انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يس

تفسير الطبريالآيات 36–58

تفسير سورة يس آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يس

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 35:19

  1. 1 الآيات 28–59في هذه الصفحة 13:36

التفسير الصوتي لسورة يس كاملًا (3 مقاطع)

سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره تنزيهاً وتبرئة للذي خـلق الألوان الـمختلفة كلها من نبـات الأرض، ومن أنفسهم، يقول: وخـلق من أولادهم ذكوراً وإناثاً، ومـما لا يعلَـمون أيضاً من الأشياء التـي لـم يطلعهم علـيها، خـلق كذلك أزواجاً مـما يضيف إلـيه هؤلاء الـمشركون، ويصفونه به من الشركاء وغير ذلك.

وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ۝٣٧ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: ودلـيـل لهم أيضاً علـى قدرة الله علـى فعل كل ما شاء {اللَّـيْـلُ نَسْلَـخُ مِنْهُ النَّهارَ} يقول: ننزع عنه النهار. ومعنى «منه» فـي هذا الـموضع: عنه، كأنه قـيـل: نسلَـخ عنه النهار، فنأتـي بـالظلـمة ونذهب بـالنهار. ومنه قوله:

{ وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَـيْناهُ فـانْسَلَـخَ مِنْها }}: أي خرج منها وتركها، فكذلك انسلاخ اللـيـل من النهار. وقوله: {فإذَا هُمْ مُظْلِـمُونَ} يقول: فإذا هم قد صاروا فـي ظلـمة بـمـجيء اللـيـل. وقال قتادة فـي ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وآيَةٌ لَهُمُ اللَّـيْـلُ نَسْلَـخُ مِنْهُ النَّهارَ فإذَا هُمْ مُظْلِـمُونَ} قال: يولـج اللـيـل فـي النهار، ويولـج النهار فـي اللـيـل.

وهذا الذي قاله قتادة فـي ذلك عندي، من معنى سلـخ النهار من اللـيـل، بعيد وذلك أن إيلاج اللـيـل فـي النهار، إنـما هو زيادة ما نقص من ساعات هذا فـي ساعات الآخر، ولـيس السلْـخ من ذلك فـي شيء، لأن النهار يسلـخ من اللـيـل كله، وكذلك اللـيـل من النهار كله، ولـيس يولـج كلّ اللـيـل فـي كلّ النهار، ولا كلّ النهار فـي كلّ اللـيـل.

وقوله: {والشَّمْسُ تَـجْرِي لِـمُسْتَقَرّ لَهَا} يقول تعالـى ذكره: والشمس تـجري لـموضع قرارها، بـمعنى: إلـى موضع قرارها وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيـم التـيـمي، عن أبـيه، عن أبـي ذرّ الغفـاريّ، قال: كنت جالساً عند النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي الـمسجد، فلـما غَرَبت الشمس، قال:

يا أبـا ذَرّ هَلْ تَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟ قلت: الله ورسوله أعلـم، قال:فإنها تذهب فتسجد بَـينَ يَدَيْ رَبِّها، ثُمّ تَسْتأذِنُ بـالرُّجُوعِ فَـيُؤْذَنُ لَهَا، وكأنَّها قَدْ قِـيـلَ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعَ مِنْ مَكانِهَا، وَذلكَ مُسْتَقَرّها

وقال بعضهم فـي ذلك بـما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والشَّمْسُ تَـجْرِي لِـمُسْتَقَرّ لَهَا} قال: وقت واحد لا تعدوه.

وقال آخرون: معنى ذلك: تـجري لـمـجرى لها إلـى مقادير مواضعها، بـمعنى: أنها تـجري إلـى أبعد منازلها فـي الغروب، ثم ترجع ولا تـجاوزه. قالوا: وذلك أنها لا تزال تتقدّم كل لـيـلة حتـى تنتهي إلـى أبعد مغاربها ثم ترجع.

وقوله: {ذلكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِـيـمِ} يقول: هذا الذي وصفنا من جري الشمس لـمستقرّ لها، تقدير العزيز فـي انتقامه من أعدائه، العلـيـم بـمصالـح خـلقه، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يخفـى علـيه خافـية.

وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ ۝٣٩ لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ۝٤٠

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَالقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ} فقرأه بعض الـمكيـين وبعض الـمدنـيـين وبعض البصريـين: «وَالقَمَرُ» رفعاً عطفـاً بها علـى الشمس، إذ كانت الشمس معطوفة علـى اللـيـل، فأتبعوا القمر أيضاً الشمس فـي الإعراب، لأنه أيضاً من الآيات، كما اللـيـل والنهار آيتان، فعلـى هذه القراءة تأويـل الكلام: وآية لهم القمرُ قدّرناه منازل. وقرأ ذلك بعض الـمكيـين وبعض الـمدنـيـين وبعض البصريـين، وعامة قرّاء الكوفة نصبـاً: {وَالقَمَرَ قَدَّرْناهُ} بـمعنى: وقدّرنا القمر منازل، كما فعلنا ذلك بـالشمس، فردّوه علـى الهاء من الشمس فـي الـمعنى، لأن الواو التـي فـيها للفعل الـمتأخر.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، فتأويـل الكلام: وآية لهم، تقديرنا القمر منازل للنقصان بعد تناهيه وتـمامه واستوائه، حتـى عاد كالعرجون القديـم والعرجون: من العذق من الـموضع النابت فـي النـخـلة إلـى موضع الشماريخ وإنـما شبهه جلّ ثناؤه بـالعرجون القديـم، والقديـم هو الـيابس، لأن ذلك من العِذْق، لا يكاد يوجد إلا متقوّساً منـحنـياً إذا قدم ويبس، ولا يكاد أن يُصاب مستوياً معتدلاً، كأغصان سائر الأشجار وفروعها، فكذلك القمرُ إذا كان فـي آخر الشهر قبل استسراره، صار فـي انـحنائه وتقوّسه نظير ذلك العرجون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {حتـى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيـمِ} يقول: أصل العِذق العتـيق.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {حتـى عادَ كالعُرجُونَ القَديـم} يعنـي بـالعُرجون: العذقَ الـيابس.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: {والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حتـى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيـمِ} قال: كعِذْق النـخـلة إذا قدُم فـانـحنى.

حدثنـي أحمد بن إبراهيـم الدورقـيّ، قال: ثنا أبو يزيد الـخرّاز، يعنـي خالد بن حيان الرقِّـي، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصمّ فـي قوله: {حتـى عادَ كالعُرْجُونَ القَدِيـمِ} قال: عذق النـخـلة إذا قدُم انـحنى.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبـيد، عن عكرمة، فـي قوله: {كالعُرْجُونِ القَدِيـمِ} قال: النـخـلة القديـمة.

حدثنـي مـحمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى عن مـجاهد {كالعُرْجُونِ القَدِيـمِ} قال: العِذْق الـيابس.

حدثنـي مـحمد بن عمر بن علـيّ الـمقدمي وابن سنان القزاز، قالا: ثنا أبو عاصم والـمقدمي، قال: سمعت أبـا عاصم يقول: سمعت سلـيـمان التـيـمي فـي قوله: {حتـى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيـمِ} قال: العذْق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {حتـى عادَ كالْعُرْجُونِ القَدِيـمِ} قال: قدّره الله منازل، فجعل ينقص حتـى كان مثل عذق النـخـلة، شبهه بعذق النـخـلة.

وقوله: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ} يقول تعالـى ذكره: لا الشمس يصلـح لها إدراك القمر، فـيذهب ضوؤها بضوئه، فتكون الأوقات كلها نهاراً لا لـيـل فـيها {وَلا اللَّـيْـلُ سابِقُ النَّهارِ} يقول تعالـى ذكره: ولا اللـيـل بفـائت النهار حتـى تذهب ظلـمته بضيائه، فتكون الأوقات كلها لـيلاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل علـى اختلاف منهم فـي ألفـاظهم فـي تأويـل ذلك، إلا أن معانـي عامتهم الذي قلناه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة، عن مـجاهد فـي قوله: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ} قال: لا يشبه ضَوءُها ضوء الآخر، لا ينبغي لها ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ} قال: لا يُشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، ولا ينبغي ذلك لهما. وفـي قوله: {وَلا اللَّـيْـلُ سابِقُ النَّهار} قال: يتطالبـان حَثـيثـين ينسلـخ أحدهما من الآخر.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا الأشجعيّ، عن سفـيان، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا اللَّـيْـلُ سابِقُ النَّهارِ} قال: لا يدرك هذا ضوءَ هذا ولا هذا ضوء هذا.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ} وهذا فـي ضوء القمر وضوء الشمس، إذا طلعت الشمس لـم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر بضوئه لـم يكن للشمس ضوء {ولاَ اللَّـيْـلُ سابِقُ النَّهارِ} قال: فـي قضاء الله وعلـمه أن لا يفوت اللـيـل النهار حتـى يدركه، فـيذهب ظلـمته، وفـي قضاء الله أن لا يفوت النهار اللـيـل حتـى يدركه، فـيذهب بضوئه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا اللَّـيْـلُ سابِقُ النَّهارِ} ولكلَ حدٌّ وعلـم لا يعدوه، ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا، ذهب سلطان هذا، وإذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا. ورُوي عن ابن عبـاس فـي ذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا اللَّـيْـلُ سابِقُ النَّهارِ} يقول: إذا اجتـمعا فـي السماء كان أحدهما بـين يدي الآخر، فإذا غابـا غاب أحدهما بـين يدي الآخر.

وأن من قوله: {أنْ تُدْرِكَ} فـي موضع رفع بقوله: ينبغي. وقوله: {وكُلٌّ فِـي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يقول: وكلّ ما ذكرنا من الشمس والقمر واللـيـل والنهار فـي فلك يَجْرُون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو النعمان الـحكم بن عبد الله العجلـي، قال: ثنا شعبة، عن مسلـم البطين، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس {وكُلّ فِـي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال: فـي فلك كفلك الـمِغْزَل.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا الأعمش، عن مسلـم البطين، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد، قال: مـجرى كلّ واحد منهما، يعنـي اللـيـل والنهار، فـي فَلَك يسبحون: يجرون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكُلّ فِـي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}: أي فـي فلك السماء يسبحون.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وكُلّ فِـي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} دوراناً، يقول: دوراناً يسبحون يقول: يجرون.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وكُلّ فِـي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يعنـي: كلّ فـي فلك فـي السموات.

وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ۝٤١ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ ۝٤٢ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ۝٤٣ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍ ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: ودلـيـل لهم أيضاً، وعلامة علـى قُدرتنا علـى كلّ ما نشاء، حملنا ذرّيتهم يعنـي من نـجا من ولد آدم فـي سفـينة نوح، وإياها عنى جلّ ثناؤه بـالفُلك الـمشحون والفلك: هي السفـينة، والـمشحون: الـمـملوء الـموقر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {أنَّا حَمَلْنا ذُرّيَّتَهُمْ فِـي الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} يقول: الـمـمتلـىء.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فـي الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} يعنـي الـمثقل.

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد {الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} قال: الـموقَر.

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن الـحسن، فـي قوله: {الـمَشْحُونَ} قال: الـمـحمول.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {أنَّا حَمَلْنا ذُرّيَّتَهُمْ فِـي الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} يعنـي: سفـينة نوح علـيه السلام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَآيَةٌ لَهُمْ أنَّا حَمْلنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِـي الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} الـمُوقَر، يعنـي سفـينة نوح.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} قال: الفلك الـمشحون: الـمَرْكَب الذي كان فـيه نوح، والذرية التـي كانت فـي ذلك الـمركب قال: والـمشحون: الذي قد شُحن، الذي قد جعل فـيه لـيركبه أهله، جعلوا فـيه ما يريدون، فربـما امتلأ، وربـما لـم يـمتلـىء.

حدثنا الفضل بن الصبـاح، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس قال: أتدرون ما الفُلك الـمشحون؟ قلنا: لا، قال: هو الـمُوقَر.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد الآمُلِـي، قال: ثنا هارون، عن جُوَيبر، عن الضحاك، فـي قوله: {الفُلكِ الـمَشحُون} قال الـمُوقَر.

وقوله: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} يقول تعالـى ذكره: وخـلقنا لهؤلاء الـمشركين الـمكذّبـيك يا مـحمد، تفضلاً منا علـيهم، من مثل ذلك الفلك الذي كنا حملنا من ذرّية آدم مَنْ حملنا فـيه الذي يركبونه من الـمراكب.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الذي عُنـي بقوله: {ما يَرْكَبُونَ} فقال بعضهم: هي السفن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الفضل بن الصبـاح، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس قال: تدرون ما {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ}؟ قلنا: لا. قال: هي السفن جُعلت من بعد سفـينة نوح علـى مِثْلها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، عن أبـي مالك فـي قوله: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} قال: السفن الصغار.

قال: ثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، عن أبـي مالك، فـي قوله: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} قال: السفن الصغار، ألا ترى أنه قال: {وَإنْ نَشأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ}؟.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الـحسن فـي هذه الآية: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} قال: السفن الصغار.

حدثنا حاتـم بن الضبَّـي، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن شعبة، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} قال: السفن الصغار.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} يعنـي: السفن التـي اتـخذت بعدها، يعنـي بعد سفـينة نوح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} قال: هي السفن التـي ينتفع بها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} قال: وهي هذه الفلك.

حدثنـي يونس، قال: ثنا مـحمد بن عبـيد، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح، فـي قوله: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} قال: نعم من مثل سفـينة.

وقال آخرون: بل عُنـي بذلك الإبل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} يعنـي: الإبل، خَـلَقها الله كما رأيت، فهي سفن البرّ، يُحْمَلون علـيها ويركبونها.

حدثنا نصر بن علـيّ، قال: ثنا غندر، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} قال: الإبل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، قال: قال عبد الله بن شدّاد: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} هي الإبل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} قال: من الأنعام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الـحسن: هي الإبل.

وأشبه القولـين بتأويـل ذلك قول مَن قال: عُنِـي بذلك السفن، وذلك لدلالة قوله: {وَإنْ نَشأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ} علـى أن ذلك كذلك، وذلك أن الغرق معلوم أن لا يكون إلا فـي الـماء، ولا غرق فـي البرّ.

وقوله: {وَإنْ نَشأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهمْ} يقول تعالـى ذكره: وإن نشأ نغرق هؤلاء الـمشركين إذا ركبوا الفُلك فـي البحر {فَلا صَريخَ لَهُمْ} يقول: فلا مُغِيثَ لهم إذا نـحن غرْقناهم يُغِيثهم، فـينـجيهم من الغرق، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإنْ نَشأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهمْ}: أي لا مُغِيث.

وقوله: {وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ} يقول: ولا هو ينقذهم من الغرق شيء إن نـحن أغرقناهم فـي البحر، إلا أن ننقذهم نـحن رحمة منا لهم، فننـجيهم منه.

وقوله: {وَمَتاعاً إلـى حِينٍ} يقول: ولنـمتعهم إلـى أجل هم بـالغوه، فكأنه قال: ولاهم يُنْقذُونَ، إلا أن نرحمهم فنـمتعهم إلـى أجل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَمَتاعاً إلـى حِينٍ}: أي إلـى الـموت.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝٤٥ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: وإذا قـيـل لهؤلاء الـمشركين بـالله، الـمكذّبـين رسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم: احذروا ما مضى بـين أيديكم من نقم الله وَمثُلاته بـمن حلّ ذلك به من الأمـم قبلكم أن يحلّ مثله بكم بشرككم وتكذيبكم رسوله. {وَما خَـلْفَكُمْ} يقول: وما بعد هلاككم مـما أنتـم لاقوه إن هلكتـم علـى كفركم الذي أنت علـيه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقول: لـيرحمكم ربكم إن أنتـم حذرتـم ذلك، واتقـيتـموه بـالتوبة من شرككم والإيـمان به، ولزوم طاعته فـيـما أوجب علـيكم من فرائضه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذَا قِـيـلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بـينَ أيْدِيكُمْ}: وقائع الله فـيـمن خلا قبلهم من الأمـم وما خـلفهم من أمر الساعة. وكان مـجاهد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {ما بـينَ أيْدِيكُمْ} قال: ما مضى من ذنوبهم.

وهذا القول قريب الـمعنى من القول الذي قلنا، لأن معناه: اتقوا عقوبة ما بـين أيديكم من ذنوبكم، وما خـلفكم مـما تعملون من الذنوب ولـم تعملوه بعد، فذلك بعد تـخويف لهم العقاب علـى كفرهم.

وقوله: {وَما تَأْتِـيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهمْ إلاَّ كَانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ} يقول تعالـى ذكره: وما تـجيء هؤلاء الـمشركين من قريش آية، يعنـي حجة من حُجَج الله، وعلامة من علاماته علـى حقـيقة توحيده، وتصديق رَسُوله، إلا كانوا عنها معرضين، لا يتفكرون فـيها، ولا يتدبرونها، فـيعلـموا بها ما احتـجّ الله علـيهم بها.

فإن قال قائل: وأين جواب قوله: {وَإذا قِـيـلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَـيَنَ أيْدِيكُمْ وَما خَـلْفَكُمْ}؟ قـيـل: جوابه وجواب قوله {وَما تَأْتِـيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهمْ}... قوله: {إلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ} لأن الإعراض منهم كان عن كلّ آية لله، فـاكتفـى بـالـجواب عن قوله: {اتَّقُوا ما بَـينَ أيْدِيكُمْ} وعن قوله: {وَما تَأْتِـيهِمْ مِنْ آيَةٍ} بـالـخبر عن إعراضهم عنها لذلك، لأن معنى الكلام: وإذا قـيـل لهم اتقوا ما بـين أيديكم وما خـلفكم أعرضوا، وإذا أتتهم آية أعرضوا.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٤٧

يقول تعالـى ذكره: وإذا قـيـل لهؤلاء الـمشركين بـالله: أنفقوا من رزق الله الذي رزقكم، فأدُّوا منه ما فرض الله علـيكم فـيه لأهل حاجتكم ومسكنتكم، قال الذين أنكروا وحدانـية الله، وعبدوا مَنْ دونه للذين آمنوا بـالله ورسوله: أنطعم أموالنا وطعامنا مَنْ لو يشاء الله أطعمه؟.

وفـي قوله: {إنْ أنْتُـمْ إلاَّ فِـي ضَلالٍ مُبِـين} وجهان: أحدهما أن يكون من قـيـل الكفـار للـمؤمنـين، فـيكون تأويـل الكلام حينئذٍ: ما أنتـم أيها القومُ فـي قـيـلكم لنا: أنفقوا مـما رزقكم الله علـى مساكينكم، إلا فـي ذهاب عن الـحقّ، وجور عن الرشد مُبِـين لـمن تأمله وتدبره، أنه فـي ضلال وهذا أَوْلـى وجهيه بتأويـله. والوجه الآخر: أن يكون ذلك من قـيـل الله للـمشركين، فـيكون تأويـله حينئذٍ: ما أنتـم أيها الكافرون فـي قـيـلكم للـمؤمنـين: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه، إلا فـي ضلال مبـين، عن أن قـيـلكم ذلك لهم ضلال.

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤٨

يقول تعالـى ذكره: ويقول هؤلاء الـمشركون الـمكذّبون وعيدَ الله، والبعثَ بعد الـمـمات، يستعجلون ربهم بـالعذاب {مَتـى هَذَا الوَعْدُ}: أي الوعد بقـيام الساعة {إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} أيها القوم، وهذا قولهم لأهل الإيـمان بـالله ورسوله.

مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ۝٤٩ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: ما ينتظر هؤلاء الـمشركون الذين يستعجلون بوعيد الله إياهم، إلا صيحة واحدة تأخذهم، وذلك نفخة الفَزَع عند قـيام الساعة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل، وجاءت الآثار. ذكر من قال ذلك، وما فـيه من الأثر:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ ومـحمد بن جعفر، قالا: ثنا عوف بن أبـي جميـلة عن أبـي الـمغيرة القوّاس، عن عبد الله بن عمرو، قال: لُـيْنفَخَنّ فـي الصور، والناس فـي طرقهم وأسواقهم ومـجالسهم، حتـى إن الثوب لـيكون بـين الرجلـين يتساومان، فما يُرسله أحدهما من يده حتـى يُنفَخ فـي الصور، وحتـى إن الرجل لـيغدو من بـيته فلا يرجع حتـى ينفخ فـي الصُّور، وهي التـي قال الله: {ما يَنْظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً}... الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما يَنْظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} ذُكر لنا أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول:

تَهِيجُ السَّاعَةُ بـالنَّاسِ وَالرَّجُلُ يَسْقِـي ماشِيَتَهُ، وَالرَّجُلُ يُصْلِـحُ حَوْضَهُ، وَالرَّجُلُ يُقِـيـمُ سِلْعَتَهُ فِـي سُوقِهِ والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ، وَتهِيجُ بِهِمْ وَهُمْ كَذلكَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلـى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ».

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {ما ينظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} قال: النفخة نفخة واحدة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـيّ، عن إسماعيـل بن رافع، عمن ذكره، عن مـحمد بن كعب القرظيّ، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللّهَ لـمَّا فَرَغَ مِنْ خَـلْقِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ خَـلَقَ الصُّورَ، فأعْطاهُ إسْرَافِـيـلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلـى فِـيهِ شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلـى العَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتـى يُؤْمَرُقالَ أبو هريرة: يا رسول الله: وما الصور؟ قال:قَرْنٌقال: وكَيْفَ هُوَ؟ قال:قَرْنٌ عَظِيـمٌ يُنْفَخُ فِـيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ، الأُولـى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِـيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ نَفْخَةُ القِـيام لِرَبّ العالَـمِينَ، يَأْمُرُ اللّهُ إسْرَافِـيـلَ بـالنَّفْخَةِ الأُولـى فَـيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَـيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ، وَيأْمُرُهُ اللّهُ فَـيُدِيـمُها وَيُطَوّلُها، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التـي يَقُولُ اللّهُ: {ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ}، ثُمَّ يَأْمُرُ اللّهُ إسْرَافِـيـلَ بنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فَـيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَـيَصْعَقُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ، فإذَا هُمْ خامِدُونَ، ثُمَّ يُـمِيتُ مَنْ بَقِـيَ، فإذَا لَـمْ يَبْقَ إلاَّ اللّهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ، بَدَّلَ الأرْضَ غيرَ الأرْضِ والسَّمَوَاتِ، فَـيَبْسُطُها وَيَسْطَحُها، وَيَـمُدُّها مَدَّ الأدِيـمِ العِكاظِيّ، لا تَرَى فِـيها عِوَجاً وَلا أمْتاً، ثُمَّ يَزْجُرُ اللّهُ الـخَـلْقَ زَجْرَةً، فإذَا هُمُ فِـي هَذِهِ الـمُبَدَّلَةِ فِـي مِثْلِ مَوَاضِعِهِمْ مِنَ الأُولـى ما كانَ فـي بَطْنها كان فـي بَطْنِها، وَما كانَ علـى ظَهْرِها كانَ عَلـى ظَهْرِها».

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَهُمْ يَخِصّمُونَ} فقرأ ذلك بعض قرّاء الـمدينة: «وَهُمْ يَخْصّمُونَ» بسكون الـخاء وتشديد الصاد، فجمع بـين الساكنـين، بـمعنى: يختصمون، ثم أدغم التاء فـي الصاد فجعلها صاداً مشدّدة، وترك الـخاء علـى سكونها فـي الأصل. وقرأ ذلك بعض الـمكيـين والبصريـين: «وَهُمْ يُخَصّمُونَ» بفتـح الـخاء وتشديد الصاد بـمعنى: يختصمون، غير أنهم نقلوا حركة التاء وهي الفتـحة التـي فـي يفتعلون إلـى الـخاء منها، فحرّكوها بتـحريكها، وأدغموا التاء فـي الصاد وشدّدوها. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة: {يَخِصّمُونَ} بكسر الـخاء وتشديد الصاد، فكسروا الـخاء بكسر الصاد وأدغموا التاء فـي الصاد وشدّدوها. وقرأ ذلك آخرون منهم: «يَخْصِمُونَ» بسكون الـخاء وتـخفـيف الصاد، بـمعنى «يَفْعَلُونَ» من الـخصومة، وكأن معنى قارىء ذلك كذلك: كأنهم يتكلـمون، أو يكون معناه عنده: كان وهم عند أنفسهم يَخْصمُون مَن وعدهم مـجيء الساعة، وقـيام القـيامة، ويغلبونه بـالـجدل فـي ذلك.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن هذه قراءات مشهورات معروفـات فـي قرّاء الأمصار، متقاربـات الـمعانـي، فبأيتهنّ قرأ القارىء فمصيب.

وقوله: {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} يقول تعالـى ذكره: فلا يستطيع هؤلاء الـمشركون عند النفخ فـي الصُّور أن يوصوا فـي أموالهم أحداً {وَلا إلـى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} يقول: ولا يستطيع من كان منهم خارجاً عن أهله أن يرجع إلـيهم، لأنهم لا يُـمْهَلون بذلك. ولكن يُعَجَّلون بـالهلاك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً}: أي فـيـما فـي أيديهم {وَلا إلـى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} قال: أُعْجِلوا عن ذلك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ما يَنْظُرُ هَؤُلاء إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً}... الآية، قال هذا مبتدأ يوم القـيامة، وقرأ: {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} حتـى بلغ

{ إلـى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ }}.

وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ۝٥١ قَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ۝٥٢ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: {ونُفِخَ فِـي الصُّورِ}، وقد ذكرنا اختلاف الـمختلفـين والصواب من القول فـيه بشواهده فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع، ويُعْنَى بهذه النفخة، نفخة البعث.

وقوله: {فإذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ} يعنـي من أجداثهم، وهي قبورهم، واحدها جَدَث، وفـيها لغتان، فأما أهل العالـية، فتقوله بـالثاء: جَدَث، وأما أهل السافلة فتقوله بـالفـاء جَدَف. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {مِنَ الأَجْدَاثِ إلـى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} يقول: من القبور.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فإذَا هُمْ مِنَ الأجْداث}: أي من القبور.

وقوله: {إلـى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} يقول: إلـى ربهم يخرجون سراعاً، والنَّسَلان: الإسراع فـي الـمشي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يَنْسِلونَ} يقول: يخرجون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إلـى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}: أي يخرجون.

وقوله: {قالُوا يا وَيْـلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا ما وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الـمُرْسَلُونَ} يقول تعالـى ذكره: قال هؤلاء الـمشركون لـما نُفخ فـي الصور نفخة البعث لـموقـف القـيامة فردّت أرواحهم إلـى أجسامهم، وذلك بعد نومة ناموها: {يا وَيْـلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} وقد قـيـل: إن ذلك نومة بـين النفختـين. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن خيثمة، عن الـحسن، عن أُبـيّ بن كعب، فـي قوله: {يا وَيْـلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} قال: ناموا نومة قبل البعث.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن رجل يقال له خيثمة فـي قوله: {يا وَيْـلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} قال: ينامون نومة قبل البعث.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالُوا يا وَيْـلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} هذا قول أهل الضلالة. والرَّقدة: ما بـين النفختـين.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {يا وَيْـلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا} قال: الكافرون يقولونه.

ويعنـي بقوله: {مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا} من أيقظنا من منامنا، وهو من قولهم: بعث فلان ناقته فـانبعثت، إذا أثارها فثارت. وقد ذُكر أن ذلك فـي قراءة ابن مسعود: «مَنْ أهَبَّنا مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا». وفـي قوله: {هَذَا} وجهان: أحدهما: أن تكون إشارة إلـى «ما»، ويكون ذلك كلاماً مبتدأ بعد تناهي الـخبر الأوّل بقوله: {مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} فتكون «ما» حينئذٍ مرفوعة بهذا، ويكون معنى الكلام: هذا وعد الرحمن وصدق الـمرسلون. والوجه الآخر: أن تكون من صفة الـمرقد، وتكون خفضاً وردّاً علـى الـمرقد، وعند تـمام الـخبر عن الأوّل، فـيكون معنى الكلام: من بعثنا من مرقدنا هذا، ثم يبتدىء الكلام فـيقال: ما وعدَ الرحمن، بـمعنى: بعثكم وعد الرحمن، فتكون «ما» حينئذٍ رفعاً علـى هذا الـمعنى.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الذي يقول حينئذٍ: هذا ما وعد الرحمن، فقال بعضهم: يقول ذلك أهل الإيـمان بـالله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {هَذَا ما وَعَدَ الرَّحمَنُ} مـما سرّ الـمؤمنون يقولون هذا حين البعث.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {هَذَا ما وَعَدَ الرَّحمَنُ وَصَدَقَ الـمُرْسَلُونَ} قال: قال أهل الهدى: هذا ما وعد الرحمن وصدق الـمرسلون.

وقال آخرون: بل كلا القولـين، أعنـي {يا وَيْـلَنا مَنْ بَعثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا ما وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَق الـمُرْسَلُونَ} من قول الكفـار. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يا وَيْـلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنا} ثم قال بعضهم لبعض: {هَذَا ما وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الـمُرْسَلُونَ} كانوا أخبرونا أنا نبعث بعد الـموت، ونُـحاسب ونُـجازَى.

والقول الأوّل أشبه بظاهر التنزيـل، وهو أن يكون من كلام الـمؤمنـين، لأن الكفـار فـي قـيـلهم: {مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} دلـيـل علـى أنهم كانوا بـمن بعثهم من مَرْقَدهم جُهَّالاً، ولذلك من جهلهم استثبتوا، ومـحال أن يكونوا استثبتوا ذلك إلاَّ من غيرهم، مـمن خالفت صفته صفتهم فـي ذلك.

وقوله: {إنْ كانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُـحْضَرُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن كانت إعادتهم أحياء بعد مـماتهم إلا صيحة واحدة، وهي النفخة الثالثة فـي الصور {فإذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُـحْضَرُونَ} يقول: فإذا هم مـجتـمعون لدينا قد أُحضروا، فأُشهدوا مَوْقـفَ العرض والـحساب، لـم يتـخـلف عنه منهم أحد. وقد بـينا اختلاف الـمختلفـين فـي قراءتهم {إلاَّ صَيْحَةً} بـالنصب والرفع فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٥٤ إِنَّ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَٰكِهُونَ ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره: {فـالْـيَوْمَ} يعنـي يوم القـيامة {لا تُظْلَـمُ نَفْسٌ شَيْئاً} كذلك ربنا لا يظلـم نفساً شيئاً، فلا يوفـيها جزاء عملها الصالـح، ولا يحمل علـيها وِزْر غيرها، ولكنه يوفـي كل نفس أجر ما عملت من صالـح، ولا يعاقبها إلا بـما اجترمت واكتسبت من شيء {وَلا تُـجْزَوْنَ إلاَّ ما كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} يقول: ولا تكافؤون إلا مكافأة أعمالكم التـي كنتـم تعملونها فـي الدنـيا.

وقوله: {إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ الـيَوْمَ فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ} اختلف أهل التأويـل فـي معنى الشغل الذي وصف الله جلّ ثناؤه أصحاب الـجنة أنهم فـيه يوم القـيامة، فقال بعضهم: ذلك افتضاض العذارَى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شَمِر بن عطية، عن شقـيق بن سلـمة، عن عبد الله بن مسعود، فـي قوله: {إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ الـيَوْمَ فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ} قال: شغلهم افتضاض العذارى.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، عن أبـي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عبـاس {إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ الـيَوْمَ فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ} قال: افتضاض الأبكار.

حدثنـي عبـيد بن أسبـاط بن مـحمد، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن عكرمة، عن ابن عبـاس {إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ الـيَوْمَ فِـي شُغُلٍ فـاكِهُون} قال: افتضاض الأبكار.

حدثنـي الـحسن بن زُرَيْق الطُّهَوِيّ، قال: ثنا أسبـاط بن مـحمد، عن أبـيه، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي الـحسين بن علـيّ الصُّدائي، قال: ثنا أبو النضر، عن الأشجعيّ، عن وائل بن داود، عن سعيد بن الـمسيب، فـي قوله: {إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ الـيَوْمَ فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ} قال: فـي افتضاض العذارَى. وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: أنهم فـي نعمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ الْـيَوْمَ فِـي شُغُلٍ} قال: فـي نعمة.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد، قال: ثنا مروان، عن جُوَيبر، عن أبـي سهل، عن الـحسن، فـي قول الله: {إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ}... الآية، قال: شَغلَهم النعيـمُ عما فـيه أهل النار من العذاب.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم فـي شغل عما فـيه أهل النار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن علـيّ الـجَهْضَمِيّ، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن أبـان بن تغلب، عن إسماعيـل بن أبـي خالد {إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ}... الآية، قال: فـي شغل عما يـلقـى أهلُ النار.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال كما قال الله جل ثناؤه {إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ} وهم أهلها {فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ} بنعم تأتـيهم فـي شغل، وذلك الشغل الذي هم فـيه نعمة، وافتضاض أبكار، ولهو ولذّة، وشغل عما يَـلْقـى أهل النار.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {فـي شُغُلٍ}، فقرأت ذلك عامة قرّاء الـمدينة وبعض البصريـين علـى اختلاف عنه: «فِـي شُغْلٍ» بضم الشين وتسكين الغين. وقد رُوي عن أبـي عمرو الضمّ فـي الشين والتسكين فـي الغين، والفتـح فـي الشين والغين جميعاً فـي شغل. وقرأ ذلك بعض أهل الـمدينة والبصرة وعامة قرّاء أهل الكوفة {فِـي شُغُلٍ} بضم الشين والغين.

والصواب فـي ذلك عندي قراءته بضم الشين والغين، أو بضم الشين وسكون الغين، بأيّ ذلك قرأه القارىء فهو مصيب، لأن ذلك هو القراءة الـمعروفة فـي قرّاء الأمصار مع تقارب معنـيـيهما. وأما قراءته بفتـح الشين والغين، فغير جائزة عندي، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى خلافها.

واختلفوا أيضاً فـي قراءة قوله: {فـاكِهُونَ} فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار {فـاكِهُونَ} بـالألف. وذُكر عن أبـي جعفر القارىء أنه كان يقرؤه: «فَكِهُونَ» بغير ألف.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأه بـالألف، لأن ذلك هو القراءة الـمعروفة.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فَرِحون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ} يقول: فرحون.

وقال آخرون: معناه: عجبون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فـاكِهُونَ} قال: عجبون.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَكِهُونَ} قال: عَجِبون.

واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي ذلك، فقال بعض البصريـين: منهم الفكه الذي يتفكَّه. وقال: تقول العرب للرجل الذي يتفكَّه بـالطعام أو بـالفـاكهة، أو بأعراض الناس: إن فلاناً لفكِه بأعراض الناس، قال: ومن قرأها {فـاكِهُونَ} جعله كثـير الفواكه صاحب فـاكهة، واستشهد لقوله ذلك ببـيت الـحُطَيئة:

وَدَعَوْتَنِـي وَزَعَمْتَ أنَّكَلابنٌ بـالصَّيْفِ تامِرْ

أي عنده لبن كثـير، وتـمرٌ كثـير، وكذلك عاسل، ولاحم، وشاحم. وقال بعض الكوفـيـين: ذلك بـمنزلة حاذرون وحذرون، وهذا القول الثانـي أشبه بـالكلـمة.

هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ۝٥٦ لَهُمْ فِيهَا فَٰكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ۝٥٧ سَلَٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ۝٥٨

يعنـي تعالـى بقوله: {هُمُ} أصحاب الـجنة {وأزْوَاجُهُمْ} من أهل الـجنة فـي الـجنة، كما:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {هُمْ وأزْوَاجُهُمْ فـي ظِلالٍ} قال: حلائلهم فـي ظُلَل.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: «فِـي ظُلَلٍ» بـمعنى: جمع ظلة، كما تُـجمع الْـحُلة حُللاً. وقرأه آخرون: {فِـي ظِلالٍ} وإذا قرىء ذلك كذلك كان له وجهان: أحدهما أن يكون مُراداً به جمع الظُّلَل الذي هو بـمعنى الكِنّ، فـيكون معنى الكلـمة حينئذٍ: هم وأزواجهم فـي كنّ لا يضْحَوْن لشمس كما يَضْحَى لها أهلُ الدنـيا، لأنه لا شمس فـيها. والآخر: أن يكون مراداً به جمع ظلة، فـيكون وجه جمعها كذلك نظير جمعهم الـحلة فـي الكثرة: الـخِلال، والقُلَّة: قِلال.

وقوله: {عَلـى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} والأرائك: هي الـحِجال فـيها السُرر والفُرُش: واحدتها أريكة، وكان بعضهم يزعم أن كلّ فِراش فأريكة، ويستشهد لقوله ذلك بقول ذي الرمة:

.....كأنَّـما تُبـاشِرْنَ بـالـمَعزاءِ مَسَّ الأَرَائِكِ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حُصَيْن، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {عَلـى الأَرَائِكِ مُتَّكِئِونَ} قال: هي السُّرُر فـي الـحِجال.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن مـجاهد، فـي قول الله: {عَلـى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} قال: الأرائك: السُّرر علـيها الـحِجال.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا حصين، عن مـجاهد، فـي قوله:

{ مُتَّكِئِينَ عَلـى الأرَائِكِ }قال: الأرائك: السُّرُر فـي الـحِجال.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَيْن، عن مـجاهد، فـي قوله: {عَلـى الأرَائك} قال: سُرُر علـيها الـحِجال.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، قال: زعم مـحمد أن عكرمة قال: الأرائك: السُّرُر فـي الـحِجال.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، قال: سمعت الـحسن، وسأله رجل عن الأرائك قال: هي الـحجال. أهل الـيـمن يقولون: أريكة فلان. وسمعت عكرمة وسئل عنها فقال: هي الـحجال علـى السُّرُر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {علـى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ} قال: هي الـحِجال فـيها السرر.

وقوله: {لَهُمْ فِـيها فـاكِهَةٌ} يقول لهؤلاء الذين ذكرهم تبـارك وتعالـى من أهل الـجنة فـي الـجنة فـاكهة {وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ} يقول: ولهم فـيها ما يتَـمَّنون. وذُكر عن العرب أنها تقول: دع علـيّ ما شئت: أي تـمنّ علـيّ ما شئت.

وقوله: {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيـمٍ} فـي رفع سلامٌ وجهان فـي قول بعض نـحويـيّ الكوفة أحدهما: أن يكون خبراً لـما يدّعون، فـيكون معنى الكلام: ولهم ما يدّعون مسلَّـم لهم خالص. وإذا وُجِّه معنى الكلام إلـى ذلك كان القول حينئذٍ منصوبـاً توكيداً خارجاً من السلام، كأنه قـيـل: ولهم فـيها ما يدّعون مسلَّـم خالص حقاً، كأنه قـيـل: قاله قولاً. والوجه الثانـي: أن يكون قوله: {سَلامٌ} مرفوعاً علـى الـمدح، بـمعنى: هو سلام لهم قولاً من الله. وقد ذُكر أنها فـي قراءة عبد الله: «سَلاماً قَوْلاً» علـى أن الـخبر متناه عند قوله: {وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ}، ثم نصب سلاماً علـى التوكيد، بـمعنى: مسلـماً قولاً. وكان بعضُ نـحويـيّ البصرة يقول: انتصب قولاً علـى البدل من اللفظ بـالفعل، كأنه قال: أقول ذلك قولاً. قال: ومن نصبها نصبها علـى خبر الـمعرفة علـى قوله: {وَلهُمْ} فِـيها {ما يَدَّعُونَ}.

والذي هو أولـى بـالصواب علـى ما جاء به الـخبر عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ، أن يكون {سَلامٌ} خبراً لقوله: {وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ} فـيكون معنى ذلك: ولهم فـيها ما يدّعون، وذلك هو سلام من الله علـيهم، بـمعنى: تسلـيـم من الله، ويكون سلام ترجمة ما يدّعون، ويكون القول خارجاً من قوله: سلام. وإنـما قلت ذلك أولـى بـالصواب لـما:

حَدَّثنا به إبراهيـم بن سعيد الـجوهريّ، قال: ثنا أبو عبد الرحمن الـمقري عن حرملة، عن سلـيـمان بن حميد، قال: سمعت مـحمد بن كعب، يحدّث عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ الله من أهل الـجنة وأهل النار، أقبل يـمشي فـي ظُلَل من الغمام والـملائكة، فـيقـف علـى أوّل أهل درجة، فـيسلـم علـيهم، فـيردّون علـيه السلام، وهو فـي القرآن: {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيـمٍ} فـيقول: سَلُوا، فـيقولون: ما نسألك وعزّتك وجلالك، لو أنك قسمت بـيننا أرزاق الثَّقَلـين لأطعمناهم وسقـيناهم وكسوناهم، فـيقول: سَلُوا، فـيقولون: نسألك رضاك، فـيقول: رضائي أحلَّكم دار كرامتـي، فـيفعل ذلك بأهل كلّ درجة حتـى ينتهي، قال: ولو أن امرأة من الـحُور العِين طلعت لأطفأ ضوء سِوارَيْها الشمس والقمر، فكيف بـالـمُسَوَّرة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا حرملة، عن سلـيـمان بن حميد، قال: سمعت مـحمد بن كعب القرظيّ يحدّث عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ الله من أهل الـجنة والنار، أقبل فـي ظُلَل من الغمام والـملائكة، قال: فـيسلـم علـى أهل الـجنة، فـيردُون علـيه السلام، قال القُرظيّ: وهذا فـي كتاب الله: {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيـمٍ}؟ فـيقول: سَلُونـي، فـيقولون: ماذا نسألك، أي رَبّ؟ قال: بل سلونـي قالوا: نسألك أي ربّ رضاك، قال: رضائي أحلكم دار كرامتـي، قالوا: يا ربّ وما الذي نسألك فوعزّتك وجلالك، وارتفـاع مكانك، لو قسمت علـينا رزق الثقلـين لأطعمناهم، ولأسقـيناهم، ولألبسناهم ولأخدمناهم، لا يُنقصنا ذلك شيئاً، قال: إن لديّ مزيداً، قال: فـيفعل الله ذلك بهم فـي درجهم حتـى يستوي فـي مـجلسه، قال: ثم تأتـيهم التـحف من الله تـحملها إلـيهم الـملائكة. ثم ذكر نـحوه.

حدثنا ابن سنان القزاز، قال: ثنا أبو عبد الرحمن، قال: ثنا حرملة، قال: ثنا سلـيـمان بن حميد، أنه سمع مـحمد بن كعب القرظي يحدّث عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ الله من أهل الـجنة وأهل النار، أقبل يـمشي فـي ظُلل من الغمام ويقـف، قال: ثم ذكر نـحوه، إلا أنه قال: فـيقولون: فماذا نسألك يا ربّ، فوعزّتك وجلالك وارتفـاع مكانك، لو أنك قسمت علـينا أرزاق الثقلـين، الـجنّ والإنس، لأطعمناهم، ولسقـيناهم، ولأخدمناهم، من غير أن ينتقص ذلك شيئاً مـما عندنا، قال: بلـى فسلونـي، قالوا: نسألك رضاك، قال: رضائي أحلَّكم دار كرامتـي، فـيفعل هذا بأهل كلّ درجة، حتـى ينتهي إلـى مـجلسه. وسائر الـحديث مثله.

فهذا القول الذي قاله مـحمد بن كعب، ينبىء عن أن «سلام» بـيان عن قوله: {ما يَدَّعُونَ}، وأن القول خارج من السلام. وقوله: {مِنْ رَبّ رَحِيـمٍ} يعنـي: رحيـم بهم إذ لـم يعاقبهم بـما سلف لهم من جُرْم فـي الدنـيا.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ