انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يس

تفسير الطبريالآيات 59–83

تفسير سورة يس آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يس

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 35:19

  1. 1 الآيات 28–59في هذه الصفحة 13:36
  2. 2 الآيات 60–83في هذه الصفحة 11:08

التفسير الصوتي لسورة يس كاملًا (3 مقاطع)

وَٱمْتَٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٥٩ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَٰنَ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝٦٠ وَأَنِ ٱعْبُدُونِى هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٦١

يعنـي بقوله: {وَامْتازُوا}: تَـميزوا وهي افتعلوا، من ماز يـميز، فعل يفعل منه: امتاز يـمتاز امتـيازاً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَامْتَازوا الـيَوْمَ أيُّها الـمُـجْرِمُونَ} قال: عُزِلوا عن كلّ خير.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـي، عن إسماعيـل بن رافع، عمن حدثه، عن مـحمد بن كعب القرظيّ، عن أبـي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذَا كانَ يَوْمُ القِـيامَةِ أمَرَ اللّهُ جَهَنَّـمَ فَـيَخْرُجُ مِنْها عُنُقٌ ساطِعٌ مُظْلِـمٌ، ثُمَّ يَقُولُ: {ألَـمْ أعْهَدْ إلَـيْكُمْ يا بَنِـي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ...} الآية، إلـى قوله: {هَذِهِ جَهَنَّـمُ التـي كُنْتُـمْ تُوعَدُونَ وَامْتازُوا الْـيَوْمَ أيُّها الـمُـجْرِمُونَ}، فـيَتَـمَيَّزُ النَّاسُ وَيجْثُونَ، وَهِيَ قَوْلُ اللّهِ: وَتَرَى كُلّ أُمَّةٍ...} الآية».

فتأويـل الكلام إذن: وتـميزوا من الـمؤمنـين الـيوم أيها الكافرون بـالله، فإنكم واردون غير موردهم، داخـلون غير مدخـلهم.

وقوله: {ألَـمْ أعْهَدْ إلَـيْكُمْ يا بَنِـي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِـينٌ}، وفـي الكلام متروك استغنـي بدلالة الكلام علـيه منه، وهو: ثم يقال: ألـم أعهد إلـيكم يا بنـي آدم، يقول: ألـم أوصكم وآمركم فـي الدنـيا أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه فـي معصية الله {إنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِـينٌ} يقول: وأقول لكم: إن الشيطان لكم عدوّ مبـين، قد أبـان لكم عَداوته بـامتناعه من السجود، لأبـيكم آدم، حسداً منه له، علـى ما كان الله أعطاه من الكرامة، وغُروره إياه، حتـى أخرجه وزوجته من الـجنة.

وقوله: {وَأنِ اعْبُدُونِـي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِـيـمٌ} يقول: وألـم أعهد إلـيكم أن اعبدونـي دون كلّ ما سواي من الآلهة والأنداد، وإياي فأطيعوا، فإن إخلاص عبـادتـي، وإفراد طاعتـي، ومعصية الشيطان، هو الدين الصحيح، والطريق الـمستقـيـم.

وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ ۝٦٢ هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ۝٦٣ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ۝٦٤

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَلَقَدْ أضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِـيراً}: ولقد صدّ الشيطان منكم خـلقاً كثـيراً عن طاعتـي، وإفرادي بـالألوهة حتـى عبدوه، واتـخذوا من دونـي آلهة يعبدونها، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلَقَدْ أضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ} قال: خـلقاً.

واختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض الكوفـيـين {جِبِلاًّ} بكسر الـجيـم وتشديد اللام، وكان بعض الـمكِّيـين وعامة قرّاء الكوفة يقرؤونه: «جُبُلاً» بضم الـجيـم والبـاء وتـخفـيف اللام. وكان بعض قرّاء البصرة يقرؤه: «جُبْلاً» بضم الـجيـم وتسكين البـاء، وكل هذه لغات معروفـات، غير أنـي لا أحبّ القراءة فـي ذلك إلا بإحدى القراءتـين اللتـين إحداهما بكسر الـجيـم وتشديد اللام، والأخرى: ضم الـجيـم والبـاء وتـخفـيف اللام، لأن ذلك هو القراءة التـي علـيها عامة قرّاء الأمصار.

وقوله: {أفَلَـمْ تَكُونُوا تَعْقلُونَ} يقول: أفلـم تكونوا تعقلون أيها الـمشركون، إذ أطعتـم الشيطان فـي عبـادة غير الله، أنه لا ينبغي لكم أن تطيعوا عدوّكم وعدوّ الله، وتعبدوا غير الله. وقوله: {هَذِهِ جَهَنَّـم التـي كُنْتُـمْ تُوعَدُونَ} يقول: هذه جهنـم التـي كنتـم توعدون بها فـي الدنـيا علـى كفركم بـالله، وتكذيبكم رسله، فكنتـم بها تكذّبون. وقـيـل: إن جهنـم أوّل بـاب من أبواب النار. وقوله: {اصْلَوْها الـيَوْمَ بِـمَا كُنْتُـمْ تَكْفُرُونَ} يقول: احترقُوا بها الـيوم ورِدُوها يعنـي بـالـيوم: يوم القـيامة {بِـمَا كُنْتُـمْ تَكْفُرُونَ}: يقول: بـما كنتـم تَـجْحدونها فـي الدنـيا، وتكذّبون بها.

ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٦٥

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {الْـيَوْمَ نَـخْتِـمُ عَلـى أفْوَاهِهِمْ}: الـيوم نطبع علـى أفواه الـمشركين، وذلك يوم القـيامة {وَتُكَلِّـمُنا أيْدِيهِمْ} بـما عملوا فـي الدنـيا من معاصي الله {وَتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ} قـيـل: إن الذي ينطق من أرجلهم: أفخاذهم من الرجل الـيُسرى {بَـمَا كانُوا يَكْسِبُونَ} فـي الدنـيا من الآثام. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا يونس بن عبـيد، عن حميد بن هلال، قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: يدعى الـمؤمن للـحساب يوم القـيامة، فـيعرض علـيه ربُّه عمله فـيـما بـينه وبـينه، فـيعترف فـيقول: نعم أي ربّ عملت عملت عملت، قال: فـيغفر الله لهم ذنوبه، ويستره منها، فما علـى الأرض خـلـيقة ترى من تلك الذنوب شيئاً، وتبدو حسناته، فودّ أن الناس كلهم يرونها ويدَعى الكافر والـمنافق للـحساب، فـيعرض علـيه ربه عمله فـيجحده، ويقول: أي ربّ، وعزّتك لقد كتب علـيَّ هذا الـملك ما لـم أعمل، فـيقول له الـملك: أما عملت كذا فـي يوم كذا فـي مكان كذا؟ فـيقول: لا وعزّتك أي ربّ، ما عملته، فإذا فعل ذلك ختـم علـى فـيه. قال الأشعري: فإنـي أحسب أوّل ما ينطق منه لفخذه الـيـمنى، ثم تلا: {الـيَوْمَ نَـخْتِـمُ عَلـى أفْوَاهِهِمْ وتُكَلِّـمُنا أيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ بِـمَا كانُوا يَكْسِبُونَ}.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنـي يحيى، عن أبـي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن الشعبـيّ، قال: يقال للرجل يوم القـيامة: عملت كذا وكذا، فـيقول: ما عملت، فـيختـم علـى فـيه، وتنطق جوارحه، فـيقول لـجوارحه: أبعدكنّ الله، ما خاصمت إلا فـيكنّ.

حدثنا بشر، قلا: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الْـيَوْمَ نَـخْتِـمُ عَلـى أفْوَاهِهِمْ}... الآية، قال: قد كانت خصومات وكلام، فكان هذا آخره، {وَخَتَـمَ علـى أفْوَاهِهِمْ}.

حدثنـي مـحمد بن عوف الطائي، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن ابن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبـيد، عن عقبة بن عامر، أنه سمع النبـيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

أوَّلُ شَيْءٍ يَتَكَلَّـمُ مِنَ الإنْسانِ، يَوْمَ يَخْتِـمُ اللّهُ علـى الأَفْوَاهِ، فَخِذُهُ مِنْ رِجْلِهِ الـيُسْرَى».

وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ۝٦٦ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَٰعُوا۟ مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ ۝٦٧

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا علـى أعْيُنِهِمْ فـاسْتَبَقُوا الصِّراطَ} فقال بعضهم: معنى ذلك: ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى، وأضللناهم عن قصد الـمَـحَجَّة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلـى أعْيُنِهِمْ} يقول: أضللتهم وأعميتهم عن الهدى.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولو نشاء لتركناهم عمياً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: {وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلـى أعْيُنِهِمْ فـاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنَّى يُبْصِرُونَ} قال: لو يشاء لطمس علـى أعينهم فتركهم عمياً يتردّدون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا علـى أعْيُنِهِمْ فـاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فأنَّى يُبْصِرُونَ} يقول: لو شئنا لتركناهم عمياً يترددون.

وهذا القول الذي ذكرناه عن الـحسن وقتادة أشبه بتأويـل الكلام، لأن الله إنـما تهدّد به قوماً كفـاراً، فلا وجه لأن يقال: وهم كفـار، لو نشاء لأضللناهم وقد أضلهم، ولكنه قال: لو نشاء لعاقبناهم علـى كفرهم، فطمسنا علـى أعينهم فصيرَّناهم عمياً لا يبصرون طريقاً، ولا يهتدون له والطَّمْس علـى العين: هو أن لا يكون بـين جفنـي العين غرٌّ، وذلك هو الشقّ الذي بـين الـجفنـين، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى مطموس وطميس.

وقوله: {فـاسْتَبَقُوا الصِّراطَ} يقول: فـابتدروا الطريق، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فـاسْتَبَقَوا الصِّرَاطَ} قال الطريق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فـاسْتَبَقُوا الصِّراطَ}: أي الطريق.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فـاسْتَبَقُوا الصِّراطَ} قال: الصراط، الطريق.

وقوله: {فَأنَّى يُبْصِرُونَ} يقول: فأيّ وجه يبصرون أن يسلكوه من الطرق، وقد طمسنا علـى أعينهم، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فَأنَّى يُبْصِرُون} وقد طمسنا علـى أعينهم.

وقال الذين وجهوا تأويـل قوله: {وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا علـى أعْيُنِهِمْ} إلـى أنه معنـيٌّ به العَمَى عن الهدى، تأويـل قوله: {فَأنَّى يُبْصِرُونَ}: فأنى يهتدون للـحقّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {فَأتَّـى يُبْصِرُونَ} يقول: فكيف يهتدون.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {فَأنَّى يُبْصِرُونَ} يقول: لا يبصرون الـحقّ.

وقوله: {وَلَوْ نَشاءُ لَـمَسَخْناهُمْ علـى مَكانَتِهمْ} يقول تعالـى ذكره: ولو نشاء لأقعدنا هؤلاء الـمشركين من أرجلهم فـي منازلهم {فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ} يقول: فلا يستطيعون أن يـمضوا أمامهم، ولا أن يرجعوا وراءهم.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم نـحو الذي قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن {وَلَوْ نَشاءُ لَـمَسَخْناهُمْ عَلـى مَكانَتِهِمْ} قال: لو نشاء لأقعدناهُمْ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، ثنا سعيد عن قتادة {وَلَوْ نَشاءُ لَـمَسَخْناهُمْ عَلـى مَكانَتِهِمْ}: أي لأقعدناهم علـى أرجلهم {فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ} فلـم يستطيعوا أن يتقدّموا ولا يتأخروا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو نشاء لأهلكناهم فـي منازلهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَوْ نَشاءُ لَـمَسَخْناهُمْ عَلـى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ} يقول: ولو نشاء أهلكناهم فـي مساكنهم.

والـمكانة والـمكان بـمعنى واحد. وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى قبل.

وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ۝٦٨ وَمَا عَلَّمْنَٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ۝٦٩ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧٠

يقول تعالـى ذكره: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ} فنـمُدّ له فـي العمر {نُنَكِّسْهُ فِـي الـخَـلْقِ} نردّه إلـى مثل حاله فـي الصبـا من الهرم والكبر، وذلك هو النكس فـي الـخـلق، فـيصير لا يعلـم شيئاً بعد العلـم الذي كان يعلـمه. وبـالذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِـي الـخَـلْقِ} يقول: من نَـمُدّ له فـي العمر ننكسه فـي الـخـلق، لكيلا يعلـم بعد علـم شيئاً، يعنـي الهَرَم.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {نُنَكِّسْهُ} فقرأه عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: «نَنْكِسْهُ» بفتـح النون الأولـى وتسكين الثانـية، وقرأته عامة قرّاء الكوفة: {نُنَكِّسْهُ} بضم النون الأولـى وفتـح الثانـية وتشديد الكاف.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، غير أن التـي علـيها عامة قرّاء الكوفـيـين أعجبُ إلـيّ، لأن التنكيس من الله فـي الـخـلق إنـما هو حال بعد حال، وشيء بعد شيء، فذلك تأيـيد للتشديد.

وكذلك اختلفوا فـي قراءة قوله: {أفَلا يَعْقِلُونَ} فقرأته قراء الـمدينة: «أفَلا تَعْقِلُونَ» بـالتاء علـى وجه الـخطاب. وقرأته قرّاء الكوفة بـالـياء علـى الـخبر، وقراءة ذلك بـالـياء أشبه بظاهر التنزيـل، لأن احتـجاج من الله علـى الـمشركين الذين قال فـيهم

{ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلـى أعْيُنِهِمْ }فإخراج ذلك خبراً علـى نـحو ما خرج قوله: { لَطَمَسْنا علـى أعْيُنِهِمْ }أعجب إلـيَّ، وإن كان الآخر غير مدفوع.

ويعنـي تعالـى ذكره بقوله: {أفَلا يَعْقِلُونَ}: أفلا يعقل هؤلاء الـمشركون قُدْرة الله علـى ما يشاء بـمعاينتهم ما يعاينون من تصريفه خـلقه فـيـما شاء وأحبّ من صغر إلـى كبر، ومن تنكيس بعد كبر فـي هرم.

وقوله: {وَما عَلَّـمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ} يقول تعالـى ذكره: وما علَّـمنا مـحمداً الشعر، وما ينبغي له أن يكون شاعراً. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما عَلَّـمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ} قال: قـيـل لعائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتـمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كانت أَبغض الـحديث إلـيه، غير أنه كان يتـمثَّل ببـيت أخي بنـي قـيس، فـيجعل آخره أوّله، وأوّله آخره، فقال له أبو بكر: إنه لـيس هكذا، فقال نبـيّ الله:

إنّـي وَاللّهِ ما أنا بِشاعِرٍ، وَلا يَنْبَغِي لـي».

وقوله: {إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ} يقول تعالـى ذكره: ما هو إلا ذكر، يعنـي بقوله: {إنْ هُوَ}: أي مـحمد إلا ذكر لكم أيها الناس، ذكركم الله بإرساله إياه إلـيكم، وَنَّبهكم به علـى حظكم {وَقُرآنٌ مُبِـينٌ} يقول: وهذا الذي جاءكم به مـحمد قرآن مبـين، يقول: يَبِـين لـمن تدبَّره بعقل ولبّ، أنه تنزيـل من الله أنزله إلـى مـحمد، وأنه لـيس بشعر ولا مع كاهن، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقُرآنٌ مُبِـينٌ} قال: هذا القرآن.

وقوله: {لِـيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا} يقول: إن مـحمد إلا ذكر لكم لـينذر منكم أيها الناس من كان حيّ القلب، يعقل ما يقال له، ويفهم ما يُبـيَّن له، غير ميت الفؤاد بلـيد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو معاوية، عن رجل، عن أبـي رَوْق، عن الضحاك، فـي قوله: {لِـيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا} قال: من كان عاقلاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لِـيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا}: حيّ القلب، حيّ البصر.

قوله: {وَيَحِقَّ القَوْلُ علـى الكافِرِينَ} يقول: ويحقّ العذاب علـى أهل الكفر بـالله، الـمولِّـين عن اتبـاعه، الـمعرضين عما أتاهم به من عند الله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَيحِقَّ القَوْلُ علـى الكافِرِينَ} بأعمالهم.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَٰمًا فَهُمْ لَهَا مَٰلِكُونَ ۝٧١ وَذَلَّلْنَٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ۝٧٢

يقول تعالـى ذكره: {أوَ لَـمْ يَرَ} هؤلاء الـمشركون بـالله الآلهة والأوثانَ {أنَّا خَـلَقْنا لَهُمْ مِـمَّا عَمِلَتْ أيْدِينا} يقول: مـما خـلقنا من الـخـلق {أنْعاماً} وهي الـمواشي التـي خـلقها الله لبنـي آدم، فسخَّرها لهم من الإبل والبقر والغنـم {فَهُمْ لَهَا مالِكُونَ} يقول: فهم لها مصرّفون كيف شاءوا بـالقهر منهم لها والضبط، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَهَمُ لَهَا مالِكُونَ}: أي ضابطون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أوَ لَـمْ يَرَوْا أنَّا خَـلَقْنا لَهُمْ مِـمَّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعاماً فَهُمْ لَهَا مالِكُونَ} فقـيـل له: أهي الإبل؟ فقال: نعم، قال: والبقر من الأنعام، ولـيست بداخـلة فـي هذه الآية، قال: والإبل والبقر والغنـم من الأنعام، وقرأ:

{ ثَمانِـيَةَ أزْوَاجٍ } قال: والبقر والإبل هي النعم، ولـيست تدخـل الشاء فـي النعم.

وقوله: {وَذَلَّلْناها لَهُمْ} يقول: وذللنا لهم هذه الأنعام {فَمِنْها رَكُوبُهُمْ} يقول: فمنها ما يركبون كالإبل يسافرون علـيها يقال: هذه دابة ركوب، والرُّكوب بـالضمّ: هو الفعل {وَمِنْها يأْكُلونَ} لـحومها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوُبُهُمْ}: يركبونها يسافرون علـيها {وَمِنْها يأْكُلُونَ} لـحومها.

وَلَهُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ۝٧٣ وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: ولهم فـي هذه الأنعام منافع، وذلك منافع فـي أصوافها وأوبـارها وأشعارها بـاتـخاذهم من ذلك أثاثاً ومتاعاً، ومن جلودها أكناناً، ومشارب يشربون ألبـانها، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ولَهُمْ فِـيها مَنافِعُ} يَـلْبسون أصوافها {وَمَشارِبُ} يشربون ألبـانها.

وقوله: {أفَلا يَشْكُرُونَ} يقول: أفلا يشكرون نعمتـي هذه، وإحسانـي إلـيهم بطاعتـي، وإفراد الألوهية والعبـادة، وترك طاعة الشيطان وعبـادة الأصنام.

قوله: {واتَّـخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً} يقول: واتـخذ هؤلاء الـمشركون من دون الله آلهة يعبدونها {لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} يقول: طمعاً أن تنصرهم تلك الآلهة من عقاب الله وعذابه.

لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ۝٧٥ فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره: لا تستطيع هذه الآلهة نصرهم من الله إن أراد بهم سوءاً، ولا تدفع عنهم ضرّاً.

وقوله: {وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُـحْضَرُونَ} يقول: وهؤلاء الـمشركون لآلهتهم جند مـحضَرون.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {مُـحْضَرُونَ} وأين حضورهم إياهم، فقال بعضهم: عُنـي بذلك: وهم لهم جند مـحضرون عند الـحساب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُـحْضَرُونَ} قال: عند الـحساب.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهم لهم جند مـحضَرون فـي الدنـيا يغضبون لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} الآلهة {وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُـحْضَرُونَ} والـمشركون يغضَبون للآلهة فـي الدنـيا، وهي لا تسوق إلـيهم خيراً، ولا تدفع عنهم سوءاً، إنـما هي أصنام.

وهذا الذي قاله قتادة أولـى القولـين عندنا بـالصواب فـي تأويـل ذلك، لأن الـمشركين عند الـحساب تتبرأ منهم الأصنام، وما كانوا يعبدونه، فكيف يكونون لها جنداً حينئذٍ، ولكنهم فـي الدنـيا لهم جند يغضبون لهم، ويقاتلون دونهم.

وقوله تعالـى: {فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فلاَ يحْزُنْك يا مـحمد قول هؤلاء الـمشركين بـالله من قومك لك: إنك شاعر، وما جئتنا به شعر، ولا تكذيبهم بآيات الله وجحودهم نبوّتك. وقوله: {إنَّا نَعْلَـمُ ما يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} يقول تعالـى ذكره: إنا نعلـم أن الذي يدعوهم إلـى قـيـل ذلك الـحسد، وهم يعلـمون أن الذي جئتهم به لـيس بشعر، ولا يشبه الشعر، وأنك لست بكذّاب، فنعلـم ما يسرّون من معرفتهم بحقـيقة ما تدعوهم إلـيه، وما يعلنون من جحودهم ذلك بألسنتهم علانـية.

أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ۝٧٧ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ۝٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ۝٧٩

يقول تعالـى ذكره: {أوَ لَـمْ يَرَ الإنْسانُ أنَّا خَـلَقْناهُ}. واختُلف فـي الإنسان الذي عُنـي بقوله: {أوَ لَـمْ يَرَ الإنْسانُ} فقال بعضهم: عُنـي به أُبّـي بن خـلف. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عُمارة، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى عن مـجاهد، فـي قوله: {مَنْ يُحْيِـي العِظامَ وَهِيَ رَمِيـمٌ} قال: أُبـيّ بن خَـلَف أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعَظْم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَضَرَبَ لنَا مَثَلاً} أُبـيّ بن خـلف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قالَ مَنْ يُحْيِـي العِظامَ وَهِيَ رَمِيـمٌ}: ذُكر لنا أن أُبـيَّ بن خـلف، أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظْم حائل، ففتَّه، ثم ذرّاه فـي الريح، ثم قال: يا مـحمد من يحيـي هذا وهو رميـم؟ قال:

الله يحيـيه، ثم يـميته، ثم يُدخـلك النارقال: فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد.

وقال آخرون: بل عُنـي به: العاص بن وائل السَّهميّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، قال: جاء العاص بن وائل السهميّ إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظّم حائل، ففتَّه بـين يديه، فقال: يا مـحمد أيبعث الله هذا حياً بعد ما أرمّ؟ قال:

نَعَمْ يَبْعَثُ اللّهُ هَذَا، ثُمَّ يُـمِتُكَ ثُمَّ يُحْيِـيكَ، ثُم يُدْخِـلُكَ نارَ جَهَنَّـم قال: ونزلت الآيات: {أوَ لَـمْ يَرَ الإنْسانُ أنَّا خَـلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فإذَا هُوَ خَصِيـمٌ مُبِـينٌ...} إلـى آخر الآية.

وقال آخرون: بل عُنِـي به: عبد الله بن أُبـيّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {أوَ لَـمْ يَرَ الإنْسانُ أنَّا خَـلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ}... إلـى قوله:{وَهِيَ رَمِيـمٌ} قال: جاء عبد الله بن أُبـيّ إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعظْم حائل فكسره بـيده، ثم قال: يا مـحمد كيف يبعث الله هذا وهو رميـم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَبْعَثُ اللّهُ هَذَا، ويُـمِيتُكَ ثُمَّ يُدْخِـلُكَ جَهَنَّـمَ»، فقال الله: {قُلْ يُحْيِـيها الَّذِي أنشأها أوَّلَ مَرَّةٍ وَهُو بِكُلّ خَـلْقٍ عَلِـيـمٌ}.

فتأويـل الكلام إذن: أو لـم ير هذا الإنسان الذي يقول: {مَنْ يُحْيِـي العِظامَ وَهِيَ رَمِيـمٌ} أنا خـلقناه من نطفة فسوّيناه خـلقاً سَوِيًّا {فإذَا هوَ خَصِيـمٌ} يقول: فإذا هو ذو خصومة لربه، يخاصمه فـيـما قال له ربه إنـي فـاعل، وذلك إخبـار لله إياه أنه مُـحْيـي خـلقه بعد مـماتهم، فـيقول: مَنْ يحيـي هذه العظام وهي رميـم؟ إنكاراً منه لقُدرة الله علـى إحيائها.

وقوله: {مُبِـينٌ} يقول: يبـين لـمن سمع خُصومته وقـيـله ذلك أنه مخاصم ربه الذي خـلقه. وقوله: {وَضَرَبَ لنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَـلْقَهُ} يقول: ومثَّل لنا شبهاً بقوله: {مَنْ يُحْيِـي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيـمٌ} إذ كان لا يقدر علـى إحياء ذلك أحد، يقول: فجعلنا كمن لا يقدر علـى إحياء ذلك من الـخـلق {وَنَسِيَ خَـلْقَهُ} يقول: ونسي خـلْقنَا إياه كيف خـلقناه، وأنه لـم يكن إلا نطفة، فجعلناها خـلقاً سَوِيًّا ناطقاً، يقول: فلـم يفكر فـي خـلقناه، فـيعلـم أن من خـلقه من نطفه حتـى صار بشراً سوياً ناطقاً متصرّفـاً، لا يعْجِز أن يعيد الأموات أحياء، والعظام الرَّميـم بشَراً كهيئتهم التـي كانوا بها قبل الفناء يقول الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} لهذا الـمشرك القائل لك: من يُحيـي العظام وهي رميـم {يُحْيِـيها الَّذِي أنشأَها أوَّلَ مَرَّةٍ} يقول: يحيـيها الذي ابتدع خـلْقها أوّل مرّة ولـم تكن شيئاً {وَهُوَ بِكُلّ خَـلْقٍ عَلِـيـمٌ} يقول: وهو بجميع خـلقه ذو علـم كيف يـميت، وكيف يحيـي، وكيف يبدىء، وكيف يعيد، لا يخفـى علـيه شيء من أمر خـلقه.

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ۝٨٠ أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ ۝٨١

يقول تعالـى ذكره: قل يحيـيها الذي أنشأها أوّل مرّة {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَر ناراً} يقول: الذي أخرج لكم من الشجر الأخضر ناراً تُـحْرق الشجر، لا يـمتنع علـيه فعل ما أراد، ولا يعجز عن إحياء العظام التـي قد رَمَّت، وإعادتها بشَراً سوياً، وخـلقاً جديداً، كما بدأها أوّل مرّة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ ناراً} يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر أن يبعثه.

قوله: {فإذَا أنْتُـمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} يقول: فإذا أنتـم من الشجر توقدون النار وقال: {مِنْهُ} والهاء من ذكر الشجر، ولـم يقل: منها، والشجر جمع شجرة، لأنه خرج مخرج الثمر والـحصَى، ولو قـيـل: منها كان صوابـاً أيضاً، لأن العرب تذكِّر مثل هذا وتؤنِّثه. وقوله: {أوَ لَـيْسَ الَّذِي خَـلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلـى أنْ يَخْـلُقَ مِثْلَهُمْ} يقول تعالـى ذكره منبها هذا الكافر الذي قال: {مَنْ يُحْيـي العِظامَ وَهيَ رَميـمٌ} علـى خطأ قوله، وعظيـم جهله {أوَ لَـيْسَ الَّذِي خَـلَقَ السَّمَوَات} السبع {والأرْضَ بقادِرٍ عَلـى أنْ يَخْـلُقَ} مثلكم، فإن خـلق مثلكم من العظام الرميـم لـيس بأعظم من خـلق السموات والأرض. يقول: فمن لـم يتعذّر علـيه خـلق ما هو أعظم من خـلقكم، فكيف يتعذّر علـيه إحياء العظام بعد ما قد رمَّت وبَلِـيَت؟ وقوله: {بلَـى وَهُوَ الـخَلاَّقُ العَلـيـمُ} يقول: بلـى هو قادر علـى أن يخـلق مثلهم وهو الـخلاق لـما يشاء، الفعَّال لـما يريد، العلـيـم بكلّ ما خـلق ويخـلق لا يخفـى علـيه خافـية.

إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٨٢ فَسُبْحَٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٨٣

يقول تعالـى ذكره: {إنَّـمَا أمْرهُ إذَا أرَادّ شَيْئاً أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ}. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة

{ أوَ لَـيْسَ الَّذِي خَـلَقَ السَمَوَاتِ والأرْضَ بقادِرٍ عَلـى أنْ يَخْـلُقَ مِثْلَهُمْ بَلـى وَهُوَ الـخَلاَّقُ العَلِـيـمُ }قال: هذا مثل إنـما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فـيكون، قال: لـيس من كلام العرب شيء هو أخفّ من ذلك، ولا أهون، فأمر الله كذلك.

وقوله: {فَسُبْحانَ الَّذِي بِـيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} يقول تعالـى ذكره: فتنزيه الذي بـيده ملك كلّ شيء وخزائنه. وقوله: {وَإلَـيْهِ تُرْجَعُونَ} يقول: وإلـيه تردّون وتصيرون بعد مـماتكم.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ