انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير الطبريالآيات 72–96

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة طه

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:01:48

  1. 1 الآيات 55–82في هذه الصفحة 14:40
  2. 2 الآيات 83–110في هذه الصفحة 13:35

التفسير الصوتي لسورة طه كاملًا (4 مقاطع)

قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ۝٧٢ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ ۝٧٣

يقول تعالـى ذكره: قالت السحرة لفرعون لـما توعدهم بـما توعَّدهم به: {لَنْ نُؤْثِرَكَ} فنتبعك ونكذّب من أجلك موسى {عَلـى ما جاءَنا مِنَ البَّـيِّناتِ} يعنـي من الـحجج والأدلة علـى حقـيقة ما دعاهم إلـيه موسى. {وَالَّذِي فَطَرَنا} يقول: قالوا: لن نؤثرك علـى الذي جاءنا من البـينات، وعلـى الذي فطرنا. ويعنـي بقوله: {فَطَرنا} خـلقنا فـالذي من قوله: {وَالَّذِي فَطَرنا} خفض علـى قوله: {ما جاءَنا}، وقد يحتـمل أن يكون قوله: {وَالَّذِي فَطَرنا} خفضاً علـى القسم، فـيكون معنى الكلام: لن نؤثرك علـى ما جاءنا من البـيِّنات والله. وقوله: {فـاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ} يقول: فـاصنع ما أنت صانع، واعمل بنا ما بدا لك {إنـما تَقْضِي هَذِهِ الـحَياةَ الدُّنـيا} يقول: إنـما تقدر أن تعذّبنا فـي هذه الـحياة الدنـيا التـي تفنى. ونصب الـحياة الدنـيا علـى الوقت وجعلت إنـما حرفـاً واحداً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه {لَنْ نُؤْثرَكَ عَلـى ما جاءَنا مِنَ البَـيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا} أي علـى الله علـى ما جاءنا من الـحجج مع بـينة {فـاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ}: أي اصنع ما بدا لك {إنَّـمَا تَقْضِي هَذِهِ الـحَيَاةَ الدُّنـيا} أي لـيس سلطان إلا فـيها، ثم لا سلطان لك بعده.

وقوله: {إنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِـيَغْفِرَ لَنا خَطايانا} يقول تعالـى ذكره: إنا أقررنا بتوحيد ربنا، وصدقنا بوعده ووعيده. وأن ما جاء به موسى حقّ {لِـيَغْفِرَ لَنا خَطايانا} يقول: لـيعفو لنا عن ذنوبنا فـيسترها علـينا {وَما أكْرَهْتَنا عَلَـيْهِ مِن السِّحْرِ} يقول: لـيغفر لنا ذنوبنا، وتعلـمنا ما تعلـمناه من السحر، وعملنا به الذي أكرهتنا علـى تعلُّـمه والعمل به. وذُكر أن فرعون كان أخذهم بتعلـيـم السحر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن سهل، قال: ثنا نعيـم بن حماد، قال: ثنا سفـيان بن عيـينة، عن أبـي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قول الله تبـارك وتعالـى: {وَما أكْرَهْتَنا عَلَـيْهِ مِنَ السِّحْرِ} قال: غلـمان دفعهم فرعون إلـى السحرة، تعلـمهم السحر بـالفَرَما.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما أكْرَهْتَنا عَلَـيْهِ مِنَ السِّحْرِ} قال: أمرهم بتعلـم السحر، قال: تركوا كتاب الله، وأمروا قومهم بتعلـيـم السحر.

{وَما أكْرَهْتَنا عَلَـيْهِ مِنَ السِّحْرِ} قال: أمرتنا أن نتعلـمه.

وقوله: {وَاللّهُ خَيْرٌ وأبْقَـى} يقول: والله خير منك يا فرعون جزاء لـمن أطاعه، وأبقـى عذابـاً لـمن عصاه وخالف أمره، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {وَاللّه خَيْرٌ وأبْقَـى}: خير منك ثوابـاً، وأبقـى عذابـاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب، ومـحمد بن قـيس فـي قول الله: {وَاللّهُ خَيْرٌ وأبْقَـى} قالا: خيراً منك إن أُطِيع، وأبقـى منك عذابـاً إن عُصي.

إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ۝٧٤ وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلْعُلَىٰ ۝٧٥

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل السحرة لفرعون: {إنَّهُ مَنْ يأْتِ ربه} من خـلقه {مُـجْرِماً} يقول: مكتسبـاً الكفر به، {فإنَّ لَهُ جَهَنَّـمَ} يقول: فإن له جهنـم مأوى ومسكناً، جزاء له علـى كفره {لا يَـمُوتُ فِـيها} فتـخرج نفسه {وَلا يَحْيا} فتستقرّ نفسه فـي مقرّها فتطمئنّ، ولكنها تتعلق بـالـحناجر منهم {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً} موحداً لا يُشرك به {قَدْ عَمِلَ الصَّالِـحاتِ} يقول: قد عمل ما أمره به ربه، وانتهى عما نهاه عنه {فأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلَـى} يقول: فأولئك الذين لهم درجات الـجنة العُلَـى.

جَنَّٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره:

{ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِـحاتِ فأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلَـى }. ثم بـين تلك الدرجات العلـى ما هي، فقال: هن {جَنَّاتُ عَدْنٍ} يعنـي: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفـاد لها ولا فناء {تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهَارُ} يقول: تـجري من تـحت أشجارها الأنهار {خالِدِينَ فِـيها} يقول: ماكثـين فـيها إلـى غير غاية مـحدودة فـالـجنات من قوله {جَنَّاتُ عَدْنٍ} مرفوعة بـالردّ علـى الدرجات، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله:

{ وَمَنْ يأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِـحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلـى }قال: عَدْن.

وقوله: {وَذلكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى} يقول: وهذه الدرجات العُلـى التـي هي جنات عدن علـى ما وصف جلّ جلاله ثواب من تزكى، يعنـي: من تطهر من الذنوب، فأطاع الله فـيـما أمره، ولـم يدنس نفسه بـمعصيته فـيـما نهاه عنه.

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَٰفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ ۝٧٧

يقول تعالـى ذكره: {وَلَقَدْ أوْحَيْنا إلـى} نبـينا {مُوسَى} إذ تابعنا له الـحجج علـى فرعون، فأبى أن يستـجيب لأمر ربه، وطغى وتـمادى فـي طغيانه {أنْ أسْرِ} لـيلاً {بِعبـادِي} يعنـي بعبـادي من بنـي إسرائيـل {فـاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِـي البَحْرِ يَبَساً} يقول: فـاتـخذ لهم فـي البحر طريقاً يابساً. والـيَبَس والـيَبْس: يجمع أيبـاس، تقول: وقـفوا فـي أيبـاس من الأرض. والـيَبْس الـمخفف: يجمع يبوس. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {يَبَساً} قال: يابساً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن مـجاهد، مثله.

وأما قوله: {لا تَـخافُ دَرَكاً وَلا تَـخْشَى} فإنه يعنـي: لا تـخاف من فرعون وجنوده أن يدركوك من ورائك، ولا تـخشى غرقاً من بـين يديك ووَحَلاً. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {لا تـخافُ دَرَكاً وَلا تَـخْشَى} يقول: {لا تـخافُ} من آل فرعون {دَرَكاً وَلا تَـخْشِى} مِنَ البَحْرِ غرقاً.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لا تَـخافُ دَرَكاً وَلا تَـخْشَى} يقول: لا تـخاف أن يدركك فرعون من بعدك ولا تـخشى الغرق أمامك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيْج: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد غشينا، فأنزل الله: {لا تَـخافُ دَرَكاً} أصحاب فرعون {وَلا تَـخْشَى} من البحر وحلاً.

حدثنـي أحمد بن الولـيد الرملـي، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيـم، عن بعض أصحابه، فـي قوله: {لا تَـخافُ دَرَكاً وَلا تَـخْشَى} قال: الوَحَل.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله {لا تَـخافُ دَرَكاً} فقرأته عامَّة قرّاء الأمصار غير الأعمش وحمزة: {لا تَـخافُ دَرَكاً} علـى الاستئناف بلا، كما قال:

{ وَاصْطَبِرْ عَلَـيْها لا نَسألُكَ رِزْقاً }فرفع، وأكثر ما جاء فـي هذا الأمر الـجواب مع «لا». وقرأ ذلك الأعمش وحمزة «لا تَـخَفْ دَرَكاً» فجزما لا تـخاف علـى الـجزاء، ورفعا {وَلا تَـخْشَى} علـى الاستئناف، كما قال جلّ ثناؤه: { يُوَلُّوكُمُ الأدْبـارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ } فـاستأنف بثم، ولو نوى بقوله: {ولاَ تَـخْشَى} الـجزم، وفـيه الـياء، كان جائزاً، كما قال الراجز:

هُزّي إلَـيْكِ الـجِذْعَ يَجْنِـيكِ الـجَنى

وأعجب القراءتـين إلـيّ أن أقرأ بها: {لا تـخافُ} علـى وجه الرفع، لأن ذلك أفصح اللغتـين، وإن كانت الأخرى جائزة. وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: معنى قوله: {لا تَـخافُ دَرَكاً} اضرب لهم طريقاً لا تـخاف فـيه دركاً، قال: وحذف فـيه، كما تقول: زيد أكرمت، وأنت تريد: أكرمته، وكما تقول: { وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً }أي لا تـجزى فـيه. وأما نـحويو الكوفة فإنهم ينكرون حذف فـيه إلا فـي الـمواقـيت، لأنه يصلـح فـيها أن يقال: قمت الـيوم وفـي الـيوم، ولا يجيزون ذلك فـي الأسماء.

فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ۝٧٨ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ۝٧٩

يقول تعالـى ذكره: فسرى موسى ببنـي إسرائيـل إذا أوحينا إلـيه أن أَسْربهم، فأتبعهم فرعون بجنوده حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده من الـيـم ما غشيهم، فغرقوا جميعاً {وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدَى} يقول جلّ ثناؤه: وجاوز فرعون بقومه عن سواء السبـيـل، وأخذ بهم علـى غير استقامة، وذلك أنه سلك بهم طريق أهل النار، بأمرهم بـالكفر بـالله، وتكذيب رسله {وَما هَدَى} يقول: وما سلك بهم الطريق الـمستقـيـم، وذلك أنه نهاهم عن اتبـاع رسول الله موسى، والتصديق به، فأطاعوه، فلـم يهدهم بأمره إياهم بذلك، ولـم يهتدوا بـاتبـاعهم إياه.

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۝٨٠ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ۝٨١

يقول تعالـى ذكره: فلـما نـجا موسى بقومه من البحر، وغَشِيَ فرعون قومه من الـيـم ما غشيهم، قلنا لقوم موسى: {يَا بَنِـي إسْرَائِيـلَ قَدْ أنْـجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ} فرعون {وَوَاعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الأيـمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَـيْكُمُ الـمَنَّ والسَّلْوَى} وقد ذكرنا كيف كانت مواعدة الله موسى وقومه جانب الطور الأيـمن. وقد بـيَّنا الـمنّ والسلوى بـاختلاف الـمختلفـين فـيهما، وذكرنا الشواهد علـى الصواب من القول فـي ذلك فـيـما مضى قبل، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {قَدْ أْنْـجَيْناكُمْ} فكانت عامة قرّاء الـمدينة والبصرة يقرءونه: {قَد أنْـجَيْناكُمْ} بـالنون والألف وسائر الـحروف الأخر معه كذلك، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «قَدْ أنْـجَيْتُكُمْ» بـالتاء، وكذلك سائر الـحروف الأخر، إلا قوله: {وَنَزَّلْنا عَلَـيْكُمُ الـمَنَّ والسَّلْوَى} فإنهم وافقوا الآخرين فـي ذلك وقرءوه بـالنون والألف.

والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان بـاتفـاق الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء ذلك فمصيب.

وقوله: {كُلُوا مِنْ طَيِّبـاتِ ما رَزَقْناكُمْ} يقول تعالـى ذكره لهم: كلوا يا بنـي إسرائيـل من شهيات رزقنا الذي رزقناكم، وحلاله الذي طيبناه لكم {وَلا تَطْغَوْا فِـيهِ} يقول: ولا تعتدوا فـيه، ولا يظلـم فـيه بعضكم بعضاً، كما:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قول: {وَلا تَطْغَوْا فِـيهِ} يقول: ولا تظلـموا.

وقوله: {فَـيَحِلَّ عَلَـيْكُمْ غَضَبِـي} يقول: فـينزل علـيكم عقوبتـي، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله: {فَـيَحلَّ عَلَـيْكُمْ غَضَبِـي} يقول: فـينزل علـيكم غضبـي.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والـمدينة والبصرة والكوفة {فَـيَحِلَّ عَلَـيْكُمْ} بكسر الـحاء {وَمَنْ يَحْلِلْ} بكسر اللام. ووجهوا معناه إلـى: فـيجب علـيكم غضبـي. وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: «فَـيَحُلَّ عَلَـيْكُمْ» بضم الـحاء، ووجهوا تأويـله إلـى ما ذكرنا عن قَتادة من أنه: فـيقع وينزل علـيكم غضبـي.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، وقد حذّر الله الذين قـيـل لهم هذا القول من بنـي إسرائيـل وقوع بأسه بهم ونزوله بـمعصيتهم إياه إن هم عصوه، وخوّفهم وجوبه لهم، فسواء قرىء ذلك بـالوقوع أو بـالوجوب، لأنهم كانوا قد خوّفوا الـمعنـيـين كلـيهما.

وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ۝٨٢

يقول تعالـى ذكره: ومن يجب علـيه غضبـي، فـينزل به. فقد هوى، يقول فقد تردّى فشقـي، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:

{ فَقَدْ هَوَى }يقول: فقد شقِـي.

وقوله: {وإنّـي لَغَفَّـارٌ لِـمَنْ تابَ} يقول: وإنـي لذو غفر لـمن تاب من شركه، فرجع منه إلـى الإيـمان لـي {وآمن}، يقول: وأخـلص لـي الألوهة، ولـم يشرك فـي عبـادته إياي غيري. {وَعمِلَ صَالِـحاً} يقول: وأدّى فرائضي التـي افترضتها علـيه، واجتنب معاصيّ. {ثُمَّ اهْتَدَى} يقول: ثم لزم ذلك، فـاستقام ولـم يضيع شيئاً منه.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله: {وإنّـي لَغَفَّارٌ لِـمَنْ تابَ وآمَنَ وَعمِلَ صَالِـحاً ثُمَّ اهْتَدَى} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وإنّـي لَغَفَّـارٌ لِـمَنْ تابَ} من الشرك {وآمَنَ} يقول: وحَّد الله {وَعمِلَ صَالِـحاً} يقول: أدّى فرائضي.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإنّـي لَغَفَّـارٌ لِـمَنْ تابَ} من ذنبه {وآمَنَ} به {وَعَمِلَ صَالِـحاً} فـيـما بـينه وبـين الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر الرازيّ، عن الربـيع {وإنّـي لَغَفـاَّرٌ لِـمَنْ تابَ} من الشرك {وآمَنَ} يقول: وأخـلص لله، وعمل فـي إخلاصه.

واختلفوا فـي معنى قوله: {ثُمَّ اهْتَدَى} فقال بعضهم: معناه: لـم يشكُك فـي إيـمانه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ اهْتَدَى} يقول: لـم يشكُك.

وقال آخرون: معنى ذلك: ثم لزم الإيـمان والعمل الصالـح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ثُمَّ اهْتَدَى} يقول: ثم لزم الإسلام حتـى يـموت علـيه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم استقام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر الرازيّ، عن الربـيع بن أنس {ثُمَّ اهْتَدَى} قال: أخذ بسنة نبـيه صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل معناه: أصاب العمل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَعمِلَ صَالِـحاً ثُمَّ اهْتَدَى} قال: أصاب العمل.

وقال آخرون: معنى ذلك: عرف أمر مُثـيبه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الكلبـيّ {وإنّـي لَغَفَّـارٌ لِـمَنْ تابَ} من الذنب {وآمَنَ} من الشرك {وَعمِلَ صَالِـحاً} أدّى ما افترضت علـيه {ثُمَّ اهْتَدَى} عرف مثـيبه إن خيراً فخيراً، وإن شرّاً فشرّاً. وقال آخرون بـما:

حدثنا إسماعيـل بن موسى الفزاريّ، قال: أخبرنا عمر بن شاكر، قال: سمعت ثابتاً البُنانـيّ يقول فـي قوله: {وإنّـي لَغَفَّـارٌ لِـمَنْ تابَ وآمَنَ وَعمِلَ صَالِـحاً ثُمَّ اهْتَدَى} قال: إلـى ولاية أهل بـيت النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: وإنـما اخترنا القول الذي اخترنا فـي ذلك، من أجل أن الاهتداء هو الاستقامة علـى هدى، ولا معنى للاستقامة علـيه إلا وقد جمعه الإيـمان والعمل الصالـح والتوبة، فمن فعل ذلك وثبت علـيه، فلا شكّ فـي اهتدائه.

وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٨٣ قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ۝٨٤

يقول تعالـى ذكره: {وما أعجلك}؟ وأيّ شيء أعجلك {عن قومك يا موسى}، فتقدمتهم وخـلّفتهم وراءك، ولـم تكن معهم؟ {قال هُمْ أُولاءِ عَلـى أَثَرَي} يقول: قومي علـى أثري يَـلْـحَقُون بـي. {وَعَجِلْتُ إلَـيْكَ رَبّ لِتَرْضَى} يقول: وعجلت أنا فسبقتهم ربّ، كيـما ترضى عنـي.

وإنـما قال الله تعالـى ذكره لـموسى: ما أعجلك عن قومك؟ لأنه جلّ ثناؤه، فـيـما بلغنا، حين نـجاه وبنـي إسرائيـل من فرعون وقومه، وقطع بهم البحر، وعدَهم جانب الطور الأيـمن، فتعجَّل موسى إلـى ربه، وأقام هارون من بنـي إسرائيـل، يسير بهم علـى أثر موسى. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه ونـجاه وقومه، ثلاثـين لـيـلة، ثم أتـمها بعشر، فتـمّ ميقات ربه أربعين لـيـلة، تلقاه فـيها بـما شاء، فـاستـخـلف موسى هارون من بنـي إسرائيـل، ومعه السامريّ، يسير بهم علـى أثر موسى لـيـلـحقهم به، فلـما كلـم الله موسى، قال له {ما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا موسى قالَ هُمْ أُولاءِ عَلـى أثَرِي وَعَجِلْتُ إلَـيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَعَجِلْتُ إلَـيْكَ رَبّ لِتَرْضَى} قال: لأرضيك.

قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ ۝٨٥ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًا قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ۝٨٦

يقول الله تعالـى ذكره قال الله لـموسى: فإنا يا موسى قد ابتلـينا قومك من بعدك بعبـادة العجل، وذلك كان فتنتهم من بعد موسى. ويعنـي بقوله: {مِنْ بَعْدِكَ}: من بعد فراقك إياهم. يقول الله تبـارك وتعالـى: {وأضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} وكان إضلال السامريّ إياهم دعاءه إياهم إلـى عبـادة العجل.

وقوله: {فَرَجَعَ مُوسَى إلـى قومه} يقول: فـانصرف موسى إلـى قومه من بنـي إسرائيـل بعد انقضاء الأربعين لـيـلة {غَضْبـانَ أسِفـاً} متغيظاً علـى قومه، حزيناً لـما أحدثو بعده من الكفر بـالله. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {غَضْبـانَ أسِفـاً} يقول: حزيناً. وقال فـي الزخرف:

{ فَلَـمَّا آسَفُونا }يقول: أغضبونا، والأسف علـى وجهين: الغضب، والـحزن.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {غَضْبـانَ أسِفـاً} يقول: حزيناً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:

{ وَلَـمَّا رَجَعَ مُوسَى إلـى قَوْمِهِ غَضْبـانَ أسِفـاً }: أي حزيناً علـى ما صنع قومه من بعده.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {أسِفـاً} قال: حزيناً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقوله: {قالَ يا قَوْمِ أَلْـم يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} يقول: ألـم يعدكم ربكم أنه غفـار لـمن تاب وآمن وعمل صالـحاً ثم اهتدى، ويعدكم جانب الطور الأيـمن، وينزل علـيكم الـمنّ والسلوى، فذلك وعد الله الـحسن بنـي إسرائيـل الذي قال لهم موسى: ألـم يعدكموه ربكم. وقوله: {أفَطالَ عَلَـيْكُمُ الْعَهْدُ أمْ أرَدْتُـمْ أنْ يَحِلَّ عَلَـيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ} يقول: أفطال علـيكم العهد بـي، وبجميـل نعم الله عندكم، وأياديه لديكم، أم أردتـم أن يحلّ علـيكم غضب من ربكم: يقول: أم أردتـم أن يجب علـيكم غضب من ربكم فتستـحقوه بعبـادتكم العجل، وكفركم بـالله، فأخـلفتـم موعدي. وكان إخلافهم موعده، عكوفهم علـى العجل، وتركهم السير علـى أثر موسى للـموعد الذي كان الله وعدهم، وقولهم لهارون إذ نهاهم عن عبـادة العجل، ودعاهم إلـى السير معه فـي أثر موسى:

{ لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عاكِفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنا مُوسَى }}.

قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ ۝٨٧ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ فَقَالُوا۟ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ ۝٨٨

يقول تعالـى ذكره: قال قوم موسى لـموسى: ما أخـلفنا موعدك، يعنون بـموعده: عهده الذي كان عهده إلـيهم، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنا الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:

{ مَوْعِدِي }قال: عهدي، وذلك العهد والـموعد هو ما بـيَّناه قبل.

وقوله: {بِـمِلْكِنا} يخبر جلّ ذكره عنهم أنهم أقروا علـى أنفسهم بـالـخطأ، وقالوا: إنا لـم نطق حمل أنفسنا علـى الصواب، ولـم نـملك أمرنا حتـى وقعنا فـي الذي وقعنا فـيه من الفتنة.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة: «بِـمَلْكِنا» بفتـح الـميـم، وقرأته عامة قرّاء الكوفة: «بِـمُلْكِنا» بضم الـميـم، وقرأه بعض أهل البصرة {بِـمِلْكِنا} بـالكسر. فأما الفتـح والضمّ فهما بـمعنى واحد، وهما بقدرتنا وطاقتنا، غير أن أحدهما مصدر، والآخر اسم. وأما الكسر فهو بـمعنى ملك الشيء وكونه للـمالك.

واختلف أيضا أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: ما أخـلفنا موعدك بأمرنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ عن ابن عبـاس، قوله: {ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا} يقول: بأمرنا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {بِـمَلْكِنا} قال: بأمرنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: معناه: بطاقتنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا}: أي بطاقتنا.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {قالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا} يقول: بطاقتنا.

وقال آخرون: معناه: ما أخـلفنا موعدك بهوانا، ولكنا لـم نـملك أنفسنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا} قال: يقول بهوانا، قال: ولكنه جاءت ثلاثة، قال ومعهم حلـيّ استعاروه من آل فرعون، وثـياب.

وقال أبو جعفر: وكلّ هذه الأقوال الثلاثة فـي ذلك متقاربـات الـمعنى، لأن من لـم يهلك نفسه، لغلبة هواه علـى ما أمر، فإنه لا يـمتنع فـي اللغة أن يقول: فعل فلان هذا الأمر، وهو لا يـملك نفسه وفعله، وهو لا يضبطها وفعله وهو لا يطيق تركه. فإذا كان ذلك كذلك، فسواء بأيّ القراءات الثلاث قرأ ذلك القارىء، وذلك أن من كسر الـميـم من الـملك، فإنـما يوجه معنى الكلام إلـى ما أخـلفنا موعدك، ونـحن نـملك الوفـاء به لغلبة أنفسنا إيانا علـى خلافه، وجعله من قول القائل: هذا ملك فلان لـما يـملكه من الـمـملوكات، وأن من فتـحها، فإنه يوجه معنى الكلام إلـى نـحو ذلك، غير أنه يجعله مصدراً من قول القائل: ملكت الشيء أملكه ملكاً وملكة، كما يقال: غلبت فلاناً أغلبه غَلبـاً وغَلَبة، وأن من ضمها فإنه وجَّه معناه إلـى ما أخـلفنا موعدك بسلطاننا وقدرتنا، أي ونـحن نقدر أن نـمتنع منه، لأن كل من قهر شيئاً فقد صار له السلطان علـيه. وقد أنكر بعض الناس قراءة من قرأه بـالضمّ، فقال: أيّ ملك كان يومئذٍ لبنـي إسرائيـل، وإنـما كانوا بـمصر مستضعفـين، فأغفل معنى القوم وذهب غير مرادهم ذهابـاً بعيداً وقارئو ذلك بـالضم لـم يقصدوا الـمعنى الذي ظنه هذا الـمنكر علـيهم ذلك، وإنـما قصدوا إلـى أن معناه: ما أخـلفنا موعدك بسلطان كانت لنا علـى أنفسنا نقدر أن نردّها عما أتت، لأن هواها غلبنا علـى إخلافك الـموعد.

وقوله: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنا أوْزَاراً مِنْ زِينَةِ القَوْمِ} يقول: ولكنا حملنا أثقالاً وأحمالاً من زينة القوم، يعنون من حلـيّ آل فرعون وذلك أن بنـي إسرائيـل لـما أراد موسى أن يسير بهم لـيلاً من مصر بأمر الله إياه بذلك، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحلـيهم، وقال: إن الله مغنـمكم ذلك، ففعلوا، واستعاروا من حلـىّ نسائهم وأمتعتهم، فذلك قولهم لـموسى حين قال لهم

{ أفَطَالَ عَلَـيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُـمْ أنْ يَحِلَّ عَلَـيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأخْـلَفْتُـمْ مَوْعِدِي قَالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا، وَلَكِنَّا حُمِّلْنا أوْزاراً مِنْ زِينَةٍ القَوْمِ }. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنا أوْزاراً مِنْ زِينَةِ القَوْمِ} فهو ما كان مع بنـي إسرائيـل من حلـيّ آل فرعون، يقول: خطئونا بـما أصبنا من حلـيّ عدوّنا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {أوْزَاراً} قال: أثقالاً. وقوله: {مِنْ زِينَةِ القَوْمِ} قال: هي الـحلـيّ التـي استعاروا من آل فرعون، فهي الأثقال.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {وَلَكِنَّا حُمِّلْنا أوْزَاراً} قال: {أثقالاً مِنْ زِينَةِ القَوْمِ} قال: حلـيهم.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَلَكِنَّا حُمِّلْنا أوْزَاراً مِنْ زِينةِ القَوْمِ} يقول: من حلـيّ القبط.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنا أوْزَاراً مِنْ زِينَةِ القَوْمِ} قال: الـحلـيّ الذي استعاروه. والثـياب لـيست من الذنوب فـي شيء، لو كانت الذنوب كانت حملناها نـحملها، فلـيست من الذنوب فـي شيء.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض الـمكيـين: {حُمِّلْنا} بضم الـحاء وتشديد الـميـم بـمعنى أن موسى يحملهم ذلك. وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة وبعض الـمكيـين: «حَمَلْنا» بتـخفـيف الـحاء والـميـم وفتـحهما، بـمعنى أنهم حملوا ذلك من غير أن يكلفهم حمله أحد.

قال أبو جعفر: والقول عندي فـي تأويـل ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، لأن القوم حملوا، وأن موسى قد أمرهم بحمله، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب.

وقوله: {فَقَذَفْناها} يقول: فألقـينا تلك الأوزار من زينة القوم فـي الـحفرة {فَكَذَلكَ ألْقَـى السَّامِرِيّ} يقول: فكما قذفنا نـحن تلك الأثقال، فكذلك ألقـى السامريّ ما كان معه من تربة حافر فرس جبريـل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {فَقَذَفْناها} قال: فألقـيناها {فَكَذَلكَ ألْقَـى السَّامِريّ}: كذلك صنع.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {فَقَذَفْناها} قال: فألقـيناها {فَكَذَلِكَ ألْقَـى السَّامِرِيّ} فكذلك صنع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَقَذَفْناها}: أي فنبذناها.

وقوله: {فَأخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاٍ جَسَداً لَهُ خُوَارٌ} يقول: فأخرج لهم السامريّ مـما قذفوه ومـما ألقاه عجلاً جسدا له خوار، ويعنـي بـالـخوار: الصوت، وهو صوت البقر.

ثم اختلف أهل العلـم فـي كيفـية إخراج السامريّ العجل، فقال بعضهم: صاغه صياغة، ثم ألقـى من تراب حافر فرس جبرئيـل فـي فمه فخار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَكَذلكَ ألْقَـى السَّامرِيُّ} قال: كان الله وقَّت لـموسى ثلاثـين لـيـلة ثم أتـمها بعشر فلـما مضت الثلاثون قال عدوّ الله السامري: إنـما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بـالـحلـيّ الذي كان معكم، فهلـموا وكانت حلـياً تعيروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فقذفوها إلـيه، فصوّرها صورة بقرة، وكان قد صرّ فـي عمامته أو فـي ثوبه قبضة من أثر فرس جبرئيـل، فقذفها مع الـحلـيّ والصورة {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ} فجعل يخور خوار البقر، فقال: {هَذَا إلهُكُمْ وإلَهُ مُوسَى}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لـما استبطأ موسى قومه قال لهم السامريّ: إنـما احتبس علـيكم لأجل ما عندكم من الـحلـيّ، وكانوا استعاروا حلـياً من آل فرعون فجمعوه فأعطوه السامريّ فصاغ منه عجلاً، ثم أخذ القبضة التـي قبض من أثر الفرس، فرس الـملك، فنبذها فـي جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار، قالوا: هذا إلهكم وإله موسى، ولكن موسى نسي ربه عندكم.

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أخذ السامريّ من تربة الـحافر، حافر فرس جبرئيـل فـانطلق موسى واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل وواعدهم ثلاثـين لـيـلة، فأتـمها الله بعشر، قال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إن الغنـيـمة لا تـحلّ لكم، وإن حلـي القبط إنـما هو غنـيـمة، فـاجمعوها جميعاً، فـاحفروا لها حفرة فـادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتـموها، وإلاَّ كان شيئا لـم تأكلوه. فجمعوا ذلك الـحلـيّ فـي تلك الـحفرة، فجاء السامريّ بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الـحلـيّ عجلاً جسداً له خوار، وعدّت بنو إسرائيـل موعد موسى، فعدوا اللـيـلة يوماً، والـيوم يوماً فلـما كان لعشرين خرج لهم العجل فلـما رأوه قال لهم السامريّ: {هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} فعكفوا علـيه يعبدونه، وكان يخور ويـمشي {فَكذَلكَ ألْقَـى السَّامِرِيّ} ذلك حين قال لهم هارون: احفروا لهذا الـحلـيّ حفرة واطرحوه فـيها، فطرحوه، فقذف السامريّ تربته. وقوله: {فقَالَ هَذَا إلهُكُمْ وَإلَه مُوسَى} يقول: فقال قوم موسى الذين عبدوا العجل: هذا معبودكم ومعبود موسى. وقوله {فَنَسِيَ} يقول: فضلّ وترك.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي قوله {فَنَسِيَ} من قائله ومن الذي وصف به وما معناه، فقال بعضهم: هذا من الله خبر عن السامريّ، والسامريّ هو الـموصوف به، وقالوا: معناه: أنه ترك الدين الذي بعث الله به موسى وهو الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن حكيـم بن جُبـير، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: يقول الله: {فَنَسِيَ}: أي ترك ما كان علـيه من الإسلام، يعنـي السامري.

وقال آخرون: بل هذا خبر من الله عن السامري، أنه قال لبنـي إسرائيـل، وأنه وصف موسى بأنه ذهب يطلب ربه، فأضلّ موضعه، وهو هذا العجل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس {فَقَذَفْناها} يعنـي زينة القوم حين أمرنا السامريّ لـما قبض قبضة من أثر جبرائيـل علـيه السلام، فألقـى القبضة علـى حلـيهم فصار عجلاً جسداً له خوار {فَقالُوا هَذَا إلهُكُمْ وإلَهُ مُوسَى} الذي انطلق يطلبه {فَنَسِيَ} يعنـي: نسي موسى، ضلّ عنه فلـم يهتد له.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَنَسيَ} يقول: طلب هذا موسى فخالفه الطريق.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {فَنَسِيَ} يقول: قال السامريّ: موسى نسي ربه عندكم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فَنَسِيَ} موسى، قال: هم يقولونه: أخطأ الربَّ العجل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {فَنَسِيَ} قال: نسي موسى، أخطأ الربّ العجل، قوم موسى يقولونه.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فَنَسِيَ} يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} قال: يقول: فنسي حيث وعده ربه ههنا، ولكنه نسي.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا مُعاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ } يقول: نسي موسى ربه فأخطأه، وهذا العجل إله موسى.

قال أبو جعفر: والذي هو أولـى بتأويـل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء، وهو أن ذلك خبر من الله عزّ ذكره عن السامريّ أنه وصف موسى بأنه نسي ربه، وأنه ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـيه، وأنه عقـيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبراً من السامريّ عنه بذلك أشبه من غيره.

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۝٨٩ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَٰرُونُ مِن قَبْلُ يَٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى ۝٩٠ قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ۝٩١

يقول تعالـى ذكره موبخاً عَبَدة العجل، والقائلـين له

{ هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ }، وعابهم بذلك، وسفَّه أحلامهم بـما فعلوا ونالوا منه: أفلا يرون أن العجل الذي زعموا أنه إلههم وإله موسى لا يكلـمهم، وإن كلَّـموه لـم يردّ علـيهم جوابـاً، ولا يقدر علـى ضرّ ولا نفع، فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلها؟ كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم. قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {لا يَرْجِعُ إلَـيْهمْ قَوْلاً} العجل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {أفَلا يَرَوْنَ ألاَّ يَرجِعُ إلَـيْهِمْ قَوْلاً} قال: العجل.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: {أفَلا يَرَوْنَ ألاَّ يَرْجِعُ إلَـيْهِمْ} ذلك العجل الذي اتـخذوه {قولاً وَلا يَـمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً}.

وقوله: {وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ منْ قَبْل}: يقول: لقد قال لعبدة العجل من بنـي إسرائيـل هارون، من قبل رجوع موسى إلـيهم، وقـيـله لهم ما قال، مـما أخبر الله عنه {إنَّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ} يقول: إنـما اختبر الله إيـمانكم ومـحافظتكم علـى دينكم بهذا العجل، الذي أحدث فـيهم الـخوار، لـيعلـم به الصحيح الإيـمان منكم من الـمريض القلب، الشاكّ فـي دينه، كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال لهم هارون: {إنَّـما فُتِنْتُـمْ بِهِ} يقول: إنـما ابتلـيتـم به، يقول: بـالعجل.

وقوله: {وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فـاتَّبِعُونِـي وأطيعُوا أمْرِي}: يقول: وإن ربكم الرحمن الذي يعمّ جميع الـخـلق نعمه، فـاتَّبعونـي علـى ما آمركم به من عبـادة الله، وترك عبـادة العجل، وأطيعوا أمري فـيـما آمركم به من طاعة الله، وإخلاص العبـادة له. وقوله: {قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عاكِفـينَ} يقول: قال عَبَدة العجل من قوم موسى: لن نزال علـى العجل مقـيـمين نعبده، حتـى يرجع إلـينا موسى.

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟ ۝٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ۝٩٣ قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ۝٩٤

يقول تعالـى ذكره: قال موسى لأخيه هارون لـما فرغ من خطاب قومه ومراجعته إياهم علـى ما كان من خطأ فعلهم: يا هارون أيّ شيء منعك إذ رأيتهم ضلوا عن دينهم، فكفروا بـالله وعبدوا العجل أن لا تتبعنـي.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي عذل موسى علـيه أخاه من تركه اتبـاعه، فقال بعضهم: عذله علـى تركه السير بـمن أطاعه فـي أثره علـى ما كان عهد إلـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن حكيـم بن جبـير، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما قال القوم:

{ لَنْ نَبرَحَ عَلَـيْهِ عاكِفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنا مُوسَى }أقام هارون فـيـمن تبعه من الـمسلـمين مـمن لـم يُفتتن، وأقام من يعبد العجل علـى عبـادة العجل، وتـخوّف هارون إن سار بـمن معه من الـمسلـمين أن يقول له موسى: {فَرَّقْتَ بـينَ بَنـي إسْرَائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي} وكان له هائبـا مطيعاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلُّوا ألاَّ تَتَّبِعَنِ} قال: تدعهم.

وقال آخرون: بل عذله علـى تركه أن يصلـح ما كان من فساد القوم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلُّوا ألاَّ تَتَّبِعَنِ} قال: أمر موسى هارون أن يصلـح، ولا يتبع سبـيـل الـمفسدين، فذلك قوله: {أنْ لا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي} بذلك، وقوله: {قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي} وفـي هذا الكلام متروك، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام علـيه، وهو: ثم أخذ موسى بلـحية أخيه هارون ورأسه يجرّه إلـيه، فقال هارون: {يا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي}.

وقوله: {إنّـي خَشيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بـينَ بَنِـي إسْرائيـلَ وَلَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي} فـاختلف أهل العلـم فـي صفة التفريق بـينهم، الذي خشيه هارون، فقال بعضهم: كان هارون خاف أن يسير بـمن أطاعه، وأقام علـى دينه فـي أثر موسى، ويخـلف عبدة العجل، وقد {قالُوا} له

{ لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عاكِفـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنا مُوسَى }فـيقول له موسى {فَرَّقْتَ بـينَ نَبِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي} بسيرك بطائفة، وتركك منهم طائفة وراءك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، فـي قول الله تعالـى: {ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلُّوا ألاَّ تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي} قال: {خَشِيتُ أنْ تَقُول فَرَّقْتَ بـينَ بَنِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي} قال: خشيت أن يتبعنـي بعضهم ويتـخـلف بعضهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: خشيت أن نقتتل فـيقتل بعضنا بعضاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {إنّـي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بـينَ بَنِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي} قال: كنا نكون فرقتـين فـيقتل بعضنا بعضاً حتـى نتفـانى.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، القول الذي قاله ابن عبـاس من أن موسى عذل أخاه هارون علـى تركه اتبـاع أمره بـمن اتبعه من أهل الإيـمان، فقال له هارون: إنـي خشيت أن تقول، فرّقت بـين جماعتهم، فتركت بعضهم وراءك، وجئت ببعضهم، وذلك بـيِّن فـي قول هارون للقوم

{ يا قَومِ إنَّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فـاتَّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي }وفـي جواب القوم له وقـيـلهم { لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عاكفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنا مُوسَى }

وقوله: {ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي} يقول: ولـم تنظر قولـي وتـحفظه. من مراقبة الرجل الشيء، وهي مناظرته بحفظه، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس: {ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي} قال: لـم تـحفظ قولـي.

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَٰسَٰمِرِىُّ ۝٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ۝٩٦

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {فمَا خَطْبُكَ يا سامِرِيّ} قال موسى للسامري: فما شأنك يا سامري، وما الذي دعاك إلـى ما فعلته، كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فَمَا خَطْبُكَ يا سامِرِيّ} قال: ما أمرك؟ ما شأنك؟ ما هذا الذي أدخـلك فـيـما دخـلت فـيه.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {قالَ فما خَطْبُكَ يا سامِرِيّ} قال: مالك يا سامريّ؟

وقوله: {بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ يَبْصُرُوا بِهِ} يقول: قال السامريّ: علـمت ما لـم يعلـموه، وهو فعلت من البصيرة: أي صرت بـما عملت بصيراً عالـماً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: لـما قتل فرعون الولدان قالت أمّ السامريّ: لو نـحيته عنـي حتـى لا أراه، ولا أدري قتله، فجعلته فـي غار، فأتـى جبرئيـل، فجعل كفّ نفسه فـي فـيه، فجعل يُرضعه العسل واللبن، فلـم يزل يختلف إلـيه حتـى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قال: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرَّسُولِ}.

وقال آخرون: هي بـمعنى: أبصرت ما لـم يبصروه. وقالوا: يقال: بصرت بـالشيء وأبصرته، كما يقال: أسرعت وسرعت ما شئت. ذكر من قال: هو بـمعنى أبصرت:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {قال بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ يَبْصُرُوا بِهِ} يعنـي فرس جبرئيـل علـيه السلام.

وقوله: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرَّسُولِ} يقول: قبضت قبضة من أثر حافر فرس جبرئيـل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن حكيـم بن جبـير، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما قذفت بنو إسرائيـل ما كان معهم من زينة آل فرعون فـي النار، وتكسرت، ورأى السامريّ أثر فرس جبرئيـل علـيه السلام، فأخذ ترابـاً من أثر حافره، ثم أقبل إلـى النار فقذفه فـيها، وقال: كن عجلاً جسداً له خوار، فكان للبلاء والفتنة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: قبض قبضة منه من أثر جبرئيـل، فألقـى القبضة علـى حلـيهم فصار عجلاً جسداً له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَر الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها} قال: من تـحت حافر فرس جبرئيـل، نبذه السامريّ علـى حلـية بنـي إسرائيـل، فـانسبك عجلاً جسداً له خوار، حفـيف الريح فـيه فهو خواره، والعجل: ولد البقرة.

واختلف القرّاء فـي قراءة هذين الـحرفـين، فقرأته عامَّة قرّاء الـمدينة والبصرة {بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ يَبْصُرُوا بِهِ} بـالـياء، بـمعنى: قال السامريّ: بصرت بـما لـم يبصر به بنو إسرائيـل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ تَبْصُرُوا بهِ» بـالتاء علـى وجه الـمخاطبة لـموسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بـمعنى: قال السامريّ لـموسى: بصرت بـما لـم تبصر به أنت وأصحابك.

والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء مع صحة معنى كل واحدة منهما، وذلك أنه جائز أن يكون السامريّ رأى جبرئيـل، فكان عنده ما كان بأن حدثته نفسه بذلك أو بغير ذلك من الأسبـاب، أن تراب حافر فرسه الذي كان علـيه يصلـح لـما حدث عنه حين نبذه فـي جوف العجل، ولـم يكن علـم ذلك عند موسى، ولا عند أصحابه من بنـي إسرائيـل، فلذلك قال لـموسى: «بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ تَبْصُرُوا بهِ» أي علـمت بـما لـم تعلـموا به. وأما إذا قرىء {بَصُرْتُ بِـما لَـمْ يَبْصُرُوا بِهِ} بـالـياء، فلا مؤنة فـيه، لأنه معلوم أن بنـي إسرائيـل لـم يعلـموا ما الذي يصلـح له ذلك التراب.

وأما قوله: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرَّسُولِ} فإن قرّاء الأمصار علـى قراءته بـالضاد، بـمعنى: فأخذت بكفـي كلها تراباً من تراب أثر فرس الرسول. وروي عن الـحسن البصري وقتادة ما:

حدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيـم، عن عبـاد بن عوف، عن الـحسن أنه قرأها: «فَقَبَصْتُ قَبْصَةً» بـالصاد.

وحدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيـم، عن عبـاد، عن قَتادة مثل ذكر بـالصاد. بـمعنى: أخذت بأصابعي من تراب أثر فرس الرسول، والقبضة عند العرب: الأخذ بـالكفّ كلها، والقبصة: الأخذ بأطراف الأصابع.

وقوله: {فَنَبَذْتُها} يقول: فألقـيتها {وكَذَلَكَ سَوَّلَتْ لـي نَفْسِي} يقول: وكما فعلت من إلقائي القبضة التـي قبضت من أثر الفرس علـى الـحلـية التـي أوقد علـيها حتـى انسبكت فصارت عجلاً جسداً له خوار. {سَوَّلَتْ لِـي نَفْسِي} يقول: زينت لـي نفسي أنه يكون ذلك كذلك، كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِـي نَفْسِي} قال: كذلك حدثتنـي نفسي.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ