انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير الطبريالآيات 97–120

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة طه

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:01:48

  1. 1 الآيات 83–110في هذه الصفحة 13:35
  2. 2 الآيات 111–135في هذه الصفحة 14:23

التفسير الصوتي لسورة طه كاملًا (4 مقاطع)

قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُۥ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ۝٩٧ إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۝٩٨

يقول تعالـى ذكره: قال موسى للسامريّ: فـاذهب فإن لك فـي أيام حياتك أن تقول: لامساس: أي لا أمسُّ، ولا أُمسُّ.. وذُكر أن موسى أمر بنـي إسرائيـل أن لا يؤاكلوه، ولا يخالطوه، ولا يبـايعوه، فلذلك قال له: إن لك فـي الـحياة أن تقول لامساس، فبقـي ذلك فـيـما ذكر فـي قبـيـلته، كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان والله السامريّ عظيـماً من عظماء بنـي إسرائيـل، من قبـيـلة يقال لها سامرة، ولكن عدوّ الله نافق بعد ما قطع البحر مع بنـي إسرائيـل. قوله: {فـاذْهَبْ فإنَّ لَكَ فِـي الـحَياةِ أنْ تَقولَ لامِساسَ} فبقاياهم الـيوم يقولون لامساس.

وقوله: {وَإنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُـخْـلَفَهُ} اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والكوفة {لَنْ تُـخْـلَفَهُ} بضم التاء وفتـح اللام بـمعنى: وإن لك موعداً لعذابك وعقوبتك علـى ما فعلت من إضلالك قومي حتـى عبدوا العجل من دون الله، لن يخـلفكه الله، ولكن يذيقكه. وقرأ ذلك الـحسن وقَتادة وأبو نهيك: {وَإنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُـخْـلِفَهُ} بضمّ التاء وكسر اللام، بـمعنى: وإن لك موعداً لن تـخـلفه أنت يا سامريّ، وتأوّلوه بـمعنى: لن تغيب عنه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت أبـا نهيك يقرأ «لَن تُـخْـلِفَهُ أنْتَ» يقول: لن تغيب عنه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُـخْـلِفَهُ} يقول: لن تغيب عنه.

قال أبو جعفر: والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، لأنه لا شكّ أن الله موف وعده لـخـلقه بحشرهم لـموقـف الـحساب، وأن الـخـلق موافون ذلك الـيوم، فلا الله مخـلفهم ذلك، ولا هم مخـلفوه بـالتـخـلف عنه، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك.

وقوله: {وَانْظُرْ إلـى إلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـاً} يقول: وانظر إلـى معبودك الذي ظلت علـيه مقـيـماً تعبده، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـاً} الذي أقمت علـيه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: فقال له موسى: {انْظُرْ إلـى إلهِكَ الَّذي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـاً} يقول: الذي أقمت علـيه. وللعرب فـي ظلت: لغتان: الفتـح فـي الظاء، وبها قرأ قرّاء الأمصار، والكسر فـيها وكأن الذين كسروا نقلوا حركة اللام التـي هي عين الفعل من ظللت إلـيها، ومن فتـحها أقرّ حركتها التـي كانت لها قبل أن يحذف منها شيء، والعرب تفعل فـي الـحروف التـي فـيها التضعيف ذاك، فـيقولون فـي مَسِسْت ومِسْت وفـي همـمت بذلك: همت به، وهل أحست فلانا وأحسسته، كما قال الشاعر:

خَلا أنَّ العِتاقَ مِنَ الـمَطاياأحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَـيْهِ شُوسُ

وقوله: {لَنُـحَرَقَنَّهُ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرْاء الـحجاز والعراق لَنُـحَرّقَنَّهُ بضم النون وتشديد الراء، بـمعنى لنـحرقنه بـالنار قطعة قطعة. ورُوي عن الـحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: «لَنُـحْرِقَنَّهُ» بضم النون، وتـخفـيف الراء، بـمعنى: لنـحرقنه بـالنار إحراقة واحدة، وقرأه أبو وجعفر القارىء: «لَنَـحْرُقَنَّهُ» بفتـح النون وضم الراء بـمعنى: لنبردنه بـالـمبـارد من حرقته أحرقه وأحرّقه، كما قال الشاعر:

بِذِي فِرْقَـيْنِ يَوْمَ بَنُو حُبَـيْبٍنُـيُوَبهُمُ عَلَـيْنا يَحْرُقُونا

والصواب فـي ذلك عندنا من القراءة {لَنُـحَرّقَنَّهُ} بضم النون وتشديد الراء، من الإحراق بـالنار، كما:

حدثنـي علـيّ قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {لَنُـحَرّقَنَّهُ} يقول: بـالنار.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {لَنُـحَرّقَنَّهُ} فحرّقه ثم ذراه فـي الـيـم.

وإنـما اخترت هذه القراءة لإجمال الـحجة من القرّاء علـيها. وأما أبو جعفر، فإنـي أحسبه ذهب إلـى ما:

حدثنا به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ: {وَانْظُرْ إلـى إلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـاً لَنُـحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِـي الـيَـمّ نَسْفـاً} ثم أخذه فذبحه، ثم حرقه بـالـمبرد، ثم ذراه فـي الـيـم، فلـم يبق بحر يومئذٍ إلا وقع فـيه شيء منه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَانْظُرْ إلـى إلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـاً لَنُـحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِـي الـيَـمّ نَسْفـاً} قال: وفـي بعض القراءة: لنذبحنه ثم لنـحرقنه، ثم لننسفنه فـي الـيـمّ نسفـاً.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي حرف ابن مسعود: «وَانْظُرْ إلـى إلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـاً لَنذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُـحْرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِـي الـيـمّ نَسْفـاً».

وقوله: {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِـي الـيَـمّ نَسْفـاً} يقول: ثم لنذرّينه فـي البحر تذرية يقال منه: نسف فلان الطعام بـالـمنسف: إذا ذراه فطير عنه قشوره وترابه بـالـيد أو الريح. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل: ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِـي الَـيـمّ نَسْفـاً} يقول: لنذرينه فـي البحر.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: ذراه فـي الـيـمّ، والـيـمّ: البحر.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: ذراه فـي الـيـم.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي الـيـمّ، قال: فـي البحر.

وقوله: {إنَّـمَا إلهُكُمُ اللّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ} يقول: ما لكم أيها القوم معبود، إلا الذي له عبـادة جميع الـخـلق لا تصلـح العبـادة لغيره، ولا تَنبغي أن تكون إلا له {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْـماً} يقول: أحاط بكل شيء علـماً فعلـمه، فلا يخفـى علـيه منه شيء ولا يضيق علـيه علـم جميع ذلك. يقال منه: فلان يسع لهذا الأمر: إذا أطاقه وقوى علـيه، ولا يسع له: إذا عجز عنه فلـم يطقه ولـم يقو علـيه. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:

حدثنا بِشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْـماً} يقول: ملأ كلّ شيء علـماً تبـارك وتعالـى.

كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا ۝٩٩ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وِزْرًا ۝١٠٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: كما قصصنا علـيك يا مـحمد نبأ موسى وفرعون وقومه وأخبـار بنـي إسرائيـل مع موسى {كَذَلكَ نَقُصُّ عَلَـيْكَ مِنْ أنْبـاءِ ما قَدْ سَبَقَ} يقول: كذلك نـخبرك بأنبـاء الأشياء التـي قد سبقت من قبلك، فلـم تشاهدها ولـم تعاينها. وقوله: {وَقَدْ آتَـيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً} يقول تعالـى ذكره لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: وقد آتـيناك يا مـحمد من عندنا ذكراً يَتذكر به، ويتعظ به أهل العقل والفهم، وهو هذا القرآن الذي أنزله الله علـيه، فجعله ذكرى للعالـمين. وقوله {مَنْ أعْرَضَ عَنْهُ} يقول تعالـى ذكره: من ولَّـى عنه فأدبر فلـم يصدّق به ولـم يقرّ، {فإنه يَحْمِلُ يَوْمَ القِـيامَة وِزْراً} يقول: فإنه يأتـي ربه يوم القـيامة يحمل حملاً ثقـيلاً، وذلك الإثم العظيـم، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {يَوْمَ القِـيامَةِ وِزْراً} قال: إثماً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج. عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

خَٰلِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ حِمْلًا ۝١٠١ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ۝١٠٢ يَتَخَٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ۝١٠٣

يقول تعالـى ذكره: خالدين فـي وزرهم، فأخرج الـخبر جلّ ثناؤه عن هؤلاء الـمعرضين عن ذكره فـي الدنـيا أنهم خالدون فـي أوزارهم، والـمعنى: أنهم خالدون فـي النار بأوزارهم، ولكن لـما كان معلوماً الـمراد من الكلام اكتفـي بـما ذكر عما لـم يذكر.

وقوله: {وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ القـيامَة حمْلاً} يقول تعالـى ذكره: وساء ذلك الـحمل والثقل من الإثم يوم القـيامة حملاً، وحقّ لهم أن يسوءهم ذلك، وقد أوردهم مهلكة لا منـجي منها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ القِـيامَةِ حِمْلاً} يقول: بئسما حملوا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ القِـيامَةِ حِمْلاً} يعنـي بذلك: ذنوبهم.

وقوله: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِـي الصُّورِ} يقول تعالـى ذكره: وساء لهم يوم القـيامة، يوم ينفخ فـي الصور، فقوله: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِـي الصُّورِ} ردّ علـى يوم القـيامة. وقد بـيَّنا معنى النفخ فـي الصور، وذكرنا اختلاف الـمختلفـين فـي معنى الصور، والصحيح فـي ذلك من القول عندي بشواهده الـمغنـية عن إعادته فـي هذا الـموضع قبل.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار {يَوْمَ يُنْفَخُ فِـي الصُّورِ} بـالـياء وضمها علـى ما لـم يسمّ فـاعله، بـمعنى: يوم يأمر الله إسرافـيـل فـينفخ فـي الصور. وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأ ذلك «يَوْمَ نَنْفُخُ فِـي الصُّورِ» بـالنون بـمعنى: يوم ننفخ نـحن فـي الصور، كأن الذي دعاه إلـى قراءة ذلك كذلك طلبه التوفـيق بـينه وبـين قوله: {ونَـحْشُرُ الـمُـجْرِمِينَ} إذ كان لا خلاف بـين القرّاء فـي نـحشر أنها بـالنون.

قال أبو جعفر: والذي أختار فـي ذلك من القراءة يوم ينفخ بـالـياء علـى وجه ما لـم يسمّ فـاعله، لأن ذلك هو القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار وإن كان للذي قرأ أبو عمرو وجه غير فـاسد.

وقوله: {ونَـحْشُرُ الـمُـجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} يقول تعالـى ذكره: ونسوق أهل الكفر بـالله يومئذٍ إلـى موقـف القـيامة زرقاً، فقـيـل: عنى بـالزرق فـي هذا الـموضع: ما يظهر فـي أعينهم من شدة العطش الذي يكون بهم عند الـحشر لرأي العين من الزرق. وقـيـل: أريد بذلك أنهم يحشرون عمياً، كالذي قال الله

{ وَنـحْشُرُهُمْ يَوْمَ القـيامَةِ عَلـى وُجُوهِهِمْ عُمْياً }

وقوله: {يَتَـخافَتُونَ بَـيْنَهُمْ إنْ لَبِثْتُـمْ إلاَّ عَشْراً} يقول تعالـى ذكره: يتهامسون بـينهم، ويسرّ بعضهم إلـى بعض: إن لبثتـم فـي الدنـيا، يعنـي أنهم يقول بعضهم لبعض: ما لبثتـم فـي الدنـيا إلا عشراً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يَتَـخافَتُون بَـيْنَهُمْ} يقول: يتسَارُّون بـينهم.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَتَـخافَتُونَ بَـيْنَهُمْ}: أي يتسارُّون بـينهم {إنْ لَبِثْتُـمْ إلاَّ عَشْراً}.

نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ۝١٠٤

يقول تعالـى ذكره: نـحن أعلـم منهم عند إسرارهم وتـخافتهم بـينهم بقـيـلهم

{ إنْ لَبِثْتُـمْ إلاَّ عَشْراً }بـما يقولون لا يخفـى علـينا مـما يتساررونه بـينهم شيء {إذْ يَقُولُ أمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُـمْ إلاَّ يَوْماً} يقول تعالـى ذكره حين يقول أو فـاهم عقلاً، وأعلـمهم فـيهم: إن لبثتـم فـي الدنـيا إلا يوماً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن شعبة، فـي قوله: {إذْ يَقُولُ أمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أو فاهم عقلاً وإنـما عنى جلّ ثنائه بـالـخبر عن قـيـلهم هذا القول يومئذٍ، إعلام عبـاده أن أهل الكفر به ينسون من عظيـم ما يعاينون من هول يوم القـيامة، وشدّة جزعهم من عظيـم ما يردون علـيه ما كانوا فـيه فـي الدنـيا من النعيـم واللذّات، ومبلغ ما عاشوا فـيها من الأزمان، حتـى يخيـل إلـى أعقلهم فـيهم، وأذكرهم وأفهمهم أنهم لـم يعيشوا فـيها إلا يوماً.

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا ۝١٠٥ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ۝١٠٦ لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَآ أَمْتًا ۝١٠٧

يقول تعالـى ذكره: ويسألك يا مـحمد قومك عن الـجبـال، فقل لهم: يذريها ربـي تذرية، ويطيرها بقلعها واستئصالها من أصولها، ودكّ بعضها علـى بعض، وتصيـيره إياها هبـاء منبثاً {فَـيَذَرُها قاعاً صَفْصَفـاً} يقول تعالـى ذكره: فـيدع أماكنها من الأرض إذا نسفها نسفـاً، قاعاً: يعنـي: أرضا ملساء، صفصفـاً: يعنـي مستوياً لا نبـات فـيه، ولا نشز، ولا ارتفـاع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {قاعاً صَفْصَفـاً} يقول: مستوياً لا نبـات فـيه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فَـيَذَرُها قاعاً صَفْصَفـاً} قال: مستوياً، الصفصف: الـمستوى.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا عبد الله بن لهيعة، قال: ثنا أبو الأسود، عن عروة، قال: كنا قعوداً عند عبد الـملك حين قال كعب: إن الصخرة موضع قدم الرحمن يوم القـيامة، فقال: كذب كعب، إنـما الصخرة جبل من الـجبـال، إن الله يقول: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الـجِبـالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبّـي نَسْفـاً} فسكت عبد الـملك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {صَفْصَفـاً} قال: مستوياً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

قال أبو جعفر: وكان بعض أهل العلـم بلغات العرب من أهل الكوفة يقول: القاع: مستنقع الـماء، والصفصف: الذي لا نبـات فـيه.

وقوله: {لا تَرَى فِـيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً} يقول: لا ترى فـي الأرض عوجاً ولا أمتاً.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى العوج والأمت، فقال بعضهم: عنى بـالعوج فـي هذا الـموضع: الأودية، وبـالأمت: الروابـي والنشوز. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {لا تَرَى فِـيها عِوَجاً وَلا أمْتاً} يقول: وادياً، ولا أمتاً: يقول: رابـية.

حدثنـي مـحمد بن عبد الله الـمخرمي، قال: ثنا أبو عامر العقدي، عن عبد الواحد بن صفوان مولـى عثمان، قال: سمعت عكرمة، قال: سئل ابن عبـاس، عن قوله {لا تَرَى فِـيها عِوَجاً وَلا أمْتاً} قال: هي الأرض البـيضاء، أو قال: الـملساء التـي لـيس فـيها لبنة مرتفعة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {لا تَرَى فِـيهَا عِوَجاً وَلا أمْتاً} قال: ارتفـاعاً، ولا انـخفـاضاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {لا تَرَى فِـيها عِوَجاً وَلا أمْتاً} قال: لا تعاديَ، الأمت: التعادي.

وقال آخرون: بل عنى بـالعوج فـي هذا الـموضع: الصدوع، وبـالأمت: الارتفـاع من الآكام وأشبـاهها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله: {لا تَرَى فِـيها عِوَجاً} قال: صدعاً {وَلا أمْتاً} يقول: ولا أكمة.

وقال آخرون: عنى بـالعوج: الـميـل، وبـالأمت: الأثر. ذكر من قال ذلك:

حدثني مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {لا تَرَى فِـيها عِوَجاً وَلا أمْتاً} يقول: لا ترى فـيها ميلاً، والأمت: الأثر مثل الشراك.

وقال آخرون: الأمت: الـمـحانـي والأحداب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: الأمت: الـحدب.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عنى بـالعوج: الـميـل، وذلك أن ذلك هو الـمعروف فـي كلام العرب.

فإن قال قائل: وهل فـي الأرض الـيوم من عوج، فـيقال: لا ترى فـيها يومئذٍ عوجاً. قـيـل: إن معنى ذلك: لـيس فـيها أودية وموانع تـمنع الناظر أو السائر فـيها عن الأخذ علـى الاستقامة، كما يحتاج الـيوم من أخذ فـي بعض سبلها إلـى الأخذ أحيانا يـميناً، وأحياناً شمالاً، لـما فـيها من الـجبـال والأودية والبحار. وأما الأمت فإنه عند العرب: الانثناء والضعف. مسموع منهم: مدّ حبله حتـى ما ترك فـيه أمتا: أي انثناء وملأ سقاءه حتـى ما ترك فـيه أمتاً ومنه قول الراجز:

ما فِـي انْـجذَابِ سَيْرِهِ مِنْ أمْتِ

يعنـي: من وهن وضعف، فـالواجب إذا كان ذلك معنى الأمت عندهم أن يكون أصوب الأقوال فـي تأويـله: ولا ارتفـاع ولا انـخفـاض، لأن الانـخفـاض لـم يكن إلاَّ عن ارتفـاع. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: لا ترى فـيها ميلاً عن الاستواء، ولا ارتفـاعاً، ولا انـخفـاضاً، ولكنها مستوية ملساء، كما قال جلّ ثناؤه: {قاعاً صَفْصَفـاً}.

يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ۝١٠٨

يقول تعالـى ذكره: يومئذٍ يتبع الناس صوت داعي الله الذي يدعوهم إلـى موقـف القـيامة، فـيحشرهم إلـيه {لا عِوَجَ لَهُ} يقول: لا عوج لهم عنه ولا انـحراف، ولكنهم سراعاً إلـيه ينـحشرون. وقـيـل: لا عوج له، والـمعنى: لا عوج لهم عنه، لأن معنى الكلام ما ذكرنا من أنه لا يعوجون له ولا عنه. ولكنهم يؤمونه ويأتونه، كما يقال فـي الكلام: دعانـي فلان دعوة لا عوج لـي عنها: أي لا أعوج عنها. وقوله {وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ للرَّحْمَنِ} يقول تعالـى ذكره: وسكنت أصوات الـخلائق للرحمن فوصف الأصوات بـالـخشوع. والـمعنى لأهلها إنهم خُضَّع جميعهم لربهم، فلا تسمع لناطق منهم منطقا إلاَّ من أذن له الرحمن، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ للرَّحْمَنِ} يقول: سكنت.

وقوله: {فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْساً} يقول: إنه وطء الأقدام إلـى الـمـحشر. وأصله: الصوت الـخفـيّ، يقال همس فلان إلـى فلان بحديثه إذا أسرّه إلـيه وأخفـاه ومنه قول الراجز:

وَهُنَّ يَـمْشِينَ بنا هَمِيسَاإنْ يَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَـمِيسَا

يعنـي بـالهمس: صوت أخفـاف الإبل فـي سيرها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا علـيّ بن عابس، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْساً} قال: وطء الأقدام.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ للرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْساً} يعنـي: همس الأقدام، وهو الوطء.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْساً} يقول: الصوت الـخفـيّ.

حدثنا إسماعيـل بن موسى السديّ، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الرحمن بن الأصبهانـي، عن عكرمة {فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْساً} قال: وطء الأقدام.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الـحسن {فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْساً} قال: همس الأقدام.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قادة {فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْساً} قال قتادة: كان الـحسن يقول: وقع أقدام القوم.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْساً} قال: تهافتا، وقال: تـخافت الكلام.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {هَمْساً} قال: خفض الصوت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: خفض الصوت، قال: وأخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قال: كلام الإنسان لا تسمع تـحرّك شفتـيه ولسانه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قوله: {فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْساً} يقول: لا تسمع إلاَّ مشياً، قال: الـمشي الهمس: وطء الأقدام.

يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًا ۝١٠٩ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًا ۝١١٠

يقول تعالـى ذكره {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفـاعَةُ إلاَّ} شفـاعة {مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} أن يشفع {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} وأدخـل فـي الكلام له دلـيلاً علـى إضافة القول إلـى كناية «مَنْ» وذلك كقول القائل الآخر: رضيت لك عملك، ورضيته منك، وموضع مَن من قوله {إلاَّ مَنْ أذِنَ لَهُ} نصب لأنه خلاف الشفـاعة.

وقوله {يَعْلَـمُ ما بـينَ أيْدِيهِمْ وَما خَـلْفَهُمْ} يقول تعالـى ذكره: يعلـم ربك يا مـحمد ما بـين أيدي هؤلاء الذين يتبعون الداعي من أمر القـيامة، وما الذي يصيرون إلـيه من الثواب والعقاب {وَما خَـلفَهُمْ} يقول: ويعلـم أمر ما خـلفوه وراءهم من أمر الدنـيا، كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يَعْلَـمُ ما بـينَ أيْدِيهمْ} من أمر الساعة {وَما خَـلْفَهُمْ} من أمر الدنـيا.

وقوله: {وَلا يُحيطُونَ بهِ علْـماً} يقول تعالـى ذكره: ولا يحيط خـلقه به علـماً. ومعنى الكلام: أنه مـحيط بعبـاده علـماً، ولا يحيط عبـاده به علـماً. وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك: أن الله يعلـم ما بـين أيدي ملائكته وما خـلفهم، وأن ملائكته لا يحيطون علـماً بـما بـين أيدي أنفسم وما خـلفهم، وقال: إنـما أعلـم بذلك الذين كانوا يعبدون الـملائكة، أن الـملائكة كذلك لا تعلـم ما بـين أيديها وما خـلفها، موبخهم بذلك ومقرّعهم بأن من كان كذلك، فكيف يعبد، وأن العبـادة إنـما تصلـح لـمن لا تـخفـى علـيه خافـية فـي الأرض ولا فـي السماء.

وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ۝١١١

يقول تعالى ذكره: استأسَرَّت وجوه الـخـلق، واستسلـمت للـحيّ القـيوم الذي لا يـموت، القـيوم علـى خـلقه بتدبـيره إياهم، وتصريفهم لـما شاءوا. وأصل العنو الذلُّ، يقال منه: عنا وجهه لربه يعنو عنوا، يعنـي خضع له وذلّ، وكذلك قـيـل للأسير: عان لذلة الأسر. فأما قولهم: أخذت الشيء عنوة، فإنه يكون وإن كان معناه يؤول إلـى هذا أن يكون أخذه غلبة، ويكون أخذه عن تسلـيـم وطاعة، كما قال الشاعر:

هَلْ أنْتَ مُطِيعي أيُّها القَلْبُ عَنْوَةًولَـمْ تَلَـحْ نَفْسٌ لـم تلـم فـي اخْتِـيالِهَا

وقال آخر:

فَمَا أخَذُوها عَنْوَةً عَنْ مَوَدَّةٍوَلَكِنْ بِحَدّ الـمَشْرَفِـي اسْتَقالَهَا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْـحَيّ القَـيُّومِ} يقول: ذلَّت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْـحَيّ القَـيُّومِ} يعنـي بعنت: استسلـموا لـي.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ} قال: خشعت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلـحَيّ القَـيُّومِ} أي ذلَّت الوجوه للـحيّ القـيوم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ للـحَيّ القَـيُّومِ} قال: ذلت الوجوه.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: قال طلق: إذا سجد الرجل فقد عنا وجهه، أو قال: عنا.

حدثنـي أبو حُصَين عبد الله بن أحمد، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبـيب، فـي هذه الآية: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْـحَيّ القَـيُّومِ} قال: هو وضع الرجل رأسه ويديه وأطراف قدميه.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيـل، عن لـيث، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبـيب فـي قوله: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْـحَيّ القَـيُّومِ} قال: وهو وضعك جبهتك وكفـيك وركبتـيك وأطراف قدميك فـي السجود.

حدثنا خلاد بن أسلـم، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن حصين، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبـيب فـي قوله: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْـحَيّ القَـيُّومِ} قال: وضع الـجبهة والأنف علـى الأرض.

حدثنـي يعقوب: قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبـيب، فـي قوله: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْـحَيّ القَـيُّومِ} قال: هو السجود علـى الـجبهة والراحة والركبتـين والقدمين.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْـحَيّ القَـيُّومِ} قال: استأسرت الوجوه للـحيّ القـيوم، صاروا أسارى كلهم له. قال: والعانـي: الأسير.

وقد بـيَّنا معنى الـحيّ القـيوم فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته هاهنا. وقوله: {وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْـماً} يقول تعالـى ذكره: ولـم يظفر بحاجته وطلبته من حَمل إلـى موقـف القـيامة شركاً بـالله، وكفراً به، وعملاً بـمعصيته. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْـماً} قال: من حمل شركاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْـماً} قال: من حمل شركاً، الظلـم هاهنا: الشرك.

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ۝١١٢

يقول تعالـى ذكره وتقدّست أسماؤه: ومن يعمل من صالـحات الأعمال، وذلك فـيـما قـيـل أداء فرائض الله التـي فرضها علـى عبـاده {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} يقول: وهو مصدّق بـالله، وأنه مـجازٍ أهل طاعته وأهل معاصيه علـى معاصيهم {فلا يَخافُ ظُلْـماً} يقول: فلا يخاف من الله أن يظلـمه، فـيحمل علـيه سيئات غيره، فـيعاقبه علـيه {وَلا هَضْماً} يقول: لا يخاف أن يهضمه حسناته، فـينقصه ثوابها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِـحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وإنـما يقبل الله من العمل ما كان فـي إيـمان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيْج، قوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} قال: زعموا أنها الفرائض. ذكر من قال ما قلنا فـي معنى قوله: {فَلا يَخافُ ظُلْـماً وَلا هَضْماً}:

حدثنا أبو كريب سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قالا: ثنا ابن عطية، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس {لا يَخافُ ظُلْـماً وَلا هَضْماً} قال: هضماً: غضبـاً.

حدثني علي، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثني معاوية عن علـي عن ابن عبـاس قال: {لاَ يَخَافُ ظُلْـماً وَلا هَضْماً} قال: لا يخاف ابن آدم يوم القـيامة أن يظلـم، فـيزاد علـيه فـي سيئاته، ولا يظلـم فـيهضم فـي حسناته.

حدثني مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمَنُ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِـحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْـماً وَلا هَضْماً} يقول: أنا قاهر لكم الـيوم، آخذكم بقوّتـي وشدّتـي، وأنا قادر علـى قهركم وهضمكم، فإنـما بـينـي وبـينكم العدل، وذلك يوم القـيامة.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا مُعاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَلا يَخافُ ظُلْـماً وَلا هَضْماً} أما هضماً فهو لا يقهر الرجل الرجل بقوّته، يقول الله يوم القـيامة: لا آخذكم بقوّتـي وشدتـي، ولكن العدل بـينـي وبـينكم، ولا ظلـم علـيكم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {هَضْماً} قال: انتقاص شيء من حقّ عمله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن مِسْعر، قال: سمعت حبـيب بن أبـي ثابت يقول فـي قوله: {وَلا هَضْماً} قال: الهضم: الانتقاص.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {فَلا يَخاف ظُلْـماً وَلا هَضْماً} قال: ظلـما أن يزاد فـي سيئاته، ولا يُهْضَم من حسناته.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَلا يَخافُ ظلْـما وَلا هَضْما} قال: لا يخاف أن يظلـم، فلا يجزى بعمله، ولا يخاف أن ينتقص من حقه، فلا يوفـى عمله.

حدثنا الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا سلام بن مسكين، عن ميـمون بن سِياه، عن الـحسن، فـي قول الله تعالـى: {فَلا يَخافُ ظُلْـماً وَلا هَضْماً} قال: لا ينتقص الله من حسناته شيئاً، ولا يحمل علـيه ذنب مسيء.

وأصل الهضم: النقص، يقال: هضمنـي فلان حقـي، ومنه امرأة هضيـم: أي ضامرة البطن، ومنه قولهم: قد هضم الطعام: إذا ذهب، وهَضَمْت لك من حقك: أي حططتك.

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ۝١١٣

يقول تعالـى ذكره: كما رغبنا أهل الإيـمان فـي صالـحات الأعمال، بوعدناهم ما وعدناهم، كذلك حذرنا بـالوعيد أهل الكفر بـالـمُقام علـى معاصينا، وكفرهم بآياتنا، فأنزلنا هذا القرآن عربـياً، إذ كانوا عَرَبـاً {وَصَرَّفْنا فِـيهِ مِنَ الوَعِيدِ} فبـيناه: يقول: وخوّفناهم فـيه بضروب من الوعيد {لعلَّهم يتَّقون} يقول: كي يتقونا، بتصريفنا ما صرّفنا فـيه من الوعيد {أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} يقول: أو يحدث لهم هذا القرآن تذكرة، فـيعتبرون ويتعظون بفعلنا بـالأمـم التـي كذّبت الرسل قبلها، وينزجرون عما هم علـيه مقـيـمون من الكفر بـالله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكَذلكَ أنْزَلْناهُ قُرآناً عَرَبِـيًّا وَصَرَّفْنا فِـيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ما حُذّروا به من أمر الله وعقابه، ووقائعه بـالأمـم قبلهم {أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ} القرآن {ذِكْراً}: أي جِدّاً وورعاً.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {أوْ يُحْدِث لَهُمْ ذِكْراً} قال: جِداً وورعاً. وقد قال بعضهم فـي: {أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} أن معناه: أو يحدث لهم شرفـاً، بإيـمانهم به.

فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا ۝١١٤

يقول تعالـى ذكره: فـارتفع الذي له العبـادة من جميع خـلقه، الـملك الذي قهر سلطانه كلّ ملك وجبـار، الـحقّ عما يصفه به الـمشركون من خـلفه {وَلا تَعْجَلْ بـالقُرآنِ مِنْ قَبْلِ أنْ يُقْضَى إلَـيْكَ وَحْيُهُ}: يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ولا تعجل يا مـحمد بـالقرآن، فتقرئه أصحابك، أو تقرأ علـيهم، من قبل أن يوحى إلـيك بـيان معانـيه، فعوتب علـى إكتابه وإملائه ما كان الله ينزله علـيه من كتابه مَنْ كان يُكْتِبه ذلك، من قبل أن يبـين له معانـيه، وقـيـل: لا تتله علـى أحد، ولا تـمله علـيه، حتـى نبـينه لك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَلا تَعْجَلْ بـالقُرآنِ مِنْ قَبْلِ أنْ يُقْضَى إلَـيْكَ وَحْيَهُ} قال: لا تتله علـى أحد حتـى نبـينه لك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُريج، قال: يقول: لا تتله علـى أحد حتـى تتـمه لك هكذا قال القاسم: حتـى نتـمه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَعْجَلْ بـالقُرآنِ مِنْ قَبْلِ أنْ يُقْضَى إلَـيْكَ وَحْيُهُ} يعنـي: لا تعجل حتـى نبـينه لك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلا تَعْجَلْ بـالقُرآنِ مِنْ قَبْلِ أنْ يُقْضَى إلَـيْكَ وَحْيُهُ}: أي بـيانه.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {وَلا تَعْجَلْ بـالقُرآنِ مِنْ قَبْلِ أنْ يُقْضَى إلَـيْكَ وَحْيُهُ} قال: تبـيانه.

حدثنا ابن الـمثنى وابن بشار، قالا: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة {مِنْ قَبْلِ أنْ يُقْضَى إلَـيْكَ وَحْيُهُ} من قبل أن يبـين لك بـيانه.

وقوله: {وَقُلْ رَبّ زِدْنِـي عِلْـماً} يقول تعالـى ذكره: وقل يا مـحمد: ربّ زدنـي علـما إلـى ما علـمتنـي أمره بـمسألته من فوائده العلـم ما لا يعلـم.

وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا ۝١١٥

يقول تعالـى ذكره: وإن يضيع يا مـحمد هؤلاء الذين نصرّف لهم فـي هذا القرآن من الوعيد عهدي، ويخالفوا أمري، ويتركوا طاعتـي، ويتبعوا أمر عدوّهم إبلـيس، ويطيعوه فـي خلاف أمري، فقديـما ما فعل ذلك أبوهم آدم

{ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلَـيْهِ }يقول: ولقد وصينا آدم وقلنا له: {إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما منَ الـجَنَّةِ } فوسوس إلـيه الشيطان فأطاعه، وخالف أمري، فحلّ به من عقوبتـي ما حلّ.

وعنى جلّ ثناؤه بقوله: {مِنْ قَبْلُ} هؤلاء الذين أخبر أنه صرف لهم الوعيد فـي هذا القرآن وقوله: {فَنَسِيَ} يقول: فترك عهدي، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَلَقَدْ عَهِدْنا إلـى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} يقول: فترك.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {فَنَسِيَ} قال: ترك أمر ربه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَقَدْ عَهِدْنا إلـى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} قال: قال له

{ يا آدَمُ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِك فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الـجَنَّةِ فَتَشْقَـى } فقرأ حتـى بلغ: { لا تَظْمَأُ فِـيها وَلا تَضْحَى }، وقرأ حتـى بلغ: { وَمُلْكٍ لا يَبْلَـى } قال: فنسي ما عهد إلـيه فـي ذلك، قال: وهذا عهد الله إلـيه، قال: ولو كان له عزم ما أطاع عدوّه الذي حسده، وأبـي أن يسجد له مع مَنْ سجد له إبلـيس، وعصى الله الذي كرّمه وشرّفه، وأمر ملائكته فسجدوا له.

حدثنا ابن الـمثنى وابن بشار قالا: ثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن، ومؤمل، قالوا: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن مسلـم البطين، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: إنـما سُمي الإنسان لأنه عهد إلـيه فنسي.

وقوله: {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} اختلف أهل التأويـل فـي معنى العزم ها هنا، فقال بعضهم: معناه الصبر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} أي صبراً.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً}، قال: صبراً.

حدثنا إبراهيـم بن يعقوب الـجَوْزَجانـي، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: بل معناه: الـحفظ، قالوا: ومعناه: ولـم نـجد له حفظاً لـما عهدنا إلـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} قال: حفظاً لـما أمرته.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأشجعيّ، عن سفـيان، عن عمرو بن قـيس، عن عطية، فـي قوله {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} قال: حفظاً.

حدثنا عبـاد بن مـحمد، قال: ثنا قبـيصة، عن سفـيان، عن عمرو بن قـيس، عن عطية، فـي قوله {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} قال: حفظاً لـما أمرته به.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} يقول: لـم نـجد له حفظاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} قال: العزم: الـمـحافظة علـى ما أمره الله تبـارك وتعالـى بحفظه، والتـمسك به.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} يقول: لـم نـجعل له عزماً.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا الـحجاج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبـي أمامة قال: لو أن أحلام بنـي آدم جمعت منذ يوم خـلق الله تعالـى آدم إلـى يوم الساعة، ووضعت فـي كفة ميزان، ووضع حلـم آدم فـي الكفة الأخرى، لرجح حلـمه بأحلامهم، وقد قال الله تعالـى: {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً}.

قال أبو جعفر: وأصل العزم اعتقاد القلب علـى الشيء، يقال منه: عزم فلان علـى كذا: إذا اعتقد علـيه ونواه ومن اعتقاد القلب: حفظ الشيء، ومنه الصبر علـى الشيء، لأنه لا يجزع جازع إلا من خورَ قلبه وضعفه، فإذا كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مـما بـينه الله تبـارك وتعالـى، وهو قوله: {ولَـمْ نَـجِدْ لَهُ عَزْماً} فـيكون تأويـله: ولـم نـجد له عزم قلب، علـى الوفـاء الله بعهده، ولا علـى حفظ ما عهد إلـيه.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ۝١١٦ فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ ۝١١٧

يقول تعالـى ذكره معلـماً نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم، ما كان من تضيـيع آدم عهده، ومعرّفه بذلك أن ولده لن يعدوا أن يكونوا فـي ذلك علـى منهاجه، إلا من عصمه الله منهم: واذكر يا مـحمد {إذْ قُلْنا للْـمَلائِكَةَ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِـيسَ أبَى} أن يسجد له {فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ} ولذلك من شنآنه لـم يسجد لك، وخالف أمري فـي ذلك وعصانـي، فلا تطيعاه فـيـما يأمر كما به، فـيخرجكما بـمعصيتكما ربكما، وطاعتكما له {مِنَ الـجَنَّةِ فَتَشْقَـى} يقول: فـيكون عيشك من كدّ يدك، فذلك شقاؤه الذي حذَّره به، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: أهبط إلـى آدم ثور أحمر، فكان يحرث علـيه، ويـمسح العرق من جبـينه، فهو الذي قال الله تعالـى ذكره: {فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الـجَنَّةِ فَتَشْقَـى} فكان ذلك شقاءه.

وقال تعالـى ذكره: {فَتَشْقَـى} ولـم يقل: فتشقـيا، وقد قال: {فَلا يُخْرِجَنَّكُما} لأن ابتداء الـخطاب من الله كان لآدم علـيه السلام، فكان فـي إعلامه العقوبة علـى معصيته إياه، فـيـما نهاه عنه من أكل الشجرة، الكفـاية من ذكر الـمرأة، إذ كان معلوماً أن حكمها فـي ذلك حكمه، كما قال:

{ عَنِ الـيَـمِينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ }اجتزىء بـمعرفة السامعين معناه، من ذكر فعل صاحبه.

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ۝١١٨ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ۝١١٩ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ ۝١٢٠

يقول تعالـى ذكره، مخبراً عن قـيـله لآدم حين أسكنه الـجنة: {إنَّ لَكَ} يا آدم {أنْ لا تَـجُوعَ فِـيها وَلا تَعْرَى}. و «أن» فـي قوله {ألا تَـجُوعَ فِـيها} فـي موضع نصب بإن التـي فـي قوله: {إنَّ لَكَ}.

وقوله: {وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِـيها} اختلفت القرّاء فـي قراءتها، فقرأ ذلك بعض قرّاء الـمدينة والكوفة بـالكسر: وإنك، علـى العطف علـى قوله: {إنَّ لَكَ}. وقرأ ذلك بعض قرّاء الـمدينة وعامة قرّاء الكوفة والبصرة: وأنك، بفتـح ألفها عطفـاً بها علـى «أن» التـي فـي قوله: «أنْ لا تَـجُوعَ فِـيها». ووجَّهوا تأويـل ذلك إلـى أن لك هذا وهذا فهذه القراءة أعجب القراءتـين إلـيّ، لأن الله تبـارك وتعالـى ذكره وعد ذلك آدم حين أسكنه الـجنة، فكون ذلك بأن يكون عطفـاً علـى أن لا تـجوع أولـى من أن يكون خبر مبتدأ، وإن كان الآخر غير بعيد من الصواب. وعنى بقوله: {لا تَظْمأُ فـيها} لا تعطش فـي الـجنة ما دمت فـيها {وَلا تَضْحَى}، يقول: لا تظهر للشمس فـيؤذيك حرّها، كما قال ابن أبـي ربـيعة:

رأتْ رَجُلاً أمَّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْفَـيَضْحى وأمَّا بـالعشِيّ فَـيَخْصَرُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وأنَّك لا تَظْمَأُ فِـيها وَلا تَضْحَى} يقول: لا يصيبك فـيها عطش ولا حرّ.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وأنَّكُ لا تَظْمَأُ فِـيها وَلا تَضْحَى} يقول: لا يصيبك حرّ ولا أذى.

حدثنـي أحمد بن عثمان بن حكيـم الأودي، قال: ثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: ثنـي أبـي، عن خصيف عن سعيد بن جُبـير {لا تَظْمَأُ فِـيها وَلا تَضْحَى} قال: لا تصيبك الشمس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلا تَضْحَى} قال: لا تصيبك الشمس.

وقوله: {فَوَسْوَسَ إلَـيْهِ الشَّيْطَانُ} يقول: فألقـى إلـى آدم الشَّيطان وحدّثه {فَقالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ علـى شَجَرَةِ الـخُـلْدِ} يقول: قال له: هل أدلك علـى شجرة إن أكلت منها خـلدت فلـم تـمت، وملكت ملكاً لا ينقضى فـيبلـى، كما:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قال {يا أدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلـى شَجَرَةِ الـخُـلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَـى} إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله أوْ تَكُونا منَ الـخالِدين فلا تـموتان أبداً.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ