انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير القرطبيالآيات 13–21

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير القرطبي.

قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ ۝١٣ قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًا لَّخَٰسِرُونَ ۝١٤

قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} في موضع رفع؛ أي ذهابكم به. أخبر عن حزنه لغيبته. {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ} وذلك أنه رأى في منامه أن الذئب شدّ على يوسف، فلذلك خافه عليه؛ قاله الكلبيّ. وقيل: إنه رأى في منامه كأنه على ذروة جبل، وكأن يوسف في بطن الوادي، فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله، فدرأ عنه واحد، ثم انشقّت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام؛ فكانت العشرة إخوته، لما تمالؤوا على قتله، والذي دافع عنه أخوه الأكبر يهوذا، وتواريه في الأرض هو مقامه في الجب ثلاثة أيام. وقيل: إنما قال ذلك لخوفه منهم عليه، وأنه أرادهم بالذئب؛ فخوفه إنما كان من قتلهم له، فكنى عنهم بالذئب مساترة لهم؛ قال ابن عباس: فسماهم ذئاباً. وقيل: ما خافهم عليه، ولو خافهم لما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب؛ لأنه أغلب ما يخاف في الصحارى. والذئب مأخوذ من تَذَاءبت الريح إذا جاءت من كل وجه؛ كذا قال أحمد بن يحيـى؛ قال: والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه. وروى ورش عن نافع «الذِّيبُ» بغير همز، لما كانت الهمزة ساكنة وقبلها كسرة فخففها صارت ياء. {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} أي مشتغلون بالرعي.

قوله تعالى: {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي جماعة نرى الذئب ثم لا نرده عنه. {إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} أي في حفظنا أغنامنا؛ أي إذا كنا لا نقدر على دفع الذئب عن أخينا فنحن أعجز أن ندفعه عن أغنامنا. وقيل: «لَخَاسِرُونَ» لجاهلون بحقه. وقيل: لعاجزون.

فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝١٥

قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ} «أَنْ» في موضع نصب؛ أي على أن يجعلوه في غيابة الجبّ. قيل في القصة: إن يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقاً غليظاً ليحفظُنّه، وسلّمه إلى روبيل وقال: يا روبيل! إنه صغير، وتعلم يا بنيّ شفقتي عليه؛ فإن جاع فأطعمه، وإن عطش فٱسقه، وإن أَعْيا فٱحمله ثم عَجِّل بردّه إليّ. قال: فأخذوا يحملونه على أكتافهم، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر، ويعقوب يُشيِّعهم ميلا ثم رجع؛ فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشدّ مما عند الآخر من الغيظ والعسف؛ فاستغاث بروبيل وقال: «أنت أكبر إخوتي، والخليفة من بعد والدي عليّ، وأقرب الأخوة إليّ، فارحمني وٱرحم ضعفي» فلطمه لطمة شديدة وقال: لا قرابة بيني وبينك، فادع الأحد عشر كوكباً فلتنجك منا؛ فعلم أن حقدهم من أجل رؤياه، فتعلق بأخيه يهوذا وقال: يا أخي! ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني، وارحم قلب أبيك يعقوب؛ فما أسرع ما تناسيتم وصيته ونقضتم عهده؛ فرقّ قلب يهوذا فقال: والله لا يصلون إليك أبداً ما دمتُ حيّاً، ثم قال: يا إخوتاه! إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا، فردوا هذا الصبيّ إلى أبيه، ونعاهده ألا يحدّث والده بشيء مما جرى أبداً؛ فقال له إخوته: والله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند يعقوب، والله لئن لم تدعه لنقتلنّك معه، قال: فإن أبيتم إلا ذلك فهاهنا هذا الجبّ الموحش القفر، الذي هو مأوى الحيات والهوام فألقُوه فيه، فإن أصيب بشيء من ذلك فهو المراد، وقد استرحتم من دمه، وإن انفلت على أيدي سيّارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد؛ فأجمع رأيهم على ذلك؛ فهو قول الله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ} وجواب «لما» محذوف؛ أي فلما ذهبوا به وأجمعوا على طرحه في الجب عظمت فتنتهم. وقيل: جواب «لما» قولهم: {قَالُواْ يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ}. وقيل: التقدير فلما ذهبوا به من عند أبيهم وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها، هذا على مذهب البصريين؛ وأما على قول الكوفيين فالجواب. «أوحينا» والواو مقحمة، والواو عندهم تزاد مع لما وحتى؛ قال الله تعالى:

{ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا }[الزمر: 73] أي فتحت، وقوله: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ }[هود: 40] أي فار. قال ٱمرؤ القيس:

فَلَمَّـا أَجَـزْنَـا ساحَـة الحـيِّ وانَتَحـى

أي انتحى؛ ومنه قوله تعالى: { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ }[الصافات:103-104] أى ناديناه. وفي قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} دليل على نبوّته في ذلك الوقت. قال الحسن ومجاهد والضّحاك وقَتادة: أعطاه الله النبوّة وهو في الجبّ على حجر مرتفع عن الماء. وقال الكَلْبيّ: ألقي في الجبّ وهو ابن ثماني عشرة سنة، فما كان صغيراً؛ ومن قال كان صغيراً فلا يبعد في العقل أن يتنبأ الصغير ويوحى إليه. وقيل: كان وحي إلهام كقوله: { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ }[النحل: 68]. وقيل: كان مناماً، والأوّل أظهر ـ والله أعلم ـ وأن جبريل جاءه بالوحي.

قوله تعالى: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا} فيه وجهان: أحدهما ـ أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا؛ فعلى هذا يكون الوحي بعد إلقائه في الجبّ تقوية لقلبه، وتبشيراً له بالسلامة. الثاني ـ أنه أوحي إليه بالذي يصنعون به؛ فعلى هذا (يكون) الوحيُ قبل إلقائه في الجبّ إنذاراً له. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنك يوسف؛ وذلك أن الله تعالى أمره لما أفضى إليه الأمر بمصر ألا يخبر أباه وإخوته بمكانه. وقيل: بوحي الله تعالى بالنبوة؛ قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: «الهاء» ليعقوب؛ أوحى الله تعالى إليه ما فعلوه بيوسف، وأنه سيعرِّفهم بأمره، وهم لا يشعرون بما أوحى الله إليه، والله أعلم. ومما ذكر من قصته إذ ألقي في الجبّ ـ ما ذكره السدّيّ وغيره ـ أن إخوته لما جعلوا يدلونه في البئر، تعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه؛ فقال: يا إخوتاه! ردّوا عليّ قميصي أتوارى به في هذا الجبّ، فإن متّ كان كفني، وإن عشت أواري به عورتي؛ فقالوا: ٱدع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً فلتؤنسك وتكسك؛ فقال: إني لم أر شيئاً، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يسقط فيموت؛ فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صَخْرَةٍ فقام عليها. وقيل: إن شمعون هو الذي قطع الحبل إرادة أن يتفتت على الصخرة، وكان جبريل تحت ساق العرش، فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي؛ قال جبريل: فأسرعت وهبطت حتى عارضته بين الرمي والوقوع فأقعدته على الصخرة سالماً. وكان ذلك الجبّ مأوى الهوام؛ فقام على الصّخرة وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة عليه أدركتهم، فأجابهم؛ فأرادوا أن يرضخوه بالصخرة فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام؛ فلما وقع عرياناً نزل جبريل إليه؛ وكان إبراهيم حين ألقي في النار عرياناً أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فكان ذلك عند إبراهيم، ثم ورثه إسحق، ثم ورثه يعقوب، فلما شَبّ يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذة وجعله في عنقه، فكان لا يفارقه؛ فلما ألقي في الجبّ عرياناً أخرج جبريل ذلك القميص فألبسه إياه. قال وهب: فلما قام على الصخرة قال: يا إخوتاه! إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا اجتمعتم كلّكم فآنس بعضكم بعضاً فاذكروا وحشتي، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي، وإذا شربتم فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريباً فاذكروا غربتي، وإذا رأيتم شاباً فاذكروا شبابي؛ فقال له جبريل: يا يوسف! كف عن هذا واشتغل بالدعاء، فإن الدعاء عند الله بمكان؛ ثم علمه فقال: قل اللهم يا مؤنس كلّ غريب، ويا صاحب كلّ وحيد، ويا ملجأ كلّ خائف، ويا كاشف كل كربة، ويا عالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا حاضر كل ملإ، يا حيّ يا قيوم! أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي، حتى لا يكون لي همّ ولا شغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، إنك على كل شيء قدير؛ فقالت الملائكة: إلهناٰ نسمع صوتاً ودعاء، الصوت صوت صبيّ، والدعاء دعاء نبيّ. وقال الضّحاك: نزل جبريل عليه السلام على يوسف وهو في الجبّ فقال له: ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن عجل الله لك خروجك من هذا الجب؟ فقال: نعم! فقال له: قل يا صانع كلّ مصنوع، ويا جابر كل كَسِير، ويا شاهد كل نَجْوى، ويا حاضر كل ملإ، ويا مفرّج كل كربة، ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحيد، ٱيتني بالفرج والرجاء، واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحداً سواك؛ فرددها يوسف في ليلته مراراً؛ فأخرجه الله في صبيحة يومه ذلك من الجبّ.

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ ۝١٦

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً} أي ليلاً، وهو ظرف يكون في موضع الحال؛ وإنما جاؤوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة؛ ولذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل، فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار؛ فروي أن يعقوب عليه السلام لما سمع بكاءهم قال: ما بكم؟ أجرى في الغنم شيء؟ قالوا: لا. قال: فأين يوسف؟ قالوا: ذهبنا نستبق فأكله الذئب؛ فبكى وصاح وقال: أين قميصه؟ على ما يأتي بيانه (إن شاء الله). وقال السديّ وابن حبّان: إنه لما قالوا أكله الذئب خر مغشياً عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب؛ قال وهب: ولقد وضع يهوذا يده على مخارج نَفس يعقوب فلم يحسّ بنَفس، ولم يتحرّك له عِرق؛ فقال لهم يهوذا: ويل لنا من ديّان يوم الدّين! ضيّعنا أخانا، وقتلنا أبانا، فلم يفق يعقوب إلا ببرد السّحر، فأفاق ورأسه في حجر روبيل؛ فقال: يا روبيل! ألم آتمنك على ولدي؟ ألم أعهد إليك عهداً؟ فقال: يا أبت! كُفَّ عنّي بكاءك أخبرك؛ فكفّ يعقوب بكاءه فقال: يا أبت «إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ».

الثانية: قال علماؤنا: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدلّ على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنّعاً؛ فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر. وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى؛ كما قال حكيم:

إذا ٱشتبكتْ دموعٌ في خُدودٍتَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ ۝١٧

فيه سبع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {نَسْتَبِقُ} نفتعل، من المسابقة. وقيل: أي نَنْتَضِل؛ وكذا في قراءة عبد الله «إنَّا ذَهَبْنَا نَنْتَضِل» وهو نوع من المسابقة؛ قاله الزجاج. وقال الأزهريّ: النِّضال في السِّهام، والرِّهان في الخيل، والمسابقة تجمعهما. قال القُشيريّ أبو نصر: «نَسْتَبِقُ» أي في الرّمي، أو على الفرس؛ أو على الأقدام؛ والغرض من المسابقة على الأقدام تدريب النفس على العَدْو، لأنه الآلة في قتال العدوّ، ودفع الذئب عن الأغنام. وقال السدّي وٱبن حبّان: «نَسْتَبِقُ» نشتد جرياً لنرى أينُّا أسبق. قال ٱبن العربي: المسابقة شِرْعة في الشَّريعة، وخَصْلة بديعة، وعَون على الحرب؛ وقد فعلها صلى الله عليه وسلم بنفسه وبخيله، وسابق عائشة رضي الله عنها على قدميه فسبقها؛ فلما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقها فسبقته؛ فقال لها: «هذه بتلك».

قلت: وسابق سَلَمة بن الأكوع رجلاً لما رجعوا من ذي قَرَد إلى المدينة فسبقه سَلَمة؛ خرجه مسلم.

الثانية: وروى مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي قد أُضْمِرت (من الْحَفْيَاء) وكان أمدها ثَنِيَّة الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تُضمَّر من الثَّنِيَّة إلى مسجد بني زُرَيق، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها؛ وهذا الحديث مع صحته في هذا الباب تضمن ثلاثة شروط؛ فلا تجوز المسابقة بدونها، وهي: أن المسافة لا بد أن تكون معلومة. الثاني ـ أن تكون الخيل متساوية الأحوال. الثالث ـ ألا يسابق المضمَّر مع غير المضمَّر في أمد واحد وغاية واحدة. والخيل التي يجب أن تَضمَّر ويسابق عليها، وتقام هذه السنّة فيها هي الخيل المعدّة لجهاد العدوّ لا لقتال المسلمين في الفتن.

الثالثة: وأما المسابقة بالنّصال والإبل؛ فروى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزِلاً فمِنَّا من يصلِح خِباءه، ومنا من يَنْتِضل، وذكر الحديث. وخرّج النسائيّ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لا سَبَق إلا في نَصْل أو خُفّ أو حافر. وثبت ذكر النّصل من حديث ابن أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع عن أبي هريرة، ذكره النسائي؛ وبه يقول فقهاء الحجاز والعراق. وروى البخاريّ عن أنس قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة تسمى العَضْباء لا تُسبَق ـ قال حُمَيد: أو لا تكاد تُسَبق ـ فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه؛ فقال:حقّ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه».

الرابعة: أجمع المسلمون على أن السَّبَق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخفّ والحافر والنّصل؛ قال الشافعي: ما عدا هذه الثلاثة فالسَّبَق فيها قِمار. وقد زاد أبو البَخْتَرِيّ القاضي في حديث الخفّ والحافر والنّصل «أو جَناح» وهي لفظة وضعها للرشيد، فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من موضوعاته؛ فلا يكتب العلماء حديثه بحال. وقد رُوي عن مالك أنه قال: لا سَبَق إلا في الخيل والرمي، لأنه قوّة على أهل الحرب؛ قال: وسَبَق الخيل أحبّ إلينا من سَبَق الرمي. وظاهر الحديث يسوّي بين السّبق على النُّجُب والسَّبق على الخيل. وقد منع بعض العلماء الرّهان في كل شيء إلا في الخيل؛ لأنها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها. ورُوي عن عطاء أن المراهنة في كل شيء جائزة؛ وقد تُؤُوِّل قوله؛ لأن حمله على العموم (في كل شيء) يؤدّي إلى إجازة القمار، وهو محرّم باتفاق.

الخامسة: لا يجوز السَّبَق في الخيل والإبل إلا في غاية معلومة وأمد معلوم، كما ذكرنا، وكذلك الرمي لا يجوز السَّبَق فيه إلا بغاية معلومة ورَشْق معلوم، ونوع من الإصابة؛ مشترط خَسْقا أو إصابة بغير شرط. والأسباق ثلاثة: سَبَق يعطيه الوالي أو الرجل غير الوالي من ماله متطوّعاً فيجعل للسابق شيئاً معلوماً؛ فمن سبق أخذه. وسَبَق يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه، فإن سَبَقه صاحبه أخذه، وإن سَبَق هو صاحبه أخذه؛ وحسن أن يمضيه في الوجه الذي أخرجه له، ولا يرجع إلى ماله؛ وهذا مما لا خلاف فيه. والسَّبق الثالث ـ اختلف فيه؛ وهو أن يخرج كل واحد منهما شيئاً مثل ما يخرجه صاحبه، فأيهما سَبَق أحرز سبَقه وسبَق صاحبه؛ وهذا الوجه لا يجوز حتى يُدخِلا بينهما محلِّلاً لا يأمنا أن يسبقهما؛ فإن سبق المحلِّل أحرز السَّبَقين جميعاً وأخذهما وحده، وإن سبق أحد المتسابقين أحرز سبَقه وأخذ سبَق صاحبه، ولا شيء للمحلِّل فيه، ولا شيء عليه. وإن سبق الثاني منهما الثالث كان كمن لم يسبق واحد منهما. وقال أبو علي بن خيران ـ من أصحاب الشافعي ـ: وحكم الفرس المحلل أن يكون مجهولاً جريه؛ وسمي محلِّلاً لأنه يحّلل السّبَق للمتسابقين أوْلَهُ. وٱتفق العلماء على أنه إن لم يكن بينهما محلِّل واشترط كل واحد من المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبَقه وسبَق صاحبه أنه قمار، ولا يجوز. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يَسبق فليس بقِمار ومن أدخله وهو يأمن أن يَسبق فهو قِمار. وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال: ليس برِهان الخيل بأس إذا دخل فيها محلِّل، فإن سبق أخذ السبق، وإن سُبق لم يكن عليه شيء؛ وبهذا قال الشافعي وجمهور أهل العلم. وٱختلف في ذلك قول مالك؛ فقال مرة لا يجب المحلِّل في الخيل، ولا نأخذ فيه بقول سعيد، ثم قال: لا يجوز إلا بالمحلل؛ وهو الأجود من قوله.

السادسة: ولا يحمل على الخيل والإبل في المسابقة إلا محتلم، ولو ركبها أربابها كان أولى؛ وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا يركب الخيل في السباق إلا أربابها. وقال الشافعي: وأقل السَبق أن يسبق بالهادي أو بعضه، أو بالكَفَل أو بعضه. والسبق من الرماة على هذا النحو عنده؛ وقول محمد بن الحسن في هذا الباب نحو قول الشافعي.

السابعة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابق أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلَّى أبو بكر وثَلَّث عمر؛ ومعنى وصلّى أبو بكر: يعني أن رأس فرسه كان عند صَلاَ فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصَّلَوَان موضع العَجُز.

قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا} أي عند ثيابنا وأقمشتنا حارساً لها. {فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ} وذلك أنهم لما سمعوا أباهم يقول: «وأخاف أن يأكله الذئب» أخذوا ذلك من فيه فتحرّموا به؛ لأنه كان أظهر المخاوف عليه. {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} أي بمصدق. {وَلَوْ كُنَّا} أي وإن كنا؛ قاله المبرد وابن إسحق. {صَادِقِينَ} في قولنا؛ ولم يصدقهم يعقوب لمِا ظهر له منهم من قوّة التّهمة وكثرة الأدلة على خلاف ما قالوه على ما يأتي بيانه. وقيل: «ولو كنا صادِقِين» أي ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا، ولاتّهمتنا في هذه القضية، لشدة محبتك في يوسف؛ قال معناه الطبريّ والزجاج وغيرهما.

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ۝١٨

قوله تعالى: {وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}.

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {بِدَمٍ كَذِبٍ} قال مجاهد: كان دم سخلة أو جَدْي ذبحوه. وقال قتادة: كان دم ظبية؛ أي جاءوا على قميصه بدم مكذوب فيه، فوصف الدم بالمصدر، فصار تقديره: بدم ذي كذب؛ مثل: «وَٱسْأَلِ الْقَرْيَةَ» والفاعل والمفعول قد يسميان بالمصدر؛ يقال: هذا ضَرْبُ الأمير، أي مضروبه؛ وماء سَكْب أي مسكوب، وماء غَوْر أي غائر، ورجل عَدْل أي عادل.

وقرأ الحسن وعائشة: «بِدَمٍ كدِبٍ» بالدّال غير المعجمة، أي بدم طرِيّ؛ يقال للدّم الطريّ ٱلكدِبِ. وحكى أنه المتغير؛ قاله الشعبي. والكدب أيضاً البياض الذي يخرج في أظفار الأحداث؛ فيجوز أن يكون شبه الدّم في القميص بالبياض الذي يخرج في الظّفْر من جهة ٱختلاف اللوْنَيْن.

الثانية: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها، وهي سلامة القميص من التَّنْيِيبِ؛ إذ لا يمكن ٱفتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص من التخريق؛ ولما تأمل يعقوب عليه السلام القميص فلم يجد فيه خَرْقاً ولا أثراً ٱستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان هذا الذئب حكيماً يأكل يوسف ولا يخرق القميص! قاله ابن عباس وغيره؛ روى إسرائيل عن سِماك بن حرب عن عِكرمة عن ابن عباس قال: كان الدم دم سَخْلة. وروى سفيان عن سِماك عن عِكرمة عن ابن عباس قال: لما نظر إليه قال كذبتم؛ لو كان الذئب أكله لخرق القميص. وحكى الماورديّ أن في القميص ثلاث آيات: حين جاءوا عليه بدم كذب، وحين قُدّ قميصه من دبر، وحين ألْقيِ على وجه أبيه فارتدّ بصيراً.

قلت: وهذا مردود؛ فإن القميص الذي جاءوا عليه بالدم غير القميص الذي قدّ، وغير القميص الذي أتاه البشير به. وقد قيل: إن القميص الذي قدّ هو الذي أتى به فارتدّ بصيراً، على ما يأتي بيانه آخر السورة إن شاء الله تعالى. وروي أنهم قالوا له: بل اللصوص قتلوه؛ فاختلف قولهم، فاتهمهم، فقال لهم يعقوب: تزعمون أن الذئب أكله، ولو أكله لشق قميصه قبل أن يفضي إلى جلده، وما أرى بالقميص من شق؛ وتزعمون أن اللصوص قتلوه، ولو قتلوه لأخذوا قميصه؛ هل يريدون إلا ثيابه؟ فقالوا عند ذلك: «وما أنت بِمؤمِنٍ لنا ولو كنا صادِقِين» عن الحسن وغيره؛ أي لو كنا موصوفين بالصدق لاتهمتنا.

الثالثة: ٱستدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأَمَارات في مسائل من الفقه كالقَسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب عليه السلام ٱستدل على كذبهم بصحة القميص؛ وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة؛ ولا خلاف بالحكم بها، قاله ٱبن العربي.

قوله تعالى: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}.

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: روي أن يعقوب لما قالوا له: «فَأَكَلَهُ الذّئْبُ» قال لهم: ألم يترك الذئب له عضواً فتأتوني به ٱستأنس به؟ ألم يترك لي ثوباً أشم فيه رائحته؟ قالوا: بلىٰ هذا قميصه ملطوخ بدمه؛ فذلك قوله تعالى:

{ وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ }[يوسف: 18] فبكى يعقوب عند ذلك وقال لبنيه: أروني قميصه، فأروه فشمه وقبّله، ثم جعل يقلبه فلا يرى فيه شقاً ولا تمزيقاً، فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت كاليوم ذئباً أحكم منه؛ أكل ٱبني واختلسه من قميصه ولم يمزقه عليه؛ وعلم أن الأمر ليس كما قالوا، وأن الذئب لم يأكله، فأعرض عنهم كالمغضب باكياً حزيناً وقال: يا معشر ولدي! دلوني على ولدي؛ فإن كان حياً رددته إليّ، وإن كان ميتاً كفنته ودفنته، فقيل قالوا حينئذ: ألم تروا إلى أبينا كيف يكذبنا في مقالتنا تعالوا نخرجه من الجب ونقطعه عضواً عضوا، ونأت أبانا بأحد أعضائه فيصدقنا في مقالتنا ويقطع يأسه؛ فقال يهوذا: والله لئن فعلتم لأكوننّ لكم عدواً ما بقيت، ولأخبرنّ أباكم بسوء صنيعكم؛ قالوا: فإذا منعتنا من هذا فتعالوا نصطد له ذئباً، قال: فاصطادوا ذئباً ولطخوه بالدم، وأوثقوه بالحبال، ثم جاءوا به يعقوب وقالوا: يا أبانا إن هذا الذئب الذي يحل بأغنامنا ويفترسها، ولعله الذي أفجعنا بأخينا لا نشك فيه، وهذا دمه عليه؛ فقال يعقوب: أطلقوه؛ فأطلقوه، وتَبَصْبَصَ له الذئب، فأقبل يدنو (منه) ويعقوب يقول له: ٱدن ٱدن؛ حتى ألصق خدّه بخدّه فقال له يعقوب: أيها الذئب! لم فجعتني بولدي وأورثتني حزناً طويلاً؟ ثم قال اللهم أنطقه، فأنطقه الله تعالى فقال: والذي ٱصطفاك نبياً ما أكلت لحمه، ولا مزقت جلده، ولا نتفت شعرة من شعراته، ووالله! ما لي بولدك عهد، وإنما أنا ذئب غريب أقبلت من نواحي مصر في طلب أخ لي فقِد، فلا أدري أحي هو أم ميت، فاصطادني أولادك وأوثقوني، وإن لحوم الأنبياء حرمت علينا وعلى جميع الوحوش، وتالله! لا أقمت في بلاد يكذب فيها أولاد الأنبياء على الوحوش؛ فأطلقه يعقوب وقال: والله لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم؛ هذا ذئب بهيم خرج يتبع ذِمَام أخيه، وأنتم ضيعتم أخاكم، وقد علمت أن الذئب بريء مما جئتم به. {بَلْ سَوَّلَتْ} أي زينت. {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} غير ما تصفون وتذكرون. ثم قال توطئة لنفسه: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} وهي:

الثانية: قال الزجاج: أي فشأني والذي أعتقده صبر جميل. وقال قُطْرُب: أي فصبري صبر جميل. وقيل: أي فصبر جميل أولى بي؛ فهو مبتدأ وخبره محذوف. ويروى

أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر الجميل فقال: «هو الذي لا شكوى معه. وسيأتي له مزيد بيان آخر السورة إن شاء الله. قال أبو حاتم: قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف «فصبراً جميلاً» قال: وكذا قرأ الأشهب العُقَيْلي؛ قال وكذا في مصحف أنس وأبي صالح. قال المبرّد: «فصبر جميل» بالرفع أولى من النصب؛ لأن المعنى: قال رب عندي صبر جميل؛ قال: وإنما النصب على المصدر، أي فلأَصبرنّ صبراً جميلاً؛ قال:

شكا إليّ جَمَلي طُولَ السُّرَىصَبْراً جميلاً فكِلاَنَا مُبْتَلَى

والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى. وقيل: المعنى لا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس الجبين، بل أعاشركم على ما كنت عليه معكم؛ وفي هذا ما يدل على أنه عفا عن مؤاخذتهم. وعن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب كان قد سقط حاجباه على عينيه، فكان يرفعهما بخرقة؛ فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان؛ فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب؟ قال: يا رب! خطيئة أخطأتها فاغفر لي. {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ} ٱبتداء وخبر. {عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أي على احتمال ما تصفون من الكذب.

الثالثة: قال ابن أبي رفاعة: ينبغي لأهل الرأي أن يتهموا رأيهم عند ظن يعقوب صلى الله عليه وسلم وهو نبيّ؛ حين قال له بنوه:

{ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ }[يوسف: 17] قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} فأصاب هنا؛ ثم قالوا له: { إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ }[يوسف: 81] قال: «بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً» فلم يصب.

وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ قَالَ يَٰبُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝١٩

قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} أي رفقة مارّة يسيرون من الشام إلى مصر فأخطئوا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريباً من الجب، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران، إنما هو للرّعاة والمجتاز، وكان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقى فيه يوسف. {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} فذكر على المعنى؛ ولو قال: فأرسلت واردها لكان على اللفظ، مثل «وجاءت». والوارد الذي يرد الماء يستقي للقوم؛ وكان اسمه ـ فيما ذكر المفسرون ـ مالك بن دعر، من العرب العاربة. {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} أي أرسله؛ يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها ليملأها، ودَلاَها أي أخرجها: عن الأصمعي وغيره. ودلا ـ من ذات الواو ـ يدلو دلواً، أي جذب وأخرج، وكذلك أدلى إذا أرسل، فلما ثقل ردوه إلى الياء، لأنها أخف من الواو؛ قاله الكوفيون. وقال الخليل وسيبويه: لما جاوز ثلاثة أحرف رجع إلى الياء، اتباعاً للمستقبل. وجمع دَلْو في أقل العدد أَدْلٍ فإذا كثرت قلت: دُليّ ودلِيّ؛ فقلبت الواو ياء، إلا أن الجمع بابه التغيير، وليفرق بين الواحد والجمع؛ ودِلاء أيضا. فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا غلام كالقمر ليلة البدر، أحسن ما يكون من الغلمان. قال صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء من صحيح مسلم:

فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن. وقال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساعدين والعضدين، خميص البطن، صغير السرة، إذا ابتسم رأيت النور من ضواحكه، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع الشمس من ثناياه، لا يستطيع أحد وصفه؛ وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية. وقيل: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة؛ وكانت قد أعطيت سدس الحسن؛ فلما رآه مالك بن دعر قال: «يَا بُشْرَايَ هَذَا غُلاَمٌ» هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة؛ إلا ابن أبي إسحق فإنه قرأ «يَا بُشْرَيَّ هَذَا غُلاَمٌ» فقلب الألف ياء، لأن هذه الياء يكسر ما قبلها، فلما لم يجز كسر الألف كان قلبها عوضاً. وقرأ أهل الكوفة «يَا بُشْرى» غير مضاف؛ وفي معناه قولان: أحدهما: اسم الغلام، والثاني: معناه يا أيتها البشرى هذا حينك وأوانك. قال قتادة والسديّ: لما أدلى المدلي دلوه تعلق بها يوسف فقال: يا بشرى هذا غلام؛ قال قتادة: بشر أصحابه بأنه وجد عبدا. وقال السدي: نادى رجلاً اسمه بشرى قال النحاس: قول قتادة أولى؛ لأنه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلا يسيرا؛ وإنما يأتي بالكناية كما قال عز وجل: { وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ }[الفرقان: 27] وهو عقبة بن أبي معيط، وبعده { يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } [الفرقان: 28] وهو أمية بن خلف؛ قاله النحاس. والمعنى في نداء البشرى: التبشير لمن حضر؛ وهو أوكد من قولك تبشرت، كما تقول: يا عجباه! أي يا عجب هذا من أيامك ومن آياتك، فاحضر؛ وهذا مذهب سيبويه، وكذا قال السُّهيلي. وقيل: هو كما تقول: واسروراه وأن البشرى مصدر من الاستبشار: وهذا أصحّ؛ لأنه لو كان اسما علما لم يكن مضافاً إلى ضمير المتكلم؛ وعلى هذا يكون «بُشْرَايَ» في موضع نصب؛ لأنه نداء مضاف؛ ومعنى النداء هاهنا التنبيه، أي انتبهوا لفرحتي وسروري؛ وعلى قول السُّدّي يكون في موضع رفع كما تقول: يا زيد هذا غلام. ويجوز أن يكون محله نصبا كقولك: يا رجلاً، وقوله: { يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } [يس: 30] ولكنه لم ينون «بُشْرَى» لأنه لا ينصرف. {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} الهاء كناية عن يوسف عليه السلام؛ فأما الواو فكناية عن إخوته. وقيل: عن التجار الذين ٱشتروه، وقيل: عن الوارد وأصحابه. «بِضَاعَةً» نصب على الحال. قال مجاهد: أسرّه مالك بن دُعْر وأصحابه من التجار الذين معهم في الرفقة، وقالوا لهم: هو بضاعة ٱستبضعناها بعضُ أهل الشام أو أهل هذا الماء إلى مصر؛ وإنما قالوا هذا خيفة الشركة. وقال ٱبن عباس: أسرّه إخوة يوسف بضاعة لما ٱستخرج من الجبّ؛ وذلك أنهم جاءوا فقالوا: بئس ما صنعتم! هذا عبد لنا أَبِق، وقالوا ليوسف بالعبرانية: إما أن تُقرّ لنا بالعبودية فنبيعك من هؤلاء، وإما أن نأخذك فنقتلك؛ فقال: أنا أقرّ لكم بالعبودية، فأقرّ لهم فباعوه منهم. وقيل: إن يهوذا وصىّ أخاه يوسف بلسانهم أن ٱعترِف لإخوتك بالعبودية فإنى أخشى إن لم تفعل قتلوك؛ فلعل الله أن يجعل لك مخرجا، وتنجو من القتل، فكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته؛ فقال مالك: والله ما هذه سمة العبيد!، قالوا: هو تَربَّى في حجورنا، وتخلق بأخلاقنا، وتأدّب بآدابنا؛ فقال: ما تقول يا غلام؟ قال: صدقوا! تربيت في حجورهم، وتخلقت بأخلاقهم؛ فقال مالك: إن بعتموه مني ٱشتريته منكم؛ فباعوه منه؛ فذلك

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ۝٢٠

فيه ست مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ} يقال: شريت بمعنى ٱشتريت، وشريت بمعنى بعت لغة؛ قال الشاعر:

وشَريْتُ بُرْداً لَيْتَنِيمِن بَعْدِ بُرْدٍ كنتُ هَامَهُ

أي بعت. وقال آخر:

فلما شَرَاها فاضتِ العينُ عَبرةًوفي الصَّدرِ حُزَّازٌ من اللَّوْمِ حَامِزُ

{بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي نقص؛ وهو هنا مصدر وضع موضع الاسم؛ أي باعوه بثمن مبخوس، أي منقوص. ولم يكن قصد إخوته ما يستفيدونه من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما يستفيدونه من خلوّ وجه أبيهم عنه. وقيل: إن يهوذا رأى من بعيد أن يوسف أخرج من الجبّ فأخبر إخوته فجاؤوا وباعوه من الواردة. وقيل: لاٰ بل عادوا بعد ثلاث إلى البئر يتعرّفون الخبر، فرأوا أثر السيارة فاتبعوهم وقالوا: هذا عبدنا أبق منا فباعوه منهم. وقال قتادة: «بَخْسٍ» ظلم. وقال الضّحاك ومقاتل والسُّدي وابن عطاء: «بَخْسٍ» حرام. وقال ابن العربي: ولا وجه له، وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة؛ لأن إخوته إن كانوا باعوه فلم يكن قصدهم ما يستفيدونه من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما يستفيدون من خلوّ وجه أبيهم عنه؛ وإن كان الذين باعوه الواردة فإنهم أخفوه مقتطَعاً؛ أو قالوا لأصحابهم: أرسل معنا بضاعة فرأوا أنهم لم يُعطُوا عنه ثمناً وأنّ ما أخذوا فيه ربح كلّه.

قلت: قوله «وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة» يدلّ على أنهم لو أخذوا القيمة فيه كاملة كان ذلك جائزاً وليس كذلك؛ فدلّ على صحة ما قاله السُّديّ وغيره؛ لأنهم أوقعوا البيع على نفس لا يجوز بيعها، فلذلك كان لا يحلّ لهم ثمنه. وقال عِكرمة والشّعبي: قليلٍ. وقال ابن حيان: زَيْف. وعن ٱبن عباس وٱبن مسعود باعوه بعشرين درهماً أخذ كل واحد من إخوته درهمين، وكانوا عشرة؛ وقاله قتادة والسّديّ. وقال أبو العالية ومقاتل: اثنين وعشرين درهماً، وكانوا أحد عشر أخذ كل واحد درهمين؛ وقاله مجاهد. وقال عِكرمة: أربعين درهماً؛ وما روي عن الصحابة أولى. و «بخسٍ» من نعت «ثمنٍ». {دَرَاهِمَ} على البدل والتفسير له. ويقال: دراهيم على أنه جمع دِرهام، وقد يكون اسماً للجمع عند سيبويه، ويكون أيضاً عنده على أنه مدّ الكسرة فصارت ياء، وليس هذا مثل مدّ المقصور؛ لأن مدّ المقصور لا يجوز عند البصريين في شعر ولا غيره. وأنشد النحويون:

تَنْفِي يداها الحَصَى في كلِّ هاجِرةٍنَفْيَ الدّراهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ

{مَعْدُودَةٍ} نعت؛ وهذا يدل على أن الأثمان كانت تجري عندهم عدّاً لا وزناً بوزن. وقيل: هو عبارة عن قلة الثمن؛ لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها؛ وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما (كان) دون الأوقِية، وهي أربعون درهماً.

الثانية: قال القاضي ابن العربي: وأصل النقدين الوزن؛ قال صلى الله عليه وسلم:

لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا وزناً بوزن من زاد أو ازداد فقد أربى. والزنة لا فائدة فيها إلا المقدار؛ فأما عينها فلا منفعة فيه، ولكن جرى فيها العدّ تخفيفاً عن الخلق لكثرة المعاملة، فيشق الوزن؛ حتى لو ضرب مثاقيل أو دراهم لجاز بيع بعضها ببعض عدّاً إذا لم يكن بها نقصان ولا رجحان؛ فإن نقصت عاد الأمر إلى الوزن؛ ولأجل ذلك كان كسرها أو قرضها من الفساد في الأرض حسب ما تقدّم.

الثالثة: وٱختلف العلماء في الدراهم والدنانير هل تتعين أم لا؟ وقد ٱختلفت الرواية في ذلك عن مالك: فذهب أشهب إلى أن ذلك لا يتعين، وهو الظاهر من قول مالك؛ وبه قال أبو حنيفة. وذهب ٱبن القاسم إلى أنها تتعين، وحكي عن الكَرْخيّ؛ وبه قال الشافعي. وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا لا تتعيّن فإذا قال: بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم تعلقت الدنانير بذمة صاحبها، والدراهم بذمة صاحبها؛ ولو تعينت ثم تلفت لم يتعلق بذمتهما شيء، وبطل العقد كبيع الأعيان من العروض وغيرها.

الرابعة: رُوي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قضى في اللّقيط أنه حر، وقرأ: «وَشَرَوْهُ بِثَمنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ» وقد مضى القول فيه.

الخامسة: قوله تعالى: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} قيل: المراد إخوته. وقيل: السيارة. وقيل: الواردة؛ وعلى أي تقدير فلم يكن عندهم غبيطاً، لا عند الإخوة؛ لأن المقصد زواله عن أبيه لا ماله، ولا عند السيارة لقول الأخوة إنه عبد أَبِق منا ـ والزهد قلة الرغبة ـ ولا عند الواردة لأنهم خافوا ٱشتراك أصحابهم معهم، ورأوا أن القليل من ثمنه في الانفراد أولى.

السادسة: في هذه الآية دليل واضح على جواز شراء الشيء الخطير بالثمن اليسير، ويكون البيع لازماً؛ ولهذا قال مالك: لو باع درّة ذات خطر عظيم بدرهم ثم قال لم أعلم أنها درّة وحسبتها مَخْشَلَبَة لزمه البيع ولم يلتفت إلى قوله. وقيل: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} أي في حسنه؛ لأن الله تعالى وإن أعطى يوسف شَطْر الحسن صرف عنه دواعي نفوس القوم إليه إكراماً له. وقيل: «وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» لم يعلموا منزلته عند الله تعالى. وحكى سيبويه والكسائي: زَهِدت وزَهَدت بكسر الهاء وفتحها.

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢١

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} قيل: الاشتراء هنا بمعنى الاستبدال؛ إذ لم يكن ذلك عقداً، مثل:

{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ }[البقرة: 16]. وقيل: إنهم ظنوه في ظاهر الحال ٱشتراء، فجرى هذا اللفظ على ظاهر الظن. قال الضّحاك: هذا الذي ٱشتراه ملك مصر، ولقبه العزيز. السُّهيلي: وٱسمه قطفير. وقال ٱبن إسحق: إطفير بن رويحب ٱشتراه لامرأته راعيل؛ ذكره الماورديّ. وقيل: كان اسمها زَلِيخَاء. وكان الله ألقى محبة يوسف على قلب العزيز، فأوصى به أهله؛ ذكره القُشيريّ. وقد ذكر القولين في ٱسمها الثّعلبيّ وغيره. وقال ابن عباس: إنما اشتراه قطفير وزير ملك مصر، وهو الريان بن الوليد. وقيل: الوليد بن الريان، وهو رجل من العمالقة. وقيل: هو فرعون موسى؛ لقول موسى: { وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ }[غافر: 34] وأنه عاش أربعمائة سنة. وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، على ما يأتي في «غافر» بيانه. وكان هذا العزيز الذي ٱشترى يوسف على خزائن الملك؛ واشترى يوسف من مالك بن دُعْر بعشرين ديناراً، وزاده حلة ونعلين. وقيل: اشتراه من أهل الرّفقة. وقيل: تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف وزنه مِسْكاً وعنبراً وحريراً وورِقاً وذهباً ولآلىء وجواهر لا يعلم قيمتها إلا الله؛ فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن؛ قاله وهب بن منبّه. وقال وهب أيضاً وغيره: ولما ٱشترى مالك بن دُعْر يوسف من إخوته كتب بينهم وبينه كتاباً: هذا ما ٱشترى مالك بن دعر من بني يعقوب، وهم فلان وفلان مملوكاً لهم بعشرين درهماً، وقد شرطوا له أنه آبق، وأنه لا ينقلب به إلا مقيداً مسلسلاً، وأعطاهم على ذلك عهد الله. قال: فودّعهم يوسف عند ذلك، وجعل يقول: حفظكم الله وإن ضيعتموني، نصركم الله وإن خذلتموني، رحِمكم الله وإن لم ترحموني؛ قالوا: فألقت الأغنام ما في بطونها دماً عَبِيطاً لشدّة هذا التوديع، وحملوه على قتب بغير غطاء ولا وطاء، مقيداً مكبّلاً مسلسلاً، فمرّ على مقبرة آل كنعان فرأى قبر أمّه ـ وقد كان وكل به أسود يحرسه فغفل الأسود ـ فألقى يوسف نفسه على قبر أمّه فجعل يتمرّغ ويعتنق القبر ويضطرب ويقول: يا أماه! ٱرفعي رأسك تري ولدك مكبلاً مقيداً مسلسلاً مغلولاً؛ فرّقوا بيني وبين والدي، فاسألي الله أن يجمع بيننا في مستقرّ رحمته إنه أرحم الراحمين، فتفقده الأسود على البعير فلم يره، فقفا أثره، فإذا هو ببياض على قبر، فتأمله فإذا هو إياه، فركضه برجله في التراب ومرغه وضربه ضرباً وجيعاً؛ فقال له: لا تفعل! والله ما هربت ولا أبِقت وإنما مررت بقبر أمي فأحببت أن أودّعها، ولن أرجع إلى ما تكرهون؛ فقال الأسود: والله إنك لعبد سوء، تدعو أباك مرة وأمك أخرى! فهلا كان هذا عند مواليك؛ فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كانت لي عندك خطيئة أخلقت بها وجهي فأسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب أن تغفر لي وترحمني؛ فضجّت الملائكة في السماء، ونزل جبريل فقال له: يا يوسف! غُضّ صوتك فلقد أبكيت ملائكة السماء! أفتريد أن أقلب الأرض فأجعل عاليها سافلها؟ قال: تثبت يا جبريل، فإن الله حليم لا يعجل؛ فضرب الأرض بجناحه فأظلمت، وٱرتفع الغبار، وكسفت الشمس، وبقيت القافلة لا يعرف بعضها بعضاً؛ فقال رئيس القافلة: من أحدث منكم حدثاً؟ ـ فإني أسافر منذ كيت وكيت ما أصابني قطّ مثل هذا ـ فقال الأسود: أنا لطمت ذلك الغلام العبرانيّ فرفع يده إلى السماء وتكلم بكلام لا أعرفه، ولا أشك أنه دعا علينا؛ فقال له: ما أردت إلا هلاكناٰ ٱيتِنا به، فأتاه به، فقال له: يا غلام! لقد لطمك فجاءنا ما رأيت؛ فإن كنت تقتص فاقتص ممن شئت، وإن كنت تعفو فهو الظنّ بك؛ قال: قد عفوت رجاء أن يعفو الله عني؛ فانجلت الغبرة، وظهرت الشمس، وأضاء مشارق الأرض ومغاربها، وجعل التاجر يزوره بالغداة والعشي ويكرمه، حتى وصل إلى مصر فاغتسل في نيلها وأذهب الله عنه كآبة السفر، وردّ عليه جماله، ودخل به البلد نهاراً فسطع نوره على الجدران، وأوقفوه للبيع فاشتراه قطفير وزير الملك؛ قاله ٱبن عباس على ما تقدّم. وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن وٱتبع يوسف على دينه، ثم مات الملك ويوسف يومئذ على خزائن الأرض؛ فملك بعده قابوس وكان كافراً، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى. {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي منزله ومقامه بطيب المطعم واللباس الحسن؛ وهو مأخوذ من ثوى بالمكان أي أقام به؛ وقد تقدّم في «آل عمران» وغيره. {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} أي يكفينا بعض المهمات إذا بلغ. {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} قال ٱبن عباس: كان حَصُوراً لا يولد له، وكذا قال ابن إسحق: كان قطفير لا يأتي النساء ولا يولد له. فإن قيل: كيف قال «أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا» وهو ملكه، والوَلدَية مع العبدية تتناقض؟ قيل له: يعتقه ثم يتخذه ولداً بالتّبنّي؛ وكان التّبني في الأمم معلوماً عندهم، وكذلك كان في أوّل الإسلام، على ما يأتي بيانه في «الأحزاب» إن شاء الله تعالى. وقال عبد الله بن مسعود: أحسن الناس فراسة ثلاثة؛ العزيز حين تفرّس في يوسف فقال: {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}، وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى { ٱسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ }[القصص: 26]، وأبو بكر حين ٱستخلف عمر. قال ٱبن العربي: عجباً للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبرٰ والفراسة هي علم غريب على ما يأتي بيانه في سورة «الحجر» وليس كذلك فيما نقلوه؛ لأن الصدّيق إنما ولّى عمر بالتجربة في الأعمال، والمواظبة على الصحبة وطولها، والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمنّة، وليس ذلك من طريق الفراسة؛ وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة على ما يأتي بيانه في «القَصَص»، وأما أمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة؛ لأنه لم يكن معه علامة ظاهرة. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} الكاف في موضع نصب؛ أي وكما أنقذناه من إخوته ومن الجبّ فكذلك مكنا له؛ أي عطفنا عليه قلب الملك الذي ٱشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد الذي الملِك مستول عليه. {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي فعلنا ذلك تصديقاً لقول يعقوب:

{ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }[يوسف: 6]. وقيل: المعنى مكناه لنوحي إليه بكلام منا، ونعلمه تأويله وتفسيره، وتأويل الرؤيا، وتم الكلام. {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} الهاء راجعة إلى الله تعالى؛ أي لا يغلب الله شيء، بل هو الغالب على أمر نفسه فيما يريده أن يقول له: كُنْ فَيَكُونُ. وقيل: ترجع إلى يوسف؛ أي الله غالب على أمر يوسف يدبّره ويحوطه ولا يكِله إلى غيره، حتى لا يصل إليه كيْدُ كائد. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يطلعون على غيبهِ. وقيل: المراد بالأكثر الجميع؛ لأن أحداً لا يعلم الغيب. وقيل: هو مجرى على ظاهره؛ إذ قد يُطلِع من يريد على بعض غيبه. وقيل: المعنى «وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ» أن الله غالب على أمره، وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقَدَر. وقالت الحكماء في هذه الآية: {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} حيث أمره يعقوب ألاّ يقصّ رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتى قَصّ، ثم أراد إخوته قتله فغلب أمر الله حتى صار ملِكاً وسجدوا بين يديه، ثم أراد الإخوة أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمر الله حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، وٱفتكره بعد سبعين سنة أو ثمانين سنة، فقال: { يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ }[يوسف: 84] ثم تدبّروا أن يكونوا من بعده قوماً صالحين، أي تائبين فغلب أمر الله حتى نسوا الذنب وأصروّا عليه حتى أقرّوا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد سبعين سنة، وقالوا لأبيهم: «إنَّا كُنَّا خَاطِئِين» ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص (فغلب أمر الله) فلم ينخدع، وقال: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» ثم ٱحتالوا في أن تزول محبته من قلب أبيهم فغلب أمر الله فازدادت المحبة والشوق في قلبه، ثم دَبَّرت ٱمرأة العزيز أنها إن ٱبتدرتْه بالكلام غلبته، فغلب أمر الله حتى قال العزيز: { وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِين }[يوسف: 29]، ثم دَبَّر يوسف أن يتخلّص من السجن بذكر الساقي فغلب أمر الله فنسي الساقي، ولبِث يوسف في السجن بِضع سنين.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ