انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير الطبريالآيات 46–71

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة طه

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:01:48

  1. 1 الآيات 1–54في هذه الصفحة 19:10
  2. 2 الآيات 55–82في هذه الصفحة 14:40

التفسير الصوتي لسورة طه كاملًا (4 مقاطع)

قَالَ لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ۝٤٦ فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَٰكَ بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ ۝٤٧

يقول الله تعالـى ذكره: قال الله لـموسى وهارون: {لا تَـخافـا} فرعون {إنَّنِـي مَعَكُما} أعينكما علـيه، وأبصركما {أسمَعُ} ما يجري بـينكما وبـينه، فأفهمكما ما تـحاورانه به {وأرَى} ما تفعلان ويفعل، لا يخفـى علـيّ من ذلك شيء {فَأْتِـياهُ فَقُولا} له {إنَّا رَسُولا رَبِّكَ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج {قالَ لا تَـخافـا إنَّنِـي مَعَكُما أسَمَعُ وأرَى} ما يحاوركما، فأوحي إلـيكما فتـجاوبـانه.

وقوله: {فَأْتِـياهُ فَقُولا إنَّا رَسُولا رَبِّكَ} أرسلنا إلـيك يأمرك أن ترسل معنا بنـي إسرائيـل، فأرسلهم معنا ولا تعذّبهم بـما تكلفهم من الأعمال الرديئة {قَدْ جِئْناكَ بآيَةٍ} معجزة {مِنْ رَبِّكَ} علـى أنه أرسلنا إلـيك بذلك، إن أنت لـم تصدّقنا فـيـما نقول لك أريناكها، {والسَّلامُ عَلـى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى} يقول: والسلامة لـمن اتبع هدى الله، وهو بـيانه. يقال: السلام علـى من اتبع الهدى، ولـمن اتبع بـمعنى واحد.

إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ۝٤٨ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ۝٤٩ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره لرسوله موسى وهارون: قولا لفرعون إنا قد أوحى إلـينا ربك أن عذابه الذي لا نفـاد له، ولا انقطاع علـى من كذب بـما ندعوه إلـيه من توحيد الله وطاعته، وإجابة رسله {وَتَوَّلـى} يقول: وأدبر مُعرضاً عما جئناه به من الـحقّ، كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أنَّ العَذَابَ عَلـى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّـى} كذّب بكتاب الله، وتولـى عن طاعة الله.

وقوله: {قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسَى} فـي هذا الكلام متروك، ترك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر علـيه عنه، وهو قوله:

{ فَأْتِـياهُ }فقالا له ما أمرهما به ربهما وأبلغاه رسالته، فقال فرعون لهما {فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسَى} فخاطب موسى وحده بقوله: يا موسى، وقد وجه الكلام قبل ذلك إلـى موسى وأخيه. وإنـما فعل ذلك كذلك، لأن الـمـجاوبة إنـما تكون من الواحد وإن كان الـخطاب بـالـجماعة لا من الـجميع، وذلك نظير قوله: { نَسِيا حُوَتُهما }وكان الذي يحمل الـحوت واحد، وهو فتـى موسى، يدلّ علـى ذلك قوله: { إنّـي نَسِيتُ الـحُوتَ وَما أنْسانِـيهُ إلاَّ الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ }

وقوله: {قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} يقول تعالـى ذكره: قال موسى له مـجيبـاً: ربنا الذي أعطى كلّ شيء خـلقه، يعنـي: نظير خـلقه فـي الصورة والهيئة كالذكور من بنـي آدم، أعطاهم نظير خـلقهم من الإناث أزواجاً، وكالذكور من البهائم، أعطاها نظير خـلقها، وفـي صورتها وهيئتها من الإناث أزواجاً، فلـم يعط الإنسان خلاف خـلقه، فـيزوّجه بـالإناث من البهائم، ولا البهائم بـالإناث من الإنس، ثم هداهم للـمأتـي الذي منه النسل والنـماء كيف يأتـيه، ولسائر منافعه من الـمطاعم والـمشارب، وغير ذلك.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: بنـحو الذي قلنا فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} يقول: خـلق لكلّ شيء زوجة، ثم هداه لـمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} يقول: أعطى كلّ دابة خـلقها زوجاً، ثم هدى للنكاح.

وقال آخرون: معنى قوله {ثُمَّ هَدَى} أنه هداهم إلـى الأُلفة والاجتـماع والـمناكحة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} يعنـي: هدى بعضهم إلـى بعض، ألَّف بـين قلوبهم وهداهم للتزويج أن يزوّج بعضهم بعضاً.

وقال آخرون: معنى ذلك: أعطى كلّ شيء صورته، وهي خـلقه الذي خـلقه به، ثم هداه لـما يُصلـحه من الاحتـيال للغذاء والـمعاش. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله: {أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} قال: أعطى كلّ شيء صورته ثم هدى كلّ شيء إلـى معيشته.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} قال: سوّى خـلق كلّ دابة، ثم هداها لـما يُصلـحها، فعلَّـمها إياه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: رَبُّنا الَّذِي {أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} قال: سوّى خـلق كلّ دابة ثم هداها لـما يُصلـحها وعلَّـمها إياه، ولـم يجعل الناس فـي خـلق البهائم، ولا خـلق البهائم فـي خـلق الناس، ولكن خـلق كلّ شيء فقدّره تقديراً.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حميد عن مـجاهد {أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} قال: هداه إلـى حيـلته ومعيشته.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعطى كلّ شيء ما يُصلـحه، ثم هداه له. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ} قال: أعطى كلّ شيء ما يُصلـحه. ثم هداه له.

قال أبو جعفر: وإنـما اخترنا القول الذي اخترنا فـي تأويـل ذلك، لأنه جلّ ثناؤه أخبر أنه أعطى كلّ شيء خـلقه، ولا يعطي الـمعطي نفسه، بل إنـما يعطي ما هو غيره، لأن العطية تقتضي الـمعطي الـمُعطَى والعطية، ولا تكون العطية هي الـمعْطَى، وإذا لـم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كلّ خـلق بعض أجزائه، كان معلوماً أنه إذا قـيـل: أعطى الإنسان صورته، إنـما يعنـي أنه أعطى بعض الـمعانـي التـي به مع غيره دعي إنساناً، فكأن قائله قال: أعطى كلّ خـلق نفسه، ولـيس ذلك إذا وجه إلـيه الكلام بـالـمعروف من معانـي العطية، وإن كان قد يحتـمله الكلام. فإذا كان ذلك كذلك، فـالأصوب من معانـيه أن يكون موجهاً إلـى أن كلّ شيء أعطاه ربه مثل خـلقه، فزوّجه به، ثم هداه لـما بـيَّنا، ثم ترك ذكر مثل، وقـيـل {أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَه} كما يقال: عبد الله مثل الأسد، ثم يحذف مثل، فـيقول: عبد الله الأسد.

قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ۝٥١ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَٰبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى ۝٥٢

يقول تعالـى ذكره: قال فرعون لـموسى، إذ وصف موسى ربه جلّ جلاله بـما وصفه به من عظيـم السلطان، وكثرة الإنعام علـى خـلقه والإفضال: فما شأن الأمـم الـخالـية من قبلنا لـم تقرّ بـما تقول، ولـم تصدّق بـما تدعو إلـيه، ولـم تـخـلص له العبـادة، ولكنها عبدت الآلهة والأوثان من دونه، إن كان الأمر علـى ما تصف من أن الإشياء كلها خـلقه، وأنها فـي نعمه تتقلَّب، وفـي مِنَنه تتصرف؟ فأجابه موسى فقال: علـم هذه الأمـم التـي مضت من قبلنا فـيـما فعلت من ذلك، عند ربـي فـي كتاب: يعنـي فـي أمّ الكتاب، لا علـم لـي بأمرها، وما كان سبب ضلال من ضلّ منهم فذهب عن دين الله {لا يَضِلُّ رَبّـي} يقول: لا يخطىء ربـي فـي تدبـيره وأفعاله، فإن كان عذّب تلك القرون فـي عاجل، وعجل هلاكها، فـالصواب ما فعل، وإن كان أخر عقابها إلـى القـيامة، فـالـحقّ ما فعل، هو أعلـم بـما يفعل، لا يخطىء في فعله {ولاَ يَنْسَى} فـيترك فعل ما فعْله حكمة وصواب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فِـي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبّـي وَلا يَنْسَى} يقول: لا يخطىء ربـي ولا ينسى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَمَا بَـالُ القُرُونِ الأُولـى} يقول فما أعمى القرون الأولـى، فوكلها نبـي الله موكلاً فقال: {عِلْـمُها عِنْدَ رَبّـي...} الآية يقول: أي أعمارها وآجالها.

وقال آخرون: معنى قوله {لا يَضِلُّ رَبّـي وَلا يَنْسَى} واحداً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {لا يَضِلُّ رَبّـي وَلا يَنْسَى} قال: هما شيء واحد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

والعرب تقول: ضلّ فلان منزله: إذا أخطأه، يضله بغير ألف، وكذلك ذلك فـي كلّ ما كان من شيء ثابت لا يبرح، فأخطأه مريده، فإنها تقول: أضله، فأما إذا ضاع منه ما يزول بنفسه من دابة وناقة وما أشبه ذلك من الـحيوان الذي ينفلت منه فـيذهب، فإنها تقول: أضلّ فلان بعيره أو شاته أو ناقته يُضله بـالألف. وقد بـيَّنا معنى النسيان فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته.

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ ۝٥٣

اختلف أهل التأويـل فـي قراءة قوله {مَهْداً} فقرأته عامَّة قرّاء الـمدينة والبصرة: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهاداً ) بكسر الـمِيـم من الـمِهاد وإلـحاق ألف فـيه بعد الهاء، وكذلك عملهم ذلك فـي كلّ القرآن. وزعم بعض من اختار قراءة ذلك كذلك، أنه إنـما اختاره من أجل أن الـمهاد: اسم الـموضّع، وأن الـمهد الفعل قال: وهو مثل الفرش والفراش. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: {مَهْداً} بـمعنى: الذي مهد لكم الأرض مهداً.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قَرأة الأمصار مشهورتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب فـيها.

وقوله: {وَسَلَكَ لَكُمْ فـيها سُبُلاً} يقول: وأنهج لكم فـي الأرض طرقا. والهاء فـي قوله فـيها: من ذكر الأرض، كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَسَلَكَ لَكُمْ فِـيها سُبُلاً}: أي طرقاً.

وقوله: {وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً} يقول: وأنزل من السماء مطراً {فأخرجنا به أزْوَاجاً مِنْ نَبـاتٍ شَتَّـى} وهذا خبر من الله تعالـى ذكره عن إنعامه علـى خـلقه بـما يحدث لهم من الغيث الذي ينزله من سمائه إلـى أرضه، بعد تناهي خبره عن جواب موسى فرعون عما سأله عنه وثنائه علـى ربه بـما هو أهله. يقول جلّ ثناؤه: فأخرجنا نـحن أيها الناس بـما ننزل من السماء من ماء أزواجاً، يعنـي ألواناً من نبـات شتـى، يعنـي مختلفة الطعوم، والأرايـيح والـمنظر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {مِنْ نَبـاتٍ شَتَّـى} يقول: مختلف.

كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَٰمَكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره: كلوا أيها الناس من طيب ما أخرجنا لكم بـالغيث الذي أنزلناه من السماء إلـى الأرض من ثمار ذلك وطعامه، وما هو من أقواتكم وغذائكم، وارعوا فـيـما هو أرزاق بهائمكم منه وأقواتها أنعامكم {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ} يقول: إن فـيـما وصفت فـي هذه الآية من قدرة ربكم، وعظيـم سلطانه لآيات: يعنـي لدلالات وعلامات تدلّ علـى وحدانـية ربكم، وأن لا إله لكم غيره {أُوِلـي النُّهَى} يعنـي: أهل الـحجى والعقول. والنهي: جمع نُهية، كما الكُشَي: جمع كُشْيَة.

قال أبو جعفر: والكُشَي: شحمة تكون فـي جوف الضبّ، شبـيهة بـالسرّة وخصّ تعالـى ذكره بأن ذلك آيات لأولـي النُّهَي، لأنهم أهل التفكُّر والاعتبـار، وأهل التدبر والاتعاظ.

مِنْهَا خَلَقْنَٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره: من الأرض خـلقناكم أيها الناس، فأنشأناكم أجساما ناطقة {وَفِـيها نُعِيدُكُمْ} يقول: وفـي الأرض نعيدكم بعد مـماتكم، فنصيركم ترابـا، كما كنتـم قبل إنشائكم بشراً سوياً {وَمِنْها نُـخْرِجُكُمْ} يقول: ومن الأرض نـخرجكم كما كنتـم قبل مـماتكم أحياء، فننشئكم منها، كما أنشأناكم أوّل مرّة. وقوله: {تارَةً أُخْرَى} يقول: مرّة أخرى، كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَمِنْها نُـخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرَى} يقول: مرّة أخرى.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {تارَةً أُخْرَى} قال: مرّة أخرى الـخـلق الآخر.

قال أبو جعفر: فتأويـل الكلام إذاً: من الأرض أخرجناكم ولـم تكونوا شيئاً خـلقاً سوياً، وسنـخرجكم منها بعد مـماتكم مرّة أخرى، كما أخرجناكم منها أوّل مرّة.

وَلَقَدْ أَرَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ۝٥٦

يقول تعالـى ذكره: ولقد أرينا فرعون آياتنا، يعنـي أدلتنا وحججنا علـى حقـيقة ما أرسلنا به رسولـينا، موسى وهارون إليه كلها {فَكَذَّبَ وأَبَى} أن يقبل من موسى وهارون ما جاءا به من عند ربهما من الحقّ استكبـاراً وعتوّاً.

قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٥٧ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِۦ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًا سُوًى ۝٥٨

يقول تعالـى ذكره: قال فرعون لـما أريناه آياتنا كلها لرسولنا موسى: أجئتنا يا موسى لتـخرجنا من منازلنا ودورنا بسحرك هذا الذي جئتنا به {فَلَنْأتِـيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فـاجْعَلْ بَـيْنَنا وَبَـيْنَكَ مَوْعِداً} لا نتعدّاه، لنـجيء بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه، لا نـخـلف ذلك الـموعد {نَـحْنُ وَلا أنْتَ مَكاناً سُوًى} يقول: بـمكان عدل بـيننا وبـينك ونَصَف.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والبصرة وبعض الكوفـيـين: «مَكاناً سِوًى» بكسر السين، وقرأته عامة قرّاء الكوفة: {مَكاناً سُوىً} بضمها.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أنهما لغتان، أعنـي الكسر والضم فـي السين من «سوى» مشهورتان فـي العرب. وقد قرأت بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، مع اتفـاق معنـيـيهما، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وللعرب فـي ذلك إذا كان بـمعنى العدل والنصف لغة هي أشهر من الكسر والضم وهو الفتح، كما قال جلّ ثناؤه {تَعَالُوا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَـينَنا وَبَـيْنَكُمْ} وإذا فتـحت السين منه مدّ. وإذا كسرت أو ضمت قصر، كما قال الشاعر:

فإنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سُوًى بـينَ قَـيْسٍ قَـيْسٍ عَيْلانَ والفِزْرِ

ونظير ذلك من الأسماء: طُوَى، وطَوَى وثَنى وثُنَى وَعَدَى، وعُدَى. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {مَكاناً سُوًى} قال: منصفـاً بـينهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {مَكاناً سوًى}: أي عادلاً بـيننا وبـينك.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، قوله: {مَكاناً سُوًى} قال: نصفـاً بـيننا وبـينك.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {فـاجْعَلْ بَـيْنَنا وَبَـيْنَكَ مَوْعِداً لا نُـخْـلِفُهُ نَـحْنُ وَلا أنْتَ مَكاناً سُوًى} قال: يقول: عدلاً. وكان ابن زيد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {مَكاناً سُوًى} قال: مكاناً مستوياً يتبـين للناس ما فـيه، لا يكون صوب ولا شيء فـيغيب بعض ذلك عن بعض مستوٍ حين يرى.

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ۝٥٩ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ۝٦٠

يقول تعالـى ذكره: قال موسى لفرعون، حين سأله أن يجعل بـينه وبـينه موعداً للاجتـماع: {موعدكم} للاجتـماع {يَوْمُ الزّينَةِ} يعنـي يوم عيد كان لهم، أو سوق كانوا يتزيَّنون فـيه {وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ} يقول: وأن يُساق الناس من كلّ فجّ وناحية {ضُحًى} فذلك موعد ما بـينـي وبـينك للاجتـماع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} فإنه يوم زينة يجتـمع الناس إلـيه ويحشر الناس له.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {قال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزّينَةِ} قال: يوم زينة لهم، ويوم عيد لهم {وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} إلـى عيد لهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد {يَوْمُ الزّينَةِ} قال: يوم السوق.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {يَوْمُ الزّينَةِ}: موعدهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قال موسى: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} وذلك يوم عيد لهم.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد ثنا سعيد، عن قتادة {قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزّينَةِ} يوم عيد كان لهم. وقوله: {وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} يجتـمعون لذلك الـميعاد الذي وعدوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {قالَ مَوْعَدُكُمْ يَوْمُ الزّينَة} قال: يوم العيد، يوم يتفرّغ الناس من الأعمال، ويشهدون ويحضُرون ويرون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزّينَةُ} يوم عيد كان فرعون يخرج له {وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} حتـى يحضروا أمري وأمرك، وأنّ من قوله {وأنْ يحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} رفع بـالعطف علـى قوله {يَوْمُ الزّينَةِ}. وذُكر عن أبـي نهيك فـي ذلك ما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: عبد الـمؤمن، قال: سمعت أبـا نهيك يقول: {وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضحًى} يعنـي فرعون يحشر قومه.

وقوله: {فَتَوَلَّـى فِرْعَوْنُ} يقول تعالـى ذكره: فأدبر فرعون معرضاً عما أتاه به من الـحقّ {فجَمَعَ كَيْدَهُ} يقول: فجمع مكره، وذلك جمعُه سحرتَه بعد أخذه إياهم بتعلـمه، {ثُمَّ أتَـى} يقول: ثم جاء للـموعد الذي وعده موسى، وجاء بسحرته.

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ۝٦١

يقل تعالـى ذكره:

{ قَالَ مُوسَى } للسحرة لـما جاء بهم فرعون: {وَيْـلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلـى اللّهِ كَذِبـاً} يقول: لا تـختلفوا علـى الله كذبـاً، ولا تتقوّلوه {فَـيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} فـيستأصلكم بهلاك فـيبـيدكم. وللعرب فـيه لغتان: سَحَت، وأسحت، وَسَحت، أكثر من أسحت، يقال منه: سحت الدهر، وأسحت مال فلان: إذا أهلكه فهو يَسْحَته سحتا، وأسحته يُسْحته إسحاتا. ومن الإسحات قول الفرزدق:

وَعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوَانَ لَـمْ يَدَعْمِنَ الـمَالِ إلاَّ مُسْحَتا أوْ مُـجَلَّفُ

ويُروى: إلا مسحت أو مـجلف. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَـيُسْحِتَكم بِعَذَابٍ} يقول: فـيهلككم.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَـيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} يقول يستأصلكم بعذاب.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {فَـيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} قال: فـيستأصلكم بعذاب فـيهلككم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَـيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} قال: يهلككم هلاكاً لـيس فـيه بقـيَّة، قال: والذي يسحت لـيس فـيه بقـية.

حدثنا موسى قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فَـيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} يقول يهلككم بعذاب.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: «فَـيَسْحَتَكُمْ» بفتـح الـياء من سحت يَسحت. وقرأته عامة قرّاء الكوفة: {فَـيُسْحِتَكُمْ} بضم الـياء من أسحت يُسْحِت.

قال أبو جعفر: والقول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، غير أن الفتـح فـيها أعجب إلـيّ لأنها لغة أهل العالـية، وهي أفصح، والأخرى وهي الضمّ فـي نـجد.

وقوله: {وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرَى} يقول: ولـم يظفر من يخـلق كذبـاً وبقوله، بكذبه ذلك، بحاجته التـي طلبها به، ورجا إدراكها به.

فَتَنَٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ ۝٦٢ قَالُوٓا۟ إِنْ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره: فتنازع السحرة أمرهم بـينهم. وكان تنازعهم أمرهم بـينهم فـيـما ذكر أن قال بعضهم لبعض، ما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَتَنازَعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ وأسَرُّوا النَّـجْوَى} قال السحرة بـينهم: إن كان هذا ساحراً فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وقال آخرون بل هو أن بعضهم قال لبعض: ما هذا القول بقول ساحر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: جمع كلّ ساحر حبـاله وعصيه، وخرج موسى معه أخوه يتكىء علـى عصاه، حتـى أتـى الـمـجمع، وفرعون فـي مـجلسه، معه أشراف أهل مـملكته، قد استكَفَّ له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم:

{ وَيْـلَكُمْ لا تَفْتَروا عَلـى اللّهِ كَذِبـاً فَـيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرَى } فترادّ السحرة بـينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.

وقوله: {وأسَرُّوا النَّـجْوَى} يقول تعالـى ذكره: وأسرّوا السحرة الـمناجاة بـينهم.

ثم اختلف أهل العلـم السرار الذي أسروه، فقال بعضهم: هو قول بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحراً فإنا سنغلبه، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبنا. وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: أشار بعضهم إلـى بعض بتناج: {إنْ هَذَانِ لسَاحِرَانِ يُرِيدَانه أنْ يخْرِجاكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما}.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَتَنازَعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ وأسَرُّوا النَّـجْوَى} من دون موسى وهارون، قالوا فـي نـجواهم: {إنْ هَذَانِ لَساحِرَانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ بِسِحْرَهُما وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمْ الـمُثْلَـى} قالوا: إن هذان لساحران، يَعْنُون بقولهم: إن هذان موسى وهارون، لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنْ هَذَانِ لَساحِرَانِ يُرِيدَانِ أنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما} موسى وهارون صلـى الله علـيهما.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {إنْ هَذَانِ لَساحِرَانِ} فقرأته عامة قرّاء الأمصار: «إنَّ هَذَانِ» بتشديد إن وبـالألف فـي هذان، وقالوا: قرأنا ذلك كذلك. وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول: «إن» خفـيفة فـي معنى ثقـيـلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، ويدخـلون اللام لـيفرقوا بـينها وبـين التـي تكون فـي معنى ما. وقال بعض نـحويـيِّ الكوفة: ذلك علـى وجهين: أحدهما علـى لغة بنـي الـحارث بن كعب ومن جاورهم، يجعلون الاثنـين فـي رفعهما ونصبهما وخفضهما بـالألف. وقد أنشدنـي رجل من الأَسْد عن بعض بنـي الـحارث بن كعب:

فأطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجاعِ وَلَوْ رَأىَمَساغاً لِنابـاهُ الشُّجاعُ لَصمَّـما

قال: وحكى عنه أيضاً: هذا خط يدا أخي أعرفه، قال: وذلك وإن كان قلـيلاً أقـيس، لأن العرب قالوا: مسلـمون، فجعلوا الواو تابعة للضمة، لأنها لا تعرب، ثم قالوا: رأيت الـمسلـمين، فجعلوا الـياء تابعة لكسرة الـميـم قالوا: فلـما رأوا الـياء من الاثنـين لا يـمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحاً، تركوا الألف تتبعه، فقالوا: رجلان فـي كلّ حال. قال: وقد اجتـمعت العرب علـى إثبـات الألف فـي كلام الرجلـين، فـي الرفع والنصب والـخفض، وهما اثنان، إلا بنـي كنانة، فإنهم يقولون: رأيت كِلَـىِ الرجلـين، ومررت بكلـي الرجلـين، وهي قبـيحة قلـيـلة مَضَوا علـى القـياس. قال: والوجه الآخر أن تقول: وجدت الألف من هذا دعامة، ولـيست بلام «فَعلَـى» فلـما بنـيت زدت علـيها نونا، ثم تركت الألف ثابتة علـى حالها لا تزول بكلّ حال، كما قالت العرب الذي، ثم زادوا نوناً تدلّ علـى الـجمع، فقالوا: الذين فـي رفعهم ونصبهم وخفضهم، كما تركوا هذان فـي رفعه ونصبه وخفضه. قال: وكان القـياس أن يقولوا: الَّذُون. وقال آخر منهم: ذلك من الـجزم الـمرسل، ولو نصب لـخرج إلـى الانبساط.

وحُدثت عن أبـي عُبـيدة معمر بن الـمثنى، قال: قال أبو عمرو وعيسى بن عمر ويونس، إن هذين لساحران فـي اللفظ، وكتب «هذان» كما يريدون الكتاب، واللفظ صواب. قال: وزعم أبو الـخطاب أنه سمع قوماً من بنـي كنانة وغيرهم، يرفعون الاثنـين فـي موضع الـجرّ والنصب. قال: وقال بشر بن هلال: إن بـمعنى الابتداء والإيجاب. ألا ترى أنها تعمل فـيـما يـلـيها، ولا تعمل فـيـما بعد الذي بعدها، فترفع الـخبر ولا تنصبه، كما نصبت الاسم، فكان مـجاز «إن هذان لساحران»، مـجاز كلامين، مَخْرجه: إنه: إي نَعَم، ثم قلت: هذان ساحران. ألا ترى أنهم يرفعون الـمشترك كقول ضابىء:

فَمَنْ يَكُ أمْسَى بـالـمَدِينَةِ رَحْلُهُفإنّـي وَقَـيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ

وقوله:

إنَّ السُّيُوفَ غُدُوَّها وَرَواحَهاتَرَكْتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأعْضَبِ

قال: ويقول بعضهم: إن الله وملائكتُهُ يصلون علـى النبـيّ، فـيرفعون علـى شركة الابتداء، ولا يعملون فـيه إنَّ. قال: وقد سمعت الفصحاء من الـمُـحْرِمين يقولون: إن الـحمدَ والنعمةُ لك والـملكُ، لا شريك لك. قال: وقرأها قوم علـى تـخفـيف نون إن وإسكانها. قال: ويجوز لأنهم قد أدخـلوا اللام فـي الابتداء وهي فصل، قال:

أُمُّ الـحُلَـيْسِ لعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ

قال: وزعم قوم أنه لا يجوز، لأنه إذا خفف نوّن «إن» فلا بدّ له من أن يدخـل «إلا» فـيقول: إن هذا إلا ساحران.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: {إنّ} بتشديد نونها، وهذان بـالألف لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وأنه كذلك هو فـي خطّ الـمصحف. ووجهه إذا قرىء كذلك مشابهته الذين إذ زادوا علـى الذي النون، وأقرّ فـي جميع الأحوال الإعراب علـى حالة واحدة، فكذلك {إنَّ هَذَانِ} زيدت علـى هذا نون وأقرّ فـي جميع أحوال الإعراب علـى حال واحدة، وهي لغة بلـحرث بن كعب، وخثعم، وزبـيد، ومن ولـيهم من قبـائل الـيـمن.

وقوله: {وَيَذْهَبـا بطَرِيقَتِكُمْ الـمُثْلَـى} يقول: ويغلبـا علـى ساداتكم وأشرافكم، يقال: هو طريقة قومه ونظورة قومه، ونظيرتهم إذا كان سيدهم وشريفهم والـمنظور إلـيه، يقال ذلك للواحد والـجمع، وربـما جمعوا، فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم ومنه قول الله تبـارك وتعالـى:

{ كُنَّا طَرَائقَ قِدَاداً }وهؤلاء نظائر قومهم. وأما قوله: {الـمُثْلَـى} فإنها تأنـيث الأمثل، يقال للـمؤنث، خذ الـمثلـى منهما. وفـي الـمذكر: خذ الأمثل منهما، ووحدت الـمثلـى، وهي صفة ونعت للـجماعة، كما قـيـل: { لهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى }، وقد يحتـمل أن يكون الـمُثلـى أنثت لتأنـيث الطريقة.

وبنـحو ما قلنا فـي معنى قوله: {بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثلَـى} يقول: أمثلكم وهم بنو إسرائيـل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} قال: أولـي العقل والشرف والأنساب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، فـي قوله {وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} قال: أولـي العقول والأشراف والأنساب.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} وطريقتهم الـمُثلـى يومئذٍ كانت بنو إسرائيـل، وكانوا أكثر القوم عدداً وأموالاً وأولاداً. قال عدوّ الله: إنـما يريدان أن يذهبـا بهم لأنفسهما.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله {بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} قال: ببنـي إسرائيـل.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَيَذْهَبَـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} يقول: يذهبـا بأشراف قومكم.

وقال آخرون: معنى ذلك: ويغيرا سنتكم ودينكم الذي أنتـم علـيه، من قولهم: فلان حسن الطريقة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} قال: يذهبـا بـالذي أنتـم علـيه، يغير ما أنتـم علـيه. وقرأ:

{ ذَرُونِـي أقْتُلْ مُوسَى وَلـيْدْعُ رَبَّهُ إنّـي أخافُ أنْ يُبَدّلَ دِينَكُمْ أوْ أنْ يُظْهِرَ فِـي الأرْضِ الفَسادَ }قال: هذا قوله: {وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} وقال: يقول طريقتكم الـيوم طريقة حسنة، فإذا غيرت ذهبت هذه الطريقة. ورُوي عن علـي فـي معنى قوله: {وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} ما:

حدثنا به القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم، عن علـيّ بن أبـي طالب، قال: يصرفـان وجوه الناس إلـيهما.

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد فـي قوله: {ويَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى} وإن كان قولاً له وجه يحتـمله الكلام، فإن تأويـل أهل التأويـل خلافه، فلا أستـجيز لذلك القول به.

فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ۝٦٤

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {فأجْمِعُوا كَيْدَكُم} فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والكوفة {فأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} بهمز الألف من {فأجْمِعُوا}، ووجَّهوا معنى ذلك إلـى: فأحكموا كيدكم، واعزموا علـيه من قولهم: أجمع فلان الـخروج، وأجمع علـى الـخروج، كما يقال: أزمع علـيه ومنه قول الشاعر:

يا لَـيْت شعْرِي والـمُنى لا تَنْفَعُهَلْ أغْدُوَنْ يَوْماً وأمْرِيَ مُـجْمَعُ

يعنـي بقوله: «مـجمع» قد أحكم وعزم علـيه ومنه قول النبـيّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ لَـمْ يُجْمِعْ عَلـى الصَّوْمِ مِن اللَّـيْـلِ فَلا صَوْم لَهُ

وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل البصرة: «فـاجْمِعُوا كَيْد كُمْ» بوصل الألف، وترك همزها، من جمعت الشيء، كأنه وجَّهه إلـى معنى: فلا تدَعوا من كيدكم شيئاً إلا جئتـم به. وكان بعض قارئي هذه القراءة يعتلّ فـيـما ذُكر لـي لقراءته ذلك كذلك بقوله:

{ فَتَوَّلـى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ }

قال أبو جعفر: والصواب فـي قراءة ذلك عندنا همز الألف من أجمع، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وأن السحرة هم الذين كانوا به معروفـين، فلا وجه لأن يقال لهم: اجمعوا ما دعيتـم له مـما أنتـم به عالـمون، لأن الـمرء إنـما يجمع ما لـم يكن عنده إلـى ما عنده، ولـم يكن ذلك يوم تزيد فـي علـمهم بـما كانوا يعملونه من السحر، بل كان يوم إظهاره، أو كان متفرّقا مـما هو عنده، بعضه إلـى بعض، ولـم يكن السحر متفرّقاً عندهم فـيجمعونه. وأما قوله:

{ فَجَمَعَ كَيْدَهُ } فغير شبـيه الـمعنى بقوله {فَأجِمعُوا كَيْدَكُمْ} وذلك أن فرعون كان هو الذي يجمع ويحتفل بـما يغلب به موسى مـما لـم يكن عنده مـجتـمعاً حاضراً، فقـيـل: فتولـى فرعون فجمع كيده.

وقوله: {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّـا} يقول: احضروا وجيئوا صفـاً والصفّ ههنا مصدر، ولذلك وحد، ومعناه: ثم ائتوا صفوفـاً، وللصفّ فـي كلام العرب موضع آخر، وهو قول العرب: أتـيت الصفّ الـيوم، يعنـي به الـمصلـى الذي يصلـى فـيه.

وقوله: {وَقَدْ أفْلَـحَ الـيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَـى} يقول: قد ظفر بحاجته الـيوم من علا علـى صاحبه فقهره، كما:

حدثنا ابن حميد، قلا: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: جمع فرعون الناس لذلك الـجمع، ثم أمر السحرة فقال: {ائْتُوا صَفًّـا وَقَدْ أفْلَـحَ الـيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَـى} أي قد أفلـح من أفلـج الـيوم علـى صاحبه.

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ۝٦٥ قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ۝٦٦

يقول تعالـى ذكره: فأجمعت السحرة كيدهم، ثم أتوا صفـاً فقالوا لـموسى: {يا مُوسى إمَّا أنْ تُلْقِـيَ وإمَّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَنْ ألْقَـى} وترك ذكر ذلك من الكلام اكتفـاء بدلالة الكلام علـيه.

واختلف فـي مبلغ عدد السحرة الذين أتوا يومئذٍ صفـاً، فقال بعضهم: كانوا سبعين ألف ساحر، مع كلّ ساحر منهم حبل وعصا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا القاسم بن أبـي بزّة، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا فألقـى موسى عصاه، فإذا هي ثعبـان مبـين فـاغر به فـاه، فـابتلع حبـالهم وعصيهم،

{ فَأُلْقِـيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً }عند ذلك، فما رفعوا رءوسهم حتـى رأوا الـجنة والنار وثواب أهلهما، فعند ذلك { قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلـى ما جاءنا مِنَ البَـيِّنات }

وقال آخرون: بل كانوا نـيفـاً وثلاثـين ألف رجل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال:

{ قَالو يا مُوسَى إمَّا أنْ تُلْقِـيَ وَإمَّا أنْ نَكونَ نـحْنُ الـمُلْقِـينَ قالَ لهُمْ مُوسَى }: ألقوا، فألقوا حبـالهم وعصيهم، وكانوا بضعة وثلاثـين ألف رجل لـيس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا.

وقال آخرون: بل كانوا خمسة عشر ألفـاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كلّ ساحر حبـاله وعصيه.

وقال آخرون: كانوا تسع مئة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: كان السحرة ثلاث مئة من العريش، وثلاث مئة من فـيوم، ويشكون فـي ثلاث مئة من الإسكندرية فقالوا لـموسى: إما أن تلقـي ما معك قبلنا، وإما أن نلقـي ما معنا قبلك، وذلك قوله: {وإمَّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَنْ ألْقَـى} وأنّ فـي قوله: {إمَّا أنْ} فـي موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام: اختر يا موسى أحد هذين الأمرين: إما أن تلقـي قبلنا، وإما أن نكون أوّل من ألقـي، ولو قال قائل: هو رفع، كان مذهبـاً، كأنه وجَّهه إلـى أنه خبر، كقول القائل:

فَسِيرَا فإمَّا حاجَةً تَقْضِيانِهاوإمَّا مَقِـيـلٌ صَالِـحٌ وصَدِيقُ

وقوله: {قالَ بَلْ ألْقُوا} يقول تعالـى ذكره: قال موسى للسحرة: بل ألقوا أنتـم ما معكم قبلـي. وقوله: {فإذَا حِبـالُهُمْ وَعصِيُّهُمْ يُخَيَّـلُ إلَـيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أنَّهَا تَسْعَى}، وفـي هذا الكلام متروك، وهو: فألقوا ما معهم من الـحبـال والعصيّ، فإذا حبـالهم، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام الذي ذكر علـيه عنه. وذُكر أن السحرة سحروا عين موسى وأعين الناس قبل أن يـلقوا حبـالهم وعصيهم، فخيـل حينئذٍ إلـى موسى أنها تسعى، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: قالوا يا موسى، {إمَّا أنْ تُلْقِـيَ وَإمَّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَنْ ألْقَـى قالَ بَلْ ألْقُوا} فكان أوّل ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقـى كلّ رجل منهم ما فـي يده من العصي والـحبـال، فإذا هي حيات كأمثال الـحبـال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا.

واختلفت القراءة فـي قراءة قوله: {يُخَيَّـلُ إلَـيْهِ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار {يُخَيَّـلُ إلَـيْهِ} بـالـياء بـمعنى: يخيـل إلـيهم سعيها. وإذا قرىء ذلك كذلك، كانت «أن» فـي موضع رفع. ورُوي عن الـحسن البصري أنه كان يقرؤه: «تُـخَيَّـلُ» بـالتاء، بـمعنى: تـخيـل حبـالهم وعصيهم بأنها تسعى. ومن قرأ ذلك كذلك، كانت «أن» فـي موضع نصب لتعلق تـخيـل بها. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: «تُـخَيَّـلُ إلَـيْهِ» بـمعنى: تتـخيـل إلـيه. وإذا قرىء ذلك كذلك أيضا ف«أن» فـي موضع نصب بـمعنى: تتـخيـل بـالسعي لهم.

والقراءة التـي لا يجوز عندي فـي ذلك غيرها {يُخَيَّـلُ} بـالـياء، لإجماع الـحجة من القراء علـيه.

فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ ۝٦٧ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ۝٦٨ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَٰحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ۝٦٩

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: فأوجس فـي نفسه خوفـا موسى فوجده. وقوله: {قُلْنا لا تَـخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلَـى} يقول تعالـى ذكره: قلنا لـموسى إذ أوجس فـي نفسه خيفة: {لا تَـخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأَعْلَـى} علـى هؤلاء السحرة، وعلـى فرعون وجنده، والقاهر لهم {وألْقِ ما فِـي يَـمينِكَ تَلْقَـفْ ما صَنَعُوا} يقول: وألق عصاك تبتلع حبـالهم وعصيهم التـي سحروها حتـى خيـل إلـيك أنها تسعى.

وقوله: {إنَّـمَا صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ} اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة {إنَّـمَا صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ} برفع كيد وبـالألف فـي ساحر بـمعنى: إن الذي صنعه هؤلاء السحرة كيد من ساحر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «إنَّـمَا صَنَعُوا كَيْدُ سِحْرٍ» برفع الكيد وبغير الألف فـي السحر بـمعنى إن الذي صنعوه كيد سحر.

والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، وذلك أن الكيد هو الـمكر والـخدعة، فـالساحر مكره وخدعته من سحر يسحر، ومكر السحر وخدعته: تـخيـله إلـى الـمسحور، علـى خلاف ما هو به فـي حقـيقته، فـالساحر كائد بـالسحر، والسحر كائد بـالتـخيـيـل، فإلـى أيهما أضفت الكيد فهو صواب. وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ: «كَيْدَ سِحْرٍ» بنصب كيد. ومن قرأ ذلك كذلك، جعل إنـما حرفـاً واحداً وأعمل صنعوا فـي كيد.

قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستـجيز القراءة بها لإجماع الـحجة من القرّاء علـى خلافها.

وقوله: {وَلا يُفْلِـحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أتَـى} يقول: ولا يظفر الساحر بسحره بـما طلب أين كان. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقول: معنى ذلك: أن الساحر يُقتل حيث وُجد. وذكر بعض نـحويـي البصرة، أن ذلك فـي حرف ابن مسعود: «وَلا يُفْلِـحُ السَّاحِرُ أيْنَ أَتَـى» وقال: العرب تقول: جئتك من حيث لا تعلـم، ومن أين لا تعلـم. وقال غيره من أهل العربـية الأول: جزاء يقتل الساحر حيث أتـى وأين أتـى وقال: وما قول العرب: جئتك من حيث لا تعلـم، ومن أين لا تعلـم، فإنـما هو جواب لـم يفهم، فـاستفهم كما قالوا: أين الـماء والعشب.

فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ۝٧٠ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ ۝٧١

وفـي هذا الكلام متروك قد استغنى بدلالة ما ترك علـيه هو: فألقـى موسى عصاه، فتلقـفت ما صنعوا {فأُلْقـيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبّ هارُونَ وَمُوسَى} وذكر أن موسى لـما ألقـى ما فـي يده تـحوّل ثعبـاناً، فـالتقم كلّ ما كانت السحرة ألقته من الـحبـال والعصيّ. ذكر الرواية عمن قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: لـما اجتـمعوا وألقوا ما فـي أيديهم من السحر،

{ خيـل إلَـيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعَى فأوْجَسَ فِـي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنا لا تَـخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلَـى وألْقِ ما فِـي يَـمِينِكَ تَلْقَـفْ ما صَنَعُوا }فألقـى عصاه فإذا هي ثعبـان مبـين. قال: فتـحت فما لها مثل الدَّحْل، ثم وضعت مشفرها علـى الأرض ورفعت الآخر، ثم استوعبت كلّ شيء ألقوه من السحر، ثم جاء إلـيها فقبض علـيها، فإذا هي عصا، فخرّ السحرة سجدا {قالُوا آمَنَّا بِرَبّ هارُونَ وَموسَى قالَ آمَنْتُـمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِـيرُكُمْ الَّذِي عَلَّـمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وَأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ} قال: فكان أوّل من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِـي جُذُوعِ النَّـخْـلِ} قال: فكان أوّل من صلب فـي جذوع النـخـل فرعون.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ

{ فأوْجَسَ فِـي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى }فأوحى الله إلـيه { لا تَـخَفْ وألْقِ ما فـي يَـمِينَكَ } تَلْقَـف ما يأفِكُونَ فألْقَـى عَصَاهُ فأكلت كلّ حية لهم فلـما رأوا ذلك سجدوا وقَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَـمِينَ رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه

{ فأوْجَسَ فِـي نَفْسِهِ خيفَةً مُوسَى } لـما رأى ما ألقوا من الـحبـال والعصيّ وخيـل إلـيه أنها تسعى، وقال: والله إن كانت لعصيا فـي أيديهم، ولقد عادت حيات، وما تعدو عصاي هذه، أو كما حدّث نفسه، فأوحى الله إلـيه أن { ألْقِ ما فـي يَـمِينكَ تَلْقَـفْ ما صَنَعُوا إنَّـمَا صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِـحُ السَّاحرِ حَيْثُ أتَـى } وفرح موسى فألقـى عصاه من يده، فـاستعرضت ما ألقوا من حبـالهم وعصيهم، وهي حيات فـي عين فرعون وأعين الناس تسعى، فجعلت تلقـفها، تبتلعها حية حية، حتـى ما يرى بـالوادي قلـيـل ولا كثـير مـما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا فـي يده كما كانت، ووقع السحرة سجدا، قالوا: آمنا بربّ هارون وموسى، لو كان هذا سحر ما غلبنا.

وقوله: {قالَ آمَنْتُـمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ} يقول جلّ ثناؤه: وقال فرعون للسحرة: أصدّقتـم وأقررتـم لـموسى بـما دعاكم إلـيه من قبل أن أطلق ذلك لكم {إنَّهُ لكَبـيركُم} يقول: إن موسى لعظيـمكم {الَّذي عَلَّـمَكُمُ السِّحْرَ}. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: لـما قالت السحرة: {آمَنَّا بِرَبّ هارُونَ وَمُوسَى} قال لهم فرعون، وأسف ورأى الغلبة والبـينة: {آمَنْتُـمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِـيرُكُمْ الَّذِي عَلَّـمَكُمُ السِّحْرَ}: أي لعظيـم السحار الذي علـمكم. وقوله: {فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ} يقول: فلأقطعنّ أيديكم وأرجلكم مخالفـا بـين قطع ذلك، وذلك أن يقطع يـمنى الـيدين ويسرى الرجلـين، أو يسرى الـيدين، ويـمنى الرجلـين، فـيكون ذلك قطعاً من خلاف، وكان فـيـما ذُكر أوّل من فعل ذلك فرعون، وقد ذكرنا الرواية بذلك. وقوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِـي جُذُوعِ النَّـخْـلِ} يقول: ولأصلبنكم علـى جذوع النـخـل، كما قال الشاعر:

هُمْ صَلَبُوا العَبْدِيّ فِـي جِذْعِ نَـخْـلَةٍفَلا عَطَسَتْ شَيْبـانُ إلاَّ بأجْدَعا

يعنـي علـى جذع نـخـلة، وإنـما قـيـل: فـي جذوع، لأن الـمصلوب علـى الـخشبة يرفع فـي طولها، ثم يصير علـيها، فـيقال: صلب علـيها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِـي جُذُوعِ النَّـخْـلِ} لـما رأى السحرة ما جاء به عرفوا أنه من الله فخروا سجدا، وآمنوا عند ذلك، قال عدوّ الله: {فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وَأرْجُلَكمْ مِنْ خِلافٍ...} الآية.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال فرعون: {لأَقْطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وأرْجُلَكُمْ مِن خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِـي جُذُوعِ النَّـخْـلِ} فقتلهم وقطعهم، كما قال عبد الله بن عبـاس حين قالوا:

{ رَبَّنا أفْرِغْ عَلَـيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِـمِينَ }وقال: كانوا فـي أوّل النهار سحرة، وفـي آخر النهار شهداء.

وقوله: {وَلَتَعْلَـمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذَابـاً وأبْقَـى} يقول: ولتعلـمنّ أيها السحرة أينا أشدّ عذابـاً لكم، وأدوم، أنا أو موسى.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ