انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير الطبريالآيات 17–45

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة طه

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:01:48

  1. 1 الآيات 1–54في هذه الصفحة 19:10

التفسير الصوتي لسورة طه كاملًا (4 مقاطع)

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: وما هذه التـي فـي يـمينك يا موسى؟ فـالبـاء فـي قوله {بِـيَـمِينِكَ} من صلة تلك، والعرب تصل تلك وهذه كما تصل الذي ومنه قول يزيد بن مفرغ:

عَدسْ ما لِعَبَّـادٍ عَلَـيْكِ إمارَةٌأمِنْتِ وَهَذَا تَـحْمَلِـينَ طَلِـيقُ

كأنه قال: والذي تـحملـين طلـيق.

ولعلّ قائلاً أن يقول: وما وجه استـخبـار الله موسى عما فـي يده؟ ألـم يكن عالـماً بأن الذي فـي يده عصا؟ قـيـل له: إن ذلك علـى غير الذي ذهبتَ إلـيه، وإنـما قال ذلك عزّ ذكره له إذا أراد أن يحوّلها حية تسعى، وهي خشبة، فنبهه علـيها، وقرّره بأنها خشبة يتوكأ علـيها، ويهشّ بها علـى غنـمه، لـيعرّفه قُدرته علـى ما يشاء، وعظم سلطانه، ونفـاذ أمره فـيـما أحبّ بتـحويـله إياها حيَّة تسعى، إذا أراد ذلك به لـيجعل ذلك لـموسى آية مع سائر آياته إلـى فرعون وقومه.

قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن موسى: قال موسى مـجيبـاً لربه: {هِيَ عَصَايَ أتَوَكَّأُ عَلَـيْها وأهُشُّ بِها عَلـى غَنَـمِي} يقول: أضرب بها الشجر الـيابس فـيسقط ورقها فترعاه غنـمي، يقال منه: هشّ فلان الشجر يهشّ هشا: إذا اختبط ورق أغصانها فسقط ورقها كما قال الراجز:

أهُشُّ بـالْعْصَا عَلـى أغْنامِيمِنْ ناعِمِ الأَرَاكِ والْبَشامِ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله: {وأهُشُّ بِها عَلـى غَنَـمِي} قال: أخبط بها الشجر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأهُشُّ بِها عَلـى غَنَـمِي} قال: أخبط بها الشجر.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأهُشُّ بِها عَلـى غَنَـمي} قال: كان نبـيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم يهشّ علـى غنـمه ورق الشجر.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وأَهُشُّ بِها عَلـى غَنَـمِي} يقول: أضرب بها الشجر للغنـم، فـيقع الورق.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {هيَ عَصَايَ أتَوَكَّأُ عَلَـيْها وأهُشُّ بِها عَلـى غَنَـمي} قال: يتوكأ علـيها حين يـمشي مع الغنـم، ويهشّ بها، ويحرّك الشجر حتـى يسقط الورق الـحبَلة وغيرها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسن، عن عكرمة {وأهُشُّ بِها عَلـى غَنَـمِي} قال: أضرب بها الشجر، فـيسقط من ورقها علـيّ.

حدثنـي عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: ثنا علـيّ بن الـحسن، قال: ثنا حسين، قال: سمعت عكرِمة يقول {وأهُشُّ بِها عَلـى غَنَـمِي} قال: أضرب بها الشجر، فـيتساقط الورق علـى غنـمي.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا مُعاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {وأهُشُّ بِـا عَلـى غَنَـمِي} يقول: أضرب بها الشجر حتـى يسقط منه ما تأكل غنـمي.

وقوله: {وَلـيَ فـيها مآرِبُ أُخْرَى} يقول: ولـي فـي عصاي هذه حوائج أخرى، وهي جمع مأربة، وفـيها للعرب لغات ثلاث: مأرُبة بضم الراء، ومأرَبة بفتـحها، ومأرِبه بكسرها، وهي مفعلة من قولهم: لا أرب لـي فـي هذا الأمر: أي لا حاجة لـي فـيه. وقيل «أخرى» وهن مآرب جمع، ولـم يقل أُخر، كما قـيـل:

{ لَهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى }وقد بـيَّنت العلة فـي توجيه ذلك هنالك. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى الـمآرب، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن عبدة الضبـي، قال: ثنا حفص بن جميع، قال: ثنا سماك بن حرب، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَلـي فِـيها مآرِبُ أُخْرَى} قال: حوائج أخرى قد علـمتها.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وَلـي فِـيها مآرِبُ أُخْرَى} يقول: حاجة أخرى.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد {وَلِـيَ فِـيها مآرِبُ أُخْرَى} قال: حاجات.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح عن مجاهد {وَليَ فِيها مآرِبُ أُخْرَى} قال: حاجات ومنافع.

حدثناالقاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {وَلـيَ فِـيها مآرِبُ أُخْرَى} قال: حاجات.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَلـيَ فِـيها مآرِبُ أُخْرَى} يقول: حوائج أخرى أحمل علـيها الـمزود والسقاء.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلـيَ فِـيها مآرِبُ أُخْرَى} قال: حوائج أخرى.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {ولي فيها مآرِبُ أُخْرَى} قال: حاجات منافع أخرى.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه {وَلـيَ فِـيها مآرِبُ أُخْرَى}: أي منافع أخرى.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلـيَ فِـيها مآرِبُ أُخْرَى} قال: حوائج أخرى سوى ذلك.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {مآرِبُ أُخْرَى} قال: حاجات أخرى.

قَالَ أَلْقِهَا يَٰمُوسَىٰ ۝١٩ فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ۝٢٠ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: قال الله لـموسى: ألق عصاك التـي بـيـمينك يا موسى، يقول الله جل جلاله: فألقاها موسى، فجعلها الله حية تسعى، وكانت قبل ذلك خشبة يابسة، وعصا يتوكأ علـيها موسى ويهشّ بها علـى غنـمه، فصارت حية بأمر الله، كما:

حدثنا أحمد بن عبدة الضبـي، قال: ثنا حفص بن جميع، قال: ثنا سماك بن حرب، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس قال: لـما قـيـل لـموسى: ألقها يا موسى، ألقاها {فإذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} ولـم تكن قبل ذلك حية قال: فمرّت بشجرة فأكلتها، ومرّت بصخرة فـابتلعتها قال: فجعل موسى يسمع وقع الصخرة فـي جوفها قال: فولـى مدبراً، فنودي أن يا موسى خذها، فلـم يأخذها ثم نودي الثانـية: أن {خُذْهَا وَلا تـخفْ}، فلـم يأخذها فقـيـل له فـي الثالثة: إنَّكَ مِنَ الآمِنِـين فأخذها.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قال له، يعنـي لـموسى ربه: {ألْقِها يا مُوسَى} يعنـي {فألْقاها فإذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى}

{ فلَـمَّا رآها تَهْتَزُّ كأنَّها جانّ وَلَّـى مُدْبِراً ولَـمْ يُعَقِّبْ }فنودي: { يا مُوسَى لا تَـخَفّ إنّـي لا يَخافُ لَدَيَّ الـمُرْسَلُونَ }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه، قال {ألْقِها يا مُوسَى فألْقاها فإذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} تهتزّ، لها أنـياب وهيئة كما شاء الله أن تكون، فرأى أمراً فظيعاً، فولـى مُدْبِراً، ولَـم يُعقِّب فناداه ربه:

{ يا مُوسَى أقبلْ وَلا تـخفْ سَنُعِيدُها سِيرَتها الأُولـى }

وقوله: {قالَ خُذْها وَلا تَـخَفْ} يقول تعالـى ذكره قال الله لـموسى: خذ الـحية، والهاء والألف من ذكر الـحية. {وَلا تَـخَفْ} يقول: ولا تـخف من هذه الـحية {سَنُعِيدُها سِيرَتها الأُولـى} يقول: فإنا سنعيدها لهيئتها الأولـى التـي كانت علـيها قبل أن نصيِّرها حية، ونردّها عصا كما كانت. يقال لكل من كان علـى أمر فتركه، وتـحوّل عنه ثم راجعه: عاد فلان سيرته الأولـى، وعاد لسيرته الأولـى، وعاد إلـى سيرته الأولـى. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {سِيرَتها الأُولـى} يقول: حالتها الأولـى.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مـجاهد {سِيرَتها الأُولـى} قال: هيئتها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه {سَنُعِيدُها سِيرَتها الأُولـى} أي سنردّها عصا كما كانت.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {سَنُعِيدُها سِيرَتها الأُولـى} قال: إلـى هيئتها الأولـى.

وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ۝٢٢ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ۝٢٣

يقول تعالـى ذكره: واضمـم يا موسى يدك، فضعها تـحت عضدك والـجناحان هما الـيدان، كذلك رُوي الـخبر عن أبـي هُريرة وكعب الأحبـار. وأما أهل العربـية، فإنهم يقولون: هما الـجنبـان. وكان بعضهم يستشهد لقوله ذلك بقول الراجز:

أضُمُّهُ للصَّدْرِ والـجَناحِ

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إلـى جَناحِكَ} قال: كفه تـحت عضده.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وقوله: {تَـخْرُجْ بَـيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ} ذكر أن موسى علـيه السلام كان رجلا آدم، فأدخـل يده فـي جيبه، ثم أخرجها بـيضاء من غير سوء، من غير برص، مثل الثلـج، ثم ردّها، فخرجت كما كانت علـى لونه.

حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه.

حدثنا إسماعيـل بن موسى الفزاري، قال: ثنا شريك، عن يزيد بن أبـي زياد، عن مقسم، عن ابن عبـاس، فـي قوله {تَـخْرُجْ بَـيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ} قال: من غير برص.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {مِنْ غيرِ سُوءٍ} قال: من غير برص.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله {بَـيْضاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ} قال: من غير برص.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {مِنْ غيرِ سُوءٍ} قال: من غير برص.

حطثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله {بيضاء من غير سوء} قال من غير برص.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {تَـخْرُجْ بَـيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ} قال: من غير برص.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {مِنْ غيرِ سُوءٍ} قال: من غير برص.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا قرة، عن الـحسن فـي قول الله: {بَـيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ} قالَ: أخرجها الله من غير سوء، من غير برص، فعلـم موسى أنه لقـي ربه.

وقوله: {آيَةً أُخْرَى} يقول: وهذه علامة ودلالة أخرى غير الآية التـي أريناك قبلها من تـحويـل العصا حية تسعى علـى حقـيقة ما بعثناك به من الرسالة لـمن بعثناك إلـيه. ونصب آية علـى اتصالها بـالفعل، إذ لـم يظهر لها ما يرفعها من هذه أو هي. وقوله: {لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنا الكُبْرَى} يقول تعالـى ذكره: واضمـم يدك يا موسى إلـى جناحك، تـخرج بـيضاء من غير سوء، كي نريك من أدلتنا الكبرى علـى عظيـم سلطاننا وقُدرتنا. وقال: الكبرى، فوحَّد، وقد قال: {مِنْ آياتِنا} كما قال:

{ لَهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى }وقد بـيَّنا ذلك هنالك. وكان بعض أهل البصرة يقول: إنـما قـيـل الكبرى، لأنه أريد بها التقديـم، كأن معناها عنده: لنريك الكبرى من آياتنا.

ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ۝٢٤ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ۝٢٥ وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ۝٢٦ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى ۝٢٧ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ۝٢٨ وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه موسى صلوات الله علـيه: {اذْهَبْ} يا موسى {إلـى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى} يقول: إنه تـجاوز قدره، وتـمرّد علـى ربه وقد بـيَّنا معنى الطغيان بـما مضى بـما أغنى عن إعادته، فـي هذا الـموضع وفـي الكلام مـحذوف استغنـي بفهم السامع بـما ذكر منه، وهو قوله: {اذْهَبْ إلـى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى} فـادعه إلـى توحيد الله وطاعته، وإرسال بنـي إسرائيـل معك {قالَ رَبّ اشْرَحْ لـي صَدْرِي} يقول: ربّ اشرح لـي صدري، لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترىء به علـى خطاب فرعون {وَيَسِّرْ لـي أمْرِي} يقول: وسهل علـيّ القـيام بـما تكلفنـي من الرسالة، وتـحملنـي من الطاعة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: {رَبّ اشْرَحْ لـي صَدْرِي} قال: جرأة لـي.

وقوله: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِـي} يقول: وأطلق لسانـي بـالـمنطق، وكانت فـيه فـيـما ذكر عُجمة عن الكلام الذي كان من إلقائه الـجمرة إلـى فـيه يوم همّ فرعون بقتله. ذكر الرواية بذلك عمن قاله:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {عُقْدَةً مِنْ لِسانِـي} قال: عجمة لـجمرة نار أدخـلها فـي فـيه عن أمر امرأة فرعون، تردّ به عنه عقوبة فرعون، حين أخذ موسى بلـحيته وهو لا يعقل، فقال: هذا عدوّ لـي، فقالت له: إنه لا يعقل.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِـي} لـجمرة نار أدخـلها فـي فـيه عن أمر امرأة فرعون، تدرأ به عنه عقوبة فرعون، حين أخذ موسى بلـحيته وهو لا يعقل، فقال: هذا عدوّ لـي، فقالت له: إنه لا يعقل، هذا قول سعيد بن جبـير.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جرَيج، عن مـجاهد، قوله: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِـي} قال: عجمة الـجمرة نار أدخـلها فـي فـيه، عن أمر امرأة فرعون تردّ به عنه عقوبة فرعون حين أخذ بلـحيته.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما تـحرّك الغلام، يعنـي موسى، أورته أمه آسية صبـيا، فبـينـما هي ترقصه وتلعب به، إذ ناولته فرعون، وقالت: خذه فلـما أخذه إلـيه أخذ موسى بلـحيته فنتفها، فقال فرعون: علـيّ بـالذبـاحين، قالت آسية:

{ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً }إنـما هو صبـيّ لا يعقل، وإنـما صنع هذا من صبـاه، وقد علـمتَ أنه لـيس فـي أهل مصر أحلـى منى أنا أضع له حلـياً من الـياقوت، وأضع له جمراً، فإن أخذ الـياقوت فهو يعقل فـاذبحه، وإن أخذ الـجمر فإنـما هو صبـيّ فأخرجت له ياقوتها ووضعت له طستا من جمر، فجاء جبرائيـل صلى الله عليه وسلم، فطرح فـي يده جمرة، فطرحها موسى فـي فـيه، فأحرقت لسانه، فهو الذي يقول الله عزّ وجلّ {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِـي يَفْقَهُوا قَوْلـي}، فتوالت عن موسى من أجل ذلك.

وقوله: {يَفْقَهُوا قَوْلـي} يقول: يفقهوا عنـي ما أخاطبهم وأراجعهم به من الكلام {وَاجْعَلْ لـي وَزِيراً مِنْ أهْلِـي} يقول: واجعل لـي عوناً من أهل بـيتـي {هارُون أخِي}. وفـي نصب هارون وجهان: أحدهما أن يكون هارون منصوبـا بقوله اجعل ويكون الوزير إذا نصب على هذا الوجه فعلا لهرون والآخر أن يكون هرون منصوباً علـى الترجمة عن الوزير.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس: كان هارون أكبر من موسى.

هَٰرُونَ أَخِى ۝٣٠ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ۝٣١ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ۝٣٢ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝٣٣ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ۝٣٤ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن موسى أنه سأل ربه أن يشدد أزره بأخيه هارون. وإنـما يعنـي بقوله: {اشْدُدْ بِهِ أزْرِي} قوّ ظهري، وأعنّـي به. يقال منه: قد أزر فلان فلانا: إذا أعانه وشدّ ظهره. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {اشْدُدْ بِهِ أزْرِي} يقول: أشدد به ظهري.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {اشْدُدْ بِهِ أزْرِي} يقول: اشدد به أمري، وقوّنـي به، فإن لـي به قوّة.

وقوله: {وأشْرِكْهُ فِـي أمْرِي} يقول: واجعله نبـياً مثل ما جعلتنـي نبـياً، وأرسله معي إلـى فرعون {كَيْ نُسَبِّحكَ كَثِـيراً} يقول: كي نعظمك بـالتسبـيح لك كثـيراً {وَنَذكُرَكَ كَثِـيراً} فنـحمدك {إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً} يقول: إنك كنت ذا بصر بنا لا يخفـى علـيك من أفعالنا شيء.

وذُكر عن عبد الله بن أبـي إسحاق أنه كان يقرأ: «أَشْدُد بِهِ أزْرِي» بفتـح الألف من أشدد «وأُشْرِكْه فِـي أمْرِي» بضم الألف من أشركه، بـمعنى الـخبر من موسى عن نفسه، أنه يفعل ذلك، لا علـى وجه الدعاء. وإذا قرىء ذلك كذلك جزم أشدد وأشرك علـى الـجزاء، أو جواب الدعاء، وذلك قراءة لا أرى القراءة بها، وإن كان لها وجه مفهوم، لـخلافها قراءة الـحجة التـي لا يجوز خلافها.

قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٣٦ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ ۝٣٧ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: قال الله لـموسى صلى الله عليه وسلم: قد أعطيت ما سألت يا موسى ربك من شرحه صدرك وتـيسيره لك أمرك، وحلّ عقدة لسانك، وتصيـير أخيك هارون وزيراً لك، وشدّ أزرك به، وإشراكه فـي الرسالة معك {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَـيْكَ مَرَّةً أُخُرَى} يقول تعالـى ذكره: ولقد تطوّلنا علـيك يا موسى قبل هذه الـمرّة مرّة أخرى، وذلك حين أوحينا إلـى أمك، إذ ولدتك فـي العام الذي كان فرعون يقتل كلّ مولود ذكر من قومك ما أوحينا إلـيها ثم فسَّر تعالـى ذكره ما أوحى إلـى أمه، فقال: هو أن اقذفـيه فـي التابوت فأن فـي موضع نصب ردّاً علـى «ما» التـي فـي قوله: {ما يُوحَى}، وترجمة عنها.

أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُۥ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره: ولقد مننا علـيك يا موسى مرّة أخرى حين أوحينا إلـى أمك، أن اقذفـي ابنك موسى حين ولدتك فـي التابوت {فـاقْذِفِـيهِ فِـي الـيَـمّ} يعنـي بـالـيـم: النـيـل {فَلْـيُـلْقِهِ الـيَـمُّ بـالساحِلِ} يقول: فـاقذفـيه فـي الـيـم، يـلقه الـيـم بـالساحل، وهو جزاء أخرج مخرج الأمر، كأن الـيـم هو الـمأمور، كما قال جلّ ثناؤه:

{ اتَّبِعُوا سَبِـيـلَنَا ولْنَـحْمِلْ خَطَاياكُمْ } يعنـي: اتبعوا سبـيـلنا نـحمل عنكم خطاياكم، ففعلت ذلك أمه به فألقاه الـيـم بـمَشْرَعة آل فرعون، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما ولدت موسى أمه أرضعته، حتـى إذا أمر فرعون بقتل الولدان من سنته تلك عمدت إلـيه، فصنعت به ما أمرها الله تعالـى، جعلته فـي تابوت صغير، ومهدت له فـيه، ثم عمدت إلـى النـيـل فقذفته فـيه، وأصبح فرعون فـي مـجلس له كان يجلسه علـى شفـير النـيـل كلّ غداة، فبـينا هو جالس، إذ مرّ النـيـل بـالتابوت فقذف به وآسية ابنة مُزَاحم امرأته جالسة إلـى جنبه، فقال: إن هذا لشيء فـي البحر، فأتونـي به، فخرج إلـيه أعوانه حتـى جاءوا به، ففتـح التابوت فإذا فـيه صبـيّ فـي مهده، فألقـى الله علـيه مـحبته، وعطف علـيه نفسه. وعنى جلّ ثناؤه بقوله: {يأْخُذْهُ عَدُوّ لـي وَعَدُوّ لَهُ} فرعون وهو العدوّ، كان لله ولـموسى.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {فـاقْذِفِـيهِ فِـي الـيَـمّ} وهو البحر، وهو النـيـل.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الـمـحبة التـي قال الله جلّ ثناؤه {وألْقَـيْتُ عَلَـيْكَ مَـحَبَّةً مِنِّـي} فقال بعضهم: عنى بذلك أنه حببه إلـى عبـاده. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحسين بن علـيّ الصدائي والعبـاس بن مـحمد الدوري، قالا: ثنا حسين الـجعفـي عن موسى بن قبس الـحضرمي، عن سلـمة بن كهيـل، فـي قول الله: {وألْقَـيْتُ عَلَـيْكَ مَـحَبَّةً منِّـي} قال عبـاس: حببتك إلـى عبـادي وقال الصُّدَائي: حببتك إلـى خـلقـي.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أي حسنت خـلقك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي إبراهيـم بن مهدي، عن رجل، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، قوله: {وألْقَـيْتُ عَلَـيْكَ مَـحَبَّةً منِّـي} قال: حسناً وملاحة.

قال أبو جعفر: والذي هو أولـى بـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله ألقـى مـحبته علـى موسى، كما قال جلّ ثناؤه {وألْقَـيْتَ عَلَـيْكَ مَـحَبَّةً مِنِّـي} فحببه إلـى آسية امرأة فرعون، حتـى تبنَّته وغذّته وربَّته، وإلـى فرعون، حتـى كفّ عنه عاديته وشرّه. وقد قـيـل: إنـما قـيـل: وألقـيت علـيك مـحبة منـي، لأنه حببه إلـى كل من رآه. ومعنى {ألْقَـيْتُ عَلَـيْكَ مَـحَبَّةً مِنِّـي} حببتك إلـيهم يقول الرجل لآخر إذا أحبه: ألقـيت علـيك رحمتـي: أي مـحبتـي.

إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ فَرَجَعْنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَٰمُوسَىٰ ۝٤٠

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله

{ وَلِتُصْنَعَ عَلـى عَيْنِـي } فقال بعضهم: معناه: ولتغذى وتربى علـى مـحبتـي وإرادتـي. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله:

{ ولِتُصْنَعَ عَلـى عَيْنِـي } قال: هو غذاؤه، ولتُغذى علـى عينـي.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله

{ وَلِتُصْنَعَ عَلـى عَيْنِـي }قال: جعله فـي بـيت الـملك ينعم ويترف غذاؤه عندهم غذاء الـملك، فتلك الصنعة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت بعينـي فـي أحوالك كلها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج

{ وَلِتُصْنَعَ عَلـى عَيْنِـي }قال: أنت بعينـي إذ جعلتك أمك فـي التابوت، ثم فـي البحر، و {إذْ تَـمْشِي أُخْتُكَ}. وقرأ ابن نهيك: «وَلِتَصْنَعَ» بفتـح التاء. وتأوّله كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت أبـا نهيك يقرأ «وَلِتَصْنَعَ عَلـى عَيْنِـي» فسألته عن ذلك، فقال: ولتعمل علـى عينـي.

قال أبو جعفر: والقراءة التـي لا أستـجيز القراءة بغيرها

{ وَلِتُصْنَعَ }بضم التاء، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها. وإذا كان ذلك كذلك، فأولـى التأويـلـين به، التأويـل الذي تأوّله قَتادَة، وهو: { وَألْقَـيْتُ عَلَـيْكَ مَـحَبَّةً مِنِّـي } ولتغذى علـى عينـي، ألقـيت علـيك الـمـحبة منـي. وعنى بقوله: عَلـى عَيْنِـي بـمرأى منـي ومـحبة وإرادة.

وقوله: {إذْ تَـمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكُمْ عَلـى مَنْ يَكْفُلُهُ} يقول تعالـى ذكره: حين تـمشي أختك تتبعك حتـى وجدتك، ثم تأتـي من يطلب الـمراضع لك، فتقول: هل أدلكم علـى من يكلفه؟ وحذف من الكلام ما ذكرت بعد قوله {إذْ تَـمْشِي أُخْتُكَ} استغناء بدلالة الكلام علـيه. وإنـما قالت أخت موسى ذلك لهم لِـما:

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما ألقته أمه فـي الـيـم

{ قالَتْ لاِخْتِهِ قُصّيهِ }فلـما التقطه آل فرعون، وأرادوا له الـمرضعات، فلـم يأخذ من أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لـينزلن عند فرعون فـي الرضاع، فأبى أن يأخذ، فقالت أخته: { هَلْ أدُلُّكُمْ عَلـى أهْلِ بَـيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ }؟ فأخذوها وقالوا: بل قد عرفِت هذا الغُلام، فدلّـينا علـى أهله، قالت: ما أعرفه، ولكن إنـما قلت هم للـملك ناصحون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت، يعنـي أمّ موسى لأخته: قصّيه فـانظري ماذا يفعلون به، فخرجت فـي ذلك

{ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } وقد احتاج إلـى الرضاع والتـمس الثدي، وجمعوا له الـمراضع حين ألقـى الله مـحبتهم علـيه، فلا يؤتـى بـامرأة، فـيقبل ثديها، فـيرمضهم ذلك، فـيؤتـى بـمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئاً منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وجدهم به وحرصهم علـيه { هَلْ أدُلُّكُمْ عَلـى أهْلِ بَـيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لكُم وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ } أي لـمنزلته عندكم وحرصكم علـى مسرّة الـملك، وعنى بقوله: {هَلْ أدُلُّكُمْ عَلـى مَنْ يَكْفُلُهُ} هل أدلكم علـى من يضمه إلـيه فـيحفظه ويرضعه ويربـيه. وقـيـل: معنى { وكَفَّلَها زَكَرِيَّا }ضمها.

وقوله: {فَرَجَعْناكَ إلـى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَـحْزَن} يقول تعالـى ذكره: فرددناك إلـى أمك بعد ما صرت فـي أيدي آل فرعون، كيـما تقرّ عينها بسلامتك ونـجاتك من القتل والغرق فـي الـيـم، وكيلا تـحزن علـيك من الـخوف من فرعون علـيك أن يقتلك، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما قالت أخت موسى لهم ما قالت، قالوا: هات، فأتت أمه فأخبرتها، فـانطلقت معها حتـى أتتهم، فناولوها إياه فلـما وضعته فـي حجرها أخذ ثديها، وسرّوا بذلك منه، وردّه الله إلـى أمه كي تقرّ عينها، ولا تـحزن، فبلغ لطف الله لها وله، أن ردّ علـيها ولدها وعطف علـيها نفع فرعون وأهل بـيته مع الأمنة من القتل الذي يتـخوف علـى غيره، فكأنهم كانوا من أهل بـيت فرعون فـي الأمان والسعة، فكان علـى فرش فرعون وسرره.

وقوله: {وَقَتَلْتَ نَفْساً} يعنـي جلّ ثناؤه بذلك: قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه علـيه الإسرائيـلـي، فوكزه موسى. وقوله: {فَنَـجَّيْناكَ مِنَ الغَمّ} يقول تعالـى ذكره: فنـجيناك من غمك بقتلك النفس التـي قتلت، إذ أرادوا أن يقتلوك بها فخـلصناك منهم، حتـى هربت إلـى أهل مدين، فلـم يصلوا إلـى قتلك وقودك به. وكان قتله إياه فـيـما ذُكر خطأ، كما:

حدثنـي واصل بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن أبـيه، عن سالـم، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّـمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطأ، فقال اللّهُ لَهُ: وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَـجَيَّنْاكَ مِنَ الغَمّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، ومـحمد بن عمرو، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَنَـجَّيْناك مِنَ الغَمّ} قال: من قتل النفس.

حدثنا بِشْر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَنَـجَّيْناكَ مِنَ الغَمّ} النفس التـي قتل.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} فقال بعضهم: ابتلـيناك ابتلاء واختبرناك اختبـاراً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} يقول: اختبرناك اختبـاراً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} قال: ابتلـيت بلاء.

حدثنـي العبـاس بن الولـيد الآملـي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أصبغ بن زيد الـجهنـي، قال: أخبرنا القاسم بن أيوب، قال: ثنـي سعيد بن جبـير، قال: سألت عبد الله بن عبـاس، عن قول الله لـموسى {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} فسألته علـى الفتون ما هي؟ فقال لـي: استأنف النهار يا بن جبـير، فإن لها حديثا طويلاً، قال: فلـما أصبحت غدوت علـى ابن عبـاس لأنتـجز منه ما وعدنـي، قال: فقال ابن عبـاس: تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيـم أن يجعل فـي ذرّيته أنبـياء وملوكاً، فقال بعضهم: إن بنـي إسرائيـل ينتظرون ذلك وما يشكون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلـما هلك قالوا: لـيس هكذا كان الله وعد إبراهيـم، فقال فرعون: فكيف ترون؟ قال: فأتـمروا بـينهم، وأجمعوا أمرهم علـى أن يبعث رجالاً معهم الشفـار يطوفون فـي بنـي إسرائيـل، فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه فلـما رأوا أن الكبـار من بنـي إسرائيـل يـموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون قالوا: يوشك أن تفنوا بنـي إسرائيـل، فتصيرون إلـى أن تبـاشروا من الأعمال والـخدمة التـي كانوا يكفونكم، فـاقتلوا عاما كلّ مولود ذكر، فـيقلّ أبناؤهم، ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً، فتشبّ الصغار مكان من يـموت من الكبـار، فإنهم لن يكثروا بـمن تستـحيون منهم، فتـخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يقلوا بـمن تقتلون، فأجمعوا أمرهم علـى ذلك.

فحملت أمّ موسى بهارون فـي العام الـمقبل الذي لا يذبح فـيه الغلـمان، فولدته علانـية آمنة، حتـى إذا كان العام الـمقبل حملت بـموسى، فوقع فـي قلبها الهمّ والـحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبـير، مـما دخـل علـيه فـي بطن أمه مـما يراد به، فأوحى الله إلـيها

{ ألاَّ تَـخافِـي وَلا تَـحْزَنِـي إنَّا رَادُّوهُ إلَـيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الـمُرْسَلِـينَ }، وأمرها إذا ولدته أن تـجعله فـي تابوت ثم تلقـيه فـي الـيـم فلـما ولدته فعلت ما أمرت به، حتـى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبلـيس، فقالت فـي نفسها: ما صنعت بـابنـي لو ذبح عندي، فواريته وكفنته كان أحبّ إلـيّ من أن ألقـيه بـيدي إلـى حيتان البحر ودوابه، فـانطلق به الـماء حتـى أوفـى به عند فرضة مستقـى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهمـمن أن يفتـحن البـاب، فقال بعضهنّ لبعض: إن فـي هذا مالاً، وإنا إن فتـحناه لـم تصدّقنا امرأة فرعون بـما وجدنا فـيه، فحملنه كهيئته لـم يحرّكن منه شيئاً، حتـى دفعنه إلـيها فلـما فتـحته رأت فـيه الغلام، فأُلقـي علـيه منها مـحبة لـم يُـلق مثلها منها علـى أحد من الناس { وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمُّ مُوسَى فـارِغاً } من كلّ شيء إلا من ذكر موسى.

فلـما سمع الذبَّـاحون بأمره أقبلوا إلـى امرأة فرعون بشفـارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جُبـير فقالت للذبـاحين: انصرفوا عنـي، فإن هذا الواحد لا يزيد فـي بنـي إسرائيـل، فآتـي فرعون فأستوهبه إياه، فإن وهبه لـي كنتـم قد أحسنتـم وأجملتـم، وإن أمر بذبحه لـم ألـمكم. فلـما أتت به فرعون قالت:

{ قرّةُ عَينٍ لِـي وَلَكَ } قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لـي فـيه. فقال: والذي يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون له قرّة عين كما أقرّت به، لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك. فأرسلت إلـى من حولها من كلّ أنثى لها لبن، لتـختار له ظِئراً، فجعل كلـما أخذته امرأة منهم لترضعه لـم يقبل ثديها، حتـى أشفقت امرأة فرعون أن يـمتنع من اللبن فـيـموت، فحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلـى السوق مـجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئراً يأخذ منها، فلـم يقبل من أحد.

وأصبحت أمّ موسى، فقالت لأخته: قُصِّيه واطلبـيه، هل تسمعين له ذكراً، أحيّ ابنـي، أو قد أكلته دوابّ البحر وحيتانه؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات: أنا أدلكم علـى أهل بـيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها وقالوا: وما يدريك ما نصحهم له؟ هل يعرفونه؟ حتـى شكوا فـي ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جُبـير فقالت: نصحهم له وشفقتهم علـيه، رغبتهم فـي ظؤورة الـملك، ورجاء منفعته، فتركوها فـانطلقت إلـى أمها فأخبرتها الـخبر، فجاءت فلـما وضعته فـي حجرها نزا إلـى ثديها حتـى امتلأ جنبـاه، فـانطلق البُشَراء إلـى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إلـيها، فأتـيت بها وبه فلـما رأت ما يصنع بها قالت: امكثـي عندي حتـى ترضعي ابنـي هذا فإنـي لـم أحبّ حبه شيئاً قطّ قال: فقالت: لا أستطيع أن أدع بـيتـي وولدي، فـيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينـيه، فأذهب به إلـى بـيتـي فـيكون معي لا آلوه خيراً فعلت، وإلا فإنـي غير تاركة بـيتـي وولدي وذكرت أمّ موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت علـى امرأة فرعون، وأيقنت أن الله تبـارك وتعالـى منـجز وعده، فرجعت بـابنها إلـى بـيتها من يومها، فأنبته الله نبـاتاً حسناً، وحفظه لـما قضى فـيه، فلـم يزل بنو إسرائيـل وهم مـجتـمعون فـي ناحية الـمدينة يـمتنعون به من الظلـم والسخرة التـي كانت فـيهم.

فلـما ترعرع قالت امرأة فرعون لأمّ موسى: أزيرينـي ابنـي. فوعدتها يوماً تزيرها إياه فـيه، فقالت لـخواصّها وظؤورتها وقهارمتها: لا يبقـينَّ أحد منكم إلا استقبل ابنـي بهدية وكرامة لـيرى ذلك، وأنا بـاعثة أمينة تـحصي كلّ ما يصنع كلّ إنسان منكم فلـم تزل الهدية والكرامة والتـحف تستقبله من حين خرج من بـيت أمه إلـى أن دخـل علـى امرأة فرعون. فلـما دخـل علـيها نـحلته وأكرمته، وفرحت به، وأعجبها ما رأت من حُسن أثرها علـيه، وقالت: انطلقن به إلـى فرعون، فلـينـحله، ولـيكرمه. فلـما دخـلوا به علـيه جعلته فـي حجره، فتناول موسى لـحية فرعون حتـى مدّها، فقال عدوّ من أعداء الله: ألا ترى ما وعد الله إبراهيـم أنه سيصرعك ويعلوك، فأرسِلْ إلـى الذبـاحين لـيذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جُبـير، بعد كلّ بلاء ابتلـي به وأريد به. فجاءت امرأة فرعون تسعى إلـى فرعون، فقالت: ما بدا لك فـي هذا الصبـيّ الذي قد وهبته لـي؟ قال: ألا ترين يزعم أنه سيصرعنـي ويعلونـي، فقالت: اجعل بـينـي وبـينك أمراً تعرف فـيه الـحقّ، ائت بجمرتـين ولؤلؤتـين، فقرّبهنّ إلـيه، فإن بطش بـاللؤلؤتـين واجتنب الـجمرتـين علـمت أنه يعقل وإن تناول الـجمرتـين ولـم يرد اللؤلؤتـين، فـاعلـم أن أحداً لا يؤثر الـجمرتـين علـى اللؤلؤتـين وهو يعقل، فقرّب ذلك إلـيه، فتناول الـجمرتـين، فنزعوهما منه مخافة أن تـحرقا يده، فقالت الـمرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما قد همّ به، وكان الله بـالغاً فـيه أمره.

فلـما بلغ أشدّه، وكان من الرجال، لـم يكن أحد من آل فرعون يخـلص إلـى أحد من بنـي إسرائيـل معه بظلـم ولا سخرة، حتـى امتنعو كلّ امتناع. فبـينـما هو يـمشي ذات يوم فـي ناحية الـمدينة، إذ هو برجلـين يقتتلان، أحدهما من بنـي إسرائيـل، والآخر من آل فرعون، فـاستغاثه الإسرائيـلـي علـى الفرعونـي، فغضب موسى واشتدّ غضبه، لأنه تناوله وهو يعلـم منزلة موسى من بنـي إسرائيـل، وحفظه لهم، ولا يعلـم الناس إلا أنـما ذلك من قِبَل الرضاعة غير أمّ موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك علـى ما لـم يطلع علـيه غيره فوكز موسى الفرعونـي فقتله، ولـيس يراهما أحد إلا الله والإسرائيـلـي، فقال موسى حين قتل الرجل:

{ هَذَا مِنْ عَمَل الشَّيْطانِ إنَّه عَدوّ مُضلّ مُبِـينٌ }ثم قال: { رَبّ إنّـي ظَلَـمْتُ نَفْسِي فـاغْفِرْ لِـي فَغَفَرَ لَهُ إنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيـم }} { { فأصْبَحَ فِـي الـمَدِينَةِ خائِفـاً يَتَرَقَّبُ }الأخبـار، فأتـى فرعون، فقـيـل له: إن بنـي إسرائيـل قد قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخُذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم فـي ذلك، فقال: ابغونـي قاتله ومن شهد علـيه، لأنه لا يستقـيـم أن يقضي بغير بـيِّنه ولا ثبت، فطلبوا له ذلك فبـينـما هم يطوفون لا يجدون ثَبَتاً، إذ مرّ موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيـلـي يقاتل فرعونـياً، فـاستغاثه الإسرائيـلـي علـى الفرعونـي، فصادف موسى وقد ندم علـى ما كان منه بـالأمس وكره الذي رأى، فغضب موسى، فمدّ يده وهو يريد أن يبطش بـالفرعونـي، قال للإسرائيـلـي لـما فعل بـالأمس والـيوم { إنَّكَ لَغَوِيّ مُبِـينٌ }فنظر الإسرائيـلـي موسى بعد ما قال، فإذا هو غضبـان كغضبه بـالأمس الذي قتل فـيه الفرعونـي، فخاف أن يكون بعد ما قال له { إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِـينٌ }أن يكون إياه أراد، ولـم يكن أراده، وإنـما أراد الفرعونـي، فخاف الإسرائيـلـي، فحاجز الفرعونـي فقال: { يا مُوسَى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِـي كمَا قَتَلْتَ نَفْساً بـالأَمْسِ }وإنـما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى لـيقتله، فتتاركا فـانطلق الفرعونـي إلـى قومه، فأخبرهم بـما سمع من الإسرائيـلـي من الـخبر حين يقول: أتريد أن تقتلنـي كما قتلت نفساً بـالأمس؟ فأرسل فرعون الذبـاحين، فسلك موسى الطريق الأعظم، فطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم. وجاء رجل من شيعة موسى من أقصى الـمدينة، فـاختصر طريقاً قريبـاً حتـى سبقهم إلـى موسى، فأخبره الـخبر، وذلك من الفتون يا ابن جُبـير.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فُتُوناً} قال: بلاءً، إلقاؤه فـي التابوت، ثم فـي البحر، ثم التقاط آل فرعون إياه، ثم خروجه خائفـاً.

قال مـحمد بن عمرو، وقال أبو عاصم: خائفـاً، أو جائعاً «شكّ أبو عاصم»، وقال الـحارث: خائفـاً يترقب، ولـم يشكّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله وَقال:

{ خَائِفـاً يَتَرقَّبُ }، ولـم يشكّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} يقول: ابتلـيناك بلاءً.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا مُعاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} هو البلاء علـى إثر البلاء.

وقال آخرون: معنى ذلك: أخـلصناك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} أخـلصناك إخلاصاً.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يعلـى بن مسلـم، قال: سمعت سعيد بن جُبـير، يفسِّر هذا الـحرف: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} قال: أخـلصناك إخلاصا.

قال أبو جعفر: وقد بـيَّنا فـيـما مضى من كتابنا هذا معنى الفتنة، وأنها الابتلاء والاختبـار بـالأدلة الـمُغنـية عن الإعادة فـي هذا الـموضع.

وقوله: {فَلَبِثْتَ سِنِـينَ فِـي أهْلِ مَدْيَنَ} وهذا الكلام قد حذف منه بعض ما به تـمامه اكتفـاء بدلالة ما ذكر عم حذف. ومعنى الكلام: وفتناك فتونا، فخرجت خائفـاً إلـى أهل مدين، فلبثت سنـين فـيهم.

وقوله: {ثُمَّ جِئْتَ عَلـى قَدَرٍ يا مُوسَى} يقول جلّ ثناؤه: ثم جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلـى فرعون رسولاً ولـمقداره. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ جئْتَ عَلـى قَدَرٍ يا مُوسَى} يقول: لقد جئت لـميقات يا موسى.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح عن مـجاهد، قال: {عَلـى قَدَرٍ يا مُوسَى} قال: موعد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: علـى ذي موعد.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {عَلـى قَدَرٍ يا مُوسَى} قال: قدر الرسالة والنبوّة.

والعرب تقول: جاء فلان علـى قدر: إذا جاء لـميقات الـحاجة إلـيه ومنه قول الشاعر:

نالَ الـخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَراًكمَا أتَـى رَبَّهُ مُوسى عَلـى قَدَرِ

وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ۝٤١ ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى ۝٤٢ ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} أنعمت علـيك يا موسى هذه النعم، ومننت علـيك هذه الـمنن، اجتبـاء منـي لك، واختـياراً لرسالتـي والبلاغ عنـي، والقـيام بأمري ونهيـي {اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ} هارون {بِآياتـي} يقول: بأدلتـي وحججي، اذهبـا إلـى فرعون بها إنه تـمرّد فـي ضلاله وغيه، فأبلغه رسالاتـي {وَلا تَنِـيا فِـي ذِكْري} يقول: ولا تضعفـا فـي أن تذكرانـي فـيـما أمرتكما ونهيتكما، فإن ذكركما إيَّاي يقوّي عزائمكما، ويثبت أقدامكما، لأنكما إذا ذكرتـمانـي، ذكرتـما مَنِّـي علـيكما نِعَماً جمَّة، ومِنَنا لا تـحصى كثرة. يقال منه: وَنى فلان فـي هذا الأمر، وعن هذا الأمر: إذا ضعف، وهو يَنِـي وَنْـيا كما قال العجاج:

فَمَا وَنى مُـحَمَّدٌ مُذْ أنْ غَفَرْلَهُ الإلهُ ما مَضَى وَما غَبَرْ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَنِـيا} يقول: لا تبطئا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَلا تَنِـيا فِـي ذِكْرِي} يقول: ولا تضعفـا فـي ذكري.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَلا تَنِـيا فِـي ذِكْرِي} قال: لا تضعفـا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {تَنـيا} تضعفـا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَلا تَنِـيا فِـي ذِكْرِي} يقول: لا تضعفـا فـي ذكري.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله: {وَلا تَنِـيا فِـي ذِكْرِي} قال: لا تضعفـا.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا مُعاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَلا تَنِـيا فِـي ذِكْرِي} يقول: لا تضعفـا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا تَنِـيا فِـي ذِكْرِي} قال: الوانـي: هو الغافل الـمفرط، ذلك الوانـي.

فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ۝٤٤ قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره لـموسى وهارون: فقولا لفرعون قولاً لـيِّنا. ذُكر أن القول اللـين الذي أمرهما الله أن يقولاه له، هو أن يكنـياه.

حدثنـي جعفر ابن ابنة إسحاق بن يوسف الأزرق، قال: ثنا سعيد بن مـحمد الثقـفـي، قال: ثنا علـيّ بن صالـح، عن السديّ: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَـيِّناً} قال: كنـياه.

وقوله: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشَى} اختلف فـي معنى قوله: {لَعَلَّهُ} فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم معناها ههنا الاستفهام، كأنهم وجهوا معنى الكلام إلـى: فقولا له قولاً لـيناً، فـانظرا هل يتذكر ويراجع أو يخشى الله فـيرتدع عن طغيانه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشَى} يقول: هل يتذكر أو يخشى.

وقال آخرون: معنى لعلّ ههنا كي. ووجَّهوا معنى الكلام إلـى

{ اذهبَـا إلـى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى }فـادعواه وعظاه لـيتذكر أو يخشى، كما يقول القائل: اعمل عملك لعلك تأخذ أجرك، بـمعنى: لتأخذ أجرك، وافرغ من عملك لعلنا نتغدَّى، بـمعنى: لنتغدى، أو حتـى نتغدى، ولكلا هذين القولـين وجه حسن، ومذهب صحيح.

وقوله: {قالا رَبَّنا إنَّنا نَـخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَـيْنا} يقول تعالـى ذكره: قال موسى وهارون: ربنا إننا نـخاف فرعون إن نـحن دعوناه إلـى ما أمرتنا أن ندعوه إلـيه، أن يعجل علـينا بـالعقوبة وهو من قولهم: فرط منـي إلـى فلان أمر: إذا سبق منه ذلك إلـيه، ومنه: فـارط القوم، وهو الـمتعجل الـمتقدّم أمامهم إلـى الـماء أو الـمنزل كما قال الراجز:

قَدْ فَرَط العِلْـجُ عَلَـيْنا وَعَجِلْ

وأما الإفراط: فهو الإسراف والإشطاط والتعدّي. يقال منه: أفرطت فـي قولك: إذا أسرف فـيه وتعدّى. وأما التفريط: فإنه التوانـي. يقال منه: فرَّطت فـي هذا الأمر حتـى فـات: إذا توانى فـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أنْ يَفْرُطَ عَلَـيْنا} قال: عقوبة منه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّنا نَـخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَـيْنا أوْ أنْ يَطْغَى} قال: نـخاف أن يعجل علـينا إذ نبلغه كلامك أو أمرك، يفرط ويعجل. وقرأ

{ لا تَـخافـا إنَّنـي مَعَكُما أسمَعُ وأرَى }}.
الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ