انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

التحرير والتنويرالآيات 1–36

تفسير سورة طه آية آية، من التحرير والتنوير.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

طه ۝١

وهذان الحرفان من حروف فواتح بعض السور مثل الۤمۤ، ويۤس. ورسما في خط المصحف بصورة حروف التهجي التي هي مسمى (طا) و (ها) كما رُسم جميع الفواتح التي بالحروف المقطعة. وقرئا لجميع القراء كما قرئت بقية فواتح السور. فالقول فيهما كالقول المختار في فواتح تلك السور، وقد تقدم في أول سورة البقرة وسورة الأعراف.

وقيل هما حرفان مقتضَبَان من كلمتي (طاهر) و (هاد) وأنهما على معنى النّداء بحذف حرف النداء.

وتقدم وجه المدّ في (طا) (ها) في أول سورة يونس. وقيل مقتضبان من فعل (طَأْ) أمراً من الوطء. ومن (ها) ضمير المؤنثة الغائبة عائد إلى الأرض. وفُسر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في أول أمره إذا قام في صلاة الليل قام على رِجْل واحدة فأمره الله بهذه الآية أن يطأ الأرض برجله الأخرى. ولم يصح.

وقيل (طاها) كلمة واحدة وأن أصلها من الحبشية، ومعناها إنسان، وتكلمت بها قبيلة (عَك) أو (عُكْل) وأنشدوا ليزيد بن مهلهل:

إن السفاهة طاها من شمائلكملا باركَ الله في القومِ الملاعين

وذهب بعض المفسرين إلى اعتبارهما كلمة لغة (عَك) أو (عُكل) أو كلمة من الحبشية أو النبطية وأنّ معناها في لغة: (عك) يا إنسان، أو يا رجل، وفي ما عداها: يا حبيبي، وقيل: هي اسم سمى الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأنه على معنى النّداء، أو هو قسم به. وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى على معنى القسم.

ورويت في ذلك آثار وأخبار ذكر بعضها عياض في «الشِّفاء». ويجري فيها قول من جعل جميع هذه الحروف متحدة في المقصود منها. كقول من قال: هي أسماء للسور الواقعة فيها، ونحو ذلك مما تقدم في سورة البقرة. وإنما غرّهم بذلك تشابه في النطق فلا نطيل بردها. وكذلك لا التفات إلى قول من زعموا أنه من أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم -.

مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ۝٢ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ۝٣ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ۝٤ ٱلرَّحْمَٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ۝٥ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ۝٦

افتتحت السورة بملاطفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنّ الله لم يرد من إرساله وإنزال القرآن عليه أن يشقى بذلك، أي تصيبه المشقّة ويشده التعب، ولكن أراد أن يذكر بالقرآن من يخاف وعيده. وفي هذا تنويه أيضاً بشأن المؤمنين الذين آمنوا بأنهم كانوا من أهل الخشية ولولا ذلك لما ادّكروا بالقرآن.

وفي هذه الفاتحة تمهيدٌ لما يرد من أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - بالاضطلاع بأمر التبليغ، وبكونه من أولي العزم مثل موسى - عليه السلام - وأن لا يكون مفرطاً في العزم كما كان آدم - عليه السلام - قبل نزوله إلى الأرض. وأدمج في ذلك التنويه بالقرآن لأن في ضمن ذلك تنويهاً بمن أنزل عليه وجاء به.

والشقاء: فرط التعب بعمل أو غمّ في النفس، قال النابغة:

إلاّ مقالةَ أقوام شَقِيت بهمكانت مقالتهم قَرعا على كبدي

وهمزة الشقاء مُنقلبة عن الواو. يقال: شَقاء وشَقاوة ــــ بفتح الشين ــــ وشِقوة ــــ بكسرها.

ووقوع فعل {أنْزَلْنَا} في سياق النفي يقتضي عموم مدلوله، لأنّ الفعل في سياق النفي بمنزلة النكرة في سياقه، وعموم الفعل يستلزم عموم متعلقاته من مفعول ومجرور. فيعمّ نفي جميع كلّ إنزال للقرآن فيه شقاء له، ونفي كل شقاء يتعلق بذلك الإنزال، أي جميع أنواع الشّقاء فلا يكون إنزال القرآن سبباً في شيء من الشقاء للرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وأول ما يراد منه هنا أسف النبي - صلى الله عليه وسلم - من إعراض قومه عن الإيمان بالقرآن. قال تعالى:

{ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً }[الكهف: 6].

ويجوز أن يكون المراد: ما أرسلناك لتخِيب بل لنؤيدك وتكون لك العاقبة.

وقوله {إلاَّ تَذْكِرَةً} استثناء مفرّغ من أحوال للقرآن محذوفة، أي ما أنزلنا عليك القرآن في حال من أحوال إلا حال تذكرة فصار المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى وما أنزلناه في حال من الأحوال إلا تذكرة. ويدل لذلك تعقيبه بقوله {تنزيلاً ممَّن خَلَق الأرضَ} الذي هو حال من القرآن لا محالة، ففعل {أنْزَلنا} عامل في {لِتَشْقَى} بواسطة حرف الجرّ، وعامل في {تَذْكِرة} بواسطة صاحب الحال، وبهذا تعلم أن ليس الاستثناء من العلّة المنفية بقوله: {لِتَشْقَى} حتى تتحير في تقويم معنى الاستثناء فتفزع إلى جعله منقطعاً وتقع في كُلف لتصحيح النّظم.

وقال الواحدي في «أسباب النزول»: «قال مقاتل: قال أبو جهل والنضر بن الحارث (وزاد غير الواحدي: الوليد بن المغيرة، والمطعِم بنَ عديّ) للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنك لتشقى بترك ديننا، لما رأوا من طول عبادته واجتهاده، فأنزل الله تعالى: {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} الآية، وليس فيه سند.

والتذكرة: خطور المنسي بالذهن؛ فإن التوحيد مستقرّ في الفطرة والإشراك مناف لها، فالدعوة إلى الإسلام تذكير لما في الفطرة أو تذكير لملّة إبراهيم - عليه السلام -.

و{من يخشى} هو المستعد للتأمل والنظر في صحة الدّين، وهو كل من يفكّر للنجاة في العاقبة، فالخشية هنا مستعملة في المعنى العَربي الأصلي، ويجوز أن يراد بها المعنى الإسلامي، وهو خوف الله، فيكون المراد من الفعل المآل، أي من يؤول أمره إلى الخشية بتيْسِير الله تعالى له التقوى، كقوله تعالى:

{ هدى للمتقين }[البقرة: 2] أي الصائرين إلى التقوى.

و{تنزيلاً} حال من {القُرءَانَ} ثانية.

والمقصود منها التنويه بالقرآن والعناية به لينتقل من ذلك إلى الكناية بأن الذي أنزله عليك بهذه المثابة لا يترك نصرك وتأييدك.

والعدول عن اسم الجلالة أو عن ضميره إلى الموصولية لما تؤذن به الصلة من تحتم إفراده بالعبادة، لأنه خالق المخاطبين بالقرآن وغيرهم مما هو أعظم منهم خلقاً، ولذلك وُصف {السَّمَاوات} بـ{العُلَى} صفةً كاشفةً زيادة في تقرير معنى عظمة خالقها. وأيضاً لمّا كان ذلك شأن مُنْزل القرآن لا جرم كان القرآن شيئاً عظيماً، كقول الفرزدق:

إنّ الذي سمك السماء بنى لنابيتاً دعائمه أعزّ وأطول

و {الرحمٰنُ} يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف لازم الحذف تبعاً للاستعمال في حذف المسند إليه كما سماه السكّاكي. ويجوز أن يكون مبتدأ. واختير وصف {الرحمٰن} لتعليم النّاس به لأن المشركين أنكروا تسميته تعالى الرحمان: { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان }[الفرقان: 60]. وفي ذكره هنا وكثرة التذكير به في القرآن بعث على إفراده بالعبادة شكراً على إحسانه بالرحمة البالغة.

وجملة {على العرش استوىٰ} حال من {الرَّحْمٰن}. أو خبر ثان عن المبتدأ المحذوف.

والاستواء: الاستقرار، قال تعالى:

{ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك }[المؤمنون: 28] الآية. وقال: { واستوت على الجوديّ }[هود: 44].

والعرش: عالم عظيم من العوالم العُليا، فقيل هو أعلى سماء من السماوات وأعظمها. وقيل غير ذلك، ويسمى: الكرسي أيضاً على الصحيح، وقيل: الكرسي غير العرش.

وأيّاً مّا كان فذكر الاستواء عليه زيادة في تصوير عظمة الله تعالى وسعة سلطانه بعد قوله: {ممَّن خلقَ الأرضَ والسماوات العُلى}.

وأما ذكر الاستواء فتأويله أنه تمثيل لشأن عظمة الله بعظمة أعظم الملوك الذين يجلسون على العروش. وقد عَرَف العرب من أولئك ملوكَ الفرس وملوكَ الروم وكان هؤلاء مضرب الأمثال عندهم في العظمة.

وحَسّنَ التعبيرَ بالاستواء مقارنته بالعرش الذي هو ممّا يُستوى عليه في المتعارف، فكان ذكر الاستواء كالترشيح لإطلاق العرش على السماء العظمى، فالآية من المتشابه البيّن تأويله باستعمال العرب وبما تقرر في العقيدة: أن ليس كمثله شيء.

وقيل: الاستواء يستعمل بمعنى الاستيلاء. وأنشدوا قول الأخطل:

قد استوى بشر على العراقبغير سيف ودمٍ مُهْراق

وهو مولّد. ويحتمل أنه تمثيل كالآية. ولعلّه انتزعه من هذه الآية.

وتقدم القول في هذا عند قوله تعالى:

{ ثم استوى على العرش }في سورة [الأعراف: 54]. وإنما أعدنا بعضه هنا لأن هذه الآية هي المشتهرة بين أصحابنا الأشعرية.

وفي تقييد الأبيّ على تفسير ابن عرفة: واختار عز الدين بن عبد السلام عدم تكفير من يقول بالجهة. قيل لابن عرفة: عادتك تقول في الألفاظ الموهمة الواردة في الحديث كما في حديث السوداء وغيرها، فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - دليلٌ على عدم تكفير من يقول بالتجسيم، فقال: هذا صعب ولكن تجاسرتُ على قوله اقتداء بالشيخ عز الدين لأنه سبقني لذلك.

وأتبع ما دلّ على عظمة سلطانه تعالى بما يزيده تقريراً وهو جملة: {له ما في السمَّاوات} الخ. فهي بيان لجملة {الرحمان على العرش استوىٰ}. والجملتان تدلان على عظيم قدرته لأن ذلك هو المقصود من سعة السلطان.

وتقديم المجرور في قوله {له ما في السماوات} للقصر، رداً على زعم المشركين أن لآلهتهم تصرفات في الأرض، وأن للجنّ اطلاعاً على الغيب، ولتقرير الردّ ذكرت أنحاء الكائنات، وهي السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى.

والثّرى: التراب. وما تحته: هو باطن الأرض كله.

وجملة {له ما في السَّماوات} عطف على جملة {على العرشِ اسْتَوى}.

وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ۝٧

عطف على جملة

{ له ما في السماوات وما في الأرض }[طه: 6] لدلالة هذه الجملة على سعة علمه تعالى كما دلّت الجملة المعطوف عليها على عظيم سلطانه وقدرته. وأصل النظم: ويعلم السر وأخفى إن تجهر بالقول؛ فموقع قوله: {وإن تَجْهَر بالقَوْلِ} موقع الاعتراض بين جملة {يعلم السر وأخفى} وجملة {الله لا إله إلاّ هو}. فصيغ النظم في قالب الشرط والجزاء زيادة في تحقيق حصوله على طريقة ما يسمى بالمذهب الكلامي، وهو سوق الخبر في صيغة الدليل على وقوعه تحقيقاً له.

والمعنى: إنه يعلم السر وأخفى من السرّ في الأحوال التي يجهر فيها القائل بالقول لإسماع مخاطبه، أي فهو لا يحتاج إلى الجهر لأنه يعلم السر وأخفى. وهذا أسلوب متبع عند البلغاء شائع في كلامهم بأساليب كثيرة. وذلك في كل شرط لا يقصد به التعليق بل يقصد التحقيق كقول أبي كبير الهذيلي:

فأتت به حُوش الفؤاد مبطّناسُهُداً إذَا ما نَام ليلُ الهَوْجل

أي سُهُداً في كلّ وقت حين ينام غيره ممن هو هَوْجل. وقول بشامة بن حزن النهشلي:

إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهمحَدّ الظُبات وصَلناها بأيدينا

وقول إبراهيم بن كُنيف النبهاني:

فإن تكن الأيام جَالت صروفهاببؤسَى ونُعمى والحوادث تفعلفما ليَّنَتْ منا قناةً صَليبةًوما ذللتنا للّتي ليس تَجْمُل

وقول القطامِي:

فمن تكن الحضارة أعجبتهفأيّ رجال بادية ترانا

فالخطاب في قوله وإنْ تَجْهَر} يجوز أن يكون خطاباً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يعم غيره. ويجوز أن يكون لغير معيّن ليعم كلّ مخاطب.

واختير في إثبات سعة علم الله تعالى خصوص علمه بالمسموعات لأنّ السر أخفى الأشياء عن علم الناس في العادة. ولمّا جاء القرآن مذكراً بعلم الله تعالى توجهت أنظار المشركين إلى معرفة مدى علم الله تعالى وتجادلوا في ذلك في مجامعهم. وفي «صحيح البخاري» عن عبدالله بن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقهُ قلوبِهم فقال أحدهم: أترون أنّ الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جَهَرنا ولا يسمع إن أخفينا وقال الآخر: إنْ كان يسمع إذا جهرنا (أي وهو بعيد عنا) فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله تعالى:

{ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا قلوبكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون }[فصلت: 22]. وقد كثر في القرآن أنّ الله يعلم ما يسرّ الناس وما يعلنون ولا أحسب هذه الآية إلا ناظرة إلى مثل ما نظرتْ الآية الآنفة الذكر. وقال تعالى: { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرّون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور }[هود: 5].

يبقى النظر في توجيه الإتيان بهذا الشرط بطريقة الاعتراض، وتوجيه اختيار فرض الشرط بحالة الجهر دون حالة السر مع أن الذي يتراءى للناظر أنّ حالة السر أجدر بالذكر في مقام الإعلام بإحاطة علم الله تعالى بما لا يحيط به علم الناس، كما ذكر في الخبر المروي عن ابن مسعود في الآية الآنفة الذكر.

وأحسب لفرض الشرط بحالة الجهر بالقول خصوصية بهذا السياق اقتضاها اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهر بالقرآن في الصلاة أو غيرها، فيكون مورد هذه الآية كمورد قوله تعالى:

{ واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول }[الأعراف: 205] فيكون هذا مما نسخَه قوله تعالى: { فاصدَع بما تؤمر }[الحجر: 94]، وتعليم للمسلمين باستواء الجهر والسر في الدعاء، وإبطال لتوهم المشركين أن الجهر أقرب إلى علم الله من السر، كما دل عليه الخبر المروي عن أبي مسعود المذكور آنفاً.

والقول: مصدر، وهو تلفظ الإنسان بالكلام، فيشمل القراءة والدعاء والمحاورة، والمقصود هنا ما له مزيد مناسبة بقوله تعالى:

{ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }[طه: 2] الآيات.

وجواب شرط {وإن تجهر بالقول} محذوف يدل عليه قوله: {فإنه يعلم السر وأخفى}. والتقدير: فلا تشقّ على نفسك فإنّ الله يعلم السر وأخفى، أي فلا مزية للجهر به.

وبهذا تعلم أن ليس مساق الآية لتعليم الناس كيفية الدعاء، فقد ثبت في السُّنّة الجهر بالدعاء والذكر، فليس من الصّواب فرض تلك المسألة هنا إلاّ على معنى الإشارة.

وأخفى اسم تفضيل، وحذف المفضل عليه لدلالة المقام عليه، أي وأخفى من السر. والمراد بأخفى منه: ما يتكلم اللسان من حديث النفس ونحوه من الأصوات التي هي أخفى من كلام السر.

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۝٨

تذييل لما قبله لأنّ ما قبله تضمن صفات من فعل الله تعالى ومن خَلقه ومن عظمته فجاء هذا التذييل بما يجمع صفاته.

واسم الجلالة خبر لمبتدأ محذوف. والتقدير: هو الله، جرياً على ما تقدّم عند قوله تعالى:

{ الرَّحمٰنُ على العَرْشِ استَوَىٰ }[طه: 5].

وجملة {لا إلٰهَ إلاَّ هُو} حال من اسم الجلالة. وكذلك جملة {لهُ الأسماءُ الحُسْنىٰ}.

والأسماء: الكلمات الدالة على الاتّصاف بحقائق. وهي بالنسبة إلى الله: إما علَم وهو اسم الجلالة خاصةً. وإما وصف مثل الرحمان والجبّار وبقية الأسماء الحسنى.

وتقديم المجرور في قوله {له الأسماءُ الحُسْنى} للاختصاص، أي لا لغيره لأنّ غيره إما أن يكون اسمه مجرداً من المعاني المدلولة للأسماء مثل الأصنام، وإما أن تكون حقائقها فيه غير بالغة منتهى كمال حقيقتها كاتصاف البشر بالرحمة والمِلك، وإما أن يكون الاتّصاف بها كَذباً لا حقيقة، كاتصاف البشر بالكِبْر، إذ ليس أهلاً للكبر والجبروت والعزّة.

ووصْف {الأسمَاءُ} بـ{الحُسْنىٰ} لأنها دالة على حقائق كاملة بالنسبة إلى المسمى بها تعالى وتقدس. وذلك ظاهر في غير اسم الجلالة، وأما في اسم الجلالة الذي هو الاسم العلَم فلأنه مخالف للأعلام من حيث إنّه في الأصل وصف دال على الانفراد بالإلهية لأنّه دال على الإله، وعُرّف باللام الدالة على انحصار الحقيقة عنده، فكان جامعاً لمعنى وجوب الوجود، واستحق العبادة لوجود أسباب استحقاقها عنده.

وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى:

{ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } } في سورة الأعراف (180).

وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ۝٩ إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ۝١٠

أعقب تثبيت الرسول على التبليغ والتنويه بشأن القرآن بالنسبة إلى من أنزله ومن أنزل عليه بذكر قصة موسى - عليه السلام - ليتأسّى به في الصبر على تحمل أعباء الرسالة ومقاساة المصاعب، وتسليةً له بأن الذين كذبوه سيكون جزاؤهم جزاء مَن سلَفَهم من المكذبين، ولذلك جاء في عقب قصة موسى قوله تعالى:

{ وقد آتيناك من لدنا ذكراً من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً خالدين فيه }[طه: 99 ـــ 101]. وجاء بعد ذكر قصة آدم وأنه لم يكن له عزم { فاصبر على ما يقولون }[طه: 130] الآيات.

فجملة {وهل أتَاكَ حَدِيثُ موسىٰ} عطف على جملة

{ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }[طه: 2]. الغرض هو مناسبة العطف كما تقدم قريباً. وهذه القصة تقدّم بعضها في سورة الأعراف وسورة يونس.

والاستفهام مستعمل في التشويق إلى الخبر مجازاً وليس مستعملاً في حقيقته سواء كانت هذه القصة قد قُصت على النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل أم كان هذا أولَ قصصها عليه. وفي قوله: {إذ رأى ناراً} زيادة في التشويق كما يأتي قريباً.

وأوثر حرف (هل) في هذا المقام لما فيه من معنى التحقيق لأن (هل) في الاستفهام مثل (قَد) في الإخبار.

والحديث: الخبر، وهو اسم للكلام الذي يحكى به أمر حدث في الخارج، ويجمع على أحاديث على غير قياس. قال الفراء: «واحِد الأحاديث أُحْدُوثة ثم جعلوه جمعاً للحديث» اه. يعني استغنوا به عن صيغة فُعلاء.

و{إذْ} ظرف للحديث. وقد تقدّم نظائره، وخص هذا الظرف بالذكر لأنه يزيد تشويقاً إلى استعلام كنه الخبر، لأن رؤية النار تحتمل أحوالاً كثيرة.

ورؤية النار تدلّ على أن ذلك كان بليل، وأنه كان بحاجة إلى النار؛ ولذلك فرع عليه: {فَقَالَ لأَهْله امْكُثُوا}... الخ.

والأهل: الزوج والأولاد. وكانوا معه بقرينة الجمع في قوله {امكثوا}. وفي سفر الخروج من التّوراة «فأخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع إلى أرض مصر».

وقرأ الجمهور - بكسر هاء ضمير - {أهلِه} على الأصل. وقرأه حمزة وخلف: بضم الهاء، تبعاً لضمة همزة الوصل في امكثوا.

والإيناس: الإبصار البيّن الذي لا شبهة فيه.

وتأكيد الخبر بإن لقصد الاهتمام به بشارة لأهله إذ كانوا في الظلمة.

والقبَس: ما يؤخذ اشتعاله من اشتعال شيء ويقبس، كالجَمرة من مجموع الجمر والفتيلة ونحو ذلك. وهذا يقتضي أنه كان في ظلمة ولم يجد ما يقتدح به. وقيل: اقتدح زَنده فَصَلَد، أي لم يقدح.

ومعنى {أو أجدُ على النار هدى}: أو ألقَى عارفاً بالطريق قاصداً السير فيما أسير فيه فيهديني إلى السبيل. قيل: كان موسى قد خفي عليه الطريق من شدّة الظلمة وكان يحب أن يسير ليلاً.

و {أوْ} هنا للتخيير، لأنّ إتيانه بقبس أمر محقق، فهو إما أن يأخذ القبس لا غير، وإما أن يزيد فيجد صاحب النار قاصداً الطريق مثله فيصحبه.

وحرف {على} في قوله: {أو أجِدُ على النَّارِ هُدىً} مستعمل في الاستعلاء المجازي، أي شدّة القرب من النار قرباً أشبه الاستعلاء، وذلك أنّ مُشعِل النار يستدني منها للاستنارة بضوئها أو للاصطلاء بها. قال الأعشى:

وباتَ على النار النّدى والمحلّقُ

وأراد بالهدى صاحب الهدى. وقد أجرى الله على لسان موسى معنى هذه الكلمة إلهاماً إياه أنه سيجد عند تلك النار هُدى عظيماً، ويبلّغ قومه منه ما فيه نفعهم.

وإظهار النّار لموسى رمْز رباني لطيف؛ إذ جعل اجتلابه لتلقي الوحي باستدعاء بنور في ظلمة رمزاً على أنه سيتلقى ما به إنارة ناس بدين صحيح بعد ظلمة الضلال وسوء الاعتقاد.

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَٰمُوسَىٰٓ ۝١١ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ۝١٢ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ۝١٣

بني فعل النداء للمجهول زيادة في التشويق إلى استطلاع القصة، فإبهام المنادي يشوّق سامع الآية إلى معرفته فإذا فاجأه {إنِّي أنا ربُّكَ} علم أنّ المنادي هو الله تعالى فتمكن في النفس كمال التمكن. ولأنه أدخل في تصوير تلك الحالة بأنّ موسى ناداه مناد غير معلوم له، فحكي نداؤه بالفعل المبني للمجهول.

وجملة {إنِّي أنا ربُّكَ} بيان لجملة {نُودِيَ}. وبهذا النداء علم موسى أنّ الكلام موجّه إليه من قِبَل الله تعالى لأنه كلام غير معتاد والله تعالى لا يغيّر العوائد التي قررها في الأكوان إلاّ لإرادة الإعلام بأنّ له عناية خاصة بالمغيّر، فالله تعالى خلق أصواتاً خَلقاً غير معتاد غير صادرة عن شخص مشاهد، ولا موجهة له بواسطة ملَك يتولى هو تبليغ الكلام لأنّ قوله {إنِّي أنا ربُّكَ} ظاهر في أنه لم يبلّغ إليه ذلك بواسطة الملائكة، فلذلك قال الله تعالى:

{ وكلم الله موسى تكليماً }[النساء: 164]، إذ علم موسى أن تلك الأصوات دالة على مراد الله تعالى. والمرادُ التي تدلّ عليه تلك الأصوات الخارقة للعادة هو ما نسميه بالكلام النفسي. وليس الكلام النفسي هو الذي سمعه موسى لأن الكلام النفسي صفة قائمة بذات الله تعالى منزّه عن الحروف والأصوات والتعلّق بالأسماع.

والإخبار عن ضمير المتكلم بأنه ربّ المخاطب لتسكين روعة نفسه من خطاب لا يرى مخاطِبه فإن شأن الرب الرفق بالمربوب.

وتأكيد الخبر بحرف (إنّ) لتحقيقه لأجل غرابته دفعاً لتطرق الشك عن موسى في مصدر هذا الكلام.

وقرأ أبو عمرو وابن كثير «أني» بفتح الهمزة على حذف باء الجر. والتقدير: نودي بأني أنا ربّك. والتأكيد حاصل على كلتا القراءتين.

وتفريع الأمر بخلع النعلين على الإعلام بأنه ربّه إشارة إلى أن ذلك المكان قد حلّه التقديس بإيجاد كلام من عند الله فيه.

والخلع: فصل شيء عن شيء كان متّصلاً به.

والنعلان: جلدان غليظان يجعلان تحت الرجل ويشدّان برباط من جلد لوقاية الرِّجل ألم المشي على التّراب والحصى، وكانت النعل تجعل على مثال الرجل.

وإنما أمره الله بخلع نعليه تعظيماً منه لذلك المكان الذي سيسمع فيه الكلام الإلهي. وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

كانت نعلاه من جلد حمارٍ ميّت. أقول: وفيه أيضاً زيادة خشوع. وقد اقتضى كلا المعنيين قوله تعالى: {إنَّكَ بالوادِ المُقَدَّسِ} فحرف التوكيد مفيد هنا التعليل كما هو شأنه في كل مقام لا يقتضي التأكيد. وهذه خصوصية من جهات فلا يؤخذ منها حكمٌ يقتضي نزع النعل عند الصلاة.

والواد: المَفْرج بين الجبال والتلالِ. وأصله بياء في آخره. وكثر تخفيفه بحذف الياء كما في هذه الآية فإذا ثُني لزمتْه الياء يقال: وادِيان ولا يقال وادَان. وكذلك إذا أضيف يقال: بوادِيك ولا يقال بوادِك.

والمقدّس: المطهّر المنزّه. وتقدم في قوله تعالى:

{ ونُقدس لك }في أول البقرة (30). وتقديس الأمكنة يكون بما يحلّ فيها من الأمور المعظمة وهو هنا حلول الكلام الموجه من قِبَل الله تعالى

واختلف المفسرون في معنى {طُوَىً} وهو بضم الطاء وبكسرها، ولم يقرأ في المشهور إلاّ بضم الطاء، فقيل: اسم لذلك المكان، وقيل: هو اسم مصدر مثل هُدى، وصف بالمصدر بمعنى اسم المفعول، أي طواه موسى بالسير في تلك الليلة، كأنه قيل له: إنك بالواد المقدّس الذي طويتَه سَيراً، فيكون المعنى تعيين أنه هو ذلك الواد. وأحسن منه على هذا الوجه أن يقال هو أمر لموسى بأن يطوي الوادي ويصعَدَ إلى أعلاه لتلقي الوحي. وقد قيل: إنّ موسى صَعِدَ أعلى الوادي. وقيل: هو بمعنى المقدس تقديسين، لأن الطي هو جعل الثوب على شقين، ويجيء على هذا الوجه أن تجعل التثنية كناية عن التكرير والتضعيف مثل:

{ ثم ارجع البصر كرتين }[الملك: 4]. فالمعنى: المقدّس تقديساً شديداً. فاسم المصدر مفعول مطلق مبيّن للعدد، أي المقدّس تقديساً مضاعفاً.

والظاهر عندي: أنّ {طُوىً} اسم لصنف من الأودية يكون ضيقاً بمنزلة الثوب المطوي أو غائراً كالبئر المطوية، والبئر تسمى طَوِيّاً. وسمي وادٍ بظاهر مكة (ذا طوى) بتثليث الطاء، وهو مكان يسن للحاج أو المعتمر القادم إلى مكة أن يغتسل عنده.

وقد اختلف في (طوى) هل ينصرف أو يمنع من الصرف بناء على أنه اسم أعجمي أو لأنه معدول عن طاو، مثل عُمر عن عامر.

وقرأ الجمهور {طوى} بلا تنوين على منعه من الصرف. وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف منوّناً، لأنه اسم واد مذكّر.

وقوله {وأنَا اخْتَرْتُكَ} أخبر عن اختيار الله تعالى موسى بطريق المسند الفعلي المفيد تقوية الحكم، لأنّ المقام ليس مقام إفادة التخصيص، أي الحصر نحو: أنا سعيت في حاجتك، وهو يعطي الجزيل. وموجِب التقوّي هو غرابة الخبر ومفاجأته به دفعاً لتطرّق الشك في نفسه.

والاختيار: تكلف طلب ما هو خير. واستعملت صيغة التكلف في معنى إجادة طلب الخير.

وفُرع على الإخبار باختياره أن أُمِر بالاستماع للوحي لأنه أثر الاختيار إذ لا معنى للاختيار إلاّ اختياره لتلقي ما سيوحي الله.

والمراد: ما يوحى إليه حينئذ من الكلام، وأما ما يوحى إليه في مستقبل الأيام فكونه مأموراً باستماعه معلوم بالأحْرى.

وقرأ حمزة وحده «وأنّا اخترناك» بضميري التعظيم.

واللام في {لِمَا يُوحَى} للتقوية في تعدية فعل «استمع» إلى مفعوله، فيجوز أن تتعلق بـ{اخْتَرْتُكَ}، أي اخترتك للوحي فاستمع، معترضاً بين الفعل والمتعلّق به. ويجوز أن يضمّن استمع معنى أصْغِ.

إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ۝١٤ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ۝١٥ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ۝١٦

هذا ما يوحى المأمور باستماعه، فالجملة بدل من

{ ما يوحى }[طه: 13] بدلاً مطابقاً.

ووقع الإخبار عن ضمير المتكلّم باسمه العلَم الدالّ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد. وذلك أول ما يجب علمه من شؤون الإلهية، وهو أن يعلم الاسم الذي جعله الله علَماً عليه لأن ذلك هو الأصل لجميع ما سيُخاطب به من الأحكام المبلغة عن ربّهم.

وفي هذا إشارة إلى أنّ أول ما يتعارف به المتلاقون أن يعرفوا أسماءهم، فأشار الله إلى أنه عالم باسم كليمه وعلّم كليمه اسمه، وهو الله.

وهذا الاسم هو علم الربّ في اللغة العربية. واسمه تعالى في اللغة العبرانية (يَهْوهْ) أو (أَهْيَهْ) المذكور في الإصحاح الثالث من سفر الخروج في التّوراة، وفي الإصحاح السادس. وقد ذكر اسم الله في مواضع من التوراة مثل الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر الخروج في الفقرة الثامنة عشرة، والإصحاح الثاني والثلاثين في الفقرة السادسة عشرة. ولعله من تعبير المترجمين وأكثر تعبير التّوراة إنما هو الرب أو الإله.

ولفظ (أهْيَهْ) أو (يَهْوَهْ) قريب الحروف من كلمة إله في العربية.

ويقال: إن اسم الجلالة في العبرانية «لاَهُمْ». ولعل الميم في آخره هي أصل التنوين في إله.

وتأكيد الجملة بحرف التأكيد لدفع الشك عن موسى؛ نزل منزلة الشاكّ لأن غرابة الخبر تعرّض السامع للشك فيه.

وتوسيط ضمير الفصل بقوله {إنَّني أنا الله} لزيادة تقوية الخبر، وليس بمفيد للقصر، إذ لا مقتضى له هنا لأن المقصود الإخبار بأنّ المتكلّم هو المسمى الله، فالحمل حمل مواطاة لا حملُ اشتقاق. وهو كقوله تعالى:

{ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم }[المائدة: 72].

وجملة {لا إلٰه إلاَّ أنا} خبر ثان عن اسم (إنّ). والمقصود منه حصول العلم لموسى بوحدانية الله تعالى

ثمّ فرع على ذلك الأمر بعبادته. والعبادة تجمع معنى العمل الدالّ على التعظيم من قول وفعل وإخلاصٍ بالقلب. ووجه التفريع أن انفراده تعالى بالإلهية يقتضي استحقاقه أن يُعبد.

وخصّ من العبادات بالذكر إقامة الصلاة لأنّ الصلاة تجمع أحوال العبادة. وإقامة الصلاة: إدامتها، أي عدم الغفلة عنها.

والذكر يجوز أن يكون بمعنى التذكر بالعقل، ويجوز أن يكون الذكر باللّسان.

واللاّم في {لِذِكْرِي} للتّعليل، أي أقم الصلاة لأجل أن تذْكُرني، لأنّ الصلاة تذكّر العبد بخالقه. إذ يستشعر أنه واقف بين يدي الله لمناجاته. ففي هذا الكلام إيماء إلى حكمة مشروعية الصلاة وبضميمته إلى قوله تعالى:

{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر }[العنكبوت: 45] يظهر أن التقوى من حكمة مشروعية الصلاة لأنّ المكلّف إذا ذكر أمر الله ونهيه فعل ما أمره واجتنب ما نهاه عنه والله عرّف موسى حكمَة الصلاة مُجملةً وعرّفها محمداً - صلى الله عليه وسلم - مفصّلة.

ويجوز أن يكون اللام أيضاً للتوقيت، أي أقم الصلاة عند الوقت الذي جعلتُه لذِكري. ويجوز أن يكون الذكر الذكرَ اللساني لأن ذكر اللسان يحرّك ذكر القلب ويشتمل على الثناء على الله والاعترافِ بما له من الحق، أي الذي عيّنته لك. ففي الكلام إيماء إلى ما في أوقات الصلاة من الحكمة، وفي الكلام حذف يعلم من السياق.

وجملة {إنَّ السَّاعة ءَاتِيَة} مستأنفة لابتداء إعلام بأصل ثان من أصول الدّين بعد أصل التوحيد، وهو إثبات الجزاء.

والساعة: علَم بالغلبة على ساعة القيامة أو ساعة الحساب.

وجملة {أكَادُ أُخْفِيهَا} في موضع الحال من الساعَةَ، أو معترضة بين جملة وعلّتها.

والإخفاء: الستر وعدم الإظهار، وأريد به هنا المجاز عن عدم الإعلام.

والمشهورُ في الاستعمال أن «كاد» تدلّ على مقاربة وقوع الفعل المخبر به عنها، فالفعل بعدها في حيّز الانتفاء، فقوله تعالى:

{ كادُوا يكونون عليه لِبداً }[الجنّ: 19] يدلّ على أن كونهم لِبَداً غير واقع ولكنه اقترب من الوقوع.

ولما كانت الساعة مخفية الوقوع، أي مخفية الوقت، كان قوله {أكاد أُخفيها} غير واضح المقصود، فاختلفوا في تفسيره على وجوه كثيرة أمثلها ثلاثة.

فقيل: المراد إخفاء الحديث عنها، أي من شدّة إرادة إخفاء وقتها، أي يراد ترك ذكرها ولعلّ توجيه ذلك أنّ المكذبين بالساعة لم يزدهم تكرر ذكرها في القرآن إلا عناداً على إنكارها.

وقيل: وقعت {أكَادُ} زائدة هنا بمنزلة زيادة (كان) في بعض المواضع تأكيداً للإخفاء. والمقصود: أنا أخفيها فلا تأتي إلاّ بغتة.

وتأوّل أبو عليّ الفارسي معنى {أُخْفِيها} بمعنى (أظهرها)، وقال: همزة {أخفيها} للإزالة مثل همزة أعْجَم الكتابَ، وأشكى زيداً، أي أزيل خفاءَها. والخفاء: ثوب تلفّ فيه القِربة مستعار للستر.

فالمعنى: أكاد أظهرها، أي أظهر وقوعها، أي وقوعها قريب. وهذه الآية من غرائب استعمال (كاد) فيضم إلى استعمال نفيها في قوله:

{ وما كادوا يفعلون }في سورة البقرة (71).

وقوله {لِتُجْزَىٰ} يتعلّق بـ{آتِيَةٌ} وما بينهما اعتراض. وهذا تعليم بحكمة جعل يوم للجزاء.

واللام في {لِتُجْزى كلُّ نَفْسٍ} متعلّق بـ{آتِيَةٌ}.

ومعنى {بِمَا تَسْعَىٰ} بما تعمل، فإطلاق السعي على العمل مجاز مرسل، كما تقدم في قوله:

{ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } في سورة الإسراء (19).

وفُرع على كونها آتية وأنها مخفاة التحذيرُ من أن يصدّه عن الإيمان بها قوم لا يؤمنون بوقوعها اغتراراً بتأخر ظهورها، فالتفريع على قوله {أكاد أُخفيها} أوقع لأنّ ذلك الإخفاء هو الذي يُشبّه به الذين أنكروا البعث على الناس، قال تعالى:

{ فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً }[الإسراء: 51] وقال: { وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين }[الجاثية: 32].

وصيغ نهي موسى عن الصدّ عنها في صيغة نهي من لا يؤمن بالساعة عن أن يصدّ موسى عن الإيمان بها، مبالغة في نهي موسى عن أدنى شيء يحول بينه وبين الإيمان بالساعة، لأنه لما وجّه الكلام إليه وكان النّهي نهي غير المؤمن عن أن يصدّ موسى، عُلم أنّ المراد نهي موسى عن ملابسة صدّ الكافر عن الإيمان بالساعة، أي لا تكن ليّن الشكيمة لمن يصدك ولا تُصْغ إليه فيكون لينك له مجرئاً إياه على أن يصدك، فوقع النهي عن المسبب. والمراد النهي عن السبب، وهذا الأسلوب من قبيل قولهم: لا أعرفنّك تفعل كذا ولا أرَينّك ههنا.

وزيادة {واتَّبَعَ هَواه} للإيماء بالصلة إلى تعليل الصدّ، أي لا داعي لهم للصدّ عن الإيمان بالساعة إلا اتّباع الهوى دون دليل ولا شبهة، بل الدليل يقتضي الإيمان بالساعة كما أشار إليه قوله {لِتُجزى كلُّ نفسٍ بما تَسعى}.

وفرع على النهي أنّه إن صُدّ عن الإيمان بالساعة رَدِيَ، أي هلك. والهلاك مستعار لأسْوأ الحال كما في قوله تعالى:

{ يهلكون أنفسهم }في سورة براءة (42).

والتفريع ناشىء عن ارتكاب المنهِي لا على النهي، ولذلك جيء بالتفريع بالفاء ولم يقع بالجزاء المجزوم، فلم يقل: تَرْدَ، لعدم صحة حلول (إنْ) مع (لا) عوضاً عن الجزاء، وذلك ضابط صحة جزم الجزاء بعد النّهي.

وقد جاء خطاب الله تعالى لموسى عليه السلام بطريقة الاستدلال على كلّ حكمٍ، وأمرٍ أو نهي، فابتدىء بالإعلام بأنّ الذي يُكلمه هو الله، وأنه لا إله إلاّ هو، ثمّ فرع عليه الأمر في قوله {فاعْبُدني وأقِمِ الصلَوٰةَ لِذِكري}، ثم عقب بإثبات الساعة، وعلل بأنها لتجزى كلّ نفس بما تسعى، ثم فرع عليه النهي عن أن يصده عنها من لا يؤمن بها. ثم فرع على النهي أنه إن ارتكب ما نهي عنه هلك وخسر.

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝١٧ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ۝١٨ قَالَ أَلْقِهَا يَٰمُوسَىٰ ۝١٩ فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ۝٢٠ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ۝٢١

بقية ما نودي به موسى. والجملة معطوفة على الجمل قبلها انتقالاً إلى محاورة أراد الله منها أن يُري موسى كيفية الاستدلال على المرسَل إليهم بالمعجزة العظيمة، وهي انقلاب العصا حيّة تأكل الحيات التي يظهرونها.

وإبراز انقلاب العصَا حيّةً في خلال المحاورة لقصد تثبيت موسى، ودفع الشكّ عن أن يتطرقه لو أمره بذلك دون تجربة لأنّ مشاهدَ الخوارق تسارع بالنفس بادىء ذي بدء إلى تأويلها وتُدخل عليها الشك في إمكان استتار المعتاد بساتر خفي أو تخييل، فلذلك ابتدىء بسؤاله عما بيده ليوقن أنه ممسك بعصاه حتى إذا انقلبت حيّة لم يشك في أنّ تلك الحيّة هي التي كانت عصاه. فالاستفهام مستعمل في تحقيق حقيقة المسؤول عنه.

والقصد من ذلك زيادة اطمئنان قلبه بأنه في مقام الاصطفاء، وأن الكلام الذي سمعه كلام من قبل الله بدون واسطة متكلّم معتاد ولا في صورة المعتاد، كما دلّ عليه قوله بعد ذلك

{ لنريك من آياتنا الكبرى }[طه: 23].

فظاهر الاستفهام أنه سؤال عن شيء أشير إليه. وبُنيت الإشارة بالظرف المستقر وهو قوله {بِيَمِينِكَ}، ووقع الظرف حالاً من اسم الإشارة، أي ما تلك حال كونها بيمينك؟.

ففي هذا إيماء إلى أن السؤال عن أمر غريب في شأنها، ولذلك أجاب موسى عن هذا الاستفهام ببيان ماهية المسؤول عنه جرياً على الظاهر، وببيان بعض منافعها استقصاء لمراد السائل أن يكون قد سأل عن وجه اتخاذه العصا بيده لأنّ شأن الواضحات أن لا يسأل عنها إلاّ والسائل يريد من سؤاله أمراً غير ظاهر، ولذلك لما

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجّة الوداع: «أيُّ يوم هذا؟» سكت النّاس وظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. وفي رواية أنهم قالوا: «الله ورسوله أعلم، فقال: أليس يوم الجمعة؟...» إلى آخره.

فابتدأ موسى ببيان الماهية بأسلوب يؤذن بانكشاف حقيقة المسؤول عنه، وتوقع أن السؤال عنه توسل لتطلب بيان وراءه. فقال: {هِيَ عَصَايَ}، بذكر المسند إليه، مع أنّ غالب الاستعمال حذفه في مقام السؤال للاستغناء عن ذكره في الجواب بوقوعه مسؤولاً عنه، فكان الإيجاز يقتضي أن يقول: عصاي. فلما قال: {هِيَ عَصَايَ} كان الأسلوب أسلوب كلام من يتعجب من الاحتياج إلى الإخبار، كما يقول سائل لما رأى رجلاً يعرفه وآخر لا يعرفه: من هذا معك؟ فيقول: فلان، فإذا لقيَهما مرة أخرى وسأله: من هذا معك؟ أجابه: هو فلان، ولذلك عَقب موسى جوابَه ببيان الغرض من اتّخاذها لعلّه أن يكون هو قصد السائل فقال: {أتَوَكَّؤُا عليها وأَهُشُّ بها على غَنَمي ولِي فيها مَئَارِبُ أُخْرَىٰ}. ففصّل ثمّ أجمل لينظر مقدار اقتناع السائل حتّى إذا استزاده بياناً زاده.

والباء في قوله {بِيَمِينِكَ} للظرفية أو الملابسة.

والتوكّؤ: الاعتماد على شيء من المتاع، والاتّكاء كذلك، فلا يقال: توكّأ على الحائط ولكن يقال: توكأ على وسادة، وتوكأ على عصا.

والهَشّ: الخَبْط، وهو ضرب الشجرة بعصاً ليتساقط ورقها، وأصله متعدّ إلى الشجرة فلذلك ضمت عينه في المضارع، ثمّ كثر حذف مفعوله وعدي إلى ما لأجله يوقع الهش بـ(على) لتضمين (أهشّ) معنى أُسقط على غنمي الورق فتأكله، أو استعملت (على) بمعنى الاستعلاء المجازي كقولهم: هو وكيل على فلان.

ومَآرب: جمع مَأرُبة، مثلث الراء: الحاجة، أي أمور أحتاج إليها. وفي العصا منافع كثيرة روي بعضها عن ابن عباس، وقد أفرد الجاحظ من كتاب «البيان والتبيين» باباً لمنافع العصا. ومن أمثال العرب: «هو خير من تفارق العصا». ومن لطائف معنى الآية ما أشار إليه بعض الأدباء من أن موسى أطنب في جوابه بزيادة على ما في السؤال لأنّ المقام مقام تشريف ينبغي فيه طول الحديث.

والظاهر أنّ قوله {مَئَارب أُخرى} حكاية لقول موسى بمماثله، فيكون إيجازاً بعد الإطناب، وكان يستطيع أن يزيد من ذكر فوائد العصا. ويجوز أن يكون حكاية لقول موسى بحاصل معناه، أي عدّ منافع أخرى، فالإيجاز من نظم القرآن لا من كلام موسى - عليه السلام -.

والضمير المشترك في {قال ألقِها} عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات من التكلّم الذي في قوله إنني أنا الله؛ دعا إلى الالتفات وقوع هذا الكلام حواراً مع قول موسى: {هي عصاي...} إلخ.

وقوله {أَلقِهَا} يتضح به أن السؤال كان ذريعة إلى غرض سيأتي، وهو القرينة على أن الاستفهام في قوله {وما تلك بيمينك} مستعمل في التنبيه إلى أهمية المسؤول عنه كالذي يجيء في قوله:

{ وما أعجلك عن قومك يا موسى }[طه: 83].

والحيّة: اسم لصنف من الحنش مسموم إذا عضّ بنابيه قتل المعضوض، ويطلق على الذكر.

ووصف الحيّة بـ{تَسعَىٰ} لإظهار أنّ الحياة فيها كانت كاملة بالمشي الشديد. والسعي: المشي الذي فيه شدّة، ولذلك خصّ غالباً بمشي الرجل دون المرأة.

وأعيد فعل {قَالَ خُذْهَا} بدون عطف لوقوعه في سياق المحاورة.

والسيرة في الأصل: هيئة السير، وأطلقت على العادة والطبيعة، وانتصب {سِيرَتَها} بنزع الخافض، أي سنعيدها إلى سيرتها الأولى التي كانت قبل أن تنقلب حيّة، أي سنعيدها عصاً كما كانت أول مرة.

والغرض من إظهار ذلك لموسى أن يعرف أنّ العصا تطبعت بالانقلاب حيّة، فيتذكر ذلك عند مناظرة السحرة لئلا يحتاج حينئذ إلى وحي.

وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ۝٢٢ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ۝٢٣

هذه معجزة أخرى عَلمه الله إياها حتى إذا تحدّى فرعون وقومه عمل مثل ذلك أمام السحرة. فهذا تمرين على معجزة ثانية مُتّحِد الغرض مع إلقاء العصا.

والجناح: العضد وما تحته إلى الإبط. أطلق عليه ذلك تشبيهاً بجناح الطائر.

والضمّ: الإلصاق، أي ألصق يدك اليمنى التي كنت ممسكاً بها العصا. وكيفية إلصاقها بجناحه أن تباشر جِلدَ جناحه بأن يدخلها في جَيْب قميصه حتى تماس بَشرة جنبه، كما في آية سورة سليمان:

{ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء }[النّمل: 12]. جعل الله تغيّر لون جلد يده مماستها جناحه تشريفاً لأكثر ما يناسب من أجزاء جسمه بالفعل والانفعال.

و{بيضَاءَ} حال من ضمير {تَخْرُجُ}، و{مِنْ غيرِ سُوءٍ} حال من ضمير {بَيْضَاء}.

ومعنى {مِنْ غير سُوءٍ} من غير مَرض مثل البَرص والبَهق بأن تصير بيضاء ثم تعود إلى لونها المماثل لونَ بقية بشرته. وانتصب {آيةً} على الحال من ضمير {تَخْرُجُ}.

والتعليل في قوله {لِنُريكَ مِن ءَايٰتِنَا الكُبْرى} راجع إلى قوله {تَخْرُجُ بَيْضَاءَ}، فاللام متعلّقة بــــ{تَخْرُجُ} لأنّه في معنى نجعلها بيضاء فتخرج بيضاء أو نخرجها لك بيضاء. وهذا التعليل راجع إلى تكرير الآية، أي كررنا الآيات لنريك بعض آياتنا فتعلم قدرتنا على غيرها، ويجوز أن يتعلق {لِنُرِيكَ} بمحذوف دلّ عليه قوله {ألقها} وما تفرّع عليه. وقوله {واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ} وما بعده، وتقدير المحذوف: فعلنا ذلك لنريك من آياتنا.

و{مِن ءَايٰتِنَا} في موضع المفعول الثاني لــــ{نريك}، فتكون (مِن) فيه اسماً بمعنى بعض على رأي التفتزاني. وتقدّم عند قوله تعالى:

{ ومن الناس من يقول آمنا بالله } في سورة البقرة (8)، ويشير إليه كلام الكشاف هنا.

و{الكبرى} صفة لــــ{ءَايٰتِنَا}. والكِبر: مستعار لقوّة الماهية. أي آياتنا القوية الدلالة على قدرتنا أو على أنا أرسلناك.

ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ۝٢٤ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ۝٢٥ وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ۝٢٦ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى ۝٢٧ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ۝٢٨ وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى ۝٢٩ هَٰرُونَ أَخِى ۝٣٠ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ۝٣١ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ۝٣٢ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝٣٣ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ۝٣٤ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا ۝٣٥ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٣٦

لما أظهر الله لهُ الآيتين فعلم بذلك أنه مؤيّد من الله تعالى، أمره الله بالأمر العظيم الذي من شأنه أن يُدخل الرّوع في نفس المأمور به وهو مواجهة أعظم ملوك الأرض يومئذ بالموعظة ومكاشفته بفساد حاله، وقد جاء في الآيات الآتية:

{ قالا ربّنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى }[طه: 45، 46].

والذهاب المأمور به ذهاب خاص، قد فهمه موسى من مقدمات الإخبار باختياره، وإظهار المعجزات له، أو صرح له به وطوي ذكره هنا على طريقة الإيجاز، على أنّ التّعليل الواقع بعده ينبىء به.

فجملة {إنه طَغَى} تعليل للأمر بالذهاب إليه، وإنما صلحت للتعليل لأن المراد ذهاب خاص، وهو إبلاغ ما أمر الله بإبلاغه إليه من تغييره عما هو عليه من عبادة غير الله. ولما علم موسى ذلك لم يبادر بالمراجعة في الخوف من ظلم فرعون، بل تلقى الأمر وسأل الله الإعانة عليه، بما يؤول إلى رباطة جأشه وخلق الأسباب التي تعينه على تبليغه، وإعطائه فصاحة القول للإسراع بالإقناع بالحجة.

وحكي جواب موسى عن كلام الرب بفعل القول غير معطوف جرياً على طريقة المحاورات.

ورتّب موسى الأشياء المسؤولة في كلامه على حسب ترتيبها في الواقع على الأصل في ترتيب الكلام ما لم يكن مقتض للعدل عنه.

فالشرح، حقيقته: تقطيع ظاهر شيء ليّن. واستعير هنا لإزالة ما في نفس الإنسان من خواطر تكدره أو توجب تردده في الإقدام على عمل ما تشبيهاً بتشريح اللحم بجامع التوسعة.

والقلب: يراد به في كلامهم والعقل. فالمعنى: أزل عن فكري الخوف ونحوه، مما يعترض الإنسان من عقبات تحول بينه وبين الانتفاع بإقدامه وعزامته، وذلك من العُسر، فسأل تيسير أمره، أي إزالة الموانع الحافّة بما كلف به.

والأمر هنا: الشأن، وإضافة (أمر) إلى ضمير المتكلّم لإفادة مزيد اختصاصه به وهو أمر الرسالة كما في قوله الآتي {وأشْرِكه في أمْرِي}.

والتيسير: جعل الشيء يسيراً، أي ذا يسْر. وقد تقدّم عند قوله تعالى:

{ يريد الله بكم اليسر } في سورة البقرة (185).

ثم سأل سلامة آلة التبليغ وهو اللسان بأن يرزقه فصاحة التعبير والمقدرة على أداء مراده بأوضح عبارة، فشبه حُبسة اللسان بالعُقدة في الحبل أوالخيط ونحوهما لأنها تمنع سرعة استعماله.

والعُقدة: موضع ربط بعض الخيط أو الحبل ببعض آخر منه، وهي بزنة فُعلة بمعنى مفعول كقُضة وغُرفة؛ أطلقت على عسر النطق بالكلام أو ببعض الحروف على وجه الاستعارة لعدم تصرف اللسان عند النطق بالكلمة وهي استعارة مصرّحة، ويقال لها حُبْسة. يقال: عَقِد اللسان كفرح، فهو أعقد إذا كان لا يبين الكلام. واستعار لإزالتها فعل الحل المناسب العقدة على طريقة الاستعارة المكنية.

وزيادة {لِي} بعد {اشْرَحْ} وبعد {يسر} إطناب كما أشار إليه صاحب «المفتاح» لأنّ الكلام مفيد بدونه. ولكن سلك الإطناب لما تفيده اللام من معنى العلّة، أي اشرح صدري لأجلي ويسر أمري لأجلي، وهي اللام الملقبة لامَ التبيين التي تفيد تقوية البيان، فإن قوله {صدري} و {أمري} واضح أن الشرح والتيسير متعلقان به فكان قوله {لي} فيهما زيادة بيان كقوله:

{ ألم نشرح لك صدرك }[الشرح: 1] وهو هنا ضرب من الإلحاح في الدعاء لنفسه.

وأمّا تقديم هذا المجرور على متعلقه فليحصل الإجمال ثم التفصيل فيفيد مفاد التأكيد من أجل تكرر الإسناد.

ولم يأت بذلك مع قوله {واحْللْ عُقدةً مِن لِساني} لأنّ ذلك سؤال يرجع إلى تبليغ رسالة الله إلى فرعون فليست فائدتها راجعة إليه حتى يأتي لها بلام التبيين.

وتنكير {عقدة} للتعظيم، أي عقدة شديدة.

و {مِن لِساني} صفة لـ{عُقْدة}. وعدل عن أن يقول: عقدة لساني، بالإضافة ليتأتى التنكير المشعر بأنها عقدة شديدة.

وفعل {يَفْقَهُوا} مجزوم في جواب الأمر على الطريقة المتّبعة في القرآن من جعل الشيء المطلوب بمنزلة الحاصل عقب الشرط كقوله تعالى:

{ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم }[النور: 30] أي إن نقل لهم غضّوا يغضوا، أي شأنهم الامتثال. والفقه: الفهم.

والوزير: فعيل بمعنى فاعل، من وَزار على غير قياس، مثل حكيم من أحكم، وهو مشتق من الأزْر، وهو المعونة، والمؤازرة كذلك، والكل مشتق من الأزر، أي الظهر، كما سيأتي قريباً، فحقه أن يكون أزيراً بالهمزة إلا أنّهم قلبوا همزته واواً حملاً على موازر الذي هو بمعناه الذي قلبت همزته واواً لانضمام ما قبلها. فلما كثر في الكلام قولهم: موازر ويوازر بالواو نطقوا بنظيره في المعنى بالواو بدون موجب للقلب إلاّ الحمل على النظير في النطق، أي اعتياد النطق بهمزته واواً، أي اجعَل معيناً من أهلي.

وخصّ هارون لفرط ثقته به ولأنه كان فصيح اللسان مقوالاً، فكونه من أهله مظنة النصح له، وكونه أخاه أقوى في المناصحة، وكونه الأخ الخاصّ لأنه معلوم عنده بأصالة الرأي.

وجملة {اشْدُدْ به أَزْرِي} على قراءة الجمهور بصيغة الأمر في فعلي {اشدد}، و{أشرك} بيان لجملة {اجْعَل لي وَزِيراً}. سأل الله أن يجعله معيناً له في أعماله، وسأله أن يأذن له بأن يكون شريكاً لموسى في أمره، أي أمر رسالته.

وقرأ ابن عامر بصيغة المتكلم ــــ بفتح الهمزة المقطوعة ــــ في «اشدُد» ــــ وبضم همزة ــــ «أشركه»، فالفعلان إذن مجزومان في جواب الدعاء كما جزم {يفقهوا قولي}.

و {هٰرُون} مفعول أول لفعل {اجْعَل}، قُدم عليه المفعول الثاني للاهتمام.

والشد: الإمساك بقوّة.

والأزر: أصله الظهر. ولما كان الظهر مجمع حركة الجسم وقوام استقامته أطلق اسمه على القُوّة إطلاقاً شائعاً يساوي الحقيقة فقيل الأزر للقوّة.

وقيل: آزره إذا أعانه وقوّاه. وسمي الإزار إزاراً لأنّه يشدّ به الظهر، وهو في الآية مراد به الظهر ليناسب الشدّ، فيكون الكلام تمثيلاً لهيئة المعين والمعان بهيئة مشدود الظهر بحزام ونحوه وشادّه.

وعلّل موسى - عليه السلام - سؤاله تحصيل ما سأله لنفسه ولأخيه، بأن يسبّحا الله كثيراً ويذكُرَا الله كثيراً. ووجه ذلك أنّ فيما سأله لنفسه تسهيلاً لأداء الدعوة بتوفر آلاتها ووجود العون عليها، وذلك مظنة تكثيرها.

وأيضاً فيما سأله لأخيه تشريكه في الدعوة ولم يكن لأخيه من قبل، وذلك يجعل من أخيه مضاعفة لدعوته، وذلك يبعث أخاه أيضاً على الدعوة. ودعوةُ كلّ منهما تشتمل على التعريف بصفات الله وتنزيهه فهي مشتملة على التسبيح، وفي الدعوة حثّ على العمل بوصايا الله تعالى عباده، وإدخال الأمة في حضرة الإيمان والتّقوى، وفي ذلك إكثار من ذكر الله بإبلاغ أمره ونهيه. ألا ترى إلى قوله تعالى بعد هذه الآيات

{ اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تَنِيَا في ذِكري }[طه: 42]، أي لا تضعفا في تبليغ الرسالة، فلا جرم كان في تحصيل ما دعا به إكثار من تسبيحهما وذكرهما الله.

وأيضاً في التعاون على أداء الرسالة تقليل من الاشتغال بضرورات الحياة، إذ يمكن أن يقتسما العملَ الضروري لحياتهما فيقلّ زَمن اشتغالهما بالضروريات وتتوفّر الأوقات لأداء الرسالة. وتلك فائدة عظيمة لكليهما في التبليغ.

والذي ألجأ موسى إلى سؤال ذلك علمُه بشدّة فرعون وطغيانه ومنعه الأمة من مفارقة ضلالهم، فعلم أنّ في دعوته فتنة للداعي فسأل الإعانة على الخلاص من تلك الفتنة ليتوفّرا للتسبيح والذكر كثيراً.

وجملة {إنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً} تعليل لسؤاله شرح صدره وما بعده، أي لأنك تعلم حالي وحال أخي، وأنّي ما دعوتك بما دعوت إلا لأننا محتاجان لذلك، وفيه تفويض إلى الله تعالى بأنه أعلم بما فيه صلاحهم، وأنه ما سأل سؤاله إلاّ بحسب ما بلغ إليه علمه.

وقوله {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَى} وعد له بالإجابة، وتصديق له فيما توسمه من المصالح فيما سأله لنفسه ولأخيه.

والسُؤْلُ بمعنى المسؤول. وهو وزن فُعْل بمعنى مفعول كالخُبز بمعنى المخبوز، والأكْل بمعنى المأكول. وهذا يدل على أن العقدة زالت عن لسانه، ولذلك لم يحك فيما بعد أنّه أقام هارون بمجادلة فرعون. ووقع في التّوراة في الإصحاح السابع من سفر الخروج: «فقال الرب لموسى أنت تتكلّم بكلّ ما أمرك به وهارون أخوك يكلّم فرعون».

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ