انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير القرطبيالآيات 89–110

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير القرطبي.

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ ۝٨٩ قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِى قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٩٠ قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ۝٩١ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝٩٢ ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ۝٩٣

قوله تعالى: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} ٱستفهام بمعنى التذكير والتوبيخ، وهو الذي قال الله:

{ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا }[يوسف: 15] الآية. {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} دليل على أنهم كانوا صغاراً في وقت أخذهم ليوسف، غير أنبياء؛ لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه صفته؛ ويدلّ على أنه حسنت حالهم الآن؛ أي فعلتم ذلك إذ أنتم صغار جهال؛ قال معناه ابن عباس والحسن؛ ويكون قولهم: «وَإنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ» على هذا، لأنهم كبروا ولم يخبروا أباهم بما فعلوا حياء وخوفاً منه. وقيل: جاهلون بما تؤول إليه العاقبة. والله أعلم.

قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} لما دخلوا عليهِ فقالوا: «مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» فخضعوا له وتواضعوا رق لهم، وعرفهم بنفسه، فقال: «هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ» فتنبهوا فقالوا: «أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ» قاله ابن إسحق. وقيل: إن يوسف تبسّم فشبهوه بيوسف وٱستفهموا. قال ابن عباس لما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} الآية، ثم تبسم يوسف ـ وكان إذا تبسم كأنّ ثناياه اللؤلؤ المنظوم ـ فشبهوه بيوسف، فقالوا له على جهة الاستفهام: «أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ». وعن ابن عباس أيضاً: أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها شِبْه الشامة، فلما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} رفع التاج عنه فعرفوه، فقالوا: «أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ». وقال ابن عباس: كتب يعقوب إليه يطلب ردّ ابنه، وفي الكتاب: من يعقوب صفيّ الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر ـ أما بعد ـ فإنّا أهل بيت بلاء ومِحَن، ابتلى الله جدّي إبراهيم بنمروذ وناره، ثم ابتلى أبي إسحق بالذبح، ثم ٱبتلاني بولد كان لي أحبّ أولادي إليّ حتى كُفَّ بصري من البكاء، وإني لم أسرق ولم ألِدْ سارقاً والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب ٱرتعدت مفاصله، واقشعرّ جلده، وأرخى عينيه بالبكاء، وعِيلَ صبره فباح بالسرّ. وقرأ ابن كثِير «إنَّكَ» على الخبر، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاماً كقوله:

{ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ }[الشعراء: 26]. {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ} أي أنا المظلوم والمراد قتله، ولم يقل أنا هو تعظيماً للقصة. {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} أي بالنجاة والملك. {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ} أي يتق الله ويصبر على المصائب وعن المعاصي. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي الصابرين في بلائه، القائمين بطاعته. وقرأ ٱبن كثِير: «إنَّهُ مَنْ يَتَّقيِ» بإثبات الياء؛ والقراءة بها جائزة على أن تجعل «مَنْ» بمعنى الذي، وتدخل «يَتَّقيِ» في الصلة، فتثبت الياء لا غير، وترفع «ويصبر». وقد يجوز أن تجزم «ويصبر» على أن تجعل «يتقي» في موضع جزم و «من» للشرط، وتثبت الياء، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في الياء على الأصل؛ كما قال:

ثم نادِي إذا دَخلتَ دِمَشْقاًيا يزيدُ بنَ خالدِ بنِ يزيد

وقال آخر:

ألم يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِيبما لاَقَتْ لَبُونُ بنيِ زيادِ

وقراءة الجماعة ظاهرة، والهاء في «إنَّهُ» كناية عن الحديث، والجملة الخبر.

قوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} الأصل همزتان خفّفت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، وٱسم الفاعل مُؤثِر، والمصدر إيثار. ويقال: أثَرْتُ التراب إثارةً فأنا مُثير؛ وهو أيضاً على أَفْعَل ثم أُعِلَّ، والأصل أَثْيَر نقلت حركة الياء على الثاء، فانقلبت الياء ألفاً، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. وأَثَرْتُ الحديث على فَعَلْتُ فأنا آثِرٌ؛ والمعنى: لقد فضّلك الله علينا، وٱختارك بالعلم والحلم والحكم والعقل والملك. {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أي مذنبين من خَطِىء يَخْطَأ إذا أتى الخطيئة، وفي ضمن هذا سؤال العفو. وقيل لابن عباس: كيف قالوا «وَإنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ» وقد تعمدوا لذلك؟ قال: وإن تعمّدوا لذلك، فما تعمدوا حتى أخطؤوا الحق، وكذلك كل من أتى ذنباً تَخطّى المنهاج الذي عليه من الحق، حتى يقع في الشبهة والمعصية.

قوله تعالى: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} أي قال يوسف ـ وكان حليماً موفَّقاً ـ: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» وتمّ الكلام. ومعنى «اليوم»: الوقت. والتثريب التَّعيير والتوبيخ، أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم؛ قاله سفيان الثوري وغيره؛ ومنه قوله عليه السلام:

إذا زنت أمة أحدكم فليجلِدها الحدّ ولا يُثَرِّب عليهاأي لا يعيرها؛ وقال بشر:

فعَفَوتُ عنهم عَفْوَ غَيرِ مُثَرِّبٍوتركتهم لعقابِ يومٍ سَرْمَدِ

وقال الأَصمعي: ثَرَّبْتُ عليه وعَرَّبْتُ عليه بمعنى إذا قبحتَ عليه فعله. وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحقّ الإخوة، ولكم عندي العفو والصفح؛ وأصل التثريب الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز. وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بُعضادَتَي الباب يوم فتح مكة، وقد لاَذَ الناسُ بالبيت فقال: «الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم قال: «ماذا تظنون يا معشر قريش» قالوا: خيراً، أخ كريم، وٱبن أخ كريم وقد قَدَرت؛ قال: «وأنا أقول كما قال أخي يوسف «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ فقال عمر رضي الله عنه: ففِضتُ عَرقاً من الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم ونفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ٱستحييت من قولي. {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ} مستقبل فيه معنى الدعاء؛ سأل الله أن يستر عليهم ويرحمهم. وأجاز الأخفش الوقف على «عَلَيْكُمُ» والأوّل هو المستعمل؛ فإن في الوقف على «عليكم» والابتداء بـ «ـالْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» جَزْم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بيّن. وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ؛ ألم تر قول يوسف: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» وقال يعقوب: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي».

قوله تعالى: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا} نعت للقميص، والقميص مذكر، فأما قول الشاعر:

تَدْعو هَوَازِنُ والقميصُ مُفَاضَةٌفوق النِّطاقِ تُشَدُّ بالأزرارِ

فتقديره: (والقميص) دِرْع مُفاضةٌ. قاله النحاس. وقال ابن السدّي عن أبيه عن مجاهد: قال لهم يوسف: «ٱذْهَبُوا بِقَمِيِصي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبيِ يَأْتِ بَصِيراً» قال: كان يوسف أعلم بالله من أن يعلم أن قميصه يَرُدّ على يعقوب بصره، ولكن ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله في النار من حرير الجنة، وكان كساه إسحق، وكان إسحق كساه يعقوب، وكان يعقوب أدرج ذلك القميص في قَصَبة من فضة وعلّقه في عُنق يوسف، لِمَا كان يخاف عليه من العين، وأخبره جبريل بأن أرسل قميصك فإن فيه ريح الجنة، و (إن) ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مُبتلًى إلا عُوفي. وقال الحسن: لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره، وكان الذي حمل قميصه يهوذا، قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته، وأنا الذي أحمله الآن لأسرّه، وليعود إليه بصره، فحمله؛ حكاه السدّي. {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} لتتخذوا مصر داراً. قال مسروق: فكانوا ثلاثة وتسعين، ما بين رجل وٱمرأة. وقد قيل: إن القميص الذي بعثه هو القميص الذي قدّ من دُبره، ليعلم يعقوب أنه عُصِم من الزنى؛ والقول الأوّل أصح، وقد روي مرفوعاً من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره القُشَيريّ والله أعلم.

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ۝٩٤ قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ ۝٩٥ فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٩٦ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ۝٩٧ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٩٨ فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ۝٩٩

قوله تعالى: {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} أي خرجت منطلقة من مصر إلى الشام، يقال: فَصَلَ فُصُولاً، وفَصَلْته فَصْلاً، فهو لازم ومتعد. {قَالَ أَبُوهُمْ} أي قال لمن حضر من قرابته ممن لم يخرج إلى مصر وهم ولد ولده: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}. وقد يحتمل أن يكون خرج بعض بنيه، فقال لمن بقي: «إنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ». قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إليه، وبينهما مسيرة ثمان ليال. وقال الحسن: مسيرة عشر ليال؛ وعنه أيضاً مَسيرة شهر. وقال مالك (بن أنس) رضي الله عنه: إنما أوصل ريحه من أوصل عرش بلقيس قبل أن يرتدّ إلى سليمان عليه السلام طرفه. وقال مجاهد: هبّت ريح فصَفَقَت القميصَ فراحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فعند ذلك قال: «إنِّي لأَجِدُ» أي أشم؛ فهو وجود بحاسة الشم. {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} قال ابن عباس ومجاهد: لولا أن تُسفّهون؛ ومنه قول النابغة:

إلاَّ سُليمان إذ قال المليكُ لَهُقُمْ في البرِيَّة فٱحْدُدْها عنِ الفَنَدِ

أي عن السَّفَه. وقال سعيد بن جُبير والضحاك: لولا أن تكذِّبون. والفَنَد الكذب. وقد أَفْنَد إفْنَاداً كَذَب؛ ومنه قول الشاعر:

هل في ٱفتخار الكريم من أَوَدِأَمْ هل لقول الصَّدُوقِ من فَنَدِ

أي من كذب. وقيل: لولا أن تُقبِّحون؛ قاله أبو عمرو؛ والتّفنيد التقبيح، قال الشاعر:

يا صاحبيّ دعا لوميِ وتَفْنيدِيفليس ما فاتَ مِن أمرِي بمردودِ

وقال ٱبن الأعرابي: «لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ» لولا أن تُضعِّفوا رأيي؛ وقاله ابن إسحق. والفند ضعف الرأي من كِبر. وقول رابع: تُضلِّلون، قاله أبو عبيدة. وقال الأخفش: تلوموني؛ والتفنيد اللوم وتضعيف الرأي. وقال الحسن وقَتَادة ومجاهد أيضاً: تُهرِّمون؛ وكله متقارب المعنى، وهو راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي؛ يقال: فَنَّده تفنيداً إذا أعجزه، كما قال:

أهلكنـي باللـوم والتفنِيـد

ويقال: أفند إذا تكلم بالخطأ؛ والفند الخطأ في الكلام والرأي، كما قال النابغة:

... فٱحـددهـا عـن الفَنَـدِ

أي ٱمنعها عن الفساد في العقل، ومن ذلك قيل: اللوم تفنيد؛ قال الشاعر:

يا عاذليّ دَعَا الْمَلاَمَ وأَقْصِرَاطالَ الهَوَى وأطلتما التَّفْنِيدا

ويقال: أَفْنَد فلاناً الدهرُ إذا أفسده؛ ومنه قول ابن مُقْبِل:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ ما أَرادَ فإنَّهُإذا كُلِّف الإفنادَ بالناسِ أَفْنَدَا

قوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} أي لفي ذهاب عن طريق الصواب. وقال ابن عباس وابن زيد: لفي خطئِك الماضي من حبّ يوسف لا تنساه. وقال سعيد بن جُبير: لفي جنونك القديم. قال الحسن: وهذا عقوق. وقال قَتَادة وسفيان: لفي محبتك القديمة. وقيل: إنما قالوا هذا؛ لأن يوسف عندهم كان قد مات. وقيل: إن الذي قال له ذلك من بقي معه من ولده ولم يكن عندهم الخبر. وقيل: قال له ذلك من كان معه من أهله وقرابته. وقيل: بنو بنيه وكانوا صغاراً؛ فالله أعلم.

قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ} أي على عينيه. {فَٱرْتَدَّ بَصِيراً} «أَنْ» زائدة، والبشير قيل هو شمعون. وقيل: يهوذا قال: أنا أذهب بالقميص اليوم كما ذهبت به مُلَطَّخاً بالدّم؛ قاله ابن عباس. وعن السدّي أنه قال لإخوته: قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص التَّرْحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفَرْحة. وقال يحيـى بن يمان عن سفيان: لما جاء البشير إلى يعقوب قال له: على أيّ دِينٍ تركت يوسف؟ قال: على الإسلام؛ قال: الآن تمت النعمة؛ وقال الحسن: لما ورد البشير على يعقوب لم يجد عنده شيئاً يُثِيبه به؛ فقال: والله ما أصبتُ عندنا شيئاً، وما خبزنا شيئاً منذ سبع ليال، ولكن هوّن الله عليك سكراتِ الموت.

قلت: وهذا الدعاء من أعظم ما يكون من الجوائز، وأفضل العطايا والذخائر. ودلّت هذه الآية على جواز البذل والهِبات عند البشائر. وفي الباب حديث كعب بن مالك ـ الطويل ـ وفيه: «فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشّرني نزعت ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته» وذكر الحديث، وقد تقدّم بكماله في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، وكسوة كعب ثوبيه للبشير مع كونه ليس له غيرهما دليل على جواز مثل ذلك إذا ٱرتجى حصول ما يستبشر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بعد زوال الغمّ والتّرَح. ومن هذا الباب جواز حِذَاقة الصبيان، وإطعام الطعام فيها، وقد نحر عمر بعد (حفظه) سورة «البقرة» جَزُوراً. والله أعلم.

قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ذَكَّرهم قوله: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } في الكلام حذف، التقدير: فلما رجعوا من مصر قالوا يا أبانا؛ وهذا يدلّ على أن الذي قال له: «تَاللَّهِ إنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ» بنو بنيه أو غيرهم من قرابته وأهله لا ولده؛ فإنهم كانوا غُيّبًا، وكان يكون ذلك زيادة في العقوق. والله أعلم. وإنما سألوه المغفرة، لأنهم أدخلوا عليه من ألم الحزن ما لم يسقط المأثم عنه إلا بإحلاله.

قلت: وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلماً في نفسه أو ماله أو غير ذلك ظالماً له؛ فإنه يجب عليه أن يَتَحَلَّل له ويخبره بالمَظْلِمة وقدرها؛ وهل ينفعه التّحليل المطلق أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينفع؛ فإنه لو أخبره بمظلِمة لها قَدْرٌ وبَالٌ ربما لم تَطب نفس المظلوم في التَّحلُّل منها. والله أعلم. وفي صحيح البخاريّ وغيره عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من كانت له مَظْلِمَة لأخيه من عِرْضه أو شيءٌ فلْيحلّله منه اليوم قبل ألا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهمٌ إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مَظلِمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فُحمِل عليهقال المهلَّب فقوله صلى الله عليه وسلم: «أُخذ منه بقدر مَظْلِمته» يجب أن تكون المظلمة معلومة القدر مشاراً إليها مبيّنة، والله أعلم.

قوله تعالى: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} قال ابن عباس: أَخَّر دعاءه إلى السَّحَر. وقال المُثَنَّى بن الصَّبَّاح عن طاوس قال: سَحَر ليلة الجمعة، ووافق ذلك ليلة عاشوراء. وفي دعاء الحِفِط ـ من كتاب الترمذيّ ـ

عن ابن عباس أنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فقال: ـ بأبي أنت وأمِّي ـ تَفَلَّتَ هذا القرآنُ من صدرِي، فما أجدني أقدر عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمك كلماتٍ يَنفعْكَ اللَّهُ بهنّ ويَنفعْ بهنّ من عَلَّمته ويُثبِّت ما تعلمتَ في صدرك قال: أجل يا رسول الله! فَعلَّمني؛ قال: إذا كان ليلة الجمعة فإن ٱستطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخرِ فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب وقد قال أخي يعقوب لبنيه «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» يقول حتى تأتي ليلة الجمعةوذكر الحديث. وقال أيوب بن أبي تميمة السَّخْتِيَاني عن سعيد بن جُبير قال: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» في الليالي البيض، في الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة فإن الدعاء فيها مستجاب. وعن عامر الشّعبي قال: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» أي أسأل يوسف إن عفا عنكم ٱستغفرت لكم ربي؛ وذكر سُنَيد بن داود قال: حدّثنا هشيم قال حدّثنا عبد الرحمن بن إسحق عن محارب بن دِثَار عن عَمّه قال: كنت آتي المسجد في السَّحر فأمرُّ بدار ٱبن مسعود فأسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني فأطعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سَحَرٌ فٱغفر لي، فلقيت ٱبن مسعود فقلت: كلمات أسمعك تقولهنّ في السحر؟ فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السَّحَر بقوله: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي».

قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ} أي قَصْراً كان له هناك. {آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} قيل: إن يوسف بعث مع البشير مائتي راحلة وجهازاً، وسأل يعقوب أن يأتيه بأهله وولده جميعاً؛ فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه، أي ضمّ؛ ويعني بأبويه أباه وخالته، وكانت أمّه قد ماتت في ولادة أخيه بنيامين. وقيل: أحيا الله (له) أمّه تحقيقاً للرؤيا حتى سجدت له، قاله الحسن؛ وقد تقدّم في «البقرة» أن الله تعالى أحيا لنبيه عليه السلام أباه وأمه فآمنا به.

قوله تعالى: {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} قال ٱبن جريج: أي سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله؛ قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره؛ قال النحاس: يذهب ٱبن جُرَيج إلى أنهم قد دخلوا مصر فكيف يقول: «ٱدْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ». وقيل: إنما قال: «إنْ شَاءَ اللَّهُ» تَبَرُّكاً وجَزْماً. «آمنين» من القَحْط، أو من فرعون؛ وكانوا لا يدخلونها إلا بجوازه.

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ۝١٠٠

قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قال قَتَادة: يريد السَّرير، وقد تقدّمت محامله؛ وقد يُعبر بالعرش عن المُلْك والمَلِك نفسه؛ ومنه قول النابغة الذِّبْيَانيّ:

عُـروشٌ تَفانَـوْا بعـد عِـزٍّ وأَمْنـةٍ

وقد تقدّم.

قوله تعالى: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً}.

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} الهاء في «خَرُّوا لَهُ» قيل: إنها تعود على الله تعالى؛ المعنى: وخرّوا شكراً لله سجداً؛ ويوسف كالقِبْلة لتحقيق رؤياه، وروي عن الحسن؛ قال النَّقاش: وهذا خطأ؛ والهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أوّل السورة: «رَأَيْتُهُمْ ليِ سَاجِدِينَ». وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير؛ سجد يعقوب وخالته وإخوته ليوسف عليه السلام، فاقشعرّ جلده وقال: «هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ» وكان بين رؤيا يوسف وبين تأويلها ٱثنتان وعشرون سنة. وقال سلمان الفارسيّ وعبد الله بن شَدّاد: أربعون سنة؛ قال عبد الله بن شَدّاد: وذلك آخر ما تبطىء الرؤيا. وقال قَتَادة: خمس وثلاثون سنة. وقال السدّي وسعيد بن جُبير وعِكرمة: ست وثلاثون سنة. وقال الحسن وجِسْر بن فَرْقَد وفُضَيل بن عِيَاض: ثمانون سنة. وقال وهب بن مُنَبِّه: أُلقي يوسف في الجُبِّ وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد أن التقى بأبيه ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ٱبن مائة وعشرين سنة. وفي التوراة مائة وست وعشرون سنة. وولد ليوسف من ٱمرأة العزيز إفراثيم ومنشا ورحمة ٱمرأة أيوب. وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة. وقيل: إن يعقوب بقي عند يوسف عشرين سنة، ثم توفي صلى الله عليه وسلم. وقيل: أقام عنده ثماني عشرة سنة. وقال بعض المحدّثين: بضعاً وأربعين سنة؛ وكان بين يعقوب ويوسف ثلاث وثلاثون سنة حتى جمعهم الله. وقال ابن إسحق: ثماني عشرة سنة، والله أعلم.

الثانية: قال سعيد بن جُبير عن قَتَادة عن الحسن ـ في قوله: «وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً» ـ قال: لم يكن سجوداً، لكنه سنة كانت فيهم، يُومِئون برؤوسهم إيماء، كذلك كانت تحيتهم. وقال الثّوري والضحّاك وغيرهما: كان سجوداً كالسجود المعهود عندنا، وهو كان تحيتهم. وقيل: كان ٱنحناء كالركوع، ولم يكن خروراً على الأرض، وهكذا كان سلامهم بالتَّكفِّي والانحناء، وقد نسخ الله ذلك كله في شرعنا، وجعل الكلام بدلاً عن الانحناء. وأجمع المفسِّرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة؛ قال قَتَادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم؛ وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة.

قلت: هذا الانحناء والتَّكفِّي الذي نُسخ عنا قد صار عادة بالديار المصرية، وعند العجم، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض؛ حتى أن أحدهم إذا لم يقم له وجد في نفسه كأنه لا يؤُبه به، وأنه لا قدر له؛ وكذلك إذا ٱلتقوا ٱنحنى بعضهم لبعض، عادة مستمرة، ووراثة مستقرة لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء. نَكَبوا عن السُّنَنِ، وأعرضوا عن السَّنَن.

وروى أنس بن مالك قال: قلنا يا رسول! أينحني بعضنا إلى بعض إذا ٱلتقينا؟ قال: «لا»؛ قلنا: أفيعتَنِق بعضنا بعضاً؟ قال «لا». قلنا: أفيصافح بعضنا بعضاً؟ قال «نعم». خرّجه أبو عمر في «التمهيد» فإن قيل: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:قوموا إلى سيّدكم وخَيْرِكم ـ يعني سعد بن معاذ ـ قلنا: ذلك مخصوص بسعد لما تقتضيه الحال المعيّنة؛ وقد قيل: إنما كان قيامهم لينزلوه عن الحمار؛ وأيضاً فإنه يجوز للرجل الكبير إذا لم يؤثِّر ذلك في نفسه، فإن أثّر فيه وأعجب به ورأى لنفسه حظاً لم يجز عَوْنه على ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:من سره أن يتمثَّل له الناس قياماً فليتبوّأ مقعده من النار. وجاء عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنه لم يكن وجهٌ أكرمَ عليهم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كانوا يقومون له إذا رأوه، لما يعرفون من كراهته لذلك.

الثالثة: فإن قيل: فما تقول في الإشارة بالإصبع؟ قيل له: ذلك جائز إذا بَعد عنك، لتعيّن له به وقت السلام، فإن كان دانياً فلا؛ وقد قيل بالمنع في القرب والبعد؛ لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

من تَشبَّه بغيرنا فليس منا. وقال:لا تُسلِّموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالأكُفّ والنّصارى بالإشارة». وإذا سَلَّم فإنه لا يَنحني، ولا أن يُقبِّل مع السّلام يده، ولأن الانحناء على معنى التواضع لا ينبغي إلا لله. وأما تقبيل اليد فإنه من فعل الأعاجم، ولا يتبعون على أفعالهم التي أحدثوها تعظيماً منهم لكبرائهم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم عند رؤوس أكاسرتها فهذا مثله. ولا بأس بالمصافحة؛ فقد صافح النبي صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة، وأمر بها، وندب إليها، وقال:تصافحوا يذهب الغِلّوروى غالب التَّمَّار عن الشّعبيّ أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا التقوا تَصافحوا، وإذا قدموا من سفر تَعانقوا؛ فإن قيل: فقد كره مالك المصافحة؟ قلنا: روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة، وذهب إلى هذا سُحْنون وغيره من أصحابنا؛ وقد روي عن مالك خلاف ذلك من جواز المصافحة، وهو الذي يدلّ عليه معنى ما في الموطأ؛ وعلى جواز المصافحة جماعة العلماء من السلف والخلف. قال ابن العربي: إنما كره مالك المصافحة لأنه لم يرها أمراً عاماً في الدِّين، ولا منقولاً نقل السلام؛ ولو كانت منه لاستوى معه.

قلت: قد جاء في المصافحة حديث يدلّ على الترغيب فيها، والدّأب عليها والمحافظة؛ وهو ما رواه

البَرَاء بن عازب قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فقلت: يا رسول الله! أن كنت لأحسب أن المصافحة للأعاجم؟ فقال: نحن أحق بالمصافحة منهم ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودةً بينهما ونصيحةً إلا أُلقيت ذنوبُهما بينهما.

قوله تعالى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} ولم يقل من الجُبّ ٱستعمالاً للكرم؛ لئلا يُذكِّر إخوته صنيعهم بعد عفوه (عنهم) بقوله: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ».

قلت: وهذا هو الأصل عند مشايخ الصوفية: ذِكْرُ الجَفَا في وقت الصَّفَا جَفَا؛ وهو قول صحيح دَلَّ عليه الكتاب. وقيل: لأن في دخوله السجن كان باختياره بقوله: «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا يَدْعُونَنيِ إلَيْهِ» وكان في الجبّ بإرادة الله تعالى له. وقيل: لأنه كان في السجن مع اللصوص والعُصَاة، وفي الجبّ مع الله تعالى؛ وأيضاً فإن المِنّة في النّجاة من السّجن كانت أكبر، لأنه دخله بسبب أَمْرٍ هَمَّ به؛ وأيضاً دخله باختياره إذ قال: «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ» فكان الكَرْب فيه أكثر؛ وقال فيه أيضاً: «ٱذْكُرْنيِ عِنْدَ رَبِّكَ» فعوقب فيه. {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} يروى أن مسكن يعقوب كان بأرض كنعان، وكانوا أهل مواشٍ وبَرية؛ وقيل: كان يعقوب تحوّل إلى بادية وسَكَنها، وأن الله لم يبعث نبياً من أهل البادية. وقيل: إنه كان خرج إلى بَدَا، وهو موضع؛ وإياه عنى جَمِيل بقوله:

وأنتِ التي حَبَّبْتِ شَغْباً إلى بَدَا إليّ وأوطانيِ بلادٌ سِواهُمَا

وليعقوب بهذا الموضع مسجد تحت جبل. يقال: بَدَا القومُ بَدْواً إذا أَتَوا بَدَا، كما يقال: غَاروا غَوْراً أي أَتَوا الْغَوْر؛ والمعنى: وجاء بكم من مكان بَدَا؛ ذكره القشيريّ، وحكاه الماوَرْديّ عن الضحّاك عن ابن عباس. {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} بإيقاع الحسد؛ قاله ابن عباس. وقيل: أفسد ما بيني وبين إخوتي؛ أحال ذنبهم على الشيطان تكرماً منه. {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ} أي رفيق بعباده. وقال الخَطَّابيّ: اللطيف هو البَرّ بعباده الذي يَلطُف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبّب لهم مصالحهم من حيث لا يَحتسبون؛ كقوله: { ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ }[الشورى: 19]. وقيل: اللطيف العالم بدقائق الأمور؛ والمراد هنا الإكرام والرفق. قال قَتادة، لطف بيوسف بإخراجه من السجن، وجاءه بأهله من البدو، ونزع عن قلبه نزغ الشيطان. ويروى أن يعقوب لما قدم بأهله وولده وشَارَفَ أرض مصر وبلغ ذلك يوسف ٱستأذن فرعون ـ وٱسمه الريان ـ أن يأذن له في تَلقِّي أبيه يعقوب، وأخبره بقدومه فأذن له، وأمر الملا من أصحابه بالركوب معه؛ فخرج يوسف والملك معه في أربعة آلاف من الأمراء مع كل أمير خَلْقٌ الله أعلم بهم؛ وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب، فكان يعقوب يمشي متكئاً على يد يهوذا؛ فنظر يعقوب إلى الخيل والناس والعساكر فقال: يا يهوذا! هذا فرعون مصر؟ قال: لا، بل هذا ابنك يوسف؛ فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمُنع من ذلك، وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل؛ فابتدأ يعقوب بالسلام فقال: السلام عليك يا مُذْهِب الأحزان، وبكى وبكى معه يوسف؛ فبكى يعقوب فرحاً، وبكى يوسف لِما رأى بأبيه من الحزن؛ قال ٱبن عباس: فالبكاء أربعة، بكاءٌ من الخوف، وبكاءٌ من الجزع، وبكاء من الفرح، وبكاءُ رياءٍ. ثم قال يعقوب: الحمد لله الذي أقرّ عيني بعد الهموم والأحزان، ودخل مصر في ٱثنين وثمانين من أهل بيته؛ فلم يخرجوا من مصر حتى بلغوا ستمائة ألف ونيف ألف؛ وقطعوا البحر مع موسى عليه السلام؛ رواه عِكْرِمة عن ٱبن عباس. وحكى ٱبن مسعود أنهم دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون إنساناً ما بين رجل وٱمرأة، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة (ألف) وسبعون ألفاً. وقال الربيع بن خَيْثَم: دخلوها وهم ٱثنان وسبعون ألفاً، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف. وقال وهب: (بن منبه) دخل يعقوب وولده مصر وهم تسعون إنساناً ما بين رجل وٱمرأة وصغير، وخرجوا منها مع موسى فِراراً من فرعون، وهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلاً مقاتلين، سوى الذرية والهَرْمى والزَّمْنى؛ وكانت الذرّية ألف ألف ومائتي ألف سوى المقاتلة. وقال أهل التواريخ: أقام يعقوب بمصر أربعاً وعشرين سنة في أغبط حال ونعمة، ومات بمصر، وأوصى إلى ٱبنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحق بالشام ففعل، ثم ٱنصرف إلى مصر. قال سعيد بن جُبير: نقل يعقوب صلى الله عليه وسلم في تابوت من ساج إلى بيت المقدس، ووافق ذلك يوم مات عِيصو، فدفنا في قبر واحد؛ فمن ثَمَّ تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس، مَنْ فَعَل ذلك منهم؛ ووُلد يعقوب وعِيصُو في بطن واحد، ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعاً مائة وسبعاً وأربعين سنة.

رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ ۝١٠١

قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} قال قَتَادة: لم يتمنّ الموت أحدٌ؛ نبيّ ولا غيره إلاَّ يوسف عليه السلام؛ حين تكاملت عليه النِّعم وجمع له الشمل ٱشتاق إلى لقاء ربه عزّ وجلّ. وقيل: إن يوسف لم يتمنّ الموت، وإنما تمنّى الوفاة على الإسلام؛ أي إذا جاء أَجَلِي تَوَفَّنِي مسلماً؛ وهذا قول الجمهور. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَريّ: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفرّ من أقدار الله تعالى عليه، أو مشتاقٌ محبٌّ للقاء الله عزّ وجلّ. وثبت في الصحيح عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يتمنّين أحدُكم الموت لضُرٍّ نزل به فإن كان لا بدّ متمنياً فليقل ٱللهم أَحْيني ما كانت الحياة خيراً لي وتَوفَّني إذا كانت الوفاة خيراً ليرواه مسلم. وفيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا يتمنّى أحدُكم الموت ولا يَدْعُ به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم ٱنقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمِنَ عُمُره إلا خيراً». وإذا ثبت هذا فكيف يقال: إن يوسف عليه السلام تمنى الموت والخروج من الدنيا وقطع العمل؟ هذا بعيدٰ إلا أن يقال: إن ذلك كان جائزاً في شرعه؛ أَمَا أنه يجوز تمنّي الموت والدعاء به عند ظهور الفتن وغلبتها، وخوف ذهاب الدين، على ما بيّناه في كتاب «التذكرة» و«مِنَ» من قوله: «مِنَ الْمُلْكِ» للتبعيض، وكذلك قوله: «وَعَلَّمَتْنِي مِنْ تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ» لأن مُلْك مصر ما كان كل الْمُلك، وعلم التّعبير ما كان كلّ العلوم. وقيل: «مِنَ» للجنس كقوله: { فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ }[الحج: 30]. وقيل: للتأكيد. أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث.

قوله تعالى: {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} نصب على النعت للنداء، وهو ربّ، وهو نداء مضاف؛ والتقدير: يا رب ويجوز أن يكون نداء ثانياً. والفاطر الخالق؛ فهو سبحانه فاطر الموجودات، أي خالقها ومبدئها ومنشئها ومخترعها على الإطلاق من غير شيء، ولا مثال سبق؛ وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة» مستوفى؛ عند قوله: «بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَٱلأَرْضِ» وزدناه بياناً في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. {أَنتَ وَلِيِّي} أي ناصري ومتولّي أموري في الدنيا والآخرة. {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} يريد آباءه الثلاثة؛ إبراهيم وإسحق ويعقوب، فتوفاه الله ـ طاهراً طيباً صلى الله عليه وسلم ـ بمصر، ودُفن في النيل في صندوق من رخام؛ وذلك أنه لما مات تَشاحَّ الناس عليه؛ كلٌّ يحب أن يدفن في مَحَلَّتهم، لما يرجون من بركته؛ وٱجتمعوا على ذلك حتى همُّوا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النِّيل من حيث مَفرِق الماء بمصر، فيمرّ عليه الماء، ثم يتفرّق في جميع مصر، فيكونوا فيه شَرَعاً ففعلوا؛ فلما خرج موسى ببني إسرائيل أخرجه من النيل: ونقل تابوته بعد أربعمائة سنة إلى بيت المقدس، فدفنوه مع آبائه لدعوته: «وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» وكان عمره مائة عام وسبعة أعوام. وعن الحسن قال: أُلقي يوسف في الجبّ وهو ٱبن سبع عشرة سنة، وكان في العبودية والسّجن والملك ثمانين سنة، ثم جُمع له شمله فعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة؛ وكان له من الولد إفراثيم، ومنشا، ورحمة، زوجة أيوب؛ في قول ٱبن لَهِيعة. قال الزّهريّ: وولد لإفراثيم ـ بن يوسف ـ نون بن إفراثيم، وولد لنون يوشع؛ فهو يوشع بن نون، وهو فتى موسى الذي كان معه صاحب أمره، ونبأه الله في زمن موسى عليه السلام؛ فكان بعده نبياً، وهو الذي ٱفتتح أرِيحا، وقَتل من كان بها من الجبابرة، وٱستوقفت له الشمس حسب ما تقدّم في «المائدة». وولد لمنشا بن يوسف موسى بن منشا، قبل موسى بن عمران. وأهل التوراة يزعمون أنه هو الذي طلب العالم ليتعلم منه حتى أدركه، والعالم هو الذي خرق السفينةِ، وقتل الغُلامَ، وبنَى الجدارَ، وموسى بن منشا معه حتى بلغ معه حيث بلغ؛ وكان ٱبن عباس ينكر ذلك؛ والحق الذي قاله ابن عباس؛ وكذلك في القرآن. ثم كان بين يوسف وموسى أمم وقرون، وكان فيما بينهما شعيب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ۝١٠٢ وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ۝١٠٣ وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٤

قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} ٱبتداء وخبر. {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} خبر ثان. قال الزجاج: ويجوز أن يكون «ذَلِكَ» بمعنى الذي، «نُوحِيهِ إِلَيْكَ» خبره؛ أي الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك؛ يعني هو الذي قصصنا عليك يا محمد من أمر يوسف من أخبار الغيب «نُوحِيهِ إِلَيْكَ» أي نعلمك بوحي هذا إليك. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي مع إخوة يوسف {إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} في إلقاء يوسف في الجبّ. {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} أي بيوسف في إلقائه في الجبّ. وقيل: «يَمْكُرُونَ» بيعقوب حين جاؤوه بالقميص مُلطَّخاً بالدم؛ أي ما شاهدت تلك الأحوال، ولكن الله أطلعك عليها.

قوله تعالى: {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} ظنّ أن العرب لما سألته عن هذه القصة وأخبرهم يؤمنون، فلم يؤمنوا؛ فنزلت الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي ليس تقدر على هداية من أردت هدايته؛ تقول: حَرَص يَحرِص، مثل: ضَرَب يَضرِب. وفي لغة ضعيفة حَرِص يَحرَص مثل حَمِدَ يَحمَد. والحِرْص طلب الشيء باختيار.

قوله تعالى: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} «مِنْ» صلة؛ أي ما تسألهم جُعْلاً. {إِنْ هُوَ} أي ما هو؛ يعني القرآن والوحي. {إِلاَّ ذِكْرٌ} أي عظة وتذكرة {لِّلْعَالَمِينَ}.

وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ۝١٠٥ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ۝١٠٦ أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَٰشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝١٠٧ قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١٠٨

قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال الخليل وسيبويه: هي «أيّ» دخل عليها كاف التشبيه وبُنيت معها، فصار في الكلام معنى كَمْ، وقد مضى في «آل عمران» القول فيها مستوفى. ومضى القول في آية «السَّمَوَاتِ والأرْضِ» في «البقرة». وقيل: الآيات آثار عقوبات الأمم السالفة؛ أي هم غافلون معرضون عن تأملها. وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد «وَالأَرْضُ» رفعاً ٱبتداء، وخبره. {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا}. وقرأ السّدي «وَالأَرْضَ» نصباً بإضمار فعل، والوقف على هاتين القراءتين على «السموات». وقرأ ٱبن مسعود: «يمشون عليها».

قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} نزلت في قوم أقرّوا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها، وهم يعبدون الأوثان؛ قاله الحسن ومجاهد وعامر والشَّعبي وأكثر المفسرين. وقال عِكرمة هو قوله:

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }[الزخرف: 87] ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أنداداً؛ وعن الحسن أيضاً: أنهم أهل كتاب معهم شِرْكٌ وإيمان، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا يصح إيمانهم؛ حكاه ابن الأنباري. وقال ابن عباس: نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وعنه أيضاً أنهم النصارى. وعنه أيضاً أنهم المشبّهة، آمنوا مجملاً وأشركوا مُفَصَّلاً. وقيل: نزلت في المنافقين؛ المعنى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ} أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه؛ ذكره الماورديّ عن الحسن أيضاً. وقال عطاء: هذا في الدعاء؛ وذلك أن الكفار يَنْسَون ربهم في الرّخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء؛ بيانه: { وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ }[يونس: 22] الآية. وقوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ} الآية. وفي آية أخرى: «وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ». وقيل: معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهَلَكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا، ولولا الكلب لدخل علينا اللّص، ونحو هذا؛ فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب.

قلت: وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوامّ المسلمين؛ ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. وقيل: نزلت هذه الآية في قصة الدُّخَان؛ وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدُّخَان في سنيّ القَحْط قالوا:

{ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ }[الدخان: 12] فذلك إيمانهم، وشركهُم عودُهم إلى الكفر بعد كشف العذاب؛ بيانه قوله: { إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ }[الدخان: 15] والعود لا يكون إلا بعد ٱبتداء؛ فيكون معنى: «إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ» أي إلا وهم عائدون (إلى الشرك)، والله أعلم.

قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: مُجلّلة. وقال مجاهد: عذاب يغشاهم؛ نظيره.

{ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ }[العنكبوت: 55]. وقال قَتَادة: وقِيعة تقع لهم. وقال الضحّاك: يعني الصَّواعِق والقَوَارِع. {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} يعني القيامة. {بَغْتَةً} نصب على الحال؛ وأصله المصدر. وقال المبرد: جاء عن العرب حال بعد نكرة؛ وهو قولهم: وقع أمر بغتة وفجأة؛ قال النحاس: ومعنى: «بَغْتَةً» إصابة من حيث لم يتوقّع. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} وهو توكيد. وقوله: «بَغْتَةً» قال ابن عباس: تَصيح الصيحة بالناس وهم في أسواقهم ومواضعهم، كما قال: { تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ }[يۤس: 49] على ما يأتي.

قوله تعالى: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} ٱبتداء وخبر؛ أي قل يا محمد هذه طريقي وسُنَّتي ومِنْهَاجِي؛ قاله ابن زيد. وقال الرّبيع: دعوتي. مقاتل: ديني، والمعنى واحد؛ أي الذي أنا عليه وأدعو إليه يؤدّي إلى الجنة. {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} أي على يقين وحقّ؛ ومنه: فلان مستبصر بهذا. {أَنَاْ} توكيد. {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} عطف على المضمر. {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي قل يا محمد: «وَسُبْحَانَ اللَّهِ». {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} الذين يتخذون من دون الله أنداداً.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٠٩ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝١١٠

قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} هذا ردّ على القائلين:

{ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ }[الأنعام: 8] أي أرسلنا رجالاً ليس فيهم ٱمرأة ولا جِنِّيٌّ ولا مَلَك؛ وهذا يردّ ما يُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن في النِّساء أربع نبيَّات حَوّاء وآسية وأمّ موسى ومريم». وقد تقدّم في «آل عمران» شيء من هذا. «مِنْ أَهْلِ الْقُرَى» يريد المدائن؛ ولم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو؛ ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم. قال الحسن: لم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية قطّ، ولا من النِّساء، ولا من الجنّ. وقال قتادة: «مِنْ أَهْلِ الْقُرَى» أي من أهل الأمصار؛ لأنهم أعلم وأحلم. وقال العلماء: مِن شرط الرسول أن يكون رجلاً آدميّا مدنِياً؛ وإنما قالوا آدميّا تحرّزاً؛ من قوله: { يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ }[الجن: 6] والله أعلم.

قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} إلى مصارع الأمم المكذِّبة لأنبيائهم فيعتبروا. {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} ٱبتداء وخبره. وزعم الفرّاء أن الدار هي الآخرة؛ وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ، كيوم الخميس، وبارحة الأولى؛ قال الشاعر:

ولو أَقْوَتْ عليكَ دِيارُ عَبْسٍعَرَفْتَ الذُّلَّ عِرْفَانَ اليَقينِ

أي عِرْفَاناً يقيناً؛ وٱحتجّ الكسائيّ بقولهم: صلاة الأولى؛ واحتجّ الأخفش بمسجد الجامع. قال النحاس: إضافة الشيء إلى نفسه محال؛ لأنه إنما يضاف الشيء إلى غيره ليتعرّف به؛ والأجود الصلاة الأولى، ومن قال صلاة الأولى فمعناه: عند صلاة الفريضة الأولى؛ وإنما سمّيت الأولى لأنها أوّل ما صُلّي حين فُرضت الصّلاة، وأوّل ما أظهر؛ فلذلك قيل لها أيضاً الظهر. والتقدير: ولدار الحال الآخرة خير، وهذا قول البصريين؛ والمراد بهذه الدار الجنة؛ أي هي خير للمتقين. وقرىء: «وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ». وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر.

قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ} تقدّم القراءة فيه ومعناه. {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم. وهذا الباب عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف عليه لئلا يزِلّ الإنسان فيكون في سواء الجحيم. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالاً ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب. «حَتَّى إِذَا ٱسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» أي يئسوا من إيمان قومهم. «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» بالتشديد؛ أي أيقنوا أن قومهم كَذَّبوهم. وقيل المعنى: حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كَذَّبوهم، لا أَنَّ الْقَوْمَ كَذَّبوا، ولكن الأنبياء ظنّوا وحسِبوا أنهم يُكَذِّبونهم؛ أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شكّ؛ فيكون «وَظَنُّوا» على بابه في هذا التأويل. وقرأ ابن عباس وٱبن مسعود وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ وأبو جعفر بن القَعْقَاع والحسن وقَتَادة وأبو رَجَاء العُطَارِديّ وعاصم وحمزة والكسائيّ ويحيـى بن وَثَّاب والأعمش وخَلَف «كُذِبُوا» بالتخفيف؛ أي ظنّ القوم أن الرسل كَذَبوهم فيما أخبروا به من العذاب، ولم يَصدقُوا. وقيل: المعنى ظنّ الأمم أن الرسل قد كَذَبوا فيما وعدوا به من نصرهم. وفي رواية عن ابن عباس؛ ظنّ الرسلُ أن الله أخلف ما وعدهم. وقيل: لم تصح هذه الرواية؛ لأنه لا يَظنّ بالرسل هذا الظنّ، ومن ظنّ هذا الظنّ لا يستحقّ النّصر؛ فكيف قال: {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا}؟ٰ قال القُشَيريّ أبو نصر: ولا يبعد إن صحّت الرواية أن المراد خطر بقلوب الرسل هذا من غير أن يتحققوه في نفوسهم؛ وفي الخبر:

إن الله تعالى تجاوز لأمّتي عما حدّثت به أنفسها ما لم ينطق به لسانٌ أو تَعمل به. ويجوز أن يقال: قربوا من ذلك الظنّ؛ كقولك: بلغت المنزل، أي قربت منه. وذكر الثعلبيّ والنحاس عن ابن عباس قال: كانوا بشراً فضَعُفوا من طول البلاء، ونسوا وظنُّوا أَنَّهُمْ أخلِفوا؛ ثم تلا: { حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ }[البقرة: 214]. وقال الترمذيّ الحكيم: وجهه عندنا أن الرسل كانت تخاف بعدما وعد الله النصر، لا من تهمة لوعد الله، ولكن لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حَدَثاً يَنْقُض ذلك الشرط والعهد الذي عهد إليهم؛ فكانت إذا طالت (عليهم) المدّة دخلهم الإياس والظنون من هذا الوجه. وقال المهدويّ عن ابن عباس: ظنّت الرُّسل أنهم قد أُخلِفُوا على ما يلحق البشر؛ واستشهد بقول إبراهيم عليه السلام: { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ }[البقرة: 260] الآية. والقراءة الأولى أولى. وقرأ مجاهد وحميد ـ «قَدْ كَذَبوا» بفتح الكاف والذال مُخَفّفاً، على معنى: وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبوا، لما رأوا من تفضّل الله عزّ وجلّ في تأخير العذاب. ويجوز أن يكون المعنى: و(لما) أيقن الرسل أن قومهم قد كَذَبوا على الله بكفرهم جاء الرسلَ نصرُنا. وفي البخاريّ عن عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله عزّ وجلّ: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ} قال قلت: أكُذِبُوا أم كُذِّبوا؟ قالت عائشة: كُذِّبوا. قلت: فقد ٱستيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أَجَل لعمري! لقد ٱستيقنوا بذلك؛ فقلت لها: «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا» قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظنّ ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل (الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء، وٱستأخر عنهم النصر حتى إذا ٱستيأس الرسل) ممن كذّبهم من قومهم، وظنّت الرسل أن أتباعهم (قد) كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك. وقي قوله تعالى: {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} قولان: أحدهما: جاء الرسلَ نصُر الله؛ قاله مجاهد. الثاني: جاء قومهم عذاب الله؛ قاله ابن عباس. {فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ} قيل: الأنبياء ومن آمن معهم. وروي عن عاصم «فَنجِّيَ مَنْ نَشَاءُ» بنون واحدة مفتوحة الياء، و«مَنْ» في موضع رفع، ٱسم ما لم يسم فاعله؛ وٱختار أبو عبيد هذه القراءة لأنها في مصحف عثمان، وسائر مصاحف البلدان بنون واحدة. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن «فَنَجَا» فعل ماض، و«مَنْ» في موضع رفع لأنه الفاعل، وعلى قراءة الباقين نصباً على المفعول. {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا} أي عذابنا. {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي الكافرين المشركين.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ