرب، يقول الرجل لغيره: هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه.

{قَالَ هِىَ عَصَاىَ}، قيل: وكانت لها شعبتان، وفي أسفلها سنان، ولها محجن، قال مقاتل: اسمها نبعة.

{أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا}: اعتمد عليها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة، {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى}، أضرب بها الشجرة اليابسة ليسقط ورقها فترعاه الغنم.

وقرأ عكرمة {وأهس} بالسين غير المعجمة، أي: أزجرُ بها الغنم، و"الهَسُّ": زجر الغنم.

{وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أُخْرَىٰ}، حاجات ومنافع أخرى، جمع "مأربة" بفتح الراء وضمها، ولم يقل {أُخر} لرؤوس الآي. وأراد بالمآرب: ما يستعمل فيه العصا في السفر، وكان يحمل بها الزاد ويشدُّ بها الحبل فيستقي الماء من البئر، ويقتل بها الحيات، ويحارب بها السّباع، ويستظلُّ بها إذا قعد وغير ذلك.

وروي عن ابن عباس: أن موسى كان يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت متماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومَهُ، ويركزها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب الماء، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن الشجرة وأورقت وأثمرت، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكانت تضيء بالليل بمنزلة السراج، وإذا ظهر له عدو كانت تحارب وتناضل عنه.

قَالَ أَلْقِهَا يَٰمُوسَىٰ ۝١٩ فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ۝٢٠

{قَالَ}، الله تعالى، {أَلْقِهَا يَٰمُوسَىٰ}، انبذها، قال وهب: ظن موسى أنه يقول ارفضها.

{فَأَلْقَـٰهَا}، على وجه الرفض ثم حانت منه نظرة، {فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ}، صفراء من أعظم ما يكون من الحيَّات، {تَسْعَىٰ}، تمشي بسرعة على بطنها وقال في موضع آخر:

{ كَأَنَّهَا جَآنٌّ } [النمل: 10] وهي الحية الصغيرة الخفيفة الجسم، وقال في موضع: "ثعبان"، وهي أكبر ما يكون من الحيَّات.

فأما الحية: فإنها تجمع الصغير والكبير والذكر والأنثى، وقيل: "الجانّ": عبارة عن ابتداء حالها، فإنها كانت حية على قدر العصا، ثم كانت تتورم وتنتفخ حتى صارت ثعباناً، "والثعبان": عبارة عن انتهاء حالها.

وقيل: إنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان.

قال محمد بن إسحاق: نظر موسى فإذا العصَا حيّة من أعظم ما يكون من الحيات صارت شعبتاها شدقين لها، والمحجنُ عنقاً وعرفاً، تهتزُّ كالنيازك، وعيناها تتقدان كالنَّار تمرّ بالصخرة العظيمة مثل الخَلِفَةِ من الإِبل، فتلقمها وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها صريف عظيم، فلما عاين ذلك موسى ولَّى مُدْبِراً وهرب، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نُودي: أنْ يا موسى أقْبِل وارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف.

قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ۝٢١ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ۝٢٢ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ۝٢٣ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ۝٢٤ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ۝٢٥

{قَالَ خُذْهَا}، بيمينك، {وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ}، هيئتها الأولى، أي: نَرُدُّها عصاً كما كانت، وكان على موسى مدرعة من صوف قد خلَّها بعِيْدَانٍ، فلما قال الله تعالى: خذها، لَفَّ طرف المدرعة على يده، فأمره الله تعالى أن يكشف يده فكشف.

وذكر بعضهم: أنَّه لمّا لفّ كم المدرعة على يده قال له مَلَكٌ: أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدرعة تغني عنك. شيئاً؟ قال: لا، ولكنى ضعيف، ومن ضعفٍ خُلِقْتُ، فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ.

قال المفسرون: أراد الله عزّ وجلّ أن يُري موسى ما أعطاه من الآية التي لا يقدر عليها مخلوق لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون.

وقوله: {سيرتَها الأولى} نصب بحذف "إلى" يريد: إلى سيرتها الأولى.

قوله تعالى: {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ} أي: إبطك، قال مجاهد: تحت عضدك، وجناح الإِنسان عضده إلى أصل إبطه، {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ}، نيرة مشرقة، {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}، من غير عيب والسوء هاهنا بمعنى البَرَص. قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر، {ءَايَةً أُخْرَىٰ}، أي: دلالة أخرى على صدقك سوى العصا.

{لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ}، ولم يقل الكُبَر لرؤوس الآي. وقيل: فيه إضمار، معناه: لنريك من آياتنا الكبرى، دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.

قال تعالى: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}، أي: جوز الحدّ في العصيان والتمرد، فادعه إلى عبادتي.

{قَالَ}، موسى: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي}، وسِّعْه للحقِّ، قال ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك، وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفاً شديداً لشدة شوكته وكثرة جنوده، وكان يضيق صدراً بما كُلّف من مقاومة فرعون وحده، فسأل الله أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحداً لا يقدر على مضرّته إلا بإذن الله، وإذا علم ذلك لم يَخَفْ فرعونَ وشدَّةَ شوكته وكثرة جنوده.

وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ۝٢٦ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى ۝٢٧ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ۝٢٨ وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى ۝٢٩ هَٰرُونَ أَخِى ۝٣٠ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ۝٣١ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ۝٣٢

{وَيَسِّرْ لِىۤ أَمْرِى}، أي: سهِّلْ عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون.

{وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى }، وذلك أن موسى كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: إن هذا عدوي وأراد أن يقتله، فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل ولا يميّز. وفي رواية أن أمّ موسى لما فطمته رَدَّتْهُ، فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته آسية يربيانه، واتخذاه ولداً، فبينما هو يلعب يوماً بين يدي فرعون وبيده قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرب به رأس فرعون، فغضب فرعون وتطيّر بضربه، حتى همّ بقتله، فقالت آسية: أيها الملك إنه صغير لا يعقل فَجَرِّبْه إن شئت، وجاءت بطشتين: في أحدهما الجمر، وفي الآخر الجواهر، فوضعتهما بين يدي موسى فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار فأخذ جمرة فوضعها في فمه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة.

{يَفْقَهُواْ قَوْلِي}، يقول ٱحْلُلِ العقدة كي يفقهوا كلامي.

{وَٱجْعَل لِّى وَزِيراً}، مُعِيْناً وظهيراً، {مِّنْ أَهْلِى} والوزير من يوازرك ويعينك ويتحمل عنك بعض ثقل عملك، ثم بيّن من هو فقال:

{هَـٰرُونَ أَخِى}، وكان هارون أكبر من موسى بأربع سنين، وكان أفصح منه لساناً وأجمل وأوسم، وأبيض اللون، وكان موسى آدم أقنى جعداً.

{ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِى}، قوِّ به ظهري.

{وَأَشْرِكْهُ فِىۤ أَمْرِى}، أي: في النبوة وتبليغ الرسالة، وقرأ ابن عامر {أشدد} بفتح الألف {وأُشركه} بضمها على الجواب، حكايةً عن موسى، أي: أفعل ذلك، وقرأ الآخرون على الدعاء. والمسألة، عطفاً على ما تقدم من قوله: {رَبِ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِىۤ أَمْرِى}.

كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝٣٣ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ۝٣٤ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا ۝٣٥ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٣٦ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ ۝٣٧ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ۝٣٨ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُۥ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ ۝٣٩

{كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً}، قال الكلبي: نصلي لك كثيراً.

{وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً}، نحمدك ونثني عليك بما أوليتنا من نعمك.

{إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً}، خبيراً عليماً.

{قَالَ}، الله تعالى: {قَدْ أُوتِيتَ}، أعطيتَ، {سُؤْلَكَ}، جميع ما سألته، {يَٰمُوسَىٰ}.

{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ}، أنعمنا عليك، {مَرَّةً أُخْرَىٰ}، يعني قبل هذه المرة وهي:

{إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ}، وحي إلهام، {مَا يُوحَىٰ}، ما يلهم. ثم فسر ذلك الإِلهام وعدد نعمه عليه:

{أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ}: أي: ألهمناها أنِ اجعليه في التابوت، {فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ}، يعني نهر النيل، {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ}، يعني شاطىء النهر، لفظه أمرٌ ومعناه خبر، مجازه: حتى يلقيه اليم بالساحل، {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ}، يعني فرعون. فاتخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً محلوجاً ووضعت فيه موسى، وقيَّرت رأسه وخصاصه ـ يعني شقوقه ـ ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيىء به الماء فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجهاً، فلما رآه فرعون أحبَّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله تعالى:

{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى}، قال ابن عباس: أحبه وحبَّبَه إلى خلقه. قال عكرمة: ما رآه أحد إلا أحبه. قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلاَّ عشقه.

{وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىۤ}، يعني لتُربّى بمرآي ومنظرٍ مني، قرأ أبو جعفر {ولتصنع} بالجزم.

إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ فَرَجَعْنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَٰمُوسَىٰ ۝٤٠

{إِذْ تَمْشِىۤ أُخْتُكَ}، واسمها مريم، متعرفةً خبره، {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ}؟ أي: على امرأة ترضعه وتضمُّه إليها؛ وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلما قالت لهم أخته قالوا: نعم، فجاءت بالأم فقَبِلَ ثديها، فذلك قوله تعالى:

{فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُهَا}، بلقائك، {وَلاَ تَحْزَنَ}، أي: لأن يذهب عنها الحزن.

{وَقَتَلْتَ نَفْساً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان قتل قبطياً كافراً. قال كعب الأحبار: كان إذْ ذاك ابن اثنتي عشر سنة، {فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ}، أي من غم القتل وكربه، {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً}، قال ابن عباس رضي الله عنه: اختبرناك اختباراً. وقال الضحاك ومقاتل: ابتليناك ابتلاءً. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصاً.

وعن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أنّ الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلّصه الله منها، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه بلحية فرعون حتى همّ بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، وخروجه إلى مدين خائفاً. فكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير، فعلى هذا معنى: {فتناك} خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث فيه، و"الفتون": مصدر.

{فَلَبِثْتَ}، فمكثت، أي: فخرجت من مصر فلبثت، {سِنِينَ فِىۤ أَهْلِ مَدْيَنَ}، يعني ترعى الأغنام عشر سنين، ومدين بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر، هرب إليها موسى.

وقال وهب: لبث عند شعيب عليه السلام ثمانياً وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر ابنته "صفيرا" بنت شعيب، وثمان عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له.

{ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَٰمُوسَىٰ}، قال مقاتل: على موعد ولم يكن هذا الموعد مع موسى وإنما كان موعداً في تقدير الله، قال محمد بن كعب: جئت على القدر الذي قدرت لك أنك تجيء.

وقال عبد الرحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء، وهذا معنى قول أكثر المفسرين، أي على الموعد الذي وعده الله وقدره أنه يوحى إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة.

وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ۝٤١ ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى ۝٤٢ ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ۝٤٣ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ۝٤٤

قوله عزّ وجلّ: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى}، أي اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي، يعني لتنصرف على إرادتي ومحبتي؛ وذلك أن قيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله ومحبته.

قال الزجاج: اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي، كأني الذي أقمت بك عليهم الحجة وخاطبتهم.

{ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـآيَـٰتِى}، بدلائلي، وقال ابن عباس: يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى {وَلاَ تَنِيَا}، ولا تضعفا، وقال السدي: لا تَفْتُرا. وقال محمد بن كعب: لا تقصرَا، {فِى ذِكْرِى}.

{ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}، قرأ أبو عمرو، وأهل الحجاز: "لنفسيَ اذهب"، "وذكريَ اذهبا"، و

{ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ }[الفرقان: 30]، { مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ }} [الصف: 6] بفتح الياء فيهن، ووافقهم أبو بكر: "من بعدي اسمه"، وقرأ الباقون بإسكانها.

{فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}، يقول: دارياه وارفقا معه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تعنفا في قولكما.

وقال السدي وعكرمة: كنِّياه فقولا يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد.

وقال مقاتل: يعني بالقول اللين:

{ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ } [النازعات: 18-19].

وقيل: أمر باللطافة في القول لما له من حق التربية.

وقال السدي: القول الليَّن: أن موسى أتاه ووعده على قبول الإِيمان شباباً لا يهرم، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة فأعجبه ذلك وكان لا يقطع أمراً دون هامان، وكان غائباً فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى، وقال أردت أن أقبل منه، فقال له هامان: كنت أرى أن لك عقلاً ورأياً، أنت ربٌّ، تريد أن تكون مربوباً؟ وأنت تُعْبَدُ؟ تريد أن تَعْبُدَ، فقلبه على رأيه.

وكان هارون يومئذٍ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحىٰ إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلةٍ وأخبره بما أوحى إليه.

{لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، أي: يتعظ ويخاف فيسلم.

فإن قيل: كيف قال: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} وقد سبق عِلْمُه أنه لا يتذكر ولا يسلم؟.

قيل: معناه اذهبا على رجاءٍ منكما وطمع، وقضاءُ الله وراء أمركما.

وقال الحسين بن الفضل: هو ينصرف إلى غير فرعون، مجازه: لعله يتذكر متذكِّرٌ، ويخشى خاشٍ إذا رأى بِرِّي وألطافي بِمَنْ خلقتُه وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية.

وقال أبو بكر محمد بن عمر الوراق: {لعلّ} من الله واجب، ولقد تذكر فرعون وخشى حين لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك حين ألجمه الغرق، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين.

وقرأ رجل عند يحيـى بن معاذ هذه الآية: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}، فبكى يحيى، وقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإِله، فكيف رفقك بمن يقول أنت الإِله؟!

قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ۝٤٥

{قَالاَ}، يعني موسى وهارون: {رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعجل علينا بالقتل والعقوبة، يقال: فرط عليه فلان إذا عجل بمكروه، وفرط منه أمرٌ أي بدرَ وسبقَ، {أَوْ أَن يَطْغَىٰ}، أي يجاوز الحد في الإِساءة إلينا.

قَالَ لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ۝٤٦ فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَٰكَ بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ ۝٤٧ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ۝٤٨ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ۝٤٩ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ۝٥٠

{قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ }، قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافلٍ عنكما، فلا تهتما.

{فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ}، أرسلَنا إليك، {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}، أي: خلِّ عنهم وأطلقهم عن أعمالك، {وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ}، لا تتعبهم في العمل، وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة، {قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ}، قال فرعون: وما هي؟ فأخرج يده، لها شعاع كشعاع الشمس، {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ}، ليس المراد منه التحية، إنما معناه سَلِم من عذاب الله من أسلم.

{إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}، إنما يعذب اللَّه من كذب بما جئنا به وأعرض عنه.

{قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ} من إلهكما الذي أرسلكما؟.

{قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}، قال الحسن وقتادة: أعطى كلَّ شيء صلاحَه، وهداه لما يصلحه.

وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورته، لم يجعل خلق الإِنسان كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الإِنسان، ثم هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح.

وقال الضحاك: "أعطى كل شيء خلقه: يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع.

وقال سعيد بن جبير: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ}: يعني زوج، للإِنسان المرأة، وللبعير الناقة، وللحمار الأتان، وللفرس الرمكة. {ثُمَّ هَدَىٰ}: أي: ألهمه كيف يأتي الذكر الأنثىٰ.

قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ۝٥١ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَٰبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى ۝٥٢ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ ۝٥٣

{قَالَ} فرعون، {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ}، ومعنى البال الحال، أي ما حال القرون الماضية والأمم الخالية مثل قوم نوح وعاد وثمود فيما تدعونني إليه فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث.

{قَالَ}، موسى، {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى}، أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها.

وقيل: إنما رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك، فإن التوراة أنزلت إليه بعد هلاك فرعون وقومه.

{فِى كِتَـٰبٍ}، يعني في اللوح المحفوظ، {لاَّ يَضِلُّ رَبِّى}، أي لا يخطىء. وقيل: لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء، {وَلاَ يَنسَى}، أي: لا يخطيء ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم وقيل: لا ينسى أي لا يترك الانتقام فينتقم من الكافر ويجازي المؤمن.

{ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} قرأ أهل الكوفة: {مَهْداً}، ههنا وفي الزخرف، فيكون مصدراً أي فرشاً، وقرأ الآخرون: «مهاداً»، كقوله تعالى:

{ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً }[النبأ: 6]، أي: فراشاً وهو اسم لما يفرش، كالبساط: اسمٌ لما يبسط.

{وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} السلك: إدخال الشيء في الشيء، والمعنى: أَدْخَلَ في الأرض لأجلكم طرقاً تسلكونها. قال ابن عباس: سهَّل لكم فيها طرقاً تسلكونها.

{وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}، يعني: المطر.

تم الإخبار عن موسى، ثم أخبر الله عن نفسه بقوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ}، بذلك الماء {أَزْوَاجاً}، أصنافاً، {مِّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ}، مختلف الألوان والطعوم والمنافع من أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، فكل صنف منها زوج، فمنها للناس ومنها للدواب.

كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَٰمَكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ۝٥٤ مِنْهَا خَلَقْنَٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ۝٥٥

{كُلُواْ وَٱرْعَوْا} أي وارتعوا، {أَنْعَـٰمَكُمْ}، تقول العرب: رعيت الغنم فَرَعَتْ، أي: أسيموا أنعامكم ترعى.

{إِنَّ فِى ذَٰلِكَ}، الذي ذكرتُ، {لأيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلنُّهَىٰ}، لذوي العقول، واحدتها "نُهْيَة" سميت نهية لأنها تنهى صاحبها عن القبائح والمعاصي.

قال الضحاك: {لأُِوْلِى ٱلنُّهَىٰ}: الذين ينتهون عمّا حُرِّم عليهم.

قال قتادة: لذوي الورع.

{مِّنْهَا} أي من الأرض، {خَلَقْنَـٰكُمْ}، يعني أباكم آدم.

وقال عطاء الخراساني: إن المَلَك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله من التراب ومن النطفة، فذلك قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}، أي: عند الموت والدفن، {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}، يوم البعث.

وَلَقَدْ أَرَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ۝٥٦ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٥٧ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِۦ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًا سُوًى ۝٥٨ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ۝٥٩

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ}، يعني فرعون، {ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا}، يعني: الآيات التسع التي أعطاها الله موسى، {فَكَذَّبَ}، بها وزعم أنها سحر، {وَأَبَى}، أن يُسْلِم.

{قَالَ}، يعني فرعون {أََجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا}، يعنى: مصر، {بِسِحْرِكَ يَٰمُوسَىٰ}، أي أتريد أن تغلب على ديارنا فيكون لك الملك وتخرجنا منها.

{فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً}، أي: فاضرب بيننا أجلاً وميقاتاً، {لاَّ نُخْلِفُهُ}، قرأ أبو جعفر {لا نخلفْه} بجزمٍ، لا نجاوزه، {نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى}، قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب: {سُوىً} بضم السين، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان مثل عُدَىٰ وعَدَىٰ وطُوَىً وطَوَى.

قال مقاتل وقتادة: مكاناً عدلاً بيننا وبينك.

وعن ابن عباس: نَصَفاً، ومعناه: تستوي مسافة الفريقين إليه.

قال مجاهد: منصفاً. وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان.

{قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ}، قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي: كان يوم عيد لهم يتزينون فيه، ويجتمعون في كل سنة. وقيل: هو يوم النيروز.

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: يوم عاشوراء.

{وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى}، أي: وقت الضحوة نهاراً جهاراً، ليكون أبعد من الريبة.

فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ۝٦٠ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ۝٦١ فَتَنَٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ ۝٦٢ قَالُوٓا۟ إِنْ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ۝٦٣

{فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ}، مكره وحيلته وسحرته، {ثُمَّ أَتَىٰ}، الميعاد.

{قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ}، يعني: للسحرة الذين جمعهم فرعون، وكانوا اثنين وسبعين ساحراً، مع كل واحد حبل وعصا.

وقيل: كانوا أربعمائة. وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفاً. وقيل: أكثر من ذلك.

{وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص: {فيُسحتكم} بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء وهما لغتان. قال مقاتل والكلبي: فيهلككم. وقال قتادة: فيستأصلكم، {وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ}.

{فَتَنَـٰزَعُوۤاْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ}، أي: تناظروا وتشاوروا، يعني السحرة في أمر موسى سراً من فرعون.

قال الكلبي: قالوا سراً: إن غلَبَنَا موسى اتبعناه.

وقال محمد بن إسحاق: لما قال لهم موسى: لا تفتروا على الله كذباً، قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.

{وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ}، أي المناجاة، يكون مصدراً واسماً، ثم {قَالُوۤاْ}، وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون، {إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَاحِرَٰنِ}، يعني موسى وهارون.

وقرأ ابن كثير وحفص: {إنْ} بتخفيف النون، {هذان} أي ما هذان إلا ساحران، كقوله:

{ وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } [الشعراء: 186]، أي ما نظنك إلاَّ من الكاذبين، ويُشَدِّد ابن كثير النون من {هذانّ}.

وقرأ أبو عمرو {إنَّ} بتشديد النون {هذين} بالياء على الأصل.

وقرأ الآخرون: {إنَّ} بتشديد النون، {هذان} بالألف، واختلفوا فيه:

فروىٰ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنه خطأ من الكاتب.

وقال قوم: هو لغة الحارث بن كعب، وخثعم، وكنانة، فإنهم يجعلون الاثنين في موضع الرفع والنصب والخفض بالألف، يقولون: أتاني الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان، فلا يتركون ألف التثنية في شيء منها، وكذلك يجعلون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفاً، كما في التثنية، يقولون: كسرت يداه وركبت علاه، يعني يديه وعليه. وقال شاعرهم:

تزود مني بين أذناه ضربةدعته إلى هابي التراب عقيم

يريد بين أذنيه.

وقال آخر:

إِنَّ أَبَاهَا وأَبَا أَبَاهَاقَدْ بَلَغَا فِي المَجْدِ غَايَتَاهَا

وقيل: تقدير الآية: إنه هذان، فحذف الهاء.

وذهب جماعة إلى أن حرف "أن" هاهنا بمعنى نعم، أي نعم هذان. روي أن أعرابياً سأل ابن الزبير شيئاً فحرمه، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إِنَّ وصاحبها، أي: نعم.

وقال الشاعر:

بَكَرَتْ عليَّ عَواذِلييَلْحِيْنَنِي وَأَلُومُهُنَّهّ وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلاَ ك وقد كَبُرْتَ فقلتُ إِنَّهْ

أي: نعم.

{يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم}، مصر، {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ}، قال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم، يقال: هؤلاء طريقة قومهم أي أشرافهم، {ٱلْمُثْلَىٰ} تأنيث "الأمثل"، وهو الأفضل، حدَّث الشعبي عن علي، قال: يَصْرِفان وجوهَ الناس إليهما.

قال قتادة: طريقتهم الْمُثْلَىٰ يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثرَ القوم عدداً وأموالاً، فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهم.

وقيل: {بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ}: أي بسُنَّتِكم ودينكم الذي أنتم عليه، و{ٱلْمُثْلَىٰ}: نعت الطريقة، تقول العرب: فلان على الطريقة المُثلى، يعني:على الهدىٰ المستقيم.

فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ۝٦٤ قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ۝٦٥ قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ۝٦٦ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ ۝٦٧

{فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ}، قرأ أبو عمرو: {فٱجْمَعُوا} بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع، أي لا تَدَعوا شيئاً من كيدكم إلا جئتم به، بدليل قوله: "فجمع كيده"، وقرأ الآخرون بقطع الألف وكسر الميم فقد قيل: معناه الجمع أيضاً، تقول العرب: أجمعتُ الشيء وجمعتُه بمعنىً واحد.

والصحيح أن معناه العزم والإِحكام، أي: اعزموا كلكم على كيده مجتمعين له، ولا تختلفوا فيختل أمركم.

{ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً} أي جميعاً، قاله مقاتل والكلبي، وقال قوم: أي مصطفين مجتمعين ليكون أشدَّ لهيبتكم، وقال أبو عبيدة: الصف المجمع، ويسمى المصلّى صفاً. معناه: ثم ائتوا المكان الموعود.

{وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ}، أي: فاز مَنْ غلب.

{قَالُواْ}، يعني السحرة، {يَا مُوسَىٰ إِمّا أَن تُلْقِيَ}، عصاك، {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ} عصاه.

{قَالَ}، موسى: {بَلْ أَلْقُواْ}، أنتم أولاً، {فَإِذَا حِبَالُهُمْ}، وفيه إضمار، أي فألقَوا فإذا حبالهم، {وَعِصِيُّهُمْ}، جمع العصا، {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ}، قرأ ابن عامر ويعقوب "تخيل" بالتاء رداً إلى الحبال والعصي، وقرأ الآخرون بالياء ردوه إلى الكيد والسحر، {مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}.

وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصيَّ أخذوا أعين الناس، فرأى موسى والقوم كأنَّ الأرض امتلأت حيَّات، وكانت قد أخذت ميلاً من كل جانب ورأوا أنها تسعى.

{فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ}، أي وجد، وقيل: أضمر في نفسه خوفاً، واختلفوا في خوفه: طبع البشرية، وذلك أنه ظن أنها تقصده.

وقال مقاتل: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكُّوا في أمره فلا يتبعوه.

قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ۝٦٨ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَٰحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ۝٦٩ فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ۝٧٠ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ ۝٧١ قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ۝٧٢

{قُلْنَا}، لموسى: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ}، أي الغالب، يعني: لك الغلبة والظفر.

{وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ}، يعني العصا، {تَلْقَفْ}، تلتقم، وتبتلع، {مَا صَنَعُوۤاْ}، قرأ ابن عامر "تلقفُ" برفع الفاء هاهنا، وقرأ الآخرون بالجزم على جواب الأمر، {إِنَّمَا صَنَعُواْ}، إن الذي صنعوا، {كَيْدُ سَاحِرٍ}، أي حيلة سحر، هكذا قرأ حمزة والكسائي: بكسر السين بلا ألف، وقرأ الآخرون "ساحر" لأن إضافة الكيد إلى الفاعل أولى من إضافته إلى الفعل، وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية، {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ}، من الأرض، قال ابن عباس: لا يسعد حيث كان. وقيل: معناه حيث احتال.

{فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ}، لرئيسكم ومعلِّمكم، {ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ}، أي: على جذوع النخل، {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً}؛ أنا على إيمانكم به، أو رَبُّ موسى على ترك الإِيمان به؟ {وَأَبْقَىٰ}، أي: أدوم.

{قَالُواْ}، يعني السحرة: {لَن نُّؤْثِرَكَ}، لن نختارك، {عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ}، يعني الدلالات، قال مقاتل: يعني اليد البيضاء، والعصا.

وقيل: كان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحراً فأين حبالنا وعصينا.

وقيل: {مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ} يعني من التبيين والعلم.

حكي عن القاسم بن أبي بَزَّة أنه قال: إنهم لما أُلْقُوا سُجَّداً ما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها، ورأوا منازلهم في الجنة، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، {وَٱلَّذِى فَطَرَنَا}، أي: لن نؤثرك على الله الذي فطرنا، وقيل: هو قسم، {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ}، أي: فاصنع ما أنت صانع، {إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ}، أي: أمرك وسلطانك في الدنيا وسيزول عن قريب.

إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ ۝٧٣

{إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ}، فإنه قيل: كيف قالوا هذا، وقد جاؤوا مختارين يحلفون بعزة فرعون أن لهم الغلبة.

قيل: روي عن الحسن أنه قال: كان فرعون يُكره قوماً على تعلم السحر لكيلا يذهب أصله، وقد كان أكرههم في الابتداء.

وقال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين، اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل، كان فرعون أكره الذين هم من بني إسرائيل على تعلم السحر، فذلك قولهم {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ}.

وقال عبد العزيز بن أبان: قالت السحرة لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم موسى نائماً وعصاه تحرسه، فقالوا لفرعون إن هذا ليس بساحر، إن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلا أن يعملوا، فذلك قوله تعالى: {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ}.

{وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}، قال محمد بن إسحاق: خير منك ثواباً، وأبقى عقاباً.

وقال محمد بن كعب: خير منك ثواباً أن أُطِيْعَ، وأبقى منك عذاباً إن عُصِِي، وهذا جواب لقوله: "ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى".

إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ۝٧٤ وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلْعُلَىٰ ۝٧٥ جَنَّٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ۝٧٦ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَٰفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ ۝٧٧

{إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً}، قيل: هذا ابتداء كلام من الله تعالى. وقيل: من تمام قول السحرة {مُجْرِماً} أي: مشركاً، يعني: مات على الشرك، {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا}، فيستريح، {وَلاَ يَحْيَىٰ}، حياة ينتفع بها.

{وَمَن يَأْتِهِ}، قرأ أبو عمرو ساكنة الهاء ويختلسها أبو جفر، وقَالُون، ويعقوب، وقرأ الآخرون بالإِشباع، {مُؤْمِناً}، مات على الإِيمان، {قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ}، الرفيعة، و{ٱلْعُلَىٰ}: جمع، و"العليا" تأنيث الأعلى.

{جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ}، أي: تطهَّر من الذنوب. وقال الكلبي: أعطى زكاة نفسه وقال لا إله إلا الله.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد السمسار، أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن عباس الدهقان، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن أهل الدرجات العُلى ليراهم مَنْ تحتهم كما ترون الكوكب الدُرِّي في أفق من آفاق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأَنْعَمَا.«

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى}، أي: سِرْ بهم ليلاً من أرض مصر، {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ}، أي اجعل لهم طريقاً في البحر بالضرب بالعصا، {يَبَساً}، يابساً ليس فيه ماء ولا طين، وذلك أن الله أيبس لهم الطريق في البحر، {لاَّ تَخَٰفُ دَرَكاً}، قرأ حمزة "لا تخفْ" بالجزم على النهي، والباقون بالألف والرفع على النفي، لقوله تعالى: {وَلاَ تَخْشَىٰ}، قيل: لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى أن يغرقك البحر أمامك.

فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ۝٧٨ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ۝٧٩ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۝٨٠ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ۝٨١

{فَأَتْبَعَهُمْ}، فلحقهم، {فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ}، وقيل: معناه أمر فرعون جنوده أن يتبعوا موسى وقومه، والباء فيه زائدة وكان هو فيهم، {فَغَشِيَهُم}، أصابهم، {مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}، وهو الغرق. وقيل: غشيهم علاهم وسترهم بعض ماء اليم لا كله.

وقيل: غشيهم من اليم ما غشيهم قوم موسى فغرقوا هم، ونجا موسى وقومه.

{وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ }، أي: ما أرشدهم، وهذا تكذيب لفرعون في قوله:

{ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلْرَّشَادِ } [غافر: 29].

قوله عزّ وجلّ: {يَٰبَنِى إِسْرَٰءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ}، فرعون، {وَوَاعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ}.

{كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ}، قرأ حمزة والكسائي: "أنجيتكم"، و"واعدتكم"، و"رزقتكم" بالتاء على التوحيد، وقرأ الآخرون بالنون والألف على التعظيم، ولم يختلفوا في {ونزلنا} لأنه مكتوب بالألف.

{وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ}، قال ابن عباس: لا تظلموا، وقال الكلبي: لا تكفروا النعمة فتكونوا طاغين.

وقيل: لا تنفقوا في معصيتي.

وقيل: لا تدخروا، ثم ادخروا فتدود، {فَيَحِلَّ}، قرأ الأعمش، والكسائي، "فيحُلّ" بضم الحاء، "ومن يَحْلُل" بضم اللام، أي: ينزل، وقرأ الآخرون بكسرها أي: يجب، {عَلَيْكُمْ غَضَبِى وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ}، هلك وتردَّى في النار.

وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ۝٨٢ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٨٣ قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ۝٨٤ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ ۝٨٥

{وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ}، قال ابن عباس: تاب من الشرك، {وَآمَنَ}، ووحَّدَ الله وصدَّقه، {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً}، أدى الفرائض، {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ}، قال عطاء عن ابن عباس: علم أن ذلك توفيق من الله.

وقال قتادة وسفيان الثوري: يعني لزم الإِسلام حتى مات عليه.

قال الشعبي، ومقاتل، والكلبي: علم أن لذلك ثواباً.

وقال زيد بن أسلم: تعلم العلم ليهتدي به كيف يعمل.

قال الضحاك: استقام. وقال سعيد بن جبير: أقام على السنة والجماعة.

{وَمَآ أَعْجَلَكَ}، أي: وما حملك على العجلة، {عَن قَوْمِكَ}، وذلك أن موسى اختار من قومه سبعين رجلاً حتى يذهبوا معه إلى الطور، ليأخذوا التوراة، فسار بهم ثم عجل موسى من بينهم شوقاً إلى ربه عزّ وجلّ، وخلّف السبعين، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله تعالى له: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَٰمُوسَىٰ}.

{قَالَ}، مجيباً لربه تعالى: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِى}، أي: هم بالقرب مني يأتون من بعدي، {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}، لتزداد رضاً.

{قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ}، أي: ابتلينا الذين خلفتهم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفاً {مِن بَعْدِكَ} أي: من بعد انطلاقك إلى الجبل، {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ}، أي: دعاهم وصرفهم إلى عبادة العجل، وأضافه إلى السامري لأنهم ضلوا بسببه.

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ